تكشف دراسات علم النفس المعاصر عن علاقةٍ وثيقةٍ بين النظام المنزليّ والصحّة النفسيّة. تؤثّر الفوضى المنزليّة في توازن الإنسان النفسيّ وقدرته على التركيز والإنجاز، فتنعكس سلباً على صحّته العقليّة والجسديّة. يرتبط هذا التأثير بالتطوّر التاريخيّ للمجتمعات البشريّة، فقد عاشت المجتمعات القديمة في بيئاتٍ منظّمةٍ تتناسب مع احتياجاتها الأساسيّة. برزت مشكلة الفوضى المنزليّة مع التحوّل الصناعيّ والتكنولوجي، فازدادت المقتنيات وتراكمت الأغراض في البيوت العصريّة.
تشير البحوث النفسيّة إلى تأثّر النساء بشكلٍ خاصٍّ بالفوضى المنزليّة، فيظهر ذلك في ارتفاع مستويات القلق والتوتّر والاكتئاب لديهنّ. يرتبط هذا التأثير بالتكوين البيولوجي والنفسيّ للمرأة، فتستجيب بشكلٍ غريزيٍّ للفوضى البصريّة في محيطها. تتفاقم هذه المشكلة في ظروف النزوح واللجوء، فتفقد المرأة السيطرة على بيئتها المنزليّة وتواجه صعوباتٍ في الحفاظ على النظام والترتيب.
تتجاوز آثار الفوضى المنزليّة الجانب النفسيّ لتؤثّر في العلاقات الاجتماعيّة والأداء المهنيّ. تضعف قدرة المرأة على التواصل الفعّال مع الآخرين وتتراجع إنتاجيّتها في العمل. يمتدّ هذا التأثير ليشمل بعض الرجال، فيعانون من مشاعر الفشل والإحباط والعدوانيّة تجاه أنفسهم ومحيطهم.
في شباط ٢٠١٧ خرجت نتائج دراسة جديدة عن مركز UCLA الأميركي للدراسات النفسيّة، استمرّت الدراسة ست سنوات منذ ٢٠١٢، وتقول النتائج أنّ الفوضى المنزليّة هي أهمّ مسبّبات الحصر النفسي لدى النساء، وبعض الرجال. هذا الحصر النفسي هو ما يدفع المرأة للدخول في دوّامات الاكتئاب التي قد تؤدّي إلى اليأس من الحياة والرغبة بتغييرها.
درس المركز حياة عدّة عائلات بالتعاون مع مركز الطبيبة شيري بورگ في فلوريدا الأميركية، ووجدوا أنّ الفوضى المنزليّة تغمر عقل المرأة وتشتّت قدرتها على التركيز ما يجعل التفكير الواضح والسليم فعلٌ مجهدٌ للغاية، يؤدّي إلى الإرهاق العصبيّ، ومن ثمّ الانهيار تحت ضغط كراهيّة الذات والحالة.
هذا الإجهاد العصبي يتجاوز جدران حياة المرأة في البيت، فينتقل معها إلى عملها وعلاقاتها الاجتماعيّة، ما يدفع أغلب النساء لتصوُّر أسباب مختلفة وراء موجات اليأس والاكتئاب التي تهاجمها، دون إدراك السبب البصريّ الحقيقيّ القابع في البيت، سيّما في غياب وجود البيت.
الدراسة أكّدت أنّ تأثُّر النساء بالفوضى المنزليّة هو ردّ فعل غريزي لا علاقة له بالتربية ولا بالموقع الاجتماعي، حيث عانت النساء المستقلّات ذات الآثار النفسيّة التي أظهرتها الأمّهات المتزوّجات، حتّى تلك النساء التي تقبل بوجود الفوضى المنزليّة ولا تمانعها.
كذلك أظهرت الدراسة ذات الآثار النفسيّة على بعض الرجال، ممّن يتحوّل هذا الحصر النفسي الناتج عن الفوضى المنزلية، في دواخلهم إلى شعور عام بالفشل، وإلى مشاعر عِدائيّة اتجاه الذات والمحيط.
كثير منّا يرتاح للفوضى، دون إدراك آثارها النفسيّة على العقل الباطن، وكثير من الرجال يُرهقون نساءهم بإثارة الفوضى المنزليّة دون إدراك أثرها على صحّة المرأة النفسيّة، قبل الجسديّة.
مع الاغتراب والنزوح واللجوء تعاني الكثير من النساء من حالات اكتئاب حاد، ومن الطبيعي أن نعاني جميعاً رجالاً ونساءً موجات من الاكتئاب الحاد والمتوسط الناتج عن الحصر النفسي بعد الانتقال إلى بيئة جديدة تختلف عن البيئة المعتادة، ضربة الخروج من بيت الاستقرار من أكثر مسبّبات الحصر النفسي حول العالم.
برغم واقعية هذه الحقيقة التي يدركها الجميع لكن سعت المراكز العلمية لتبيان ماهية المنبّهات الحقيقيّة وراء اكتئاب النساء بغرض تسهيل السيطرة عليه وتقديم العلاج المناسب. حيث تعاني النساء اكتئاباً مختلفاً عن اكتئاب الرجال في أسبابه، قد يؤدّي إلى نتائج صادمة وغير متوقعة، كالانفصال عن الزوج وطلب الطلاق وربما الانتحار.
من وراء هذه الدراسة، فهمتُ سبب حرص النساء السوريات الشديد على تنظيف وترتيب وتجميل خيام وملاجئ لجوء زرتها خلال السنوات الماضية، إذ تحتاج المرأة إلى التنظيم مِن حولها كي تقدر على التفكير، من بعد الفوضى الهائلة التي سبّبها النزوح ودمار نظام الحياة اليوميّة.
لم يكن فعل الترتيب ناتجاً عن شعور بالنقص، بل كان وسيلة للنجاة.
الدراسة
العنوان الأصلي:
Life at Home in the Twenty-First Century: 32 Families Open Their Doors => PDF
تناولت الدراسة العلمية الأنثروپولوجية ٣٢ أسرة أمريكية في منطقة لوس أنجلوس، مع تصوير تفاصيل حياتهم اليومية بدقة متناهية. أجرى فريق من الباحثين زيارات منتظمة للمنازل على مدى أسابيع، مع توثيق كل جوانب الحياة المنزلية بالصور والملاحظات التفصيلية.
كشفت النتائج عن تراكم الممتلكات المادية بشكل كبير في المنازل الأمريكية المعاصرة، خاصةً في المرآب والساحات الخلفية. على سبيل المثال، امتلكت إحدى الأسر المشاركة في الدراسة ٢,٢٦٠ قطعة مرئية في ثلاث غرف فقط. برزت ظاهرة تخزين الألعاب والمقتنيات في غرف الأطفال بشكل لافت للنظر، مما يعكس نمط الاستهلاك المتزايد في المجتمع الأمريكي.
سجّلت الدراسة أنماط استخدام المساحات المنزلية، مع تركيز خاص على المطبخ كمركز للنشاط العائلي. أظهرت النتائج تجمع أفراد الأسرة في المطبخ لتناول الوجبات وإجراء المحادثات وممارسة الأنشطة اليومية. لكن برز أيضاً دور التكنولوجيا في تشتيت الانتباه وتقليل التواصل المباشر بين أفراد الأسرة.
تميّزت هذه الدراسة بمنهجيّتها الدقيقة في توثيق التفاصيل اليومية، مثل قياس الوقت الذي يقضيه أفراد الأسرة في كل غرفة، وتتبع حركة الأشياء داخل المنزل. أدت هذه البيانات التفصيلية إلى فهم أعمق لكيفية تأثير التصميم المنزلي والعادات الاستهلاكية على العلاقات الأسرية والرفاهية النفسية.
نتائج الدراسة
أوضحت الدراسة المعنونة “الحياة المنزلية في القرن الحادي والعشرين” نتائج مذهلة عن تحولات الحياة العصرية للأسر الأمريكية. أظهرت المتابعة الدقيقة لـ ٣٢ أسرة في لوس أنجلوس تغيرات جذرية في أنماط المعيشة والعلاقات الأسرية والممتلكات المادية.
شغلت المقتنيات المنزلية مساحات واسعة في منازل الأسر المشاركة، فبلغ متوسط القطع المرئية في ثلاث غرف فقط ٢,٢٦٠ قطعة. على مدى ساعات اليوم، تجمعت العائلات في المطبخ كمركز أساسي للنشاطات اليومية والتفاعلات الاجتماعية. مع التطور التكنولوجي السريع، انشغل أفراد الأسرة بأجهزتهم الإلكترونية في أثناء وجودهم معاً، مما أدى لانخفاض ملحوظ في التواصل المباشر والحوارات العميقة.
برزت في المنازل الأمريكية ظاهرة تكدّس الألعاب والمقتنيات في غرف الأطفال بصورة استثنائية، عاكسةً نمطاً استهلاكياً متصاعداً. في المرآب والساحات الخلفية، تراكمت الأغراض غير المستخدمة بشكل متزايد، مما خلق تحديات في تنظيم المساحات وإدارتها.
سجّلت الملاحظات الميدانية للباحثين تفاصيل دقيقة عن استخدام المساحات المنزلية والتفاعلات اليومية بين أفراد الأسرة. عبر الأسابيع، رصد الفريق البحثي أوقات تواجد كل فرد في الغرف المختلفة وأنماط تحرك الأشياء داخل المنزل. في النهاية، كشفت هذه البيانات التفصيلية عن علاقة وثيقة بين التصميم المنزلي والعادات الاستهلاكية من جانب، والروابط الأسرية والصحة النفسية من جانب آخر.
توصيات الدراسة
تكشف نتائج دراسة الحياة المنزلية عن نصائح عميقة تنفع الإنسان المعاصر في تنظيم حياته وتحسين علاقاته الأسرية. يحتاج كل فرد منا للتأمل في عاداته الاستهلاكية والتخلص من الأغراض الزائدة عن حاجته، فالحياة البسيطة تمنح النفس راحةً وسكينة. تساعد إزالة الأغراض غير المستخدمة في المنزل على تخفيف الضغط النفسي وتحسين جودة الحياة اليومية.
تتطلّب العلاقات الأسرية السليمة تقليل استخدام الأجهزة الإلكترونية في أثناء اجتماع العائلة، خاصّةً في أوقات تناول الطعام. يؤدّي التواصل المباشر بين أفراد الأسرة إلى تعميق الروابط العاطفية وتقوية أواصر المحبّة. على الوالدين تخصيص وقت يومي للحديث مع أبنائهم والاستماع لمشاكلهم واهتماماتهم دون انشغال بالهواتف أو التلفاز.
تدعو نتائج الدراسة إلى تنظيم المساحات المنزلية بطريقة تشجع على التفاعل العائلي. يمثل المطبخ مركزاً مهماً للتواصل الأسري، لذا ينبغي تصميمه بشكل يتيح للجميع المشاركة في تحضير الطعام والحديث في أثناء العمل. تسهم مشاركة الأطفال في الأعمال المنزلية البسيطة في تعزيز ثقتهم بأنفسهم وتعليمهم مهارات الحياة الأساسية.
تبرز أهمية مراجعة عادات التسوق وشراء الألعاب للأطفال. يفضل اختيار الألعاب التعليمية المفيدة والتخلص دورياً من الألعاب القديمة غير المستخدمة. تساعد مشاركة الأطفال في اختيار ما يحتفظون به من ألعاب على تعلم مبادئ التنظيم والتخطيط منذ الصغر.





اترك رد