تمهيد
تشكل قضية فادي صقر اختباراً حاسماً لمستقبل العدالة الانتقالية في سوريَا، فتبرئته أو السماح له بالإفلات من العقاب يحمل مخاطر جسيمة تهدّد استقرار البلاد ومصداقية النظام الجديد. فتبرئة صقر ترسل رسالة مدمرة مفادها أن مرتكبي جرائم الحرب والمجازر الجماعية يستطيعون الهروب من العواقب، مما يدمر الثقة في النظام القضائي ويشجع مجرمين آخرين على المطالبة بالعفو دون محاسبة. هذا السيناريو يحول دون تحقيق العدالة للضحايا ويمنع التئام جراح المجتمع السوري.
إفلات شخصية علوية متورطة في مذابح ضد المدنيين السنة يؤجج التوترات الطائفية ويعيد إنتاج دوائر الانتقام والعنف. الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت عند زيارته لحي تضامن – موقع المجزرة – تكشف عمق الغضب الشعبي ورفض المجتمع لمحاولات إعادة تأهيله. والعقوبات الأمريكية والأوروبية المفروضة على صقر تعني أن تبرئته ستضر بشدة بعلاقات سوريا بالمجتمع الدُّوَليّ. المجتمع الدُّوَليّ يراقب بعناية التزام الحكومة السورية الجديدة بمبادئ العدالة الانتقالية، وأي تراجع في هذا المجال سيؤدي إلى عقوبات إضافية وعزلة دبلوماسية.
نظراً لتورط صقر في شبكات التهريب والأنشطة الإجرامية واسعة النطاق، فتبرئته تمكنه من إعادة تفعيل هذه الشبكات وتوسيع نفوذه الإجرامي. هذا الأمر يهدد الأمن والاستقرار في دمشق والمناطق المحيطة بها. كما أنّ الناجين من مجزرة تضامن وعائلات الضحايا الذين فقدوا أحباءهم على يديه سيواجهون صدمة نفسية عميقة عند رؤية الجلاد يتجول بحرية. هذا الوضع يدفعهم إما للجوء إلى العدالة الشخصية أو الهجرة خارج البلاد، مما يحرم سوريا من شهود مهمين ومواطنين منتجين.
لذلك، تمثل قضية فادي صقر نقطة تحول حاسمة تحدد مسار سوريا المستقبلي: إما العدالة والمساءلة وبناء دولة القانون، أو الإفلات من العقاب وعودة منطق القوة والفوضى.

فادي صقر
«فادي صقر»، واسمه الكامل {فادي مالك أحمد}، برز أحد أكثر قادة الميلشيات السورية سوءاً في السمعة وشخصية محورية في الصراع المستمر للبلاد بين المساءلة والمصالحة بعد سقوط نظام الأسد. الرجل السوري البالغ من العمر ٥٠ عاماً أصبح مرادفاً لجرائم الحرب في أثناء النزاع السوري ويحاول في الوقت نفسه إعادة تقديم نفسه صانع سلام في عصر ما بعد الأسد، مما أثار غضباً شعبياً هائلاً وإدانة دولية.
ولد عام ١٩٧٤ في جبلة، محافظة اللاذقية، تحول «صقر» من موظف متواضع في المؤسسة الاستهلاكية إلى أحد أقوى وأكثر قادة الميلشيات رعباً في دمشق، يقاتل قوات الدفاع الوطني عبر سوريا ويراكم ثروة هائلة عبر المزاعم حول الربح من الحرب والأنشطة الإجرامية. قضيته الآن تمثل اختباراً حاسماً لالتزام سوريا بالعدالة الانتقالية، فيمَا يحاول التأهيل السياسي برغم خضوعه للعقوبات الدولية وتجريده من أوراق اعتماده المهنية.

من موظف مدني إلى قائد ميلشيا
بداية صعود «صقر» إلى سوء السمعة بدأت قبل تصعيد النزاع السوري. في الأصل عمل موظف في المؤسسة الاستهلاكية في دمشق، يدير فروعاً مختلفة تشمل موقع الزبلطاني وأخيراً المؤسسة الرئيسة في دمشق، استغل منصبه وصلاته داخل المجتمع العلوي السوري لبناء النفوذ. عندما بدأت الانتفاضة السورية عام ٢٠١١، أصبح «صقر» مؤسس ووالي قائد عام لميلشيا قوات الدفاع الوطني في دمشق، وسع في النهاية سيطرته للإشراف على عمليات قوات الدفاع الوطني عبر جميع محافظات سوريا.
اتسمت مسيرته العسكرية بشراكات استراتيجية مع شخصيات رئيسية من نظام الأسد، خاصة اللواء بسام الحسن، الملقب بـ”الخال” ومؤسس قوات الدفاع الوطني. عبر هذه الصلات، بَنى «صقر» شبكة واسعة من المقاتلين وأسس نفسه أحد أقوى الفاعلين غير الحكوميين في دمشق. برغم دوره العسكري، حافظ على تسجيل رسمي محامٍ لدى نِقابة المحامين في دمشق، يحمل لقب “أستاذ”، لكن هذا اللقب سُحب منه لاحقاً في مايو ٢٠٢٥ بسبب ثبوت تورطه في جرائم الحرب.
نطاق عملياته امتد عبر ضواحي دمشق تشمل تضامن، مخيم اليرموك، الغوطة الشرقية، جوبر، قابون، وبرزة، فنظم الحصارات والتهجير القسري وشارك في بعض أكثر المجازر وحشية في النزاع. ميلشياه أصبحت أساسية في استراتيجية النظام لتجويع المناطق التي تسيطر عليها المعارضة حتى الاستسلام.

مجزرة تضامن وجرائم الحرب الموثقة
القضية الأكثر توثيقاً بشكل واسع ضد «صقر» تدور حول مجزرة تضامن في ١٣ نيسان أبريل ٢٠١٣، عندما أُعدم بشكل منهجي ما لا يقل عن ٤١ مدنياً (بعض التقديرات تصل إلى ٢٨٨ شخص) وألقوا في حفرة محفورة مسبقاً قبل حرقهم بالإطارات. المجزرة حازت على انتباه دُوَليّ في نيسان أبريل ٢٠٢٢ عندما نشرت صحيفة الگارديان أدلة ڤيديو مسربة تظهر الإعدامات التي نفذها أفراد الميلشيا تحت قيادة «صقر»، مع تحديد الناجين له شخصياً مشرف على الاعتقالات والإعدامات.
هذه المجزرة تمثل عنصراً واحداً فقط من نمط أوسع لجرائم الحرب. لعب «صقر» أدواراً محورية في حصار مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين، حين جُوع آلاف السكان الفلسطينيين بشكل منهجي، وفي تسهيل دخول داعش إلى منطقة المخيم. كانت قواته أساسية أيضاً في حملات التهجير القسري التي أفرغت ضواحي قابون وبرزة والغوطة الشرقية من سكانها عبر حصارات التجويع والعنف المستهدف.
وراء العمليات العسكرية المباشرة، أسس «صقر» شبكات إجرامية واسعة تشمل تهريب البضائع المهربة والأسلحة، محولاً نفسه إلى ما تصفه المصادر السورية بأحد أكثر “رجال المافيا وأمراء الحرب” سوءاً في السمعة في منطقة دمشق. نفوذه امتد إلى المجالات السياسية، حيث شارك حَسَبَ التقارير في اختيار مرشحين لقيادة فروع حزب البعث ومناصب مجلس الشعب.

العقوبات الدولية والعواقب القانونية
استجاب المجتمع الدُّوَليّ بحسم لجرائم «صقر» الموثقة. مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية أدرجه عام ٢٠٢٠ في «قائمة الأشخاص المُصنفين خصيصاً» designated him as a Specially Designated National، وأخضعه لعقوبات اقتصادية شاملة وقيود سفر تحت الأمر التنفيذي ١٣٨٩٤. الاتحاد الأوروبي حافظ على عقوبات متوازية جزء من سياسته الأمنية الخارجية المشتركة، منفذاً تجميد الأصول وقيود السفر.
مؤخّراً، الجريدة الرسمية لمجلس الاتحاد الأوروبي في ٢٨ أيّار مايو ٢٠٢٥، ذكرت «صقر» صراحة تحت العقوبات، مشيرة أنه “كان جزءاً من سلسلة القيادة في مجزرة ما لا يقل عن ٤١ مدنياً في بلدة تضامن في ١٣ نيسان أبريل ٢٠١٣.” النظام الوطني الفرنسي لتجميد الأصول حافظ على إدراجه منذ نيسان أبريل ٢٠٢٣، مضمناً بقاء أصوله مجمدة عبر الولايات القضائية الأوروبية.
العواقب المهنية تبعت كذلك. في أيّار مايو ٢٠٢٥، نِقابة المحامين في دمشق شطبت رسمياً {فادي مالك أحمد} (المعروف باسم «فادي صقر») من قائمة المحامين، مشيرة إلى أن “تورطه في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية ثبت.” القرار استند إلى شهادة الناجين والأدلة الموثقة على إشرافه الشخصي على الاعتقالات والإعدامات.

إعادة الاختراع المثيرة للجدل في سوريَا ما بعد الأسد
بعد انهيار نظام الأسد في كانون الأوّل ديسمبر ٢٠٢٤، حاول «صقر» تأهيلاً سياسياً ملحوظاً. أدخل نفسه في “لجان السلام المدني” ومبادرات الحِوار الوطني، مقدماً نفسه بصفة وسيط وصانع سلام. السلطات السورية الجديدة دمجته في “لجنة السلام المدني” ما بعد ٦ آذار مارس جنباً إلى جنب مع شخصيات نظامية سابقة أخرى، برغم سجله الإجرامي والعقوبات الدولية المستمرة.
جهود إعادة الاختراع هذه لم تمر دون تحدٍ. في ٧ شباط فبراير ٢٠٢٥، زيارة «صقر» لحي تضامن تحت الحماية الحكومية أثارت احتجاجات شعبية هائلة، مع تجمع السكان قرب موقع المجزرة حاملين صور الأقارب المُعدمين ومطالبين باعتقاله. الاحتجاجات انتشرت عبر أحياء دمشق، مع المتظاهرين يهتفون ضد الإفلات من العقاب ويطالبون بالمساءلة.
المسؤولون الحكوميون دافعوا عن مشاركته في العمليات الانتقالية. في مؤتمر صحفي في ١٠ حَزِيران يونيو ٢٠٢٥، المسؤول حسان صوفان أشاد بـ«صقر» لـ”تسهيل الإجراءات وحل التعقيدات الأمنية”، مبرزاً الطبيعة المثيرة للجدل لدمجه في هياكل الحكم ما بعد الأسد.
رمز حيّ للإفلات من العقاب مقابل المساءلة
قضية «صقر» أصبحت رمزية للتوترات الأوسع في المجتمع السوري حول العدالة الانتقالية. بينما يحافظ على الإقامة في فندق الفصول الأربعة في دمشق ويظهر في الفعاليات الرسمية جنباً إلى جنب مع محافظ دمشق {ماهر مروان}، يمثل تحدي الموازنة بين المصالحة والمساءلة على جرائم الحرب.
أنشطته العامة المستمرة، تشمل الزيارات الأخيرة لمنتجعات ساحل اللاذقية مع مرافقين أمنيين والمشاركة في مراسم العزاء في أحياء دمشق، تظهر المدى الذي تحاول فيه شخصيات النظام السابق تطبيع وجودها في سوريَا ما بعد الأسد. لكن الاحتجاجات المستمرة في تضامن والأحياء المتضررة الأخرى تظهر أن المجتمع المدني السوري لم ينس جرائمه.
التغطية الإعلامية العربية تشير إليه باستمرار بـ”سفاح سوريا” أو “المجرم «فادي صقر»”، عاكسة التأثير الدائم لأفعاله على الوعي العام السوري. حملات وسائل التواصل الاجتماعي باستخدام هاشتاگات مثل #فادي_صقر تستمر في المطالبة بالعدالة وتسليط الضوء على الصراع المستمر بين أولئك الساعين للمساءلة وأولئك الذين يروجون للمصالحة دون عواقب.
رمزية القضية
«فادي صقر» يمثل نقطة تحول حاسمة في انتقال سوريا من الاستبداد. تحوله من موظف المؤسسة الاستهلاكية إلى قائد ميلشيا مرعوب إلى وسيط سلام محاول يلخص التحديات الأوسع التي تواجه المجتمع السوري في معالجة الجرائم الموروثة في حين يبني هياكل حكم جديدة. قضيته تخدم بمنزلة اختبار عباد الشمس لالتزام سوريا بالعدالة الانتقالية مقابل التطبيق السياسي، مع حريته المستمرة والاعتراف الرسمي يثير أسئلة جوهرية حول المساءلة وسيادة القانون في سوريَا ما بعد الأسد.
العقوبات الدولية والشطب المهني والمعارضة الشعبية المستدامة تظهر أن جرائم «صقر» لم تُنس، حتى وهو يحاول التأهيل السياسي. قصته تبقى غير محلولة، تمثل كلاً من المطالبة المستمرة بالعدالة بين الضحايا السوريين والواقع المعقد لإدارة الانتقالات من النزاع إلى السلام في المجتمعات المميزة بالفظائع المنهجية.
المصادر
- المرصد السوري لحقوق الإنسان: Who Are Syria’s National Defense Forces?
- أخبار الشام: Subject to U.S. Sanctions.. War Crimes Suspect Seeks to Participate in National Dialogue
- الذاكرة السورية: الذاكرة السورية | الشخصيات | فادي صقر
- زمان الوصل: Fadi Saqr: Criminal who is still a member of Damascus Bar Association . After his expulsion from the Bar Association, Zaman Al-Wasl was the first to call for union action against Fadi Saqr
- The New Arab: Fury in Syria as reconciled ‘war criminal’ visits massacre site
- عكس السير: بعد أسابيع من نشر عكس السير خبراً عن ‘تسوية وضعه’.. «فادي صقر» يرافق مدير الأمن العام بدمشق في جولة بحي التضامن
- OpenSanctions: Fadi Saqr – OpenSanctions
- ويكيبيديا: Tadamon massacre – Wikipedia
- المشهد اليمني: أول مظاهرة غاضبة في العهد الجديد… من هو «فادي صقر» الذي أثار ظهوره غضب السوريين؟
- Verify-sy: Is This Image of the Minister of Social Affairs and Labor with Fadi Saqr?
- شام: متورط بجرائم ضد الإنسانية… وثيقة تكشف عن فصل ‘«فادي صقر»’ من نقابة المحامين بسوريا
- وزارة الخارجية الأمريكية: Syria Sanctions Designations – United States Department of State
- حرية برس: احتجاجات في التضامن رفضاً لعودة «فادي صقر»
- معهد واشنطن: Without Accountability, Syria’s Sectarian Violence Will Only Worsen
- عنب بلدي: Syrians await accountability for their oppressors . Transitional justice in Syria: Steps to diffuse tension
- الجزيرة نت: ظهور «فادي صقر» برفقة محافظ دمشق يثير التساؤلات بشأن العدالة الانتقالية. ظهور «فادي صقر» أحد المتهمين بمجزرة التضامن يغضب السوريين
- القدس العربي: سوريا: غضب بعد الإفراج عن ضباط في نظام الأسد ودور لفادي صقر . أهالي حي دمشقي يرفضون عودة صقر ‘الدفاع الوطني’: لا عدالة دون محاسبة
- سكاي نيوز عربية: مدبّر مجزرة التضامن.. ‘صقر’ نظام الأسد يثير الغضب في سوريا
- أخبار اليوم: غضب في سوريا بعد ظهور «فادي صقر» أحد المتهمين بمجزرة التضامن
- الميادين الإنجليزية: Damascus authorities free ex-officers in ‘push for civil peace
- وكالة سانا: Press conference for member of the Supreme Committee for the Preservation of Civil Peace at the Ministry of Information, Damascus
- الشرق الأوسط: Syria’s Reconciliation Committee Prioritizes Stability after Anger Over Prisoner Releases
- المدن: المسؤول عن مجزرة ‘التضامن’ يعود لمسرح جريمته…واستياء شعبي
- أوريان نت: التنافس على منصب حزبي يخرج فضائح قائد ميليشيا الدفاع الوطني للعلن





اترك رد