عرفت فترة الحكم العلوي لمصر الكثير من مساعي التعريب، وهي المساعي التي نتجت عنها لغتنا العربية الفصيحة المعاصرة؛ التي نسمّيها اصطلاحاً بعربيّة الصحافة. وهي تسمية لبستها هذه النسخة من الفصحى في الفترة ما بين الحربين العالميات.
وتكاد تكون عربيّة الصحافة من نتاج مصري بحت، طالما أنّ الصحافة العربيّة المشرقيّة كانت قد نزحت بمعظمها إلى القاهرة عقب فترة الانقلابات في السلطنة العثمانية مطلع القرن 19. ويسمّيها البعض اليوم بلغة الإعلام وبعربية الإعلام، كما أطلق عليها المثقّفون المصريّون قديماً اللّغة الثالثة (إلى جانب الفصحى والعامّيّة)، وكذلك فصحى العصر تمييزاً لها عن فصحى التراث.
وبسبب اعتماد الأسرة العلوية على اللّغة العربية لغة رسمية في دولتهم، وهم من أطلقوا مشروع السلطنة العربية بديلةً عن السلطنة العثمانية، صارت القاهرة هي مرجع العرب لغويّاً في كلّ مكان، وما تنتجه الصحف المصرية هو ما ينتشر لغةً بين الناس. وكان قد ساهم في تكوين لغة الصحافة العربيّة أدباء مشاهير من أمثال عبّاس محمود العقّاد، وإبراهيم عبد القادر المازني، ومصطفى صادق الرافعي، وطه حسين. وكلّهم مصريّون.
وعلى عكس ما يشاع، لم تكن فترة التعريب المصرية تعريباً عن التركية، فلم تنتشر التركية في البلاد العربية في فترة الحكم العثماني. إنّما كانت تلك الفترة هي تعريب عن الإنگليزية. إذ كانت كلّ المصطلحات الإدارية والعلمية إنگليزية في الحكومة المصرية العلوية، سيّما والإنگليز موجودون في مصر منذ عهد خورشيد پاشا؛ وقد ساهموا بطرد القوّات الفرنسية عن البلد. وكانوا في الأساس شركاء الأسرة العثمانية في إدارة السلطنة؛ حتّى انتشرت دعوات من پاشاوات كبار لاعتماد اللّغة الإنگليزيّة لغة رسمية للسلطنة العثمانية.
وتميّز عهد الأسرة العلويّة في مصر باستبدال الكثير من المصطلحات الإنگليزية بمقابل مناسب لها من العربيّة، وفق المنطق المصري، فصارت الحكومات المصريّة تُصدر كلّ فترة قائمة بمئات المصطلحات العربية الجديدة، حتّى اتّسمت الأسرة العلوية بسمة قادة التعريب وبقيادة التجديد في اللّغة العربيّة، وكان أبرز من قادوا عهد التعريب في مصر الملك فؤاد الأوّل، وهو مثقّف وطبيب جرّاح، ومن أعضاء أكاديميّة الآداب الجميلة الفرنسيّة Académie des Inscriptions et Belles-Lettres.
في عهد فؤاد الأوّل استقلّت مصر عن بريطانيا، وتحوّلت رسميّاً من سلطنة إلى مملكة دستورية. كما أمر الملك فؤاد بتأسيس مجمع اللّغة العربيّة كأكاديميّة لغويّة تعتني بالتعريب. إلى جانب الجامعة المصريّة، والبرلمان المصريّ، بالإضافة إلى غيرها من المؤسّسات التي أبرزت هويّة مصريّة عربيّة تميّزت للمرّة الأولى على المستوى الدولي في العهد الحديث.
في عهد الملك فؤاد حمل مجمع اللّغة اسم “مجمع اللّغة العربيّة الملكي”، وأصدر في عهده تعريبات لحوالي 250 مصطلح جديد، جمعها جميعاً سنة 1958 الأستاذ أحمد رضا في معجمه متن اللّغة، وهذه كلّها كلمات ما كانت مستعملة في الفصحى من قبل. يمكنك قراءتها جميعاً في الصفحة الثانية من هذه التدوينة، بنقر رقم 2 في أسفلها.
توفّي الملك فؤاد الأوّل سنة 1936 فخلفه الملك فاروق، الذي فاق من سلفه بحركات التعريب، إذ طرد الجالية الإنگليزية من مصر، وأبعد الموظّفين الإنگليز، وألغى كل الامتيازات الأجنبية في مصر، وعرّب قيادة الجيش والقانون، وأسّس نقابة المحامين ونقابة الصحفيّين ونقابة المهن التمثيلية، كما أسّس جامعة الإسكندرية وجامعة عين شمس وجامعة أسيوط، والجمعية المصرية للدراسات التاريخية والمعهد العالي للفنون المسرحية ومعهد الوثائق والمكتبات والكلية البحرية وكليّة الطيران الملكية (مدرسة الطيران العالي)، وأعاد افتتاح دار الحكمة، وأصدر قانون حفظ الآثار. وغيرها الكثير.

الخارطة أعلاه للإمبراطورية الإنگليزية-المصرية فترة الحرب العالمية الأولى، وكانت قد نشأت رسمياً مع إعلان الخديويّة المصرية استقلالها رسمياً عن الإمبراطورية العثمانية وتأسيس “سلطنة مصر” سنة 1914 تحت حماية الجيش الإنگليزي المتواجد في البلد منذ 1882. وضمّت الإدارة الإنگليزية-المصرية المشتركة:
- سلطنة مصر: التي كانت تشمل من الدول المعاصرة على مصر وشرق ليبيا والسودان والسودان الجنوبي.
- قناة السويس.
- يوگاندا (أوغنده).
- شرق أفريقيا البريطاني، دولة كينيا المعاصرة.
- صوماليلاند البريطانية، جمهورية شمال الصومال المعاصرة.
نفّذت هذه الخارطة شركة “جورج واشنطن بيٓكون” G.W. Bacon الإنگليزية في لندن، ورسم الخارطة جورج بيٓكون شخصياً قبل سنة 1916، لكن تاريخ الرسم غير معروف بدقة، وكان بيٓكون قد عنونها بـ” خارطة نجارة بيٓكون لمصر، حوض النيل والبلدان المحيطة”. وهي اليوم من مقتنيات مكتبة الكونگرس الأميركي في واشنطن العاصمة. “نجارة بيٓكون” كان اسماً تجارياً أصدر تحته جورج بيٓكون الكثير من الخرائط التي بيعت كأعمال فنيّه.





اترك رد