ما بين القرون الثامن والخامس عشر، كانت النجمة السداسية من رمز الدين الإسلامي في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي، ما سيّما أنّها كانت رمز بيت الخلافة العبّاسية الملكي وخاتم الخليفة.
هذه النجمة الزرقاء هي الراية الرسمية للمذهب الإسلامي الحنفي خلال القرون الوسطى، إذ أنّ المذهب الحنفي فاز بإيمان أغلب الترك منذ القرن الحادي عشر، ولمّا آمن الأحناف بنبوّة سليمان اتخذه الترك قدوة ورمزاً سياسياً وعدّوا ممالكهم امتداد لمملكة سليمان الإلهيّة في الأرض، وخاصّة منهم الأوغوز التركمان. فصار خاتم سليمان على رايات جميع الممالك التركية في آسيا الوسطى والأناضول، وكانت النجمة السداسية كذلك على الكثير من قبور الصحابة في البقيع في المدينة المنورة.

روّاد الصوفية محي الدين بن عربي وأحمد البوني، كليهما يرى أنّ هذه النجمة السداسية الزرقاء هي تمثيل لاسم الله الأعظم، وتعبير عن معنى “الحيّ القيّوم”، ورمز للحياة وتجدّدها بالموت فهي الحياة التي لا تفن.
من الممالك التي اتّخذت من هذا الرمز راية لها، سلطنة السلاجقة (دولت سلجوقيان)، وهي إمبراطورية تركية-فارسية استمرّت من سنة 1037 حتى 1194، ثمّ تفكّكت إلى العديد من الممالك التي حكمت كلّ منها سلالة سلجوقية مختلفة. واعتمدت السلطنة السلجوقية على قلاعها ودواوينها النجمة السداسيّة بلون أبيض على راية سماويّة (فيروزيّة)، لون الترك المقدس. بينما استعملت أركانها العسكريّة راية النسر ذو الرأسين، بالإضافة إلى رمز سلاح القوس لفيلق البندقدار.

راية خانية القازاق هي آخر راية استُعملت فيها النجمة السداسية بعد أن كانت على رايات جميع الممالك الإسلامية التركية، طالمَا أنّ النجمة السداسيّة كانت رمز المذهب الحنفي ومنذ القرن الحادي عشر.
كما نرى على الراية استعمل القازاق زخرفة إبداعية لرسم النجمة السداسيّة للتميّز عن إمارات الأناضول الإسلامية التي رسمتها بدورها بزوايا حادة. ووضع القازاق النجمة على بساط أزرق هو لون الترك القوميّ، مع ثلاث نجمات خماسية ترمز إلى جوزات القازاق الثلاث.
كانت عاصمة خانيّة القازاق هي مدينة تركستان (تٷركئستان) الواقعة جَنُوب قازاقستان المعاصرة. وتكوّنت الخانيّة القازاقية من تحالف ثلاث قبائل تركية أدارت البلد فيمَا بينها بصيغة اتّحاديّة. وأطلقت على قسم كلّ واحدة منها تسمية ” ٴجۇز “ كما تُكتب بالتركية الجغطائية، ومعناها ”قبيلة“ وكتابتها بالعربية الحديثة هي ” إژُز “ حَسَبَ الأبجدية العربية الموسعة، ووردت في التدوينات العربيّة القديمة بصيغة ”جوزه“.
وتسمية ” ٴجۇز “ صارت في الجغطائية بمعنى ”قبيلة“ بسبب التقسيمات العسكريّة التي سبقت الفترة المغوليّة، حين كانت تتقسّم الجيوش إلى فِرق كل فِرْقَة منها من مئة جنديّ، وعلى كلّ مئة منها أمير (بيگ). كلمة ” إژُز “ تعني حرفياً عدد مئة، ثمّ تحوّلت كلّ واحدة من هذه المئة إلى قبيلة لذاتها.
وتقسّمت خانية قازقستان إلى ثلاث جوزات هي:
- ۇلى ٴجۇز (أُلي إژُز) وتعني القبيلة الأعلى مقاماً، كما نقول اليوم في سوريا ”أشرفية“.
- ورتا ٴجۇز (أورته إژُز) وتعني قبيلة المتن (الوسطى)، وتقسّمت إلى ستّ قبائل وكانت الأكبر مساحة.
- كىشى ٴجۇز (كِشِ إژُز) وتعني القبيلة اليافعة (الصغرى)، وتقسّمت إلى ثلاث قبائل.
هذه في الصورة هي راية خانيّة القازاق التركيّة (قازاق حاندىعى) المعروفة اليوم باسم جمهورية كازخستان. وكانت الخانية قد خسرت رايتها هذه بعد وقوعها تحت الاحتلال الروسي سنة 1848. في الواقع قامت الصين بغزو خانية قازاقستان فطلب القازاق مساعدة الجيش الروسي لمقاومة الاحتلال الصيني، فطرد الروس الجيش الصيني واحتلّوا البلد.

هذه الراية أعلاه مرسومة في كتابين من القرن 16، هما كتاب ”تاريخ إرَشيدي“ التركي وكتاب ”كتاب الخريطة العظمى“ الروسي.
كتاب ”تاريخ إرَشيدي“ تعني تاريخ الحكم، كتاب بالفارسية كتبه الحاكم التركي لكشمير باسم مملكة كاشغر الويگورية؛ “ميرزا محمد حيدر دُغلت بيگ” الذي حكم كشمير ما بين 1533 و1550. وحيدر كان ضابطاً رفيعاً وأميراً من الدُغلت، قبيلة تركية تحدّثت الجغطائية. والأمير حيدر ابن خالة السلطان بابر الگوركاني الشهير في التاريخ الهندي مؤسّس سلطنة المغول الهندية. وروى حيدر في الكتاب سيرة تأسيس خانية القازاق سنة 1465 كشاهد عين، إذ أنّه مكث فترة في ضيافة ”قاسم خان“ رابع خانات القازاق.
أطلس ”كتاب الخريطة العظمى“ Книга Большому чертежу كان أطلساً دورياً يصدره جيش الإمبراطورية الروسية للتعريف بالدول التي تهدّد أمن الإمبراطورية الاستراتيجي، واستمرّ صدور هذا الأطلس لمصلحة القيصر الروسي حتى نهاية الملكيّة في موسكو. وراية القازاق بشكلها هذا مرسومة في الأطلس الروسيّ منذ صدور مخطوط سنة 1552.
خلال القرن 18 بدأت روسيا توسّعها في سيبريا، وكانت آنذاك تُعدّ مجالاً حيوياً للقازاق دون سلطة سيادية عليها، وكانت سيبريا آنذاك خانية للترك السيبير اسمها طورانستان. فبدأت حرب العبيد ما بين الروس والقازاق، يخطف كلّ جانب مواطنين للجانب الآخر ويبيعهم عبيداً في سوق النخاسة. وكان مصدر العبيد آنذاك يقتصر على أسرى الغزوات، ثمّ حوّلها الروس تجارة لتوسيع المستوطنات الزراعية الروسيّة في سيبريا.
سنة 1737 أجازت الإمبراطورة الروسية أنّا إيڤَنّوڤنه Анна Иоанновна تجارة العبيد في سيبريا ما أتاح استعباد جميع السكّان من الترك بمن فيهم القازاق، وسعّرت الإمبراطورة الرجل القازاقي بعشرة روبلات والمرأة القازاقية بستة روبلات. هذه التصرّفات الروسيّة أدّت إلى انطلاق حملات انتقامية قازاقيّة لتحرير العبيد؛ أبادت عدداً من المستوطنات الروسيّة في سيبريا.
سنة 1847 انتهت الحروب الروسية القازاقية بهزيمة قازاقستان وبنفي ملكها ”قِنِسَري“ ليموت في قرغيزستان، فاتّحدت ”أُلي إژُز“ (الجوزة العليا) بخانية قوقند وإمارة بخارى لتشكيل إمارة بخارى الكبرى التي حاربت الروس حتى النهاية، إلى أن سقطت تحت الاحتلال الروسي الكامل سنة 1917. وبزوال مملكة قازاقستان غيّرت قوّات الاحتلال الروسي الراية القازاقيّة فألغت الراية الإسلامية ذات النجمة السداسية سنة 1848 كما بدّلت اسمها إلى جمهورية كازاخستان كي تلائم اللّفظ الروسي.
هذه راية الاحتلال الروسي لقازاقستان من سنة 1920، راية حمراء تحمل نصوصاً باللّون الأصفر تشير إلى الاختصار الروسي للحزب الشيوعي مع إطار أصفر حولها.

هذه راية الاحتلال الروسي لقازاقستان من سنة 1953، علم أحمر مع شريط أزرق في منتصفه، يرمز إلى الهُوِيَّة القازاقية.

الراية المعاصرة لقازاقستان، من سنة 1992 إلى اليوم. علم قازاقستان، يظهر في منتصفه شمس صفراء وخلفية زرقاء مع طائر يُحاكي رموز الهوية القازاقية.

المراجع في مذيّلة مقال الرايات ومفاهيمها المتغيّرة عند العرب والترك





اترك رد