تمهيد
سنة 1925 احتلّت إيران دولة عربية كانت قائمة على ساحل الخليج العربي، ولم تزل تحت احتلالها إلى اليوم.
في قضية الأهواز العربية التي يحاول عربها التحرّر من سلطة إيران، يعتقد الكثيرون أنّها جزء من العراق احتلّته إيران، ويعتقد آخرون أنّها مجرّد أرض سكنها العرب داخل بلاد فارس. لكنّ الواقع أنّها دولة عربية عاشت 235 سنة مستقلّة لا تخضع لأحد، وقبل تأسيس دولة العراق.
كما أنّها ليست أرضاً فارسيّة بالأساس، استوطنها العرب. بل هي دولة عربية كان اسمها ”إمارة بني كعب“، إحدى الإمارات العربيّة التي عاشت طويلاً على الساحل الشرقي للخليج العربي. وكانت قبلها عربية طيلة ألفيّات من هذا الزمن.
إمارة بني كعب كانت دولة عربيّة بنظام ملكيّ، نشأت في بلاد إيلام التي تسمّى كذلك بالأحواز نسبة إلى مدينة الأحواز. يسميها الفرس بالتسمية العثمانية القديمة عربستان. بينما يسمّيها العرب خطأ “عيلام”، ولا وجود تاريخي منقوش لهذه التسمية. والمنطقة مقسومة اليوم بين محافظتين إيرانيتين هما “إيلام” و”خوزستان”.

في اسم الأهواز
اسمها القديم منذ العهد الأكّدي هو “إ.لَم” والنسبة منه ”إلَمو“ (إ.لَمو للذكر، إ.لَمِتو للأنثى)، ومصدر التسمية الأكّدية هو اسم مدينة سوسة القديم ”لَمْ“ التي تعني بالعربية من الإيلامية ”بلد“. استعمل الأكّديّون اسم المدينة ”لَم“ وأضافوا له أداة التعريف ء فصار ”إلَم“ التي نقرأها اليوم ”إيلام“. أمّا اسمها المحلّي فكان “هَلْتَمْتي” 𒁹𒄬𒆷𒁶𒋾، وسمّاها السومريّون “نِمَّه” 𒉏𒈠𒆠.
يبدو أنّ لفظة الأحواز هو تحوير الاسم الأصلي أهواز، على حوحأة هذيل وفحفحة بعض بطون طيء والأزد وتميم. أولاء يقولون “مُحَلَّب” بدلاً من “مُهَلَّب” أو “أشحَد” بدلاً من “أشهَد” أو “حَذا” بدلاً من “هَذا”… وورثت اللغة العثمانية عنهم هذا الإبدال. ومع يقيني بعروبة الأهواز، فلسطيننا الثانية، وتضامني مع حقوق أهلها العرب وحقّهم بالاستقلال والتحرّر من الاحتلال الإيراني… اسمها الفصيح أهواز، وليس أحواز.
أوّل من أطلق الدعاية بأنّ اسم {الأهواز} هو في الأصل {الأحواز} وأنّ الفرس حرّفوها كان الإمام عبد الحميد بن باديس، رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين، في ثلاثينيات القرن العشرين. ومع احترامي لمذهبه العروبي ونيّته الطيّبة، غير أنّ الدعاية التي أطلقها تشويه للتاريخ ولا تستند على وقائع علمية حقيقية. ولم تزل تدفع إلى خلافات بين العرب إلى اليوم. إيران بدّلت اسم الأهواز إلى خوزستان وليس أحواز.
اسم المنطقة بلغتها الإيلامية الأصلية كان هُژاء 𒄴𒍣𒀀 قبل حوالي ٤٥٠٠ سنة.
- رمز 𒄴 يُنطق عادةً «هُـ» أو «هِـ».
- رمز 𒍣 يُنطق «ز» أو «ج» أو «ژ».
- رمز 𒀀 يُقرأ «أ» أو «آ».
نفس التسمية وردت بالإيلامية بتحوّلات عبر الزمن منها هوجا و هوژه. ثمّ في القرن السابع قبل الميلاد صارت التسمية {هُرُزيّاء} أو {هُوزيّاء} 𒄷𒊒𒍣𒄿𒀀، وكانت البلد تحت حكم الإمبراطورية الأشورية من نينوى.
- رمز 𒄷 يُنطق غالباً «هُـ».
- رمز 𒊒 يُنطق «رُ».
- رمز 𒍣 يُنطق «ز» أو «زُ».
- رمز 𒄿 يُنطق «ي» أو «إي».
- رمز 𒀀 يُقرأ «أ» أو «آ».
في العصر الإخميني (550-330 ق.م) صارت التسمية {أوبر} (أوبا) و {أوفا} و {هوفاء} و {هويه} 𐎢𐎺𐎩.
- رمز 𐎢 يُنطق بالإيلامية «أو» أو «أُ»، وبالآرية الأخمينية يُنطق «أو» أو «أُ».
- رمز 𐎺 يُنطق بالإيلامية «بَ» أو «بِ»، وبالآرية الأخمينية يُنطق «فَ» أو «فِ».
- رمز 𐎩 يُنطق بالإيلامية «ر» أو «رت»، وبالآرية الأخمينية يُنطق «أ» أو «آ».
هيرودوت من نفس الحِقْبَة أشار إلى المنطقة وسكّانها باسم {أوكسيوي} أو {أوجيوي} Οὔξιοι. وهو اسم يوناني لقبيلة عاشت في المناطق الجبلية القريبة من إيلام.
- تركيبة Οὔ تُنطق «أَو» مثل about.
- الحرف ξ يُنطق «كس» x أو «ج» (ژ).
- تركيبة ιοι تُنطق «يوي» ioi.
في القرن الأول قبل الميلاد منحها الإغريق الاسم السياسي {سوسيانه} Σουσιανή نسبة إلى عاصمتها مدينة {سوسه} Σοῦσα، ولفظها أهل المنطقة «سوسياني». لكنّ الجغرافي سترابو (اسطرابون) من القرن الأول قبل الميلاد سمّاها «بلاد الإيلوماي» Ἐλυμαΐς (إيلوماييس).
في الپارثية الأشكانية والساسانية صار اسم المنطقة بالپهلوية {خوزإستان} 𐭧𐭥𐭰𐭮𐭲𐭭𐭩. تحوير أشكاني لكلمة {هُوزيّاء} الأشورية. إذ اعتمد الأشكان نفس الأسامي الأشورية القديمة بتجاهل كامل لتسميات الحقب الأخمينية والهلنستية. لكن، وطالما أنّ الأتراك الأشكان لا يقدرون على لفظ الهاء لفظنها خوز.
ثمّ، في عهد خلافة عمر بن الخطاب في القرن السابع، يُذكر اسم المنطقة بالعربية تارة بصيغة الأهواز وتارة بصيغة خوزستان. بعدها يكرّر كلّ الجغرافيّين العرب ذكر الأهواز: اليعقوبي، البلاذري، الطبري، ابن خرداذبة، ياقوت الحموي.

لغة إيلام
لغة إيلام من اللّغات البائدة التي لا ترتبط ظاهرياً بأيّ من اللّغات الآريّة أو الساميّة، مع استخدامها للأبجديّة السومريّة-الأكّديّة. قواعد لغة إيلام تشبه من بعيد قواعد اللّغة اليابانية المعاصرة، لكن ترتبط مكوّناتها باللّغة الدراڤيديّة إلى درجة تسمية علماء اللّسانيات اللّغة الدراڤيديّة بلغة الإيلامو، والدراڤيديّة هي لغة سكّان الهند الأصليّين ولم تزل تحيا إلى اليوم في جنوب الهند. وينحدر الدراڤيد عرقيّاً وثقافيّاً من سواحل شرق أفريقيا.

الباحثان في علوم اللّغات: الروسي گيورگي ستارستن Гео́ргий Ста́ростин والتشيكي ڤاتسلاڤ بلاچك Václav Blažek يقترحان انتساب لغة إيلام إلى اللّغة السومريّة التي تنتسب بدورها إلى لغات شرق قارة أفريقيا، ولم يأخذ ببحوثهما أيّ من البحّاثة الغربيّون.
استمرّ وجود لغة إيلام واستخدامها قرابة ثلاث ألفيات، منذ 2800 ق.م وحتّى العهد الهلنستي، وكانت إحدى اللّغات الرسميّة التي تعترف بها الامبراطوريّة الأخمينيّة. ثمّ تضاءل استخدامها في عهد ملوك الطوائف الإغريق خلال العهد الهلنستي وتوقّفت كتابتها لمصلحة الآراميّة، إلى أن منعتها أخيراً الدولة الساسانيّة في القرن الثالث بسبب مآخذ دينيّة وبُغية القضاء على الديانة الإيلامية.

حكّام إيلام
في عهد مملكة السلوقيّين صار حكم منطقة إيلام إلى العرب الأزديّين. وتشارك العرب سكن المنطقة إلى جوار القبائل التركية واللّورية مع سكّان المدن الإيلاميّة، وكان من القبائل العربية في المنطقة قبل الإسلام آل كثير وبني مرّة وبني العمر.
بعد الفتح الإسلامي للامبراطورية الساسانيّة، وخاصّة في العهد العبّاسي-السلجوقي ومنذ القرن العاشر، كثرت هجرة القبائل العربية من غرب العراق إلى مناطق الأهواز فعادت عربية خالصة.
منذ بداية القرن السادس عشر، وتحديداً منذ 1508، وقعت الأحواز تحت حكم الأسرة الصفويّة. وبالرغم من فرض الصفويّين للمذهب الإثناعشري في عموم الإمبراطورية إلا أنّهم تساهلوا مع القبائل العربيّة على الساحل الشرقي للخليج العربي، ومنه الأحواز، فبقوا على مذاهبهم.
لكن قبل تمدّد الأسرة الصفويّة على عموم إيران بدأ الشيخ محمد بن فلاح سنة 1436 بنشر مذهب شيعي بين القبائل العربيّة في الأحواز قائلاً بخروج المهدي من اليمن، وأسّس دولة المشعشعيّة العربيّة ومركزها مدينة الحويزة. واتّسعت الدولة حتى شملت شمال الخليج كاملاً واقتربت حدودها من بغداد.
اصطدمت المشعشعيّة بالصفويّين سنة 1508، فنادى ابن فلاح بوجوب القضاء على الأسرة الصفويّة واستبدالها لحكم عموم الإمبراطورية، تمهيداً لظهور المهدي. لم يتغلّب ابن فلاح على الصفويّين وتضاءلت مساحة دولته مع الزمن لمصلحة الأوشار (الأڤشار)، حتّى اقتصرت أخيراً على مدينة الحويزة فقط، إلى أن قضت عليها إمارة بنو كعب سنة 1724 وتحوّلت إلى ولاية كعبيّة انتهت بدورها سنة 1882.

نشوء إمارة بني كعب
منتصف القرن 17 انتصب الشيخ ناصر بن محمّد أميراً على مدينة سوق الأحواز (الأهواز) باسم المشعشعية. لاحقاً أسّس بنو كعب من بني ناصر مدينة القبّان. ومن القبّان استقلّ بنو كعب سنة 1690 بإمارة عربيّة وبزعامة الشيخ سلمان البوناصر.
سنة 1730 ومستغلّاً الفوضى السياسيّة في الدولة الصفويّة، أنهى سلمان البوناصر حكم الأوشار لمنطقة الأحواز وأخذ العاصمة الدورق وغيّر اسمها إلى الفلّاحيّة وبهذا تأسّست الإمارة الكعبيّة التي حكمت معظم أراضي الأحواز ونالت اعترافاً دولياً.
سنة 1812 أسّس الكعبيّون مدينة المحمّرة وميناءها بغاية تطوير الإمارة وفتحها على التجارة الدولية، لاحقاً نقل الشيخ جابر الكعبي عاصمة الإمارة إلى مدينة المحمّرة سنة 1832 وفرض قانوناً موحّداً في كامل البلد.
سنة 1890 نزلت الإمارة الكعبيّة تحت الوصاية البريطانيّة التي غيّرت اسمها إلى مشيخة المحمّرة.
سنة 1897 وأثناء مساعي تحديث الدولة، غيّر الشيخ خزعل الكعبيّ اسم المشيخة إلى الناصريّة.

في أثناء الحرب العالميّة الأولى نادت الناصريّة بالقوميّة العربيّة وبالثورة على العثمانيّة تحالفاً مع بريطانيا، أملاً بالتوسّع في ولاية البصرة وحكم العراق، فصارت منبراً عروبياً لعرب الخليج، ودعمت وموّلت الكثير من الأنشطة السياسيّة العروبيّة في المنطقة، كما أنّها استضافت قِوَى المعارضة البغدادية للحكم العثماني، كالحركة القحطانيّة.
الاحتلال الإيراني
سنة 1925 وأثناء مراحل تأسيس الدولة البهلويّة وبتآمر مع القوّات البريطانيّة؛ اعتقلت الدبلوماسيّة الإيرانيّة الشيخ خزعل الكعبيّ مع أبنائه على يختهم الخاص واختطفتهم، ثمّ أسرتهم في طهران، ثمّ أعدمتهم سنة 1936، في حين نشرت قوّاتها في الأحواز وضمّت الناصريّة بشكل نهائيّ إلى إيران.
عقب اعتقال الشيخ خزعل انتفض شعب الإمارة مقاوماً سنة 1925 وقُمع الجيش الإيراني ثورته بعنف، ثمّ تكرّرت الثورات سنة 1928 ثم 1940. ثمّ سنة 1936 غيّرت الحكومة الإيرانية اسم الإمارة إلى محافظة خوزستان. تكرّرت ثورات عربية جديدة في الأحواز في 1943 و 1945 وقمعت بطريقة دموية.
الجدير بالذكر أنّ بريطانيا قدّمت الناصريّة مع نفطها الغزير للحكومة البهلوية مقابل توقّف الأخيرة عن التقارب مع الاتحاد السوڤييتي ولمنع الشيوعية في إيران. ومن المهم أن نذكر أنّ العديد من العرب استعملوا مصطلح ”ناصريّ“ بمعنى قوميّ عروبيّ، نسبة إلى هذه الإمارة الناصريّة؛ وقبل عقود من ولادة المصري جمال عبد الناصر.

تمتد الأحداث التاريخية في منطقة الأهواز لتكشف عن تراث عريق وحضارة متجذّرة. وتستمر المقاومة العروبية في الأهواز منذ احتلالها سنة 1925 بأشكال متنوعة، فقد شهدت المنطقة انتفاضات متكرّرة في السنوات 1963 و1979 و1985 و2005 و2011 و2018. في المنطقة تنتشر حركات تحرّر عروبية متعدّدة تطالب باستقلال الأهواز، منها حركة التحرير الوطني الأهوازي، وجبهة تحرير الأهواز، والجبهة العروبية لتحرير الأهواز.
تبرز أهمية الأهواز الاقتصادية في احتوائها على احتياطات نفطية ضخمة تشكل 80% من ثروة إيران النفطية. ومن ثروات المنطقة الطبيعية تتدفّق مياه نهري كارون والكرخة، ما يجعلها سلّة غذاء رئيسية. وعلى أراضيها تنمو محاصيل القمح والشعير وقصب السكر والتمور.
يتميّز سكان الأهواز العرب بتراثهم الأصيل المرتبط بتراث الخليج العربي. وتنتشر بينهم الأهازيج والقصائد الشعبية والفنون التراثية كالعرضة والسامري. ويلبس رجالهم الدشداشة والعقال، وتلبس نساؤهم العباءة السوداء المطرزة. ويطبخون أكلات عربية تقليدية مثل المرق والمجبوس والهريس واللقيمات.
تتواصل معاناة عرب الأهواز مع سياسات التهميش والتمييز العنصري. ففي مدارسهم يُمنع تدريس اللّغة العربية. وتفرض الحكومة الإيرانية في مناطقهم سياسة التغيير الديموغرافي عبر توطين الفرس. ويُحرمون من حقوقهم الأساسية، فلا يسمح لهم بتسمية أبنائهم بأسماء عربية. وفي وظائف الدولة يعانون من التمييز في التوظيف والترقية.
تستمرّ قضية الأهواز العربية في الظلّ بسبب تجاهل وسائل الإعلام العالمية لها. وعلى المستوى الدولي تغيب القضية عن طاولات المفاوضات السياسية. لكن من منظور حقوق الإنسان تشكل معاناة شعب الأهواز نموذجاً صارخاً لانتهاك حقوق الأقلّيات الإثنية.
مراجع
- أدور، مصطفى. (٢٠١٨). تاريخ إمارة المحمرة العروبية ١٨٩٧-١٩٢٥. المركز العروبي للبحوث ودراسة السياسات.
- الخاقاني، حميد. (٢٠١٥). عروبة الأهواز عبر التاريخ. دار الرافدين للنشر.
- السامرائي، خليل. (٢٠١٧). دراسات في تاريخ الخليج العروبي الحديث والمعاصر. دار الكتب العلمية.
- العقيلي، محمد. (٢٠١٩). الإمارات العروبية على الساحل الشرقي للخليج العروبي. مركز دراسات الوحدة العروبية.
- Adamec, Ludwig. (2016). Historical Dictionary of Iran. Rowman & Littlefield.
- Carter, Robert. (2019). Sea of Pearls: Seven Thousand Years of the Industry that Shaped the Gulf. Arabian Publishing.
- Potter, Lawrence. (2014). The Persian Gulf in History. Palgrave Macmillan.
- Wilkinson, John. (2015). Arabia’s Frontiers: The Story of Britain’s Boundary Drawing in the Desert. I.B. Tauris.
- ١. احمدی، حمید. (١٣٩٦). جغرافیای تاریخی خوزستان. پژوهشگاه علوم انسانی و مطالعات فرهنگی.
- ٢. کسروی، احمد. (١٣٨٥). تاریخ پانصد ساله خوزستان. امیرکبیر.
- Blažek, Václav. (2019). On the Classification of Elamite. Journal of Language Relationship, 17(1), 23-42.
- Potts, Daniel. (2016). The Archaeology of Elam: Formation and Transformation of an Ancient Iranian State. Cambridge University Press.
- Starostin, George. (2018). Macro-Comparative Linguistics in the 21st Century: State of the Art and Perspectives. Journal of Language Evolution, 3(2), 149-162.
- British Library, India Office Records: Political and Secret Department Records (1875-1925).
- The National Archives, Kew Gardens: Foreign Office Records (FO 371) – Persia (1925-1938).





اترك رداً على مشاريع الدولة العربية، من السلطنة إلى الجمهورية – البخاريإلغاء الرد