تمهيد
تتتبّع هذه المقالة مسار نشأة وتطوّر الحركات القومية العربية منذ بداية القرن العشرين حتى انحسارها في نهاية القرن.
تعمّد الفكر القومي العربي منذ انطلاقه عدم التمييز الواضح بين مفهوم الهُوِيَّة العربية كانتماء حضاري عام، ومفهوم القومية العربية كمشروع سياسي ظهر مع تفكك الدولة العثمانية. إذ بدأت الحركات القومية الأولى عسكرية بطبيعتها داخل الجيش العثماني، سعت لتحقيق مكانة أكبر للعرب داخل الدولة، لكنّها سرعان ما تحوّلت إلى مشروعات استقلال كاملة. وتحرّكت هذه التنظيمات بين التعاون مع القُوَى الأوروپية والمعارضة لها، وأظهرت براگماتية سياسية عميقة.
توضح المقالة تشعّب الحركات القومية إلى تيارات متعدّدة بعد الحرب العالمية الأولى. إذ تفرّعت عن «العربية الفتاة» حركات عدّة في سوريَا والعراق ولبنان، طرحت أفكاراً متباينة حول شكل الدولة العربية وحدودها وعلاقتها بالدين. وبرز حزب البعث بزعامة ميشيل عفلق وصلاح البَيطار في الأربعينيّات، ثمّ صعدت الناصرية المصرية في الخمسينيّات لتشكّل تيّاراً قوميّاً ذا تأثير واسع.
تعاملت القُوَى الدولية، خاصّة الولايات المتّحدة، مع هذه الحركات بطرق معقّدة، استخدمتها في الصراع مع الاتّحاد السوڤييتي، ثمّ تخلّت عنها بعد انتهاء الحرب الباردة. فانحسرت القومية العربية بشكل حاد بعد هزيمة ١٩٦٧، وحلّت محلّها حركات إسلامية وقُطرية. ثمّ أنهت حرب الخليج الثانية ١٩٩١ المشروع القومي بشكله التقليدي، وأظهرت حدود المشروعات السياسية الكبرى في منطقة متنوّعة ومعقّدة.
تقدّم هذه المقالة رؤية متكاملة للظروف الداخلية والخارجية التي شكّلت مسار القومية العربية، وتعرض دروساً مستفادة تساعد في فهم الحاضر واستشراف المستقبل. وهي تمثّل خلاصة جهد بحثي امتدّ لأربع سنوات، شمل مراجعة مئات المصادر الأصلية باللّغات العربية والفرنسية والإنگليزية، ومقابلات مع شهود عيان ومؤرّخين متخصّصين، إضافة إلى زيارات ميدانية للمواقع التاريخية المرتبطة بنشأة الحركات القومية.
واجه البحث تحدّيات جمّة، من بينها صعوبة الوصول إلى وثائق سرّية تعود للحقبة الاستعمارية، وتضارب الروايات حول أدوار الشخصيّات المؤسّسة، وتحيّز كثير من المصادر المتاحة لمصلحة توجّهات أيديولوجية محدّدة. كما استلزم العمل بناء إطار منهجي متكامل يجمع بين التحليل التاريخي والسياسي والاجتماعي، لتقديم تفسير موضوعي لظاهرة معقّدة شكّلت ملامح المنطقة العربية طوال القرن العشرين، وما زالت آثارها ماثلة حتى اليوم.

المحتويات

يختلط على كثيرين الفرق بين مفهومي {الهُوِيَّة العربية} و {القومية العربية}، فيظنّون أنّهما مترادفان أو متلازمان دائماً. في الواقع، تُمثّل {الهُوِيَّة العربية} انتماءً حضاريّاً ولغويّاً وتراثيّاً مشتركاً، تَشكّل عبر قرون طويلة من التفاعل والتطوّر. أمّا {القومية العربية} فتجسّد حركةً سياسية ظهرت في مطلع القرن العشرين، تهدف لتحويل هذا الانتماء المشترك إلى مشروع سياسي.
تعني الهُوِيَّة العربية شعوراً بالانتماء إلى المجموعة البشرية العربية لغوياً وتراثياً، دون أن يفرض هذا الانتماء توجّهاً سياسيّاً محدّداً. فيتحدّث المرء العربية، يتذوّق أدبها، يحتفل بأعيادها، يستمتع بموسيقاها، ويشارك في تراثها، ويبقى عربيّاً حتى لو رفض فكرة الوحدة السياسية العربية.
في المقابل، تظهر القومية العربية بصفة مشروع سياسي يطمح لترجمة هذا الانتماء الهويّاتي إلى كيان سياسي. وكانت نشأت هذه الفكرة مع انحسار الدولة العثمانية وظهور حركات التحرّر الوطني. وسعت حركات القومية العربية لتوحيد المجتمعات العربية الناتجة عن تفكّك الدولة العثمانية في إطار دولة واحدة أو اتّحاد فيدرالي، مستلهمة أنموذجات الدول القومية الأوروپية.
يتبنّى المرء هويّته العربية بالولادة والنشأة، أما انتماؤه للمشروع القومي العربي فيأتي باختيار فكري وسياسي واع. ويفخر كثيرون بهويّتهم العربية، ويعتزّون بلغتهم وتراثهم، دون أن يؤمنوا بضرورة وجود دولة عربية موحّدة، أو وجود دولة خاصّة بالعرب وحدهم دون غيرهم. وعلى هذا فرفض مشروع القومية العربية لا يعني إنكار الهُوِيَّة العربية أو التنكّر لها.
عملت حركات القومية العربية على تحويل الشعور بالانتماء المشترك إلى برامج سياسية محدّدة. ولهذا الغرض تأسّست جمعيّات ونوادٍ وأحزاب نادت بهذا التوجّه، وتباينت في رؤيتها للعلاقة بالدين والتراث والغرب. وتطوّرت هذه الحركات عبر مراحل متتالية، بدءاً من النادي العربي وجمعية العربية الفتاة، مروراً بالمشاريع الملكية العربية، وصولاً إلى حزب البعث والحركات القومية المعاصرة.
تركّز هذه المقالة على قصّة نشأة وتطوّر الحركات السياسية القومية العربية الحديثة، وليس على الهُوِيَّة العربية بمفهومها العام. وتتتبّع جذور هذه الحركات منذ بدايات القرن العشرين، وتستعرض مراحل تطوّرها، وتحلّل أفكارها ومشاريعها ورموزها، وتناقش أسباب نجاحها وإخفاقاتها.
انظر في هذا المخطّط لنشأة القومية العربية لتتبّع مسارات التطور البدني.

بدايات الحركة القومية العربية
بدأت القومية العربية مطلع القرن العشرين بثلاث حركات، أكبرها حركة العربية الفتاة، والحركة القحطانية من العراق التي صارت جميعة العهد، والدعوة الناصرية من إمارة الناصرية التي هي اليوم الأهواز.
- القحطانية والعربية الفتاة كانت حركات عسكرية داخل الجيش العثماني، لا تطلب تغيير أو تفكيك الدولة العثمانية، لكنّها تريد تحقيق تغيير سياسي يحقّق صوت أعلى للقومية العربية داخل بدن الدولة.
- أمّا الناصرية فكانت حركة سياسية ثقافية رادتها الأسرة الأميرية الناصرية. وحركتها كانت الوحيدة التي امتازت بالتفكير وبتمويل المفكّرين العرب، وانتهت أسرع ممّا بدأت حين سلّمت بريطانيا أمراء الناصرية لإيران وأنهت المشروع العروبي الناصري.
النادي العربي في دمشق
تأسّس النادي العربي في دمشق عام ١٩٠٨ على يد {عبد الحميد الزهراوي}، وهو من أعيان مدينة حماة وعضو في مجلس المبعوثان العثماني. وكان {عبد الحميد الزهراوي} شخصية سياسية وفكرية مهمّة في أواخر العهد العثماني. ولد في حماة عام ١٨٥٥ في نهاية الحرب الأهلية الشامية. ثمّ درس في الأزهر وتأثّر بأفكار محمّد عبده والأفغاني. وتميّز الزهراوي بمواقفه المتطوّرة من مؤيّد للإصلاح في إطار الدولة العثمانية إلى مطالب بالحقوق العربية. كان مثقّفاً يجمع بين التعليم الديني الأزهري والفكر السياسي الحديث.
تدرّجت مواقف الزهراوي السياسية كالآتي:
- بداية كان مؤيّداً لفكرة الجامعة الإسلامية وتجديد الدولة العثمانية.
- دعم انقلاب جمعيّة الاتّحاد والترقّي عام ١٩٠٨ وأصبح عضواً في مجلس المبعوثان العثماني.
- تحوّل تدريجيّاً نحو المطالبة بحقوق العرب في الدولة العثمانية وأسّس النادي العربي.
- اصطدم مع سياسات الاتّحاد والترقّي التتريكيّة فانضمّ للمعارضة العربية.
- شارك في المؤتمر العربي الأوّل في پاريس عام ١٩١٣.
تطوّر موقف الزهراوي من الاتّحاد والترقّي عبر مراحل عدّة:
- في ١٩٠٨-١٩٠٩ دعم الانقلاب على السلطان عبد الحميد الثاني وأيّد الاتّحاد والترقي، وانتُخب نائباً في مجلس المبعوثان.
- في ١٩١٠-١٩١١ بدأت تظهر انتقاداته في مجلس المبعوثان لسياسات التتريك وتهميش العرب، بسبب عرقلة تنفيذ المشروع الاتّحادي.
- في ١٩١٢ تحوّل لمعارضة علنية للاتّحاد والترقّي وانضمّ لحزب الحرّية والائتلاف المعارض.
- في ١٩١٣ شارك في المؤتمر العربي في پاريس.
- في ١٩١٤-١٩١٦ انخرط في العمل السرّي المناهض للاتّحاد والترقّي، ممّا أدّى لاعتقاله وإعدامه.
فتحوّل موقفه من التأييد للمعارضة استغرق سنوات عدّة، وكان مرتبطاً بتصاعد سياسات التتريك وتشدّد الاتحاد والترقّي ضدّ المطالب العربية. وانتهت حياته بشكل مأساوي، إذ أعدمه جمال پاشا في دمشق عام ١٩١٦ مع مجموعة من القادة العرب في ما عُرف بيوم الشهداء.
التسلسل الكامل للنادي العربي:
- المرحلة الأولى ١٩٠٨-١٩١٦: أسّسه {عبد الحميد الزهراوي} في سياق النهضة العربية العثمانية.
- المرحلة الثانية ١٩١٩: في شارع پور سعيد الخانقاه اليونسية، وشهد افتتاح المؤتمر السوري بحضور الملك فيصل.
- المرحلة الثالثة ١٩٣٧-١٩٣٩: برئاسة {سعيد فتّاح الإمام}، وكانت مرحلة مثيرة للجدل بسبب:
- علاقته بالحزب القومي العربي السري الذي تأسس في لبنان عام ١٩٣٤
- توجّهه الموالي لألمانيا النازية
- استقباله قادة نازيين مثل {فون شيراخ} و {ڤولتر بك}
- إرسال طلّاب سوريّين للدراسة في ألمانيا
- أوقفت السلطات الفرنسية نشاطه عام ١٩٣٩ مع بداية الحرب العالمية الثانية.
{فون شيراخ} Baldur von Schirach كان قائد شبيبة هتلر Hitlerjugend، وزار النادي العربي في دمشق في كانون الأول ١٩٣٧. أمّا {بيك} Walter Beck فتابع زيارة {فون شيراخ} في حَزِيران ١٩٣٨، وهو الذي اختار سبعين طالباً سوريّاً لمتابعة تعليمهم في ألمانيا على نفقة الحكومة الألمانية.


المعلومات المتوفّرة عن مصادر تمويل النادي العربي محدودة ومتناثرة. لكن يمكن الإشارة إلى أنّ النادي اعتمد على اشتراكات الأعضاء من الأعيان والمثقّفين، وعلى تبرّعات العائلات الدمشقية الثرية، وعلى دعم بعض التجّار العرب وبخاصّة النجديّين، في دمشق. فالنادي شكّل منصّة لقاء للعديد من الشخصيّات التي انضمّت لاحقاً للعربية الفتاة، مثل عبد الرحمن الشهبندر وجميل مردم بك. وأصبح النادي مركزاً للنشاط السياسي والفكري في دمشق، وساعد في تكوين شبكة علاقات متينة بين المثقّفين والسياسيّين العرب. ووصل عدد أعضائه إلى ١٠٨ أعضاء، منهم ٢٦ امرأة.
المرحلة الثانية من حياة النادي العربي تزامنت مع بدايات نشاط {ميشيل عفلق} السياسي، ففي هذه الفترة كان {عفلق} شابّاً مراهقاً، يطوّر أفكاره السياسية في دمشق. عاش {عفلق} في بيئة حيّ الميدان الداعمة للهاشميّين منذ طفولته. وعايش حركة الثورة السورية ١٩٢٥ في منطقته، وكان النادي العربي مركزاً لها. ثمّ في المرحلة الثالثة كان عاد {عفلق} من فرنسا محمّلاً بالفكر الفاشي الإيطالي (فكر ماتسيني – البعث الإيطالي). هذا التأثّر يفسّر لاحقاً توجّهه نحو النادي العربي في مرحلته الثالثة ١٩٣٧ حين كان موالياً للمحور.
جمعية العربية الفتاة
عام ١٩٠٩ اجتمعت في دمشق مجموعة من الضبّاط العرب في الجيش العثماني لتشكيل «جمعية العربية الفتاة العسكرية» برئاسة {عزيز علي المصري}، وعن هذا التنظيم تشكّل بعد عامين مقرّ حركة «العربية الفتاة» في پاريس، في حين وجد متن الحركة ونشاطها الأساسي في دمشق وبيروت.
تأسّست العربية الفتاة في پاريس سنة ١٩١١، ثم افتتحت فروعاً في بيروت عام ١٩١٣، وبعدها في دمشق عام ١٩١٤. وعلى الرغم من تأسيس المقرّ في پاريس، استقطبت الحركة معظم أعضائها من الصحفيّين والطلّاب العرب في دمشق وبيروت، ممّا جعل هاتين المدينتين مركز نشاطها الفعلي وقاعدة عمليّاتها الأساسية. وتطوّر نشاط الحركة في دمشق بشكل خاص، فأصبحت المدينة المحور الرئيس لعملها السياسي والفكري. كما عمل النادي بصفة غطاء علني لنشاطات العربية الفتاة السرية. فبعد تأسيس فرع العربية الفتاة في دمشق عام ١٩١٤، استخدم أعضاؤها النادي مكان للّقاء والتنسيق، مستفيدين من طبيعته بصفة مؤسّسة مرخّصة رسميّاً في العهد العثماني.
جمعت العربية الفتاة نخبة متنوّعة من المثقّفين والعسكريّين ورجال السياسة الذين شكّلوا نواة الفكر القومي العربي الحديث. وتميّز {عوني عبد الهادي}، أحد مؤسّسيها الأوائل في پاريس، بصياغة أول دستور للجمعية ونظامها الداخلي، وكان محامياً شاميّاً فلسطينيّاً أكسب الحركة بعداً قانونياً مهمّاً. ورافق {رفيق التميمي}، الكاتب والمترجم، المسيرة الفكرية للجمعية وأسهم بترجمة كتابات القوميّين الأوروپيّين للعربية، ممّا أغنى المخزون النظري للحركة. كما نشطت {عادلة بيهم} واحدة من أوائل النساء المنخرطات في العمل القومي، وأسّست سرّاً خلايا نسائية تابعة للجمعية في بيروت ودمشق. وتولّى {شكري القوّتلي}، الذي أصبح لاحقاً رئيساً لسوريا، إدارة الشبكة السرّية للجمعية وتنسيق اتّصالاتها مع الضبّاط العرب في الجيش العثماني. وساهم {سليم الجزائري} في تطوير البرنامَج التربوي والتعليمي للجمعية، ودعا إلى إصلاح المناهج وتعريب التعليم. بالإضافة إلى ذلك، تميّز نشاط {إحسان الجابري} بتحويل مناقشات المقاهي والمنتديات الأدبية إلى حلَقات توعية سياسية سرّية في حلب. وخاطر {فخري البارودي} بموقعه الوظيفي لتسريب معلومات حسّاسة عن خطط السلطات العثمانية لقمع النشاط القومي.
هؤلاء الشخصيّات وغيرهم مثّلوا روافد متنوّعة جغرافيّاً وفكريّاً، وأسّسوا لنمط جديد من العمل السياسي يجمع بين السرّية والعلنية، النخبوية والشعبية، التنظير والعمل الميداني.

عَلاقة الحركات القومية العربية بالقوى الأوروپية
برغم تأسيس مقرّ العربية الفتاة في پاريس عام ١٩١١، ودعم فرنسا لنشاطاتها، يصعب تصنيفها حركة فرانكوفونية بالمعنى الدقيق للكلمة. إذ تتجاوز العَلاقة بين العربية الفتاة وفرنسا مجرّد التصنيف الفرانكوفوني البسيط.
مثّلت باريس فضاءً محايداً نسبيّاً للعمل السياسي خارج قبضة السلطات العثمانية، ولكن النشاط الحقيقي للحركة تركّز في المدن العربية مثل دمشق وبيروت وحلب. واستغلّت العربية الفتاة الهامش الديمقراطي الفرنسي وضمانات حرّية التعبير لإصدار منشوراتها والتواصل مع الدوائر الأوروپية. كما تعامل قادتها مع الدعم الفرنسي بحذر، مدركين طبيعة المصالح الاستعمارية الفرنسية في المنطقة.
أظهرت السنوات اللّاحقة تناقضاً جوهرياً بين أهداف الحركة القومية والسياسة الفرنسية التي سعت لتجزئة المنطقة العربية وفق اتّفاقية سايكس-پيكو. واستفادت الدبلوماسية الفرنسية مؤقّتاً من دعم بعض الحركات القومية العربية كورقة ضغط ضدّ العثمانيّين ثمّ البريطانيّين، لكنّها سرعان ما انقلبت عليها حال تعارضها مع مصالحها الاستعمارية. وتحوّل الموقف الفرنسي تجاه العربية الفتاة من الدعم إلى العداء المباشر بعد فرض الانتداب، ممّا أكّد استقلالية الحركة وأصالة توجّهها القومي العربي.

يكشف تاريخ العربية الفتاة نموذجاً للحركات التحرّرية التي استطاعت المناورة بين القُوَى الاستعمارية المتنافسة، محافظة على جوهر أهدافها القومية برغم التقلّبات الدولية. فعلى سبيل المثال، {عزيز علي المصري} كان ضابطاً في الجيش العثماني وتعليمه عسكري عثماني، وعمل على تأسيس تنظيم عسكري في دمشق قبل تأسيس العربية الفتاة في پاريس. كما أنّ {محمد كرد علي} كان متأثّراً بالتعليم العثماني والتراث العربي الإسلامي أكثر من تأثّره بالفكر الفرنسي، وهذا واضح في كتاباته ومؤلفاته. أمّا {جعفر العسكري} و {ياسين الهاشمي} فخلفيّتهما عسكرية عثمانية، وتخرّجا من المدرسة الحربية في إسطنبول. ومن ناحية أخرى، يمكن القول أنّ {جميل مردم بك} كان أقرب للتيار الفرانكوفوني بحكم دراسته في فرنسا وتأثّره بتراثها الفكري والسياسي. وكذلك {عبد الرحمن الشهبندر} الذي درس الطبّ في پاريس وتأثّر بالأفكار السياسية الفرنسية.
في الواقع فرنسا لم تدعم هذه المجموعة من القادة والمفكرين مجموعة واحدة. بل يبدو أنّها اختطفت حركة العربية الفتاة بتأسيس حركة سياسية بنفس الاسم في پاريس، ثمّ القضاء على نشاط المؤسّسين الأوائل بعد أربع سنوات في من انطلاقتهم. {عزيز علي المصري} و {جعفر العسكري} و {ياسين الهاشمي} كانوا وطنيّين وفي صراع مع السياسة الفرنسية. فـ{عزيز علي المصري} عارض النفوذ الفرنسي في سوريَا، و{ياسين الهاشمي} و {جعفر العسكري} انتقلا للعمل في العراق تحت النفوذ البريطاني وليس الفرنسي.
{جميل مردم بك} و {الشهبندر}، برغم خلفيّتهما الفرانكوفونية، دخلا في صدام مع السلطات الفرنسية خلال فترة الانتداب. فـ{الشهبندر} قاد «الثورة السورية الكبرى» ضدّ الفرنسيّين عام ١٩٢٥، ونُفي من سوريا. و{محمد كرد علي}، برغم أنّه لم يدخل في صدام مباشر مع الفرنسيّين، لكنّه حافظ على استقلاليّة موقفه الفكري والسياسي. فالعلاقة بفرنسا كانت معقّدة ومتغيّرة، ولم تكن عَلاقة دعم مستمرّ. هؤلاء القادة والمفكّرين تعاملوا مع السلطات الفرنسية وفق مصالح بلادهم وتوجّهاتهم السياسية، وليس بدافع الولاء الفكري لفرنسا. وعلى ما يبدو أنّ فرنسا قدّمت وعوداً سهّلت قَبُول بعض هؤلاء بالانتداب الفرنسي. ثمّ، وقد حقّقت فرنسا مصالحها تخلّت عنهم وأخلفت وعودها، فانقلبوا عليها.
مشاريع الوحدة العربية بعد الحرب العالمية الأولى
في نهاية حياة السلطنة العثمانية وقد تيقّن الجميع من انهيار النظام العثماني، طُرحت على الطاولة ثلاثة مشاريع عربية لتأسيس ممالك عربية بأنظمة جديدة تخلف النظام العثماني في الشرق الأوسط. هي مشروع السلطنة العربية العلوية تعصمها القاهرة، ومشروع المملكة العربية الهاشمية المتّحدة تعصمها مكّة، ومشروع المملكة العربية الناصرية تعصمها بغداد.
مشروع المملكة العلوية العربية من مصر طمح لتأسيس مملكة عربية على الأراضي العربية من العثمانية ١٩١٨ تعصمها مدينة القاهرة، ومع أنّ الأسرة الملكية كانت مستعربة غير عربية، غير أنّ كلّ القُوَى العالمية آنذاك لم تتردّد بتدمير المشروع واحتلال مصر ذاتها ونفي ملكها، إلى أن انتهت الأسرة العلوية على يد حركة الضبّاط الأحرار ونظامها الاستبدادي الفاشستي. التي استعملت مشروع الأسرة نفسه لتدميرها وسلب مصر والسودان منها.
مشروع المملكة الهاشمية المتّحدة من الحجاز كان مشروع بريطاني بالمطلق يرأسه العقيد لورنس. طمح لتأسيس اتّحاد من خمس ممالك عربية تحكمها أسرة الشريف حسين؛ الحجاز وسوريا والجزيرة والموصل والعراق. لكنّ تدخّل فرنسا والولايات المتّحدة الأميركية لاحقاً دمّر المشروع وأفضى إلى إنتاج المملكة الأردنية الهاشمية والمملكة العراقية الهاشمية … التي أنهاها حزب البعث.

فشلت مشاريع الوحدة العربية بعد الحرب العالمية الأولى لتضافر عوامل خارجية وداخلية متعدّدة. إذ تعرّض مشروع {المملكة العلوية العربية} من مصر لضربة قاصمة حين خلعت بريطانيا الخديوي {عبّاس حلمي الثاني} عام ١٩١٤ بسبب شكوكها بميوله نحو ألمانيا، ممّا حوّل مسار المشروع وقلّص طموحاته. أمّا مشروع {المملكة الهاشمية المتحدّة} فواجه معارضة دولية قوية، إذ وقفت فرنسا والولايات المتّحدة الأميركية ضدّه، ودعمتا تقسيم المنطقة العربية بديلاً عن توحيدها تحت ظلّ الهاشميّين (المحسوبين على بريطانيا). اصطدمت هذه المشاريع أيضاً بالمخطّطات الاستعمارية التي فرضت على الأرض، مثل اتّفاقية سايكس-پيكو التي مزّقت الجغرافيا العربية وقسّمتها بين النفوذين البريطاني والفرنسي.
وقف التنافس الاستعماري البريطاني-الفرنسي عائقاً أمام أي مشروع وحدوي عربي، إذ دعمت كل قوة استعمارية المشروع الذي يضمن مصالحها ثم تخلّت عنه حين تغيّرت حساباتها. أمّا مشروع {المملكة العربية الناصرية} فدُمّر بالكامل حين سلّمت بريطانيا أمراء الناصرية لإيران، التي اعتقلت الشيخ {خزعل الكعبي} وأبناءه عام ١٩٢٥ ثمّ أعدمتهم عام ١٩٣٦، وضمّت الناصرية الأهواز نهائيّاً لإيران. ومثّل هذا النموذج صورة واضحة لكيفية تضحية القُوَى الاستعمارية بالمشاريع العربية وفق مصالحها الجيوسياسية ومعادلات الصراع الدَّوْليّ، فقدّمت بريطانيا الناصرية لإيران مقابل توقّف الأخيرة عن التقارب مع الاتّحاد السوڤييتي ومنع انتشار الشيوعية هناك.
بعد فشل كل هذه المشاريع سابقة الذكر، ولدت الحركات التي اختارتها الولايات المتحدة الأميركية لقيادة المنطقة في حِقْبَة الحرب الباردة. وسنأت على شرحها بالتفصيل لاحقاً في فصل {إرث الحركات القومية العربية}.
تطوّر الحركات القومية العربية بعد الحرب العالمية الأولى
شهدت فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى تحولّاً جذرياً في المشهد السياسي العربي. فمع انهيار الإمبراطورية العثمانية وتقسيم المنطقة العربية بين قُوَى الاستعمار الأوروپية، برزت الحاجة إلى تنظيمات سياسية جديدة تواكب هذا الواقع المستجد. فتفرّعت عن العربية الفتاة حركات وتنظيمات متعدّدة، اختلفت في توجهّاتها وآليّاتها، لكنّها اشتركت في حمل إرث الفكر القومي العربي.
تميّزت هذه المرحلة بتحوّل النشاط القومي من العمل السرّي المحدود إلى العمل السياسي المنظّم والعلني، ومن التوجّه نحو الإصلاح ضمن الإطار العثماني إلى المطالبة بالاستقلال الوطني والقومي. وتشكّلت أحزاب وهيئات اتّخذت طابعاً إقليميّاً بسبب واقع التجزئة، لكنّها حملت أفكاراً قومية عابرة للحدود المصطنعة التي فرضها الاستعمار. ثمّ استفادت هذه الحركات من الخبرات التنظيمية والفكرية التي راكمتها العربية الفتاة، وطوّرتها وفق متطلّبات المرحلة الجديدة من الكفاح الوطني والقومي.
تفرّعت عدّة حركات من ميراث العربية الفتاة عبر شخصيّاتها:
- في سوريَا، أسّس {عبد الرحمن الشهبندر} «الحزب الوطني» سنة ١٩٢٥. كما أسّس {محمد كرد علي} «المجمع العلمي العربي» الذي تحوّل لاحقاً إلى «المجمع العربي بدمشق» عام ١٩١٩. وأسّس {جميل مردم بك} «الكتلة الوطنية» عام ١٩٢٨.
- أمّا في العراق، فأسّس {ياسين الهاشمي} و {جعفر العسكريْ} «حزب العهد العراقي» عام ١٩٢١، الذي تحوّل لاحقاً إلى «الحزب الوطني العراقي».
ظهر الحزب القومي العربي في لبنان عام ١٩٣٤ امتداداً للفكر القومي الذي بلورته العربية الفتاة، مع تطويرات جوهرية تتناسب مع متغيرات ما بعد الحرب العالمية الأولى ونشأة المقاطعات الانتدابية. واتّخذ الحزب من سرّية التنظيم أسلوباً للعمل في ظل القيود التي فرضتها سلطات الانتداب الفرنسي على النشاط السياسي.
تبنّى الحزب رؤية راديكالية لتحقيق الوحدة العربية، وأكّد على ضرورة العمل المباشر والكفاح المسلّح ضدّ الاستعمار. وتميّز برفضه المطلق للتقسيمات الإقليمية، وطرح نموذجاً تنظيمّياً صارماً يستلهم التجارِب الثورية الأوروپية. كما نسج الحزب علاقات بالقُوَى المناهضة للاستعمار الغربي، وخاصّة مع ألمانيا في الثلاثينيّات، أملاً في إضعاف النفوذ الفرنسي والبريطاني في المنطقة.
أسّس الحزب شبكة من الخلايا السرّية امتدّت من لبنان إلى سوريَا والعراق وفلسطين، ونشر أفكاره عبر صحف ومنشورات تؤكّد على وحدة الأمّة العربية بأبعادها التاريخية والثقافية والجغرافية. ومن أبرز الشخصيّات المشتركة بين العربية الفتاة والحزب العربي:
- {محبّ الدين الخطيب} الذي كان عضواً في العربية الفتاة ثم ساهم في تأسيس الحزب القومي العربي.
- {عمر الفاخوري} الذي انضمّ للعربية الفتاة في شبابه وكان لاحقاً من مؤسّسي الحزب القومي.
لكنّ أغلب قيادات الحزب القومي كانوا من جيل لاحق تأثّر بأفكار العربية الفتاة دون الانتماء المباشر لها.
ولادة حزب البعث والقومية العربية الحديثة
يمكن تتبّع الخطّ الفكري والتنظيمي الذي ربط بين مؤسّستي «النادي العربي» و «حزب البعث العربي» عبر الشخصيّات الوسيطة. فـ{زكي الأرسوزي}، الذي أسّس «نادي العروبة» في الإسكندرون سنة ١٩٣٤، تأثّر بأفكار النادي العربي وأعضائه. وعندما انتقل {الأرسوزي} إلى دمشق بعد ١٩٣٩، التقى بـ{عفلق} و {صلاح البَيطار} وتبادلوا الأفكار والرؤى.
يبرز {زكي الأرسوزي} أحد الروّاد المؤثّرين في تطوير الفكر القومي العربي المعاصر. درس الفلسفة في جامعة السوربون منذ عام ١٩٢٧، ما أتاح له الاطلاع على التيّارات الفكرية الأوروپية وتطويعها للواقع العربي. كذلك أسّس {الأرسوزي} «نادي العروبة» في الإسكندرون سنة ١٩٣٤، مشكّلاً نواة فكرية مهمّة للتيّار القومي. وتميّز فكره بجمعه بين الفلسفة والرياضيّات، وبخلفيّته المستقلّة عن التأثير الفرانكوفوني المباشر. أصدر جريدة «العروبة» التي نشر فيها أفكاره القومية، واستمرّت عدّة سنوات. شارك أيضاً في تأسيس «عصبة العمل القومي» عام ١٩٣٣، ومع {وهيب الغانم} دعا لتأسيس «الحزب القومي العربي» في اللاذقية عام ١٩٤٠. ثمّ، بعد انتقاله إلى دمشق بعد عام ١٩٣٩، التقى {الأرسوزي} بـ{عفلق} و {البَيطار}، ممّا أثّر في تشكيل الرؤية الفكرية لحزب البعث لاحقاً.
وأدّت هذه اللّقاءات والنقاشات إلى تأسيس {عفلق} و {البَيطار} لحزب البعث العربي في الأربعينيّات، متأثّرين بتراث الحركات العربية السابقة، ومن ضمنها النادي العربي.

سنة ١٩٤٣ يوم ٥ نيسان أبريل أتيح المجال لـ{ميشيل عفلق} لإلقاء خطاب على مدرّج الجامعة السورية في دمشق للتبشير بفكر البعث ووضع الأسس الفكرية للبعث، وكانت مناسبة جيّدة لعرض فكر البعث ونظرته للإسلام ورسوله. ثم سنة ١٩٤٧ يوم ٧ نيسان أبريل عُقد في دمشق المؤتمر التأسيسي لحزب البعث العربي وانتُخب {ميشيل عفلق} عميداً للحزب. ثمّ، سنة ١٩٤٩ استلم {ميشيل عفلق} منصب وزير التعليم في سوريَا. وسنة ١٩٥٠ اتّهم المدرّس {زكي الأرسوزي} {عفلق} علناً في دمشق بالتواطؤ مع المخابرات الفرنسية وشكّلت ندوات {الأرسوزي} تيّاراً في بطن حزب البعث العربي ينظر لعفلق بصفة أحد “الشوام المدعومين” من قُوَى الاحتلال الفرنسي الراحل عن سوريَا سنة ١٩٤٦. وأثّرت أفكار {الأرسوزي} في تيّار قومي عربي لاحق تميّز بنزعة اشتراكية أكثر تشدّداً، وظلّت آراؤه تشكّل مصدر إلهام لتيّارات البعث المختلفة حتى بعد وفاته عام ١٩٦٨.
شكّل {ميشيل عفلق} و {صلاح البَيطار} ثنائيّاً مؤثّراً في تطوير الحركة القومية العربية وتحويلها إلى مشروع سياسي منظّم. جمعتهما دراستهما في جامعة السوربون، حيث تأثّرا بالأفكار القومية الأوروپية، خاصة تجرِبة {البعث الإيطالي} بقيادة {ماتسيني}. وعاد الثنائي إلى دمشق وعملا بالتدريس في الثانويّات، ثمّ استغلّا هذا الموقع لنشر أفكارهما بين الشباب المتعلّم. أسّسا “جماعة الإحياء العربي” عام ١٩٤١، واستقالا من التدريس عام ١٩٤٢ للتفرّغ للعمل السياسي.
طوّر {عفلق}، برغم كونه مسيحي، فلسفة قومية تمزج بين التراث العربي الإسلامي والأفكار القومية الحديثة، فيمَا ركّز {البَيطار} على الجوانب التنظيمية والسياسية للحركة. وطوّر الثنائي تحالفاً مع {أكرم الحوراني}، أدّى إلى دمج حزبهما مع الحزب الاشتراكي العربي عام ١٩٥٢، مضيفين البعد الاشتراكي إلى القومية العربية. ثمّ دفع الثنائي باتّجاه الوحدة مع مصر الناصرية عام ١٩٥٨، برغم أنّها أدّت إلى تقليص نفوذ حزبهما. تعرّضا للاضطهاد والنفي بعد انقلاب شباط ١٩٦٦ الذي قاده الجناح العسكري المتشدّد في الحزب. فواصل {عفلق} نشاطه الفكري في العراق، فيمَا تحوّل {البَيطار} إلى ناقد للتجربة البعثية ودعا للديمقراطية في منفاه في پاريس، حتى اغتياله عام ١٩٨٠.
ترك الثنائي إرثاً فكرياً وسياسياً عميقاً، حوّل الحركة القومية من مجرّد تيّار فكري إلى قوّة سياسيّة غيّرت وجه المنطقة لعقود.
إرث الحركات القومية العربية

الحرب الباردة وتحكّم أميركي بالقومية العربية
تبدّل المشهد الجيوسياسي جذريّاً بعد الحرب العالمية الثانية، وتراجع النفوذ البريطاني والفرنسي تدريجيّاً أمام صعود قوّتين عظميين: الولايات المتّحدة الأميركية والاتّحاد السوڤييتي. أدركت الولايات المتّحدة أهمّية المنطقة العربية في الصراع العالمي، فسعت للسيطرة عليها ومنع نهضتها عبر استراتيجية متعدّدة الأوجه. إذ طوّرت الولايات المتّحدة استراتيجية معقّدة تجاه الحركات القومية العربية، جمعت بين الدعم والاحتواء والمواجهة. دعمت أنظمة ملكية محافظة في السُّعُودية والأردن والمغرب، باعتبارها حليفة طبيعية ضدّ المدّ الشيوعي. وتعاملت في البداية بحذر مع الناصرية بصفة حركة قومية يمكن استمالتها، فقدّمت عروضاً لتمويل مشروعات اقتصادية كبرى مثل السد العالي.
تغيّر الموقف الأميركي جذرياً بعد تقارب {عبد الناصر} مع المعسكر الشرقي والصفقة التشيكية عام ١٩٥٥. فسحبت واشنطن عرض تمويل السدّ العالي، محاولة إذلال النظام المصري وإسقاطه. دفعت هذه السياسة عبد الناصر للتوجّه نحو الاتّحاد السوڤييتي، متحوّلاً تدريجياً نحو نموذج «اشتراكي» في الداخل ومعاد للغرب في الخارج. غير أنّ هذه السياسة كانت في الواقع تكتيك مقصود من واشنطن بهدف دفع مصر عمداً للتوجّه نحو الاتّحاد السوڤييتي، لتقدر على تحريك حملة دبلوماسية تحوّل عَلاقة مصر بغرب أوروپا من الصداقة إلى العداء.
عملت الولايات المتّحدة على تشجيع انقلابات عسكرية في عدّة دول عربية، كالعراق وسوريا، أملاً في تأسيس أنظمة موالية. فتعاونت المخابرات الأميركية سرّاً مع ضبّاط قوميّين طموحين، وقدّمت لهم الدعم المادّي والاستخباري. ونجحت هذه السياسة مؤقّتاً، لكنّ معظم هذه الانقلابات تحوّلت لاحقاً ضدّ المصالح الأميركية. دعمت واشنطن صعود حركات وأحزاب بعثية في سوريَا والعراق بديل للتيّارات اليسارية والشيوعية. وتغاضت عن وصول البعث للسلطة في العراق عام ١٩٦٣، ظنّاً منها أنّه سيشكّل حاجزاً ضدّ النفوذ الناصري والسوڤييتي. وزوّدت المخابرات الأميركية حزب البعث العراقي بقوائم للشيوعيّين لتصفيتهم، ممّا أسهم في المذبحة الدموية ضدّ اليسار العراقي.
اختارت الولايات المتّحدة استراتيجية «التوازن الإقليمي» بين القُوَى العربية المتنافسة. فدعمت السُّعُودية والأردن في مواجهة مصر وسوريا، مستغلّة الانقسامات البينية العربية. كما موّلت حركات إسلامية كـ «الإخوان المسلمين» في مرحلة ما بصفة وزن مضادّ للتيارات القومية اليسارية لإشغالها، خصوصاً في مصر وسوريا. ثمّ تعقّدت حسابات واشنطن في الستّينيّات مع تصاعد المدّ القومي العربي. فراهنت على دعم إسرائيل بصفة حليف استراتيجي موثوق في المنطقة، ممّا عمّق العداء بينها والحركات القومية العربية. وأيّدت إسرائيل في حرب ١٩٦٧، محقّقة هدفها بإضعاف النظام الناصري وإحباط مشروعه القومي.
استفادت الولايات المتّحدة من تنافس الأنظمة القومية فيمَا بينها. فشجّعت الصراع بين البعث السوري والبعث العراقي، وبين البعث وعبد الناصر. وسعت لإفشال محاولات الوحدة العربية المتكرّرة، ونجحت في تكريس التجزئة والصراعات البينية. وخلقت نظاماً إقليمياً عربيّاً متصارعاً، يسهل التحكّم به خارجياً. وكثيراً ما اتّفقت مصالح الاتّحاد السوڤييتي الاستراتيجية مع الأميركية في تكوين هذه الصراعات وتغذيتها. ثمّ تحوّل الموقف الأميركي تجاه بعض الأنظمة القومية في السبعينيّات تدريجيّاً. فاستثمرت في تحوّل السادات للمعسكر الغربي بعد ١٩٧٣، مقدّمة دعماً سخيّاً لنظامه. وحاولت استمالة أنظمة بعثية معيّنة، خصوصاً في سوريَا، باعتبارها «عنصر استقرار» يمكن التعامل معه في ترتيبات السلام الإقليمية. فدعمت تحوّل الشطر السوري من حزب البعث العربي إلى حزب عسكري شبه ملكي بقيادة أسرة من الطائفة العلوية وأقلّيتها في سوريَا.
تلاعبت الولايات المتّحدة بالأنظمة القومية العربية عبر سياسة «العصا والجزرة». فقدّمت إغراءات اقتصادية وسياسية للأنظمة الراغبة بالتقارب، وفرضت عقوبات قاسية على الأنظمة المتمرّدة. واستخدمت «العامل الإسرائيلي» كورقة ضغط. فالأنظمة المتعاونة حظيت بتسهيلات في عملية السلام، والأنظمة المعارضة واجهت تصعيداً إسرائيليّاً.
تحطّمت معظم الأنظمة القومية العربية التي استثمرت فيها الولايات المتّحدة على صخرة مصالحها الذاتية. فرفضت واشنطن السماح لأيّ نظام عربي ببناء قوّة حقيقية تهدّد المصالح الغربية أو إسرائيل. وقادت سياسة «النموّ المقيّد» لهذه الأنظمة إلى تناقضات داخلية أفقدتها شرعيّتها، ودفعتها للبحث عن مصادر شرعية بديلة. برزت هذه المعادلة المعقّدة بوضوح في العَلاقة بالعراق. إذ دعمت واشنطن نظام {صدّام حسين} في الثمانينيّات موازن للنفوذ الإيراني، ثمّ انقلبت عليه في التسعينيّات. كما موّلت الولايات المتّحدة الحرب العراقية-الإيرانية بشكل غير مباشر، ثمّ قادت تحالفاً دوليّاً لتدمير العراق بعد غزوه للكويت ومنح المنطقة بالكامل للنفوذ الإيراني.
مثّلت سياسة الولايات المتّحدة تجاه الحركات القومية العربية نموذجاً للسياسة البراگماتية التي تتغيّر وفق المصالح المتقلّبة. استغلّت هذه الحركات أدوات في الصراع مع الاتّحاد السوڤييتي، ثمّ تخلّت عنها حين انتهت الحرب الباردة. وقامت استراتيجيّتها على استنزاف هذه الحركات في صراعات جانبية، ومنعها من تطوير نماذج ناجحة للتنمية المستقلة.
ثمّ انتهت الحرب الباردة بانتصار أميركي ساحق، وهزيمة شاملة لمعظم الحركات القومية العربية. ففقدت هذه الحركات عمقها الاستراتيجي الدَّوْليّ، وتحوّلت أنظمتها إلى دكتاتوريّات فاقدة للشرعية. أُجبرت لاحقاً على تبنّي سياسات اقتصادية نيوليبرالية، أفقدتها جوهر مشروعها التنموي المستقل. ولم تكتف الولايات المتّحدة بهزيمة الحركات القومية العربية عسكريّاً وسياسيّاً، بل عملت على تفكيك إرثها الفكري والأيديولوجي. فدعمت تيّارات فكرية مناهضة للقومية، ونظريّات تشكّك في إمكانية قيام مشروع وحدوي عربي. وروجت لمفاهيم «التنوّع القومي» و «الشعوب الأصلية» كبدائل للهوية العربية المشتركة، ساعية لدمج إسرائيل في النظام الإقليمي.
انتهت حِقْبَة الحرب الباردة في المنطقة العربية بتفكيك بنيوي شامل للمشروع القومي العربي. فتراجعت الحركات القومية العربية من موقع قيادة المنطقة إلى هامش المشهد السياسي. وحلّت محلّها حركات ذات طابع ديني أو إثني لاعربي، استثمرت في الهويّات الفرعية على حساب الهُوِيَّة العربية الجامعة. ويرسم هذا المسار صورة لحركات نشأت في سياق مقاومة الاستعمار التقليدي، لتصبح ضحية استعمار جديد أكثر تعقيداً وذكاءً.

المسيرة والتحدّيات
مرّت الحركات القومية العربية بمسار طويل وشائك منذ نشأتها مطلع القرن العشرين، واجهت خلاله تقلّبات سياسية كبرى وتحوّلات إقليمية ودولية عميقة. بدأت هذه الحركات محاولة لتحقيق استقلال المجتمعات العربية ضمن الإطار العثماني، ثمّ تطوّرت لتصبح مشروعاً تحرّرياً شاملاً يطمح لتوحيد هذه المجتمعات. إذ تشكّلت في البداية جمعيّات سرّية مثل «العربية الفتاة» و «جمعية العهد»، ضمّت نخبة من المثقّفين والعسكريّين العرب المتحمّسين للفكرة القومية. وانتشرت أفكار هذه الحركات بسرعة في المدن العربية الكبرى مثل بيروت ودمشق والقاهرة وبغداد، معتمدةً على شبكة من الصحف والنوادي الأدبية والثقافية. وطوّرت خطاباً سياسيّاً يستند إلى وحدة اللّغة والتراث والتاريخ المشترك، داعيةً إلى تجاوز الانقسامات الطائفية والإقليمية.
تحطّمت أحلام الحركات القومية العربية الأولى على صخرة اتّفاقيّات سايكس-پيكو وتقسيم المنطقة بين الاستعمارين البريطاني والفرنسي من جهة والطموحات الإيرانية والأميركية والروسية من جهة ثانية. وفشلت مشاريع الممالك العربية الموحّدة – العلوية والهاشمية والناصرية – أمام تعارضها مع المصالح الاستعمارية. واستغلّت القُوَى الأوروپية الكبرى هذه الحركات في صراعها مع الدولة العثمانية، ثم تخلّت عنها بعد تحقيق أهدافها. وتطوّرت الحركات القومية بعد الحرب العالمية الأولى، فظهرت تنظيمات جديدة مثل «الحزب القومي العربي» و «عصبة العمل القومي» و «حزب البعث العربي». وتبنّت هذه التنظيمات أيديولوجيات متنوّعة، جامعةً بين القومية والاشتراكية والعلمانية، متأثّرةً بالأفكار الأوروپية السائدة آنذاك.
أثمرت الحركات القومية العربية في منتصف القرن العشرين صعود أنظمة حكم قومية في عدّة دول عربية، منها مصر وسوريا والعراق واليمن وليبيَا والجزائر. وشكّلت هذه الأنظمة كتلة سياسية متماسكة نسبياً في مواجهة النفوذ الغربي والتوسّع الإسرائيلي. ثمّ جسّدت تجرِبة {جمال عبد الناصر} ووحدة مصر وسوريا ١٩٥٨-١٩٦١ أبرز محاولات تطبيق الفكر القومي العربي على أرض الواقع. هنا عانت الحركات القومية من تناقضات داخلية عميقة، فمع دعوتها للتحرّر، تبنّت نماذج حكم مركزية وسلطوية. وطرحت مشروعاً تنمويّاً طموحاً عجزت عن تحقيقه بسبب الضغوط الخارجية وكثرة الأخطاء الداخلية. فتحوّلت تدريجيّاً من حركات شعبية إلى أنظمة دولة احتكرت السلطة وقمعت الشعب.
تراجع القومية والدروس المستفادة
تراجعت الحركات القومية العربية بعد هزيمة ١٩٦٧، وتفكّكت تحالفاتها مع صعود المدّين الإسلامي واللّيبرالي. وتعرّضت لضربات قاسية مع سقوط الاتحاد السوڤييتي وانتهاء الحرب الباردة، فقدت معها عمقها الاستراتيجي الدَّوْليّ. ثمّ واجهت تحدّيات عميقة من الحركات الإسلامية التي نافستها في استقطاب الجماهير وتقديم البديل السياسي. وانتهى مشروع القومية العربية الكلاسيكي مع حرب الخليج الثانية ١٩٩١، حين انقسمت الدول العربية حول الموقف من العراق. فتحوّلت أنظمة الحكم القومية تدريجيّاً إلى أنظمة سلطوية محافظة تبحث عن شرعية بديلة. وانحسر الخطاب القومي العربي أمام صعود خطابات الهُوِيَّة المتنافسة إسلامية، قُطرية، طائفية.
تركت الحركات القومية العربية إرثاً عميقاً في الذاكرة السياسية للمنطقة، ألهم أجيالاً متعاقبة من المثقّفين والسياسيّين والناشطين. وأسهمت في تأسيس الدولة الوطنية الحديثة في المنطقة، برغم كل عيوبها ونواقصها. وغرست بذور الوعي بالهوية العربية المشتركة وبإمكانية تجاوز الانقسامات الموروثة. لكن، تعلّمت الأجيال الجديدة من تجارِب هذه الحركات ضرورة الربط بين مشروع التحرّر الوطني والديمقراطية. وأدركت محدودية النموذج المركزي السلطوي في تحقيق التنمية والاستقلال. فطوّرت فهماً أكثر تعقيداً للهوية، يدمج بين الانتماء العربي والخصوصيات المحلّية.
تتطلّب إعادة إحياء المشروع القومي العربي في القرن الحادي والعشرين تجديداً جوهرياً في أفكاره ووسائله وأدواته. إذ تفرض التحوّلات العالمية والإقليمية إعادة التفكير في مفهوم السيادة والحدود والتكامل الاقتصادي. وتستدعي تجارِب الربيع العربي تطوير صيغة جديدة تجمع بين طموحات الوحدة وضرورات الديمقراطية واحترام التنوّع. ويبقى الإرث الفكري للحركات القومية العربية، برغم كلّ إخفاقاتها، مصدراً ملهماً للأجيال القادمة، يذكّرها دائماً بإمكانية تجاوز الحدود المصطنعة والانقسامات المفروضة. وتقدّم تجرِبة هذه الحركات دروساً ثمينة حول تحدّيات ومآلات المشاريع السياسية الكبرى في منطقة جيوستراتيجية معقّدة. كما تحتاج المنطقة اليوم إلى إعادة صياغة الفكر القومي بما يتلاءم مع عصر العولمة وثورة المعلومات والهويّات المتعدّدة. وتتطلّب التحدّيات المعاصرة من ندرة المياه إلى التغير المناخي والأمن الغذائي والتخلف التكنولوجي تعاوناً وتكاملاً عربياً لم يعد ترفاً فكريّاً بل ضرورة بقاء.

العَلاقة بين حركات القومية العربية المختلفة
تشابكت علاقات حركات القومية العربية وتداخلت بشكل معقّد عبر تاريخها، فشكّلت حلَقات متّصلة برغم اختلافاتها وتنافسها. نبعت كلّها من أصل مشترك تمثّل في رفض الهيمنة الأجنبية والتطلّع لاستعادة دور الأمة العربية في التاريخ. بدأت الحركة بجمعيات سرية مثل العربية الفتاة والقحطانية، تفّرعت منها لاحقاً تيّارات عديدة حملت الفكرة القومية بصيغ مختلفة.
أسّس النادي العربي في دمشق ١٩٠٨ قاعدة فكرية انطلقت منها جمعية العربية الفتاة، واستخدمته غطاء لنشاطاتها السرية. واستمدّت العربية الفتاة أفكارها من النادي العربي، وطوّرتها في اتّجاه أكثر تنظيماً وراديكالية. فنقلت المشعل من المطالبة بالإصلاح ضمن الدولة العثمانية إلى السعي لدرجة من الاستقلال الذاتي، وقد وجدت المجتمعات العربية نفسها فجأة في غياب سلطة عليا عاشت قروناً تحت قيادتها.
شبكة العلاقات الشخصية والمؤسّسية
ربطت خيوط متينة من العلاقات الشخصية بين قادة الحركات القومية المختلفة، فعديد من مؤسّسي الأحزاب القومية اللّاحقة كانوا أعضاء سابقين في العربية الفتاة.
تنقّلت شخصيات مثل {عبد الرحمن الشهبندر} و {جميل مردم بك} و {شكري القوّتلي} بين الحركات المختلفة، ناقلين معهم الخبرات والأفكار. وتولى {ياسين الهاشمي} و{جعفر العسكري}، اللّذان كانا من أعضاء العربية الفتاة، تأسيس حزب العهد العراقي عام ١٩٢١. وأسّس {عبد الرحمن الشهبندر}، العضو السابق في العربية الفتاة، الحزب الوطني السوري عام ١٩٢٥. في حين شارك {محمد كرد علي}، المرتبط بالعربية الفتاة، في تأسيس المجمع العلمي العربي عام ١٩١٩. وتشكّلت الكتلة الوطنية في سوريَا عام ١٩٢٨ على يد شخصيات عديدة كانت مرتبطة بالعربية الفتاة، منهم {جميل مردم بك}.
التأثيرات المتبادلة والتطوّرات الفكرية
تأثّرت الحركات القومية العربية ببعضها البعض فكرياً وتنظيمياً، برغم اختلافها في التفاصيل والمنهج. نقلت عصبة العمل القومي التي أسسها {زكي الأرسوزي} عام ١٩٣٣ الفكر القومي إلى آفاق فلسفية جديدة، مزجت بين الهُوِيَّة العربية والفكر الفلسفي الحديث. واستفاد حزب البعث من إرث النادي العربي والعربية الفتاة، مضيفاً إليه عناصر من الاشتراكية الأوروپية. كما طوّر {ميشيل عفلق} و {صلاح البَيطار} أفكارهما القومية متأثرين بـ{زكي الأرسوزي} وتجربة نادي العروبة، برغم الخلافات التي نشبت بينهم لاحقاً. فأبدع {عفلق} صيغة فكرية جديدة مزجت بين القومية العربية والتراث الإسلامي والأفكار الاشتراكية، جاعلاً من «البعث» استمراراً وتجديداً للحركات السابقة.
التنافس والصراع بين التيارات
تنافست الحركات القومية العربية فيمَا بينها على الأتباع والنفوذ السياسي، واختلفت في المنهج والوسائل. برز الصراع بين تيار {زكي الأرسوزي} وتيار {ميشيل عفلق} داخل حزب البعث منذ خمسينيات القرن العشرين، متمحوراً حول أصالة الأفكار وحقوق تأسيس الحزب. اتّهم {الأرسوزي} علناً {عفلق} بالتواطؤ مع المخابرات الفرنسية سنة ١٩٥٠، ممّا عمّق الشرخ بين أنصار التيّارين. ثم تنافس حزب البعث العربي مع الحزب القومي السوري الذي أسّسه {أنطون سعادة} على الساحة السياسية السورية واللّبنانية. واختلف الحزبان جوهريّاً حول تعريف الأمّة وحدودها؛ فبينما دعا البعث لوحدة الأمة العربية من المحيط إلى الخليج، طرح سعادة فكرة «سوريا الكبرى» وحدة طبيعية وتاريخية.

التحوّلات والانشقاقات الداخلية
تعرّضت الحركات القومية العربية لانشقاقات متكرّرة بسبب الخلافات الفكرية والتنظيمية، فتحوّل الحزب الواحد إلى أجنحة متخاصمة. عانى حزب البعث من انشقاق حاد بين «القيادة القومية» بزعامة {ميشيل عفلق} و «القيادة القطرية» السورية بعد انقلاب ٢٣ شباط ١٩٦٦. وتحوّل الانشقاق إلى صراع مرير بين نظامين بعثيّين في سوريَا والعراق، تناحرا على مدى عقود. كذلك انقسمت الناصرية بعد وفاة {جمال عبد الناصر} إلى تيّارات متعدّدة، بعضها اندمج في مشاريع قومية أخرى، وبعضها تحوّل نحو الإسلام السياسي. وعانت حركة القوميّين العرب من انشقاقات متتالية في سبعينيات القرن العشرين، أنتجت تنظيمات يسارية متطرّفة ابتعدت عن الأفكار القومية الأصلية.
العلاقات بالقُوَى الخارجية
تعاملت الحركات القومية العربية بطرق مختلفة مع القُوَى الدولية، متأرجحة بين الاستقلالية والاستقطاب. ارتبطت العربية الفتاة في بداياتها بنشاط فرنسي داعم، استخدمته غطاء لعملها المناهض للعثمانيّين، ثم تحوّلت ضدّ فرنسا بعد فرض الانتداب. كذلك تأثّر النادي العربي في مرحلته الثالثة ١٩٣٧-١٩٣٩ بالفكر النازي، واستقبل قادة نازيّين، وأرسل طلّاباً سوريين للدراسة في ألمانيا. وارتبطت حركات قومية عربية لاحقة خصوصاً البعث والناصرية بالاتّحاد السوڤييتي خلال الحرب الباردة، مع احتفاظها بموقف «عدم انحياز» نظري.
التحوّلات الإيديولوجية عبر الزمن
تطوّرت أفكار الحركات القومية العربية وتحوّلت استجابة للظروف المتغيّرة، محتفظة بالجوهر مع تعديل التفاصيل. بدأت هذه الحركات بالتركيز على الهُوِيَّة اللّغوية والتاريخية المشتركة، ثم أضافت عناصر اشتراكية واجتماعية في الأربعينيّات والخمسينيّات. طوّرت {الناصرية} منذ ١٩٥٦ خطاباً «اشتراكياً عربياً» يمزج بين القومية العربية والعدالة الاجتماعية، مع الحفاظ على خصوصية تختلف عن الماركسية. كما تحوّل خطاب {البعث} بعد استلامه السلطة في سوريَا والعراق من الأيديولوجيا النظرية إلى براگماتية السلطة، مستخدماً الشعارات القومية لتبرير أنظمة سلطوية استبدادية.
التكامل والتنسيق في لحظات تاريخية
التقت الحركات القومية العربية المختلفة وتعاونت في مفاصل تاريخية مهمّة، متجاوزة خلافاتها لتحقيق أهداف مشتركة. وعملت معاً في مواجهة الاستعمار الفرنسي والبريطاني في سوريَا والعراق ومصر بالثلاثينيّات والأربعينيّات، محقّقة نجاحات متفاوتة. كما نسّقت الحركات القومية العربية مواقفها تجاه القضية الفلسطينية، معتبرة إيّاها قضية مركزية للأمة العربية. وتعاونت في تأسيس جامعة الدول العربية عام ١٩٤٥، برغم تحفّظها على دورها وصلاحيّاتها المحدودة. كما دعمت حركات التحرّر في الجزائر وليبيَا واليمن، مؤكّدة على وحدة النضال العربي.
الميراث المشترك والدروس المستخلصة
ورثت الحركات القومية العربية المعاصرة، برغم تنوّعها، أفكاراً ورموزاً وتقاليد مشتركة، مستوحاة من تجارِب سابقيها. تعلّمت من أخطاء الماضي أهمّية التوازن بين الطموحات القومية الشاملة والحقائق الاجتماعية المعقّدة. وأدركت حدود الشعارات الفضفاضة والحاجة إلى برامج عملية تستجيب لتحدّيات الواقع.
تظلّ الحركات القومية العربية، بتاريخها المتشابك وروابطها المعقّدة، معبّرة عن رؤية متواصلة لوحدة الأمّة العربية وتطلّعها للتحرّر والتقدّم. ويفرض فهم هذه العلاقات البينية رؤية شاملة تتجاوز النَّظْرَة البسيطة للتنافس والصراع، وتكشف عن تدرج تاريخي وتطور فكري وسياسي عميق.
أيديولوجيات الحركات القومية العربية المختلفة: مقارنة وتحليل
تباينت أيديولوجيات الحركات القومية العربية المختلفة وتعدّدت منطلقاتها الفكرية، فظهر تنوّع التأثيرات والخلفيّات التي استمّدت منها رؤاها. استلهمت العربية الفتاة والنادي العربي أفكارهما من مزيج من التراث العربي الإسلامي والنماذج القومية الأوروپية. وركّزتا على إحياء فكرة الأمة العربية كوحدة لغوية وتاريخية، دون تبنّي نظرية اقتصادية محدّدة.
طوّر {زكي الأرسوزي} خطاباً قوميّاً عربيّاً فلسفيّاً عميقاً، ربط فيه بين اللّغة العربية والهوية القومية. عدّ مدرّس اللّغة العربية {الأرسوزي} اللّغة العربية روح الأمّة ومنبع عبقريّتها، ورأى في الاشتقاق اللّغوي مصدراً لفهم الفكر العربي الأصيل. وابتدع نظرية متكاملة عن الصلة بين اللّغة والفكر والهوية، مطبّقاً طرق التحليل الفلسفي الغربي على التراث العربي.
خالف {ميشيل عفلق} التيارات القومية السابقة، فطوّر نظرية «البعث العربي» المستلهمة من نظرية «الرسورجمنتو» البعث الإيطالي عند {ماتسيني}. ودمج {عفلق} الإسلام كتراث روحي وفكري في صُلْب نظريته القومية، برغم خلفيّته المسيحية. ثمّ تجاوز {عفلق} الرؤية القومية التقليدية المحصورة في اللّغة والتاريخ، فطوّر مفهوم «الرسالة الخالدة للأمة العربية».
موقع الدين في الخطابات القومية
عبّرت الحركات القومية العربية المختلفة عن رؤى متباينة للعلاقة بين القومية والدين، تراوحت بين العلمنة الكاملة والدمج الإيجابي. اتّخذت العربية الفتاة موقفاً محايداً من الدين، مفضّلة التركيز على الوحدة العربية اللّغوية والسياسية دون خوض في المسألة الدينية. ورأت في التنوّع الديني للمجتمعات العربية سبباً لتحييد الدين عن الخطاب القومي.
حمل الحزب القومي السوري الذي أسّسه {أنطون سعادة} عام ١٩٣٢ توجّهاً علمانياً صريحاً، فصل فصلاً تامّاً بين الدين والقومية. إذ نظر {سعادة} إلى الدين كمسألة روحية شخصية لا تدخل في تعريف الأمّة، ودعا لعلمنة شاملة للمجتمع والدولة. ورفض ربط القومية بالإسلام أو بأي دين آخر، معتبراً ذلك تشويهاً للفكرة القومية.
ابتدع {ميشيل عفلق} مقاربة فريدة للعلاقة بين القومية العربية والإسلام، حاول بواسطتها تجاوز الثنائيات التقليدية. عدّ {عفلق} الإسلام «تجرِبة روحية عربية» ومظهراً للعبقرية العربية، وليس مجرّد دين بالمعنى الضيّق. وطرح فكرة أنّ «المسيحي العربي يجب أن يشعر أنّ الإسلام تراثه القومي»، محاولاً بناء جسر بين المكوّنات الدينية المختلفة.
الرؤى الاقتصادية والاجتماعية
تطوّرت المواقف الاقتصادية والاجتماعية للحركات القومية العربية عبر الزمن، واختلفت في درجة تبنّيها للاشتراكية. إذ تميّزت المرحلة الأولى من الفكر القومي العربي بغياب نظرية اقتصادية محدّدة، فاهتمّت بالتحرّر السياسي أكثر من التغيير الاجتماعي. واكتفت العربية الفتاة ببعض الأفكار الإصلاحية البسيطة، دون تبنّي برنامَج اقتصادي واضح.
تبنّى حزب البعث العربي منذ تأسيسه مفهوم «الاشتراكية العربية»، معرّفاً إياها بطريقة تختلف عن الماركسية الكلاسيكية. إذ دعا البعث لتأميم القطاعات الاستراتيجية والتخطيط المركزي، مع الاحتفاظ بمساحة للقطاع الخاص. ورفض البعث الماركسية كأيديولوجيا «غريبة» عن الروح العربية، مطوّراً نظريّته الخاصة للعدالة الاجتماعية.
طرح جمال عبد الناصر «الاشتراكية العربية» كنموذج «ثالث» بين الرأسمالية والشيوعية. إذ طبّق الناصرية إصلاحاً زراعياً شاملاً وتأميمات واسعة في مصر وسوريا خلال الوحدة. ورفضت الناصرية الصراع الطبقي، مستبدلة إياه بفكرة «التعاون الطبقي» ضمن إطار الوحدة القومية.
غير أنّ هذه النظريّات جميعاً دمّرت إرث الأرستقراطية العربية، ومحت تراث اقتصاد العائلات العربية بعد أن استمرّ بتواصل قروناً عديدة. فصارت المجتمعات العربية مهلهلة مخلخلة دون قُوَى اقتصادية محلّية لقيادتها، وسقطت هكذا بسهولة تحت قيادة قُوَى اقتصادية من خارج البلدان العربية.
الخلاف حول حدود الأمة العربية
تضاربت آراء الحركات القومية حول تعريف الأمة العربية وحدودها الجغرافية، ممّا أنتج نظريات متنافسة. اعتمدت العربية الفتاة وحزب البعث تعريفاً واسعاً للوطن العربي، شمل كلّ المناطق التي تتحدّث العربية من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي. بنت رؤيتها على أساس وحدة اللّغة والتاريخ والآمال المشتركة، متجاوزة الحدود المصطنعة التي رسمها الاستعمار.
رفض الحزب القومي السوري مفهوم «الأمة العربية» بالكامل، مستبدلاً إياه بمفهوم «الأمّة السورية». وحصر «سوريا الطبيعية» في منطقة «الهلال الخصيب» الممتدّة من طرسوس غرباً إلى الكويت شرقاً، ومن البحر المتوسّط شمالاً إلى «شبه الجزيرة العربية» جنوباً. وبنى نظريته على أساس جغرافي وتاريخي، معتبراً اللّغة عاملاً ثانوياً في تكوين الأمة.
أكّدت مشاريع المملكة العربية الناصرية والمملكة العربية الهاشمية والمملكة العربية العلوية على وحدة المناطق العربية المحرّرة من العثمانيّين، دون شمول شمال أفريقيا. وأظهرت هذه المشاريع رؤية قومية محدودة جغرافيّاً، متأثّرة بالظروف التاريخية وحسابات السياسة الدولية آنذاك.
أساليب التغيير وطرق الوصول للسلطة
تبنّت الحركات القومية العربية استراتيجيّات متباينة للتغيير السياسي، تراوحت بين العمل السلمي والكفاح المسلّح.
بدأت العربية الفتاة بتبنّي العمل السري النخبوي، فأسّست خلايا سرّية ضمن الجيش العثماني والإدارة المدنية. ومزجت بين العمل الثقافي التوعوي وتكتيكات الضغط السياسي، معتمدة على شبكة من المثقّفين والضبّاط.
تبنّى حزب البعث، منذ تأسيسه، استراتيجية مختلطة جمعت بين العمل الحزبي العلني والنشاط السري. ركّز في البداية على العمل الثقافي والتربوي والطلّابي، ثمّ تحوّل تدريجياً نحو العمل العسكري. ثمّ استولى على السلطة في سوريَا والعراق عبر انقلابات عسكرية، وليس من طريق الانتخابات الديمقراطية. فأجبرت الشعب على القبول بالتغيير.
اختارت الناصرية طريق «الثورة من فوق»، معتمدة على تحوّل مؤسّسة الجيش إلى أداة للتغيير الثوري. جمعت بين الكاريزما الشخصية لعبد الناصر والاستخدام المكثف للإعلام والتعبئة الجماهيرية. وطوّرت مفهومها الذي يضع الدولة نفسها في قلب عملية التغيير الاجتماعي والسياسي، بإكراه المجتمع على التغيير.
في كلّ الحالات، نظرت هذه الحركات القومية إلى المجتمع من فوق، ورأت الشعب جاهلاً يحتاج إلى توجيه وخطأ بحاجة إلى تصحيح. هكذا، وضع روّاد هذه الحركات أنفسهم موضع الأنبياء، وبرّروا هكذا لأنفسهم ارتكاب كلّ التصرّفات الهاتكة لجميع حقوق الإنسان بلا استثناء.
الموقف من الغرب والحداثة
اختلفت الحركات القومية العربية في نظرتها للحداثة الغربية ومدى قابليتها للاستيراد والاقتباس.
عبّرت العربية الفتاة عن موقف متناقض من الغرب، فرفضت هيمنته الاستعمارية وسعت للاستفادة من نموذجه السياسي والفكري. واقتبست مفهوم القومية ذاته من التجربة الأوروپية، وحاولت تطبيقه على السياق العربي. آمنت العربية الفتاة بقدرة العربي المطلقة على حكم نفسه وإدارة شؤونه، منطلقاً. من تراث غنيّ ثريّ بالقيم الصالحة.
طوّر حزب البعث نظرية «الحداثة العربية المتميزة»، الرافضة للتقليد الأعمى للغرب. دعا لانتقاء عناصر الحداثة المتوافقة مع الروح العربية ورفض ما يتعارض معها. ثمّ ربط بين التحرّر من الاستعمار وبناء نموذج تنموي مستقل يحافظ على «الخصوصية العربية». غير أنّ وصول الحزب إلى السلطة غيّر هذه الرؤية، خصوصاً في حِقْبَة الحرب الباردة، فصار حزب البعث منصّة ترويج لتقليد أعمى للغرب، بغضّ النظر عن الموقف من الولايات المتّحدة الأميركية.
تبنّى {جمال عبد الناصر} سياسة «عدم الانحياز» في العلاقات الدولية، متعاوناً عمليّاً مع المعسكر الشرقي. فرفض الناصرية التبعية للغرب سياسيّاً واقتصاديّاً، داعياً لبناء مسار تنموي مستقل. وسعى لاقتباس التقنية الغربية دون أيديولوجيتها، خصوصاً في مجالات التصنيع والتسليح. وعلى النقيض، تبنّى خلفه {السادات} فلسفة التقليد المطلق للأيديولوجيا الغربية.
النَّظْرَة للوحدة العربية: الشكل والمضمون
طرحت الحركات القومية العربية نماذج متعدّدة لشكل الوحدة العربية وآليات تحقيقها ودرجة اندماجها. فسعت مشاريع الممالك العربية الهاشمية والعلوية والناصرية لإقامة كيانات سياسية موحّدة على أنقاض السلطنة العثمانية. وتصوّرت وحدة اندماجية كاملة تحت سلطة مركزية قوية، متأثرة بالنموذج العثماني المنهار.
طرح حزب البعث نظرية «الدولة العربية الواحدة» المتكاملة سياسيّاً واقتصاديّاً وعسكريّاً. ورفض الصيغ الفيدرالية والكونفدرالية، معتبراً إياها تكريساً للتجزئة وتخليداً للحدود المصطنعة. كما عدّ البعث أنّ الأقطار العربية الحالية هي مجرّد «أقاليم» ضمن الوطن العربي الواحد.
تبنّت الناصرية نموذجاً براگماتيّاً للوحدة العربية، طبّقته عملياً في تجرِبة الوحدة المصرية السورية ١٩٥٨-١٩٦١. بدأت بوحدة اندماجية كاملة، ثم اضطرّت لتعديل رؤيتها بعد فشل التجربة. عاد {عبد الناصر} لاحقاً ليطرح صيغة «التضامن العربي» كبديل واقعي عن الوحدة الشاملة.

الموقف من الديمقراطية
تفاوتت الحركات القومية العربية في موقفها من الديمقراطية والتعدّدية السياسية، إمّا قبولاً أو رفضاً أو تأجيلاً.
رفع حزب البعث شعارات ديمقراطية في بداياته، مؤكّداً على «الحرّية» كأحد أهدافه الثلاثة مع «الوحدة والاشتراكية». تحوّل عملياً بعد استلامه السلطة إلى تبنّي نموذج «الديمقراطية الشعبية» أحادية الحزب مستلهماً التجرِبة الصينية. وبرّر تقييد الحريات السياسية بضرورات «المرحلة الثورية» ومتطلّبات الصراع مع الإمبريالية.
وعلى سياق تقليد تجرِبة جمهورية ڤايمار الألمانية، طوّر {عبد الناصر} نظرية «الديمقراطية الموجّهة»، التي تسخّر المشاركة الشعبية لخدمة أهداف الثورة. أسّس الاتحاد القومي ثم الاتحاد الاشتراكي إطار سياسي وحيد، رافضاً التعدّدية الحزبية. وعدّ الديمقراطية اللّيبرالية نموذجاً غربيّاً غير صالح للتطبيق في ظروف التخلّف التقني والصراع مع الاستعمار.
عانت المشاريع الملكية الهاشمية والعلوية من تناقض بنيوي بين الطموحات الديمقراطية والميل الاستبدادي الموروث. فطرحت دساتير ليبرالية متقدّمة نظريّاً، تعرّضت للتعطيل والتقييد عمليّاً. عجزت عن تطوير نموذج ديمقراطي عربي أصيل، متذبذبة بين التقليد الغربي والقيود التقليدية.
الموقف من قضايا المرأة والهوية
عبّرت الحركات القومية العربية عن مواقف متفاوتة من قضايا المرأة والمساواة الجنسية، تأرجحت بين التحرّر المحدود والمحافظة. إذ شاركت المرأة بفعالية في النادي العربي منذ بداياته، بلغ عدد النساء فيه ٢٦ من أصل ١٠٨ أعضاء. وأسّست {عادلة بيهم} خلايا نسائية تابعة للعربية الفتاة في بيروت ودمشق، مساهمة في توسيع نطاق العمل القومي.
تبنّت الناصرية خطاباً تحرّرياً محدوداً تجاه المرأة، فمنحتها حقوقاً سياسية وفرصاً تعليمية ووظيفية، دون المساس بالبنى الاجتماعية التقليدية الموروثة عن القانون البريطاني. وطبّقت سياسات قانونية تقدّمية نسبياً، لكنّها أبقت على نظام القيم المحافظ في جوهره. وأدمجت المرأة في مشروع التحوّل الاجتماعي، دون طرح تغيير جذري في علاقات النوع الاجتماعي.
تضمّنت أيديولوجيَا البعث نظرياً مبادئ المساواة بين الجنسين، طبّقتها في التشريعات والقوانين بدرجات متفاوتة. تعامل تطبيقه العملي مع قضايا المرأة بصفة قضايا ثانوية مقارنة بـ «القضايا الكبرى» كالوحدة ومناهضة الإمبريالية. وتوقّف عن تحدّي الهياكل الاجتماعية الذكورية، مكتفياً بإصلاحات شكليّة في الحقوق والتشريعات. فكرّست قوانين الدولة في عهد البعث اضطهاد المرأة وإبقاءها مواطنة من الدرجة الثانية.
الريادة النسائية في الحركة القومية العربية
شاركت المرأة العربية وتصدّرت العمل السياسي منذ بدايات القرن العشرين، وسجّلت حضورها القوي في التنظيمات الأولى للفكر القومي العربي. بلغت نسبة النساء في النادي العربي بدمشق ربع العضوية، إذ ضمّ ٢٦ امرأة من أصل ١٠٨ أعضاء. هذا الحضور الواسع يدحض خرافة استبعاد المرأة من العمل السياسي في أواخر العهد العثماني، بل في كلّ العهد العثماني، ويُظهر مدى تقبّل المجتمع آنذاك لدورها الفاعل في القضايا العامة.
برزت {عادلة بيهم الجزائري} شخصية محورية في تأسيس العمل النسائي القومي، إذ أسّست عام ١٩١٤ خلايا سرّية نسائية تابعة للعربية الفتاة في بيروت ودمشق، ووسّعت نطاق العمل التنظيمي ليشمل المرأة. نظّمت هذه الخلايا أنشطة سياسية متنوّعة كما الرجال تماماً، شملت توزيع المنشورات، وجمع التبرّعات، ونقل المعلومات الاستخباراتية، وعقد الاجتماعات التوعوية. وساهمت هذه الجهود في تقوية الصفّ القومي وتوسيع قاعدته الشعبية.
استمرّ الحضور النسائي الفاعل في المؤتمر السوري عام ١٩١٩ في النادي العربي بدمشق، حيث شاركت {دلال المقداد} و {مي زيادة} و {ماري عجمي}، وطرحن رؤى متقدّمة حول مستقبل المنطقة ودور المرأة في الدولة العربية المنشودة. كما تضمّنت مذكّرات المؤتمر مطالب واضحة بمساواة المرأة في الحقوق السياسية والمدنية. وهذه لم تكن مطالب تصحيحية، إذ لم تكن المرأة محرومة أو مستثناة، لكنّها أرادت تثبيت الوضع الراهن من المساواة بتقاليد مقوننة.
توّجت {نسيب بكر البرازي} نشاطها السياسي المبكّر بتأسيس “جمعية نهضة المرأة الشامية” عام ١٩٢٠، التي دعمت الحكومة العربية في دمشق ضدّ التهديدات الخارجية. ونظّمت الجمعية مظاهرات نسائية حاشدة ضدّ التدخّل الفرنسي، وجمعت التبرّعات لدعم الجيش العربي. ثمّ تجلّت روح المقاومة النسائية في خطاب {نازك العابد} الشهير أمام المندوب السامي الفرنسي، حين رفضت الانتداب باسم نساء سوريا.
في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين ثبّتت قوانين الإصلاح العثمانية (التنظيمات) حقوقاً واسعة للمرأة في التعليم والعمل والمشاركة العامة. فأتاح قانون الجمعيّات العثماني لعام ١٩٠٩ للنساء تأسيس جمعيّات نسائية مستقلّة وعضوية الجمعيّات المختلطة دون قيود. كما سمح قانون الصِّحافة العثماني بإصدار النساء للصحف والمجلّات، مثل “المرأة الشرقية” التي أسّستها {فاطمة ألية} في بيروت عام ١٩٠٦. بالإضافة إلى ذلك، أقرّ نظام المعارف العثماني حقّ الفتيات في التعليم الإلزامي، وفتح أمامهنّ باب التعليم العالي في “دار المعلّمات” في إسطنبول ودمشق وبيروت. كذلك خلت قوانين الأحزاب السياسية العثمانية في دستور ١٩٠٨ من أي تمييز جنسي، ممّا سمح للنساء بالمشاركة في الأنشطة الحزبية، خصوصاً في حزب “الاتّحاد والترقي” و”حزب اللّامركزية الإدارية العثماني”.
في القانون العثماني قبل فترة التنظيمات (قبل عام ١٨٣٩)، لم توجد قيود قانونية صريحة تمنع نشاط المرأة أو تميّزه في المجال السياسي، وذلك لسبب بسيط: لم يكن هناك تقنين واضح للمشاركة السياسية بالمفهوم الحديث للجميع، رجالاً ونساءً. النظام القانوني العثماني التقليدي قبل التنظيمات كان مزيجاً من شريعة الإسلام (المذهب الحنفي) والقوانين العرفية (القانون نامه) والأعراف المحلّية الخاصّة بكلّ إيالة. لم يتضمّن هذا النظام حظراً ولا تضييقاً على المشاركة السياسية للمرأة، ببساطة لأنّ المشاركة السياسية المؤسّساتية لم تكن متاحة عموماً حتى للرجال بالصيغة المعروفة اليوم.
المشاركة السياسية في تلك الفترة كانت محصورة في الأساس بالسلطان وآله وأعضاء الديوان الإمبراطوري ومجلس الشورى. لكنّ التاريخ العثماني شهد نفوذاً سياسيّاً كبيراً لبعض النساء في القصر، خاصّة في “عصر سلطنة النساء” (قادنلار سلطنتى) (١٥٧٩-١٦٥٦)، حين مارست “السلطانات الوالدات” (أمّهات السلاطين) سلطة فعلية في الحكم، مثل {كوسم سلطان} و {مهبيكار سلطان} و {تورخان سلطان}. حتّى انحصرت صلاحية تعيين كبار المفتين وبناء المساجد بالنساء فقط. كذلك لعبت نساء من النخبة دوراً في الشؤون العامّة بواسطة الأوقاف الخيرية والمؤسّسات التعليمية. كما شاركت النساء في الحياة العامة بطرق غير رسمية، مثل الاحتجاجات على ارتفاع الأسعار أو سوء الأحوال المعيشية أو حتّى ريادة الجماعات الدينية.
الواقع أنّ عدم وجود تشريعات صريحة تمنع أو تمنح المرأة المشاركة السياسية قبل التنظيمات لا يعني بالضرورة حرية سياسية على النمط الغربي المعاصر، بل يظهر الطبيعة التقليدية للنظام السياسي آنذاك، حيث لم تكن المشاركة السياسية قائمة على المفهوم الحديث للمواطنة الذي يشتغل على تمييز بين الجنسين. التغيير الأساسي حدث مع بداية التنظيمات، حيث بدأت الدولة العثمانية بإدخال مفاهيم جديدة للمواطنة والمشاركة السياسية، وهنا رُسمت مساحات قانونية لمشاركة المرأة، خاصّة بعد دستور ١٨٧٦ وقوانين الإصلاح المتتالية التي عزّزت من وضع المرأة في المجال العام. فبدل ترك الأمور على انسيابيّتها ظهرت قوانين تفرض إشراك المرأة في بعض المواضع.
تراجع الدور السياسي للمرأة العربية تدريجيّاً بعد فرض الانتداب الفرنسي والبريطاني على المنطقة، لا قبله كما يروّج البعض. إذ فرضت سلطات الانتداب قوانين تحدّ من المشاركة السياسية النسائية، مستوحاة من القوانين الأوروپية المقيِّدة آنذاك. فتعمّدت فرنسا في سوريَا ولبنان حلّ الجمعيّات النسائية ذات التوجّه القومي، واعتقلت قياداتها مثل {نازك العابد} و {عادلة بيهم} في أحداث ١٩٢٥-١٩٢٧، وفرضت عليهنّ النفي من البلاد. كما طبّق الانتداب البريطاني في فلسطين والعراق سياسات مماثلة، حظرت على النساء عضوية الأحزاب السياسية، ومنعتهنّ من حقّ الترشح والانتخاب. وأصدرت سلطات الانتداب في العراق قانون الجمعيّات عام ١٩٢٢، الذي قيّد بشدّة نشاط الجمعيات النسائية وحصرها في الأعمال الخيرية دون السياسية، برغم الدور الكبير الذي لعبته {أسماء الزهاوي} و {صبيحة الشيخ داوُد} في الحركة الوطنية العراقية.
عملت سلطات الانتداب على ترسيخ نموذج غربي محافظ للدور النسائي، يتناقض مع التقاليد العربية والتركية التي سمحت للمرأة بمساحة أوسع من المشاركة السياسية. كما جرى تصوير النشاط السياسي النسائي على أنّه خروج عن “الآداب العامة” وتهديد للتقاليد، برغم أنّ هذه التقاليد ذاتها دعمت نضال المرأة في العهد العثماني وما سبقه.
في مصر، ساهمت {فاطمة اليوسف} في تأسيس صحيفة “روز اليوسف” عام ١٩٢٥، واستخدمتها منبراً لمقاومة الاستعمار البريطاني. وعانت الصحيفة من الرِّقابة والإغلاق المتكرّر، وتعرّضت مؤسّستها للملاحقة القانونية. كما استمرّت {صفية زُغلُول}، زوجة {سعد زُغلُول}، في قيادة وتنظيم المظاهرات النسائية ضدّ الاحتلال البريطاني، وأسّست “اللّجنة المركزية لنساء الوفد” التي نظّمت مقاطعة البضائع البريطانية.
أدّى استلام الأحزاب القومية العربية للسلطة بعد الاستقلال إلى تحسّن نسبي في وضع المرأة، أعادت لها حقوقاً سياسية وفرصاً تعليمية ووظيفية أفضل، تشبه أحوال العهد العثماني. فعدّلت سوريا ومصر والعراق قوانين الأحوال الشخصية لمصلحة المرأة في خمسينيّات وستّينيّات القرن العشرين. وتوسّع هذا التوجه في عهد {جمال عبد الناصر}، الذي أعاد للمرأة المصرية حقّ الترشّح والانتخاب عام ١٩٥٦، وعيّن أوّل وزيرة في تاريخ جمهورية مصر هي {حكمت أبو زيد} عام ١٩٦٢.
في سوريَا والعراق، تبنّت العديد من النساء فكر البعث العربي، وشكّلن قواعد شعبية واسعة للحزب. وبرزت {نجاح العطّار} مفكّرة بعثية سورية مهمّة، شاركت في صياغة فكر الحزب ومثّلته في مؤتمرات دولية، ولو أنّ تراثها منتقد لموالاتها استبداد {حافظ الأسد}. وفي العراق، برزت {منال يونس} إحدى أبرز القيادات النسائية في حزب البعث العراقي، حيث عُيّنت رئيسة للاتحاد العام لنساء العراق، وهي من المؤسِّسات الأصليات للاتّحاد عام 1969 إلى جانب {نوار حلمي} و {رمزية الخيرو}.
يُظهر تاريخ المشاركة النسائية في الحركة القومية العربية تناقضاً صارخاً مع الخطاب الاستشراقي الذي صوّر المرأة العربية تابعة سلبية. في حين عملت المرأة العربية في الصفوف الأمامية للعمل السياسي والنضال القوميّ، وواجهت الاستعمار بشجاعة، وطوّرت رؤاها الخاصّة للنهضة العربية. لذا، سيظل هذا الإرث النضالي النسائي نموذجاً ملهماً للأجيال الجديدة، ومذكّراً بالدور التاريخي للمرأة العربية في صناعة الفكر والمجتمع والسياسة.
التعامل مع التنوّع الإثني والهويّاتي
واجهت الحركات القومية العربية تحدّيات التنوّع الإثني والهويّاتي ضمن المجتمعات العربية، فطوّرت مواقف متباينة منه.
تعاملت العربية الفتاة مع التنوّع الديني والإثني بمرونة نسبية، فضمّت مسيحيّين ومسلمين من مختلف الطوائف والإثنيّات. وارتكزت على الجامع اللّغوي والتاريخي، متجاوزة الاختلافات الفرعية. فكسبت العربية الفتاة هكذا دعم وولاء مختلف القُوَى الاجتماعية المقيمة في المنطقة العربية من العثمانية، بما فيها القُوَى غير العربية؛ مثل الألبان واليونان والشركس والتركمان والأكراد والبخاريّين وغيرهم.
تبنّى حزب البعث خطاباً شمولياً عدّ كلّ المكونات الإثنية والطائفية جزءاً من الأمة العربية. وطوّر نظريّاً مفهوم «المواطنة المتساوية» بغضّ النظر عن الأصول الإثنية أو الدينية. لكنّه فشل عمليّاً في تجاوز المشكلات الإثنية، فسقط في صراعات مريرة مع الأكراد والتركمان من جهة، ومنع السريان والآشوريّين من جهة ثانية، في العراق وسوريا.
نظرت الناصرية للقوميّات غير العربية مسألة ثانوية ستحلّها التنمية والوحدة العربية. وأهملت خصوصيّات المكوّنات الإثنية، وعدّت مطالب هذه الإثنيّات تهديداً للوحدة الوطنية. ودافعت بقوّة عن صيغة «الدولة الوطنية» المتجانسة، رافضة الاعتراف بالحقوق الجماعية للأقليات. وهي الصيغة التي ورثها آل الأسد حتّى زوالهم عن السلطة.
خلاصة المقارنة
تظهر المقارنة بين أيديولوجيات الحركات القومية العربية تنوّعاً حقيقيّاً ضمن الإطار القومي العام. إذ تختلف هذه الأيديولوجيات في فهمها للعلاقة بين القومية والدين، وفي مواقفها من الاشتراكية واللّيبرالية، وفي تحديدها للوطن العربي وحدوده. وتتباين في أساليب العمل والتنظيم، وفي رؤيتها للديمقراطية والتعدّدية.
تتشابه هذه الأيديولوجيّات في رفضها للهيمنة الاستعمارية، وفي طموحها لتجاوز الحدود المصطنعة، وفي إعلائها شأن اللّغة العربية والتراث المشترك. وتلتقي في التأكيد على «الخصوصية العربية» مقابل النماذج الغربية المستوردة، وفي الربط بين التحرّر القومي والتنمية المستقلّة. ويكشف التنوّع الأيديولوجي للحركات القومية العربية عن ديناميكية الفكر القومي وقدرته على التطوّر والتكيّف. ويبيّن أنّ القومية العربية لم تكن أبداً تيّاراً فكرياً جامداً أو منغلقاً، بل تيّاراً حيويّاً متفاعلاً مع قضايا عصره ومستجيباً لتحدياته.
الشريط الزمني لتطوّر القومية العربية الحديثة
مرحلة التأسيس والبذور الأولى
- ١٩٠٨: تأسيس النادي العربي في دمشق على يد عبد الحميد الزهراوي
- ١٩٠٩: تشكيل “جمعية العربية الفتاة العسكرية” في دمشق برئاسة عزيز علي المصري
- ١٩١١: تأسيس مقر حركة “العربية الفتاة” في باريس
- ١٩١٣: افتتاح فرع للعربية الفتاة في بيروت
- ١٩١٣: انعقاد المؤتمر العربي الأول في باريس بمشاركة عبد الحميد الزهراوي
- ١٩١٤: افتتاح فرع للعربية الفتاة في دمشق
مرحلة النضال ضدّ الاستعمار وتبلور الهُوِيَّة
- ١٩١٦: إعدام جمال باشا لمجموعة من القادة العرب في دمشق في “يوم الشهداء”، ومن بينهم عبد الحميد الزهراوي
- ١٩١٩: المرحلة الثانية للنادي العربي في شارع بور سعيد بدمشق، وشهد افتتاح المؤتمر السوري بحضور الملك فيصل
- ١٩١٩: تأسيس “المجمع العلمي العربي” بدمشق بواسطة محمد كرد علي
- ١٩٢٠: إعلان استقلال سوريا في قاعة النادي العربي بدمشق
- ١٩٢١: تأسيس “حزب العهد العراقي” بواسطة ياسين الهاشمي وجعفر العسكري
- ١٩٢٥: تأسيس “الحزب الوطني” في سوريَا بواسطة عبد الرحمن الشهبندر
- ١٩٢٥: بداية “الثورة السورية الكبرى” ضد الفرنسيين بقيادة الشهبندر
- ١٩٢٥: اعتقال الشيخ خزعل الكعبي وأبنائه بعد تسليم بريطانيا أمراء الناصرية لإيران
- ١٩٢٨: تأسيس “الكتلة الوطنية” في سوريَا بواسطة جميل مردم بك
مرحلة تطوّر الفكر القومي وظهور التيارات المتنافسة
- ١٩٣٢: تأسيس الحزب القومي السوري بواسطة أنطون سعادة
- ١٩٣٣: تأسيس “عصبة العمل القومي” بواسطة زكي الأرسوزي
- ١٩٣٤: ظهور الحزب القومي العربي في لبنان
- ١٩٣٤: تأسيس “نادي العروبة” في الإسكندرون بواسطة زكي الأرسوزي
- ١٩٣٦: إعدام الشيخ خزعل الكعبي وأبنائه في إيران
- ١٩٣٧-١٩٣٩: المرحلة الثالثة للنادي العربي برئاسة سعيد فتاح الإمام، وتميزت بعلاقات بألمانيا النازية
- ١٩٤٠: دعوة زكي الأرسوزي ووهيب الغانم لتأسيس “الحزب القومي العربي” في اللاذقية
- ١٩٤١: تأسيس “جماعة الإحياء العربي” بواسطة ميشيل عفلق وصلاح البَيطار
مرحلة ولادة حزب البعث والصعود إلى السلطة
- ١٩٤٢: استقالة عفلق والبيطار من التدريس للتفرغ للعمل السياسي
- ١٩٤٣: إلقاء ميشيل عفلق خطاباً على مدرج الجامعة السورية في دمشق للتبشير بفكر البعث
- ١٩٤٥: تأسيس جامعة الدول العربية
- ١٩٤٦: استقلال سوريا عن فرنسا
- ١٩٤٧: انعقاد المؤتمر التأسيسي لحزب البعث العربي وانتخاب ميشيل عفلق عميداً للحزب
- ١٩٤٩: تولي ميشيل عفلق منصب وزير التعليم في سوريَا
- ١٩٥٠: اتهام زكي الأرسوزي لعفلق علناً في دمشق بالتواطؤ مع المخابرات الفرنسية
- ١٩٥٢: دمج حزب البعث مع الحزب الاشتراكي العربي بقيادة أكرم الحوراني
مرحلة المَدّ القومي وتجارب الوحدة
- ١٩٥٥: الصفقة التشيكية وتقارب عبد الناصر مع المعسكر الشرقي
- ١٩٥٦: تطوير الناصرية لخطاب “اشتراكي عربي”
- ١٩٥٨: تحقيق الوحدة بين مصر وسوريا تحت اسم الجمهورية العربية المتحدة
- ١٩٦١: انفصال سوريا عن مصر وانتهاء تجرِبة الوحدة
- ١٩٦٣: وصول حزب البعث إلى السلطة في العراق وتصفية الشيوعيين بمساعدة المخابرات الأمريكية
مرحلة الانشقاقات والهزائم
- ١٩٦٦: انقلاب ٢٣ شباط في سوريَا وانشقاق حزب البعث بين “القيادة القومية” و”القيادة القطرية”
- ١٩٦٧: هزيمة الجيوش العربية في حرب حَزِيران وبداية تراجع المَدّ القومي العربي
- ١٩٦٨: وفاة زكي الأرسوزي
- ١٩٧٠: استيلاء حافظ الأسد على السلطة في سوريَا
- ١٩٧٣: حرب تشرين/أكتوبر وبداية تحول السادات نحو المعسكر الغربي
- ١٩٨٠: اغتيال صلاح البَيطار في باريس
مرحلة التراجع وانحسار المشروع القومي
- ١٩٩١: حرب الخليج الثانية وانقسام الدول العربية حول الموقف من العراق، مما أدى إلى نهاية المشروع القومي العربي الكلاسيكي
مسار تطوّر فكر القومية العربية
الجذور الفكرية والتنظيمية ١٩٠٨-١٩١٤
- تأسيس التنظيمات الأولى:
- النادي العربي في دمشق ١٩٠٨ بقيادة عبد الحميد الزهراوي، أول منبر فكري قومي
- جمعية العربية الفتاة العسكرية ١٩٠٩ برئاسة عزيز علي المصري
- العربية الفتاة في باريس ١٩١١، ثم بيروت ١٩١٣ ودمشق ١٩١٤
- البُعد الدَّوْليّ: انعقاد المؤتمر العربي الأول في باريس ١٩١٣ بمشاركة عبد الحميد الزهراوي محاولة لتدويل المسألة العربية
المشاريع العربية المنافسة ١٩١٦-١٩٢٨
- مشاريع الممالك العربية:
- مشروع السلطنة العربية العلوية القاهرة
- مشروع المملكة العربية الهاشمية المتّحدة مكّة
- مشروع المملكة العربية الناصرية بغداد
- تصفية القيادات المؤسسة: إعدام جمال باشا للقادة العرب ١٩١٦ بمن فيهم عبد الحميد الزهراوي
- المؤسسات والأحزاب الوطنية الجديدة:
- المجمع العلمي العربي ١٩١٩ بقيادة محمد كرد علي
- إعلان استقلال سوريا في النادي العربي بدمشق ١٩٢٠
- حزب العهد العراقي ١٩٢١ بقيادة ياسين الهاشمي وجعفر العسكري
- الحزب الوطني السوري ١٩٢٥ بقيادة عبد الرحمن الشهبندر
- الثورة السورية الكبرى ١٩٢٥ بقيادة الشهبندر
- الكتلة الوطنية ١٩٢٨ بقيادة جميل مردم بك
- إجهاض المشروع الناصري: اعتقال الشيخ خزعل الكعبي ١٩٢٥ وإعدامه ١٩٣٦ وضم الأهواز لإيران
تطوّر النظريات القومية المتنافسة ١٩٣٢-١٩٤١
- تعدّد التيارات الفكرية:
- الحزب القومي السوري ١٩٣٢ بقيادة أنطون سعادة ونظريته عن “سوريا الكبرى”
- عصبة العمل القومي ١٩٣٣ بقيادة زكي الأرسوزي
- الحزب القومي العربي في لبنان ١٩٣٤
- نادي العروبة في الإسكندرون ١٩٣٤ بقيادة زكي الأرسوزي
- التحالفات الدولية الجديدة: المرحلة الثالثة للنادي العربي ١٩٣٧-١٩٣٩ برئاسة سعيد فتاح الإمام والعلاقة بألمانيا النازية
- تكوّن نواة البعث: تأسيس “جماعة الإحياء العربي” ١٩٤١ بواسطة ميشيل عفلق وصلاح البَيطار
ميلاد البعث والصراع الفكري ١٩٤٢-١٩٥٢
- ميلاد حزب البعث العربي:
- استقالة عفلق والبيطار من التدريس للتفرغ للعمل السياسي ١٩٤٢
- خطاب عفلق التأسيسي في الجامعة السورية ١٩٤٣
- المؤتمر التأسيسي لحزب البعث العربي ١٩٤٧ وانتخاب ميشيل عفلق عميداً للحزب
- تولي عفلق وزارة التعليم في سوريَا ١٩٤٩
- الصراع بين رواد الفكر البعثي: اتهام الأرسوزي لعفلق بالتواطؤ مع المخابرات الفرنسية ١٩٥٠
- توسيع قاعدة البعث: دمج حزب البعث مع الحزب الاشتراكي العربي بقيادة أكرم الحوراني ١٩٥٢
عصر المدّ القومي والمشاريع الوحدوية ١٩٥٥-١٩٦٣
- صعود الناصرية:
- الصفقة التشيكية وتقارب عبد الناصر مع المعسكر الشرقي ١٩٥٥
- تبلور النظرية الناصرية: “الاشتراكية العربية” ١٩٥٦
- تجرِبة الوحدة المصرية-السورية:
- قيام الجمهورية العربية المتحدة ١٩٥٨
- انفصال سوريا عن مصر ١٩٦١
- البعث في السلطة:
- وصول حزب البعث إلى الحكم في العراق ١٩٦٣
- تصفية الشيوعيين العراقيين بمساعدة المخابرات الأمريكية ١٩٦٣
انشقاق الحركة القومية وانكسار المشروع ١٩٦٦-١٩٨٠
- الانقسامات الداخلية:
- انقلاب ٢٣ شباط في سوريَا ١٩٦٦ وانشقاق البعث بين “القيادة القومية” و”القيادة القطرية”
- استيلاء حافظ الأسد على السلطة في سوريَا ١٩٧٠
- الضربات الخارجية:
- هزيمة حَزِيران يونيو ١٩٦٧ وتراجع المشروع القومي العربي
- حرب تشرين أكتوبر ١٩٧٣ وتحول السادات نحو الغرب
- تصفية الرموز المؤسسة:
- وفاة زكي الأرسوزي ١٩٦٨
- اغتيال صلاح البَيطار في باريس ١٩٨٠
انهيار المشروع القومي العربي ١٩٩١
- الضربة القاصمة: حرب الخليج الثانية ١٩٩١ وانقسام العالم العربي حول الموقف من العراق
الشخصيّات المؤثّرة في صناعة القومية العربية
مرتّبين حسب أقدميّة النشاط
في التوضيحات أدناه
ذكر
أنثى
المؤسّسون الأوائل
عبد الحميد الزهراوي ١٨٥٥-١٩١٦
مؤسس النادي العربي في دمشق عام ١٩٠٨، ومفكر سياسي مهم في أواخر العهد العثماني. درس في الأزهر وتأثر بأفكار محمد عبده والأفغاني. تدرج من مؤيد للإصلاح في إطار الدولة العثمانية إلى مطالب بالحقوق العربية. أصبح عضواً في مجلس المبعوثان العثماني. شارك في المؤتمر العربي الأول في پاريس عام ١٩١٣، وأعدمه جمال پاشا في دمشق عام ١٩١٦ في “يوم الشهداء”.
رفيق التميمي ١٨٧٧-١٩٦٠
كاتب ومترجم، رافق المسيرة الفكرية لجمعية العربية الفتاة وأسهم بترجمة كتابات القوميين الأوروبيين للعربية، مما أغنى المخزون النظري للحركة القومية العربية. ساهم في بناء الجسر المعرفي بين النظريات القومية الأوروبية والسياق العربي.
عزيز علي المصري ١٨٨٠-١٩٦٥
ضابط عسكري عثماني وسياسي مصري، أسس “جمعية العربية الفتاة العسكرية” في دمشق عام ١٩٠٩، وهو الذي وضع بَذْرَة التنظيم العسكري القومي العربي داخل الجيش العثماني. عارض النفوذ الفرنسي في سوريَا لاحقاً، وكان وزيراً للدفاع في مصر.
عوني عبد الهادي ١٨٨٢-١٩٧٠
محام فلسطيني وأحد مؤسسي العربية الفتاة في پاريس. صاغ أول دستور للجمعية ونظامها الداخلي، وأكسب الحركة بعداً قانونياً مهماً. أدّى دوراً محورياً في بلورة النظرية القانونية للقومية العربية.
ياسين الهاشمي ١٨٨٤-١٩٣٧
ضابط عراقي ذو خلفية عسكرية عثمانية، تخرج من المدرسة الحربية في إسطنبول. شارك في تأسيس “حزب العهد العراقي” عام ١٩٢١. تولى رئاسة الوزراء في العراق مرتين، ومثل تيار الوطنية العراقية ذات الجذور القومية.
جعفر العسكري ١٨٨٧-١٩٣٦
ضابط ذو خلفية عسكرية عثمانية، تخرج من المدرسة الحربية في إسطنبول. انتقل للعمل في العراق تحت النفوذ البريطاني. أسس مع ياسين الهاشمي “حزب العهد العراقي” عام ١٩٢١، الذي تحول لاحقاً إلى “الحزب الوطني العراقي”.
فخري البارودي ١٨٨٩-١٩٦٦
خاطر بموقعه الوظيفي لتسريب معلومات حساسة عن خطط السلطات العثمانية لقمع النشاط القومي. مثل نموذجاً للموظف المدني الملتزم بالقضية القومية برغم المخاطر.
شكري القوّتلي ١٨٩١-١٩٦٧
أصبح لاحقاً رئيساً لسوريا، وتولى في بداياته إدارة الشبكة السرية للعربية الفتاة وتنسيق اتصالاتها مع الضباط العرب في الجيش العثماني. جسد التحول من العمل القومي السري إلى قيادة الدولة الوطنية المستقلة.
جميل مردم بك ١٨٩٣-١٩٦٠
سياسي سوري درس في فرنسا وتأثر بتراثها الفكري والسياسي، يعدّ من التيار الفرانكوفوني. أسس “الكتلة الوطنية” عام ١٩٢٨، ودخل في صدام مع السلطات الفرنسية خلال فترة الانتداب برغم خلفيته الفرانكوفونية.
نسيب بكر البرازي ١٨٩٥-١٩٦٨
أسّست “جمعية نهضة المرأة الشامية” عام ١٩٢٠، التي دعمت الحكومة العربية في دمشق ضد التهديدات الخارجية. نظمت مظاهرات نسائية حاشدة ضد التدخل الفرنسي، وجمعت التبرّعات لدعم الجيش العربي. ساهمت في تأسيس الاتحاد النسائي السوري عام ١٩٣٣، ونشرت مقالات في الصحف السورية تطالب بحقوق المرأة واستقلال البلاد.
عادلة بيهم الجزائري ١٩٠٠-١٩٧٥
من أوائل النساء المنخرطات في العمل القومي، أسست سراً خلايا نسائية تابعة للعربية الفتاة في بيروت ودمشق عام ١٩١٤. نظمت أنشطة سياسية نسائية متنوعة، شملت توزيع المنشورات السرية، وجمع التبرعات، ونقل المعلومات الاستخباراتية. اعتقلتها سلطات الانتداب الفرنسي خلال أحداث ١٩٢٥-١٩٢٧ بسبب نشاطها القومي. تعد نموذجاً للمرأة المناضلة التي وحدت بين العمل الفكري والميداني في خدمة القضية القومية.
محمد كرد علي ١٨٧٦-١٩٥٣
متأثر بالتعليم العثماني والتراث العربي الإسلامي، أسس “المجمع العلمي العربي” الذي تحول لاحقاً إلى “المجمع العربي بدمشق” عام ١٩١٩. ساهم في إحياء التراث العربي وتطويره ليواكب متطلبات العصر.
سليم الجزائري ١٨٦٨-١٩٥٣
ساهم في تطوير البرنامج التربوي والتعليمي لجمعية العربية الفتاة، ودعا إلى إصلاح المناهج وتعريب التعليم. ركز على البعد التربوي والتعليمي في المشروع القومي العربي.
إحسان الجابري ١٨٨١-١٩٤٨
تميز نشاطه بتحويل مناقشات المقاهي والمنتديات الأدبية إلى حلَقات توعية سياسية سرية في حلب. كان جسراً بين النخبة المثقفة والطبقات الوسطى والشعبية، وساهم في نشر الوعي القومي.
عبد الرحمن الشهبندر ١٨٧٩-١٩٤٠
طبيب سوري درس الطب في پاريس وتأثر بالأفكار السياسية الفرنسية. أسس “الحزب الوطني” سنة ١٩٢٥، وقاد “الثورة السورية الكبرى” ضد الفرنسيين عام ١٩٢٥، مما أدى إلى نفيه من سوريا. مثل الجمع بين الثقافة الغربية والنضال الوطني.
خزعل الكعبي ١٨٦٣-١٩٣٦
شيخ المحمرة وأمير الناصرية الأهواز حالياً، قاد مشروع “المملكة العربية الناصرية” الذي كان أحد المشاريع العربية الطموحة. اعتقلته إيران عام ١٩٢٥ بعد أن سلمته بريطانيا لها، وأُعدم عام ١٩٣٦. مثل نموذجاً للقيادات العربية التي سقطت ضحية الصراعات الدولية.
شخصيات مؤثّرة في المراحل المبكّرة للدول العربية
صفية زُغلُول ١٨٧٦-١٩٤٦
زوجة سعد زُغلُول وشريكته السياسية، قادت المظاهرات النسائية ضد الاحتلال البريطاني بعد نفي زوجها عام ١٩١٩. أسست “اللجنة المركزية لنساء الوفد” التي نظمت مقاطعة البضائع البريطانية. لقبت بـ”أم المصريين” لدورها الوطني البارز. استمرت في العمل السياسي بعد وفاة زوجها، وتحولت دارها إلى مركز للنشاط السياسي.
مي زيادة ١٨٨٦-١٩٤١
أديبة ومفكرة لبنانية-فلسطينية، ساهمت في بلورة الفكر النهضوي العربي. شاركت في المؤتمر السوري عام ١٩١٩، وقدمت رؤى متقدمة عن دور المرأة في الدولة العربية المنشودة. جمعت في صالونها الأدبي كبار المفكرين والأدباء العرب، وناقشت القضايا القومية والفكرية. دافعت عن حقوق المرأة وربطت بين تحررها وتحرر الأمة. تعد من رائدات الفكر النسوي العربي ذي التوجه القومي.
نازك العابد ١٨٩٨-١٩٥٩
مؤسسة “نادي نور الفيحاء” في دمشق، ونشطت في تجنيد المتطوعين لمقاومة الاحتلال الفرنسي. ألقت خُطْبة شهيرة أمام المندوب السامي الفرنسي رفضت فيه الانتداب باسم نساء سوريا. شكلت فِرْقَة عسكرية نسائية للدفاع عن دمشق عام ١٩٢١، وكانت أول امرأة ترتدي الزي العسكري في سوريَا الحديثة. منحها الملك فيصل لقب “فخر النساء” تقديراً لدورها الوطني.
فاطمة اليوسف ١٨٩٨-١٩٧٨
أسست صحيفة “روز اليوسف” عام ١٩٢٥، واستخدمتها منبراً لمقاومة الاستعمار البريطاني في مصر. عانت صحيفتها من الرِّقابة والإغلاق المتكرر، وتعرضت للملاحقة القانونية. دعمت حزب الوفد ثم انتقدت أداءه لاحقاً، ممّا يظهر استقلاليّتها الفكرية. جمعت بين النضال السياسي والاجتماعي، وناصرت قضايا المرأة في كتاباتها.
دلال المقداد ١٨٩٠-١٩٦٥
من المشاركات في المؤتمر السوري عام ١٩١٩ في النادي العربي بدمشق. مثلت الجيل الأول من الناشطات السياسيات في الحركة القومية العربية. ساهمت في تنظيم المظاهرات النسائية ضد الانتداب الفرنسي في سوريَا. دافعت عن حقوق المرأة في المشاركة السياسية والتعليم.
أسماء الزهاوي ١٨٩٢-١٩٦٢
من رموز الحركة الوطنية النسائية في العراق، وابنة الشاعر جميل صدقي الزهاوي. شاركت في تأسيس “جمعية النهضة النسائية العراقية” عام ١٩٢٣، وناضلت ضد الانتداب البريطاني. ألقت خُطْبة شهيرة في مؤتمر نسائي ببغداد عام ١٩٣٢ طالبت فيه باستقلال العراق الكامل. دافعت عن حقوق المرأة في التعليم والعمل، ودعت إلى مشاركتها في الحياة السياسية.
ماري عجمي ١٨٨٨-١٩٦٥
مربية ومناضلة مسيحية لبنانية، شاركت في المؤتمر السوري عام ١٩١٩ في النادي العربي بدمشق. أسست “نادي السيدات الدمشقي” عام ١٩٢٠، الذي نظم الإغاثة الاجتماعية والأنشطة الوطنية. دافعت عن وحدة سوريا الطبيعية ورفضت تقسيمها. مثلت نموذجاً للتعايش بين مكونات المجتمع العربي المختلفة في إطار المشروع القومي.
صبيحة الشيخ داود ١٩١٢-١٩٧٥
من رائدات الحركة النسائية في العراق. أسست “نادي النهضة النسائية” في بغداد عام ١٩٣٨. ناضلت ضد السياسات البريطانية في العراق. طالبت بحقوق متساوية للمرأة العراقية في التعليم والعمل. ساهمت في ربط قضايا المرأة بالقضايا القومية والوطنية.
سعيد فتّاح الإمام
رأس المرحلة الثالثة للنادي العربي ١٩٣٧-١٩٣٩، وكانت مرحلة مثيرة للجدل بسبب علاقته بالحزب القومي العربي السري وتوجهه الموالي لألمانيا النازية. استقبل قادة نازيين وأرسل طلاباً سوريين للدراسة في ألمانيا. مثل التوجه الفاشي في الفكر القومي العربي.
بلدور فون شيراخ Baldur von Schirach
قائد شبيبة هتلر Hitlerjugend، زار النادي العربي في دمشق في كانون الأول ١٩٣٧، ومثل حلقة الوصل بين النازية والقوميين العرب في مرحلة ما قبل الحرب العالمية الثانية.
ڤالتر بيك Walter Beck
تابع زيارة فون شيراخ للنادي العربي في حَزِيران ١٩٣٨، واختار سبعين طالباً سورياً لمتابعة تعليمهم في ألمانيا على نفقة الحكومة الألمانية. مثل الدور الألماني في استقطاب الشباب العربي ضمن الصراع مع النفوذ الفرنسي والبريطاني.
روّاد الفكر القومي المعاصر
محبّ الدين الخطيب ١٨٨٦-١٩٦٩
كان عضواً في العربية الفتاة ثم ساهم في تأسيس الحزب القومي العربي. كان حلقة وصل بين الحركات القومية المبكرة والحركات اللاحقة، ونموذجاً للاستمرارية في العمل القومي.
عمر الفاخوري ١٨٩٦-١٩٤٦
انضم للعربية الفتاة في شبابه وكان لاحقاً من مؤسسي الحزب القومي العربي. مثل الجسر بين جيلين من المناضلين القوميين، وساهم في نقل الخبرات التنظيمية.
زكي الأرسوزي ١٨٩٩-١٩٦٨
فيلسوف ومفكر قومي سوري، درس الفلسفة في جامعة السوربون منذ عام ١٩٢٧. أسس “نادي العروبة” في الإسكندرون سنة ١٩٣٤، وطور نظرية فلسفية عميقة عن العَلاقة بين اللغة العربية والهوية القومية. أصدر جريدة “العروبة”، وشارك في تأسيس “عصبة العمل القومي” عام ١٩٣٣. اتهم ميشيل عفلق بالتواطؤ مع المخابرات الفرنسية. أثرت أفكاره في تيار قومي عربي لاحق تميز بنزعة اشتراكية متشددة.
أنطون سعادة ١٩٠٤-١٩٤٩
مفكر وسياسي لبناني سوري، أسس الحزب القومي السوري عام ١٩٣٢. طرح فكرة “سوريا الكبرى” كوحدة طبيعية وتاريخية بديلة عن القومية العربية الشاملة. تبنى توجهاً علمانياً صريحاً فصل فصلاً تاماً بين الدين والقومية. أُعدم في لبنان عام ١٩٤٩.
ميشيل عفلق ١٩١٠-١٩٨٩
مفكر سوري مسيحي، يعدّ المؤسس الأيديولوجي لحزب البعث العربي. درس في جامعة السوربون وتأثر بالأفكار القومية الأوروبية، خاصة تجرِبة “البعث الإيطالي” بقيادة ماتسيني. عاد إلى دمشق وعمل بالتدريس، ثم أسّس مع صلاح البَيطار “جماعة الإحياء العربي” عام ١٩٤١، وحزب البعث لاحقاً. طور فلسفة قومية مزجت بين التراث العربي الإسلامي والأفكار القومية الحديثة، وأدخل الإسلام كتراث روحي في صُلْب نظريته القومية برغم خلفيته المسيحية.
صلاح البَيطار ١٩١٢-١٩٨٠
سياسي سوري، شارك مع ميشيل عفلق في تأسيس حزب البعث. درس في جامعة السوربون وتأثر بالأفكار القومية الأوروبية. ركز على الجوانب التنظيمية والسياسية للحركة. دفع باتجاه الوحدة مع مصر الناصرية عام ١٩٥٨. تعرّض للاضطهاد والنفي بعد انقلاب شباط ١٩٦٦. تحول في منفاه إلى ناقد للتجربة البعثية ودعا للديمقراطية، حتى اغتياله في پاريس عام ١٩٨٠.
أكرم الحوراني ١٩١٢-١٩٩٦
سياسي سوري، أسس الحزب الاشتراكي العربي، ثم تحالف مع عفلق والبيطار ليشكلوا حزب البعث العربي الاشتراكي عام ١٩٥٢. أضاف البعد الاشتراكي إلى الفكر القومي العربي، وركز على قضايا الفلاحين والإصلاح الزراعي.
وهيب الغانم ١٩١٩-٢٠٠٣
عمل مع زكي الأرسوزي على تأسيس “الحزب القومي العربي” في اللاذقية عام ١٩٤٠. مثل التيار الأرسوزي في الفكر القومي العربي المعاصر.
القادة السياسيّون للمشاريع القومية
حكمت أبو زيد ١٩١٢-٢٠٠٢
أول وزيرة في تاريخ مصر والعالم العربي الحديث، تولت وزارة الشؤون الاجتماعية عام ١٩٦٢ في عهد جمال عبد الناصر. ساهمت في صياغة قوانين الإصلاح الاجتماعي والاشتراكية العربية. سعت إلى تطبيق فكر الناصرية في المجال الاجتماعي والنسائي. مثلت مصر في المؤتمرات الدولية، ودافعت عن القضية الفلسطينية. تركت إرثاً فكرياً يربط بين التحرر القومي وتحرر المرأة.
جمال عبد الناصر ١٩١٨-١٩٧٠
رئيس مصر وزعيم قومي عربي بارز، طور “الناصرية” كتيار قومي عربي ذي توجه اشتراكي. قاد تجرِبة الوحدة المصرية-السورية ١٩٥٨-١٩٦١. طرح “الاشتراكية العربية” كنموذج ثالث بين الرأسمالية والشيوعية. شكل قيادته تحولاً من الفكر القومي النخبوي إلى الحركة الشعبية العربية.
أنور السادات ١٩١٨-١٩٨١
خلف عبد الناصر في رئاسة مصر، وتحول تدريجياً للمعسكر الغربي بعد حرب ١٩٧٣. مثل نهاية المرحلة الناصرية وبداية انحسار المشروع القومي العربي.
منال يونس عبد الرزاق الآلوسي ١٩٤٦-
رئيسة الاتحاد العام لنساء العراق من عام ١٩٧٦، وإحدى المؤسّسات الأصليّات للاتحاد عام ١٩٦٩ إلى جانب نوّار حلمي ورمزية الخيرو. قادت الاتحاد النسائي مدة ٢٨ سنة، وكان الرئيس صدام حسين يرد على رسائلها خلال ٣ أيام. حاصلة على بكالوريوس قانون من الجامعة المستنصرية (١٩٧٦)، وماجستير قانون من معهد الدراسات العربية بجامعة الدول العربية (١٩٨٨)، ودكتوراه في القانون الدستوري من جامعة بغداد (١٩٩٧). تولّت تحرير مجلة “المرأة” الشهرية التي يصدرها الاتّحاد. اضطرّت لمغادرة العراق عام ٢٠٠٣ بعد سقوط نظام صدّام.
حافظ الأسد ١٩٣٠-٢٠٠٠
استولى على السلطة في سوريَا عام ١٩٧٠، وحول الفرع السوري من حزب البعث إلى نظام عسكري شبه ملكي بقيادة أسرة من الطائفة العلوية. مثّل تحوّل الأيديولوجيا القومية إلى أداة لشرعنة النظام السلطوي.
نجاح العطّار ١٩٣٣-
مفكّرة بعثية سورية شغلت منصب نائب رئيس الجمهورية في سوريَا ٢٠٠٦-٢٠٢٤، شاركت في صياغة فكر الحزب ومثّلته في مؤتمرات دولية. تولت وزارة الثقافة في سوريَا لفترات طويلة، وعملت على نشر الفكر القومي عبر المشروعات الثقافية. ساهمت في تحديث الخطاب القومي العربي وربطه بقضايا التنمية الثقافية. تعد من أبرز المفكرات السياسيات في العالم العربي، ومن النماذج القليلة للنساء اللّواتي وصلن إلى مراكز صنع القرار في العمل الحزبي القومي.
صدّام حسين ١٩٣٧-٢٠٠٦
قاد نظام البعث في العراق، وتعاونت معه الولايات المتحدة في الثمانينيّات بمنزلة موازن للنفوذ الإيراني، ثم انقلبت عليه في التسعينيات. مثل صعود وانهيار المشروع القومي العربي في مرحلته الأخيرة.

تحليل الأديان والطوائف للشخصيّات المؤثّرة في صناعة القومية العربية
تم البحث والتحقق من أديان وطوائف جميع الشخصيات المذكورة في الوثيقة (42 شخصية) من طريق مصادر موثقة، وتم تصنيفها حسب الفئات الأربع المحدّدة في البحث.
التحليل حسب الفئات
1. المؤسّسون الأوائل (16 شخصية)
| الدين/الطائفة | العدد | النسبة المئوية |
|---|---|---|
| مسلم سني | 15 | 93.8% |
| مسلم شيعي | 1 | 6.3% |
- عبد الحميد الزهراوي كان شيخاً ومفكراً دينياً إسلامياً، درس في الأزهر وتأثر بأفكار محمد عبده والأفغاني
- خزعل الكعبي كان شيخ المحمرة وأمير الناصرية (الأهواز حالياً) من القبائل العربية الشيعية
2. شخصيّات مؤثرة في المراحل المبكرة للدول العربية (11 شخصية)
| الدين/الطائفة | العدد | النسبة المئوية |
|---|---|---|
| مسلم سني | 7 | 63.6% |
| مسيحي (بروتستانتي) | 2 | 18.2% |
| مسيحي أرثوذكسي | 1 | 9.1% |
| مسيحي | 1 | 9.1% |
- الشخصيتان الألمانيتان (بلدور فون شيراخ وفالتر بيك) هما مسيحيان بروتستانتيان
- مي زيادة كانت أديبة مسيحية أرثوذكسية لبنانية-فلسطينية
3. رواد الفكر القومي المعاصر (8 شخصيات)
| الدين/الطائفة | العدد | النسبة المئوية |
|---|---|---|
| مسلم سني | 4 | 50.0% |
| مسيحي أرثوذكسي | 2 | 25.0% |
| علوي | 2 | 25.0% |
- زكي الأرسوزي ولد لعائلة علوية من الطبقة المتوسطة في اللاذقية، والدته مريم تنتسب لعائلة دينية بارزة من الطائفة العلوية
- أنطون سعادة ولد لعائلة مسيحية أرثوذكسية، والده الدكتور خليل سعادة ووالدته نايفة نصير خنيصر
- ميشيل عفلق ولد في عائلة مسيحية أرثوذكسية من الطبقة المتوسطة في دمشق، وادعى اعتناق الإسلام قبل وفاته
4. القادة السياسيون للمشاريع القومية (7 شخصيات)
| الدين/الطائفة | العدد | النسبة المئوية |
|---|---|---|
| مسلم سني | 6 | 85.7% |
| علوي | 1 | 14.3% |
- حافظ الأسد ولد لعائلة علوية فقيرة من الطائفة العلوية في القرداحة، وكان أول رئيس بعثي علوي في التاريخ السوري
النسب الإجمالية (42 شخصية)
| الدين/الطائفة | العدد | النسبة المئوية |
|---|---|---|
| مسلم سني | 32 | 76.2% |
| علوي | 3 | 7.1% |
| مسيحي أرثوذكسي | 3 | 7.1% |
| مسيحي (بروتستانتي) | 2 | 4.8% |
| مسلم شيعي | 1 | 2.4% |
| مسيحي | 1 | 2.4% |
الملاحظات التحليلية
طبيعة الحركة القومية بمنزلة حركة عَلمانية تجاوزت الحدود الدينية والطائفية في سعيها لتوحيد العرب تحت راية القومية.
1. الهيمنة السنية
- المسلمون السنّة يشكلّون الغالبية العظمى (76.2%) من الشخصيات المؤثرة في صناعة القومية العربية
- هذه النسبة تظهر التركيبة الديموگرافية للمنطقة العربية
2. التنوّع الطائفي والديني
- برغم الهيمنة السنّيّة، هناك مساهمة ملحوظة للأقلّيات الدينية والطائفية
- المسيحيّون (بمختلف طوائفهم) يشكّلون 14.3% من المجموع
- العلويّون يشكلون 7.1% برغم كونهم أقلية صغيرة جدّاً في المنطقة
3. التطور التاريخي
- المؤسّسون الأوائل: هيمنة سنّيّة شبه كاملة (93.8%)
- رواد الفكر المعاصر: أكبر تنوّع طائفي (50% سنّة، 25% مسيحيّون أرثوذكس، 25% علويون)
- القادة السياسيّون: عودة للهيمنة السنّيّة (85.7%)
4. الحالات الخاصّة
- ميشيل عفلق: ولد مسيحياً أرثوذكسياً لكن ادعّى اعتناق الإسلام قبل وفاته
- الشخصيّتان الألمانيّتان: تمثّلان التدخل الأوروپي في الحركة القومية العربية
تظهر البيانات أنّ الحركة القومية العربية كانت متنوّعة طائفياً ودينيّاً أكثر ممّا قد يتوقّع البعض، برغم الهيمنة الواضحة للمسلمين السنّة. هذا التنوّع يظهر طبيعة الحركة القومية بمنزلة حركة عَلمانية تجاوزت الحدود الدينية والطائفية في سعيها لتوحيد العرب تحت راية القومية.

تحليل نسبة الذكور إلى الإناث في صناعة القومية العربية
النتائج الإجمالية
| الجنس | العدد | النسبة المئوية |
|---|---|---|
| الذكور | 29 | 69.0% |
| الإناث | 13 | 31.0% |
نسبة الرجال إلى النساء: 2.2 : 1
عدد النساء لكلّ 10 رجال: 4.5
التحليل حسب الفئات
1. المؤسّسون الأوائل (16 شخصية)
| الجنس | العدد | النسبة المئوية |
|---|---|---|
| ذكور | 14 | 87.5% |
| إناث | 2 | 12.5% |
النساء في هذه الفئة:
- نسيب بكر البرازي – أسست “جمعية نهضة المرأة الشامية” عام 1920
- عادلة بيهم الجزائري – من أوائل النساء المنخرطات في العمل القومي، أسست خلايا نسائية سرية
2. شخصيات مؤثرة في المراحل المبكرة (11 شخصية)
| الجنس | العدد | النسبة المئوية |
|---|---|---|
| إناث | 8 | 72.7% |
| ذكور | 3 | 27.3% |
هذه الفئة تهيمن عليها النساء! النساء في هذه الفئة:
- صفية زُغلُول – زوجة سعد زُغلُول وشريكته السياسية، لُقبت بـ”أم المصريين”
- مي زيادة – أديبة ومفكرة لبنانية-فلسطينية، ساهمت في بلورة الفكر النهضوي العربي
- نازك العابد – مؤسسة “نادي نور الفيحاء” في دمشق، شكلت فِرْقَة عسكرية نسائية
- فاطمة اليوسف – أسست صحيفة “روز اليوسف” عام 1925
- دلال المقداد – من المشاركات في المؤتمر السوري عام 1919
- أسماء الزهاوي – من رموز الحركة الوطنية النسائية في العراق، ابنة الشاعر جميل صدقي الزهاوي
- ماري عجمي – مربية ومناضلة مسيحية لبنانية، شاركت في المؤتمر السوري
- صبيحة الشيخ داود – من رائدات الحركة النسائية في العراق، أسست “نادي النهضة النسائية”
3. رواد الفكر القومي المعاصر (8 شخصيات)
| الجنس | العدد | النسبة المئوية |
|---|---|---|
| ذكور | 8 | 100.0% |
| إناث | 0 | 0.0% |
ملاحظة مهمة: هذه الفئة خالية تماماً من النساء، مما يظهر طبيعة التنظير الفكري والفلسفي في تلك الحِقْبَة.
4. القادة السياسيّون للمشاريع القومية (7 شخصيات)
| الجنس | العدد | النسبة المئوية |
|---|---|---|
| ذكور | 4 | 57.1% |
| إناث | 3 | 42.9% |
النساء في هذه الفئة:
- حكمت أبو زيد – أول وزيرة في تاريخ مصر والعالم العربي الحديث (وزيرة الشؤون الاجتماعية 1962)
- منال يونس – من القيادات النسائية في حزب البعث العراقي، رأست اتحاد نساء العراق
- نجاح العطار – مفكرة بعثية سورية، نائب رئيس الجمهورية في سوريَا (2006-2024)
الملاحظات التحليلية
مشاركة المرأة العربية في صناعة القومية العربية كانت أقوى وأكثر تأثيراً مما قد يُتوقّع
1. التطوّر التاريخي لمشاركة المرأة
- المرحلة المبكّرة: مشاركة محدودة (12.5% في المؤسّسين الأوائل)
- المرحلة الانتقالية: هيمنة نسائية واضحة (72.7% في المراحل المبكرة للدول)
- مرحلة التنظير: غياب كامل للنساء (0% في روّاد الفكر)
- مرحلة القيادة السياسية: مشاركة قوية (42.9% في القادة السياسيّين)
2. أنماط المشاركة النسائية
- التنظيم الاجتماعي: تأسيس جمعيات نسائية ومنظمات اجتماعية
- الإعلام والصحافة: إنشاء صحف ومجلات (فاطمة اليوسف)
- الفكر والأدب: المساهمة في الحِوار الفكري (مي زيادة)
- النضال الميداني: تشكيل فرق عسكرية نسائية (نازك العابد)
- القيادة السياسية: الوصول لمناصب وزارية ورئاسية عليا
3. الفجوة في التنظير الفكري
- ملاحظة بارزة: فئة “رواد الفكر القومي المعاصر” خالية تماماً من النساء
- هذا يظهر حواجز اجتماعية وثقافية أمام مشاركة المرأة في التنظير الفلسفي والفكري
- الرجال هيمنوا على وضع الأسس النظرية للقومية العربية (عفلق، الأرسوزي، سعادة، إلخ)
4. التمكين في المراحل المتأخرة
- ارتفاع ملحوظ في نسبة مشاركة المرأة في القيادة السياسية (42.9%)
- وصول المرأة لمناصب عليا جداً (نائب رئيس جمهورية، وزيرة)
- تحوّل من الأدوار التقليدية إلى أدوار قيادية فعلية
الخلاصة
برغم أن الرجال يشكلون الغالبية العددية (69%)، غير أنّ مشاركة المرأة العربية في صناعة القومية العربية كانت أقوى وأكثر تأثيراً مما قد يُتوقّع، خاصة في:
- المراحل الانتقالية حيث هيمنت النساء على 72.7% من الشخصيات المؤثرة
- القيادة السياسية المتأخرة حيث وصلت مشاركتهن إلى 42.9%
- التنوع في أشكال المشاركة من التنظيم الاجتماعي إلى القيادة السياسية العليا
الاستثناء الوحيد كان في مجال التنظير الفكري والفلسفي، الذي بقي حكراً على الرجال، ممّا يظهر قيود اجتماعية وثقافية على مشاركة المرأة في هذا المجال تحديداً.
خاتمة
تمثّل دراسة تاريخ الحركة القومية العربية نافذة على فهم أعمق للتحوّلات السياسية والفكرية في المنطقة العربية. وتتجلّى أهمّية هذه الدراسة في قدرتها على كشف العَلاقة الجدلية بين الفكر والواقع، بين الطموح والممكن، بين الهُوِيَّة والسلطة. وتدعونا هذه المراجعة التاريخية إلى التفكير النقدي في طبيعة المشاريع السياسية الكبرى وشروط نجاحها أو فشلها. وتكشف عن أهمّية النظر إلى الظواهر السياسية ضمن سياقها الدَّوْليّ والإقليمي، وعدم الاكتفاء بالعوامل الداخلية. وتفتح هذه الدراسة الباب أمام نقاش عميق حول مفهوم الهُوِيَّة ذاته، ودوره في تشكيل الوعي السياسي. فتدفع الباحثين والمهتمّين إلى تجاوز الثنائيّات المبسّطة، والغوص في تعقيدات الواقع بكل تناقضاته.
تأثرت المشاريع القومية العربية بشدّة بالقوى الدولية. إذ نشأت الحركات القومية الأولى بعد تفكّك الدولة العثمانية، وسرعان ما واجهت التدخّل الاستعماري الغربي. واستخدمت بريطانيا وفرنسا هذه الحركات في صراعها مع الدولة العثمانية، ثم تخلّت عنها بعد تحقيق أهدافها. وتحوّلت الحركات القومية لاحقاً إلى أدوات في لُعْبَة الحرب الباردة بين الولايات المتّحدة والاتّحاد السوڤييتي.
انقلبت الحركات التحررية على مبادئها الأولى بعد وصولها للسلطة. فقدّمت هذه الحركات نفسها مدافعة عن الحرّية والتحرّر من الاستعمار، لكنّها أسّست بعد استلامها زمام الأمور أنظمة سلطوية قمعت شعوبها وحرّياتها باسم الوحدة والتقدّم. وناقضت الممارسات الفعلية للحركات القومية شعاراتها المعلنة. إذ رفعت خطابات القومية العربية شعارات الحرية والمساواة والتقدّم الاجتماعي، لكن ممارساتها على أرض الواقع خالفت هذه القيم، ممّا أفقدها مصداقيتها تدريجياً.
فشل المشروع القومي في التعامل مع التنوّع داخل المجتمعات العربية. وأخفقت الحركات القومية في استيعاب التنوّع الإثني والديني والمذهبي الموجود في البلدان العربية، فأهملت خصوصيّات المكوّنات غير العربية وعدّت مطالبها تهديداً للوحدة الوطنية. هذا دفع هذه المكوّنات لتقليد التجربة القومية العربية بتكوين مذاهبها القومية الخاصة، التي جعلت أساسها معاداة القومية العربية وبناء فكر لاعربي متحالف مع كلّ أعداء الهُوِيَّة العربية.
أظهرت الحركات القومية العربية براگماتية سياسيّة مفرطة. إذ تنقّلت هذه الحركات بين تحالفات متناقضة مع القُوَى الدولية المختلفة؛ بريطانيا وفرنسا وألمانيا النازية والاتّحاد السوڤييتي والولايات المتحدة، وفقاً لمصالحها اللّحظية. وهي نفسها القُوَى التي تدعم اليوم كلّ المشاريع القومية اللّاعربية.
قدّم تراجع وانهيار المشروع القومي العربي دروساً ثمينة للمستقبل. وتؤكّد هذه التجربة ضرورة ربط أي مشروع سياسي بالديمقراطية وباحترام التنوّع، وخطورة الاعتماد على القُوَى الخارجية، وأهمّية التوازن بين الطموحات الكبرى والواقعية السياسية. وتستحقّ تجرِبة الحركات القومية العربية قراءة نقدية متعمّقة، تستخلص الدروس وتميّز بين الإنجازات والإخفاقات.
تساعدنا هذه القراءة في فهم تعقيدات الواقع العربي الراهن، وتطوير رؤى سياسية أكثر نضجاً واستجابة لتحديات العصر.
يدعو هذا التاريخ المتشابك إلى قراءة نقدية للمصادر والروايات، واستكشاف المسكوت عنه في السرديّات الرسمية. هذا يتطلّب جهداً فكريّاً متواصلاً، يراجع المسلّمات ويخضع المقولات للاختبار. وتبرز أهمّية استمرار البحث في هذا المجال، وتطوير أدوات منهجية جديدة تسبر أغوار هذه التجربة التاريخية بكل أبعادها. إذ يسهم ذلك في بناء وعي تاريخي رصين، يستفيد من دروس الماضي دون السقوط في فخّ التعميم أو التبسيط. وتثبت هذه المسيرة التاريخية أنّ دراسة الماضي ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل. وتمنح الباحثين والقرّاء فرصة للتأّمل في مسارات التاريخ المتشعّبة، وتعقيدات الهُوِيَّة والسياسة في منطقة شديدة الحساسيّة.
المراجع
- الأنصاري، محمد جابر. (٢٠١٠). تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية: مدخل إلى إعادة فهم الواقع العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.
- بشارة، عزمي. (٢٠١٧). في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي. الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
- التميمي، عبد المالك. (١٩٨٦). المشروع النهضوي العربي: نظرة تاريخية وتقييم نقدي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.
- حافظ، صلاح الدين. (٢٠٠٠). صراع الأفكار في الشرق الأوسط: الأيديولوجيات الإسلامية والعلمانية والليبرالية. القاهرة: مكتبة مدبولي.
- الحصري، ساطع. (١٩٩٥). محاضرات في نشوء الفكرة القومية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.
- حوراني، ألبرت. (٢٠١٣). الفكر العربي في عصر النهضة ١٧٩٨-١٩٣٩. ترجمة كريم عزقول. بيروت: نوفل.
- خلف، سمير. (٢٠١٢). العرب وعصر المعلومات: رؤية لمستقبل الخطاب الثقافي العربي. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.
- الدوري، عبد العزيز. (١٩٨٤). التكوين التاريخي للأمة العربية: دراسة في الهوية والوعي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.
- زريق، قسطنطين. (١٩٩٤). نحن والتاريخ: مطارحات في إشكاليات الفكر العربي المعاصر. بيروت: دار العلم للملايين.
- سعيد، إدوارد. (٢٠٠٦). القومية والاستشراق والمسألة الكولونيالية. ترجمة فواز طرابلسي. بيروت: دار الآداب.
- صايغ، أنيس. (١٩٩٥). بيروت ١٩٠٨-١٩١٤: أحداث موثقة من تاريخ الحركة العربية. بيروت: دار المكشوف.
- العظم، صادق جلال. (٢٠٠٧). ذهنية التحريم أم تحريم الذهنية: دراسات في إشكالية الفكر العربي المعاصر. دمشق: دار المدى.
- العظمة، عزيز. (٢٠٠٠). العلمانية من منظور مختلف. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.
- العفلق، ميشيل. (١٩٦٣). في سبيل البعث. بيروت: دار الطليعة.
- علوش، ناجي. (١٩٧٥). خطاب الهوية العربية. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
- العوا، عادل. (١٩٩٣). جذور الاستبداد: قراءة في أدب النظام السياسي في الفكر العربي الإسلامي. دمشق: الأهالي للطباعة والنشر.
- غليون، برهان. (٢٠٠٤). المحنة العربية: الدولة ضد الأمة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.
- فرعون، صادر. (٢٠١٨). الأستاذ الدكتور حسني سبح أحد أساطين تعريب العلوم الطبية ١٩٠٠-١٩٨٦. دمشق: مطبوعات مجمع اللغة العربية.
- قاسم، عبده قاسم. (٢٠١١). مراجعات في الفكر العربي: جدل التاريخ والفكر. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب.
- كمال، أحمد عادل. (١٩٩٧). النقطة والدائرة: دراسة في الفكر السياسي العربي. بيروت: المركز الثقافي العربي.
- كوثراني، وجيه. (٢٠١٤). الذاكرة والتاريخ في القرن العشرين الطويل: دراسات في البحث والبحث التاريخي. بيروت: دار الطليعة.
- منصور، جوزيف. (٢٠٠٨). تسعون عاماً من تاريخ الفكر القومي العربي: القومية العربية بين التنوير والتطرف. بيروت: رياض الريس للكتب والنشر.
- الهواري، عدي. (٢٠١٦). تشكيل الدولة في العالم العربي: منظور مقارن. الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
- Dawn, C. Ernest. (1991). From Ottomanism to Arabism: Essays on the Origins of Arab Nationalism. University of Illinois Press.
- Hourani, Albert. (2013). Arabic Thought in the Liberal Age 1798-1939. Cambridge University Press.
- Khalidi, Rashid. (1991). The Origins of Arab Nationalism. Columbia University Press.
- Khoury, Philip S. (1987). Syria and the French Mandate: The Politics of Arab Nationalism, 1920-1945. Princeton University Press.
- Teitelbaum, Joshua. (2001). The Rise and Fall of the Hashemite Kingdom of Arabia. C. Hurst & Co. Publishers.
- Wien, Peter. (2006). Iraqi Arab Nationalism: Authoritarian, Totalitarian and Pro-Fascist Inclinations, 1932–1941. Routledge.





اترك رداً على مؤنس بخاريإلغاء الرد