تفرض الأنظمة الاستبدادية سيطرتها على المجتمعات عبر تشويه المفاهيم وقلب الموازين. ويمتدّ هذا التشويه ليطال النخب الفكرية والإبداعية، فتنحرف البوصلة المجتمعية وتنقلب القيم.
تُخفي الأنظمة القمعية العقول المفكّرة والمبدعة، وترفع مكانة المطربين والراقصين والممثّلين. وينعكس هذا التشويه المتعمّد على المشهد العام، فيغيب دور المفكّرين والعلماء والأدباء والشعراء. يدفع هذا التحريف المنهجي المجتمعات نحو الانحطاط الفكري والعلمي، وتتراجع قدرتها على مواجهة التحدّيات والتغيير.

نخب الزيف
عملت أغلب الأنظمة العربية، بما فيها النظام السوري، على تشويه مفاهيم الشعوب وتحريف أولويّاتها. في أغلب الأنظمة العربية برز تصدير المطربين والراقصين والممثّلين كنخبة مجتمعية بارزة، ورُفعت منزلتهم برغم غياب إسهاماتهم الفكرية والعلمية الحقيقية.
على مدى عقود طويلة، نجحت أغلب الأنظمة العربية بتضليل الشعوب عبر إلصاق صفة «المثقّف» زوراً بالفنانين والمطربين والممثلين، ممّا أدى لانحراف البوصلة المجتمعية. لا بل مُنح الممثلون صفة فنّانين، وعملهم لا علاقة له بإبداع الفنّان. وانسحبت الصفة تماماً عن الخلّاقين من أهل الفنون الإبداعية. في المقابل، عمدت هذه الأنظمة إلى تهميش العقول المفكّرة والمبدعة، فأقصت دكاترة الجامعات والأدباء والشعراء والباحثين عن المشهد العام.
تسبّب هذا التشويه المتعمّد بانقلاب المفاهيم وتبدّل القيم المجتمعية، فأصبح الفنّان الخفيف والمطرب والراقص يحتل مكانة مرموقة، في حين غُيّب المفكرون والعلماء والأكاديميّون عن الساحة. نتج عن هذا التحريف المنهجي تراجع دور النخب المثقّفة الحقيقية وانحسار تأثيرها على المجتمع، ممّا أضعف البنية الفكرية والثقافية للمجتمعات العربية.
الآن، من اشتغل في حشر العصيّ في عجلات تقدّم الثورة من البداية، هم هؤلاء الذين ألصقتهم الأنظمة العربية برتبة «مثقّف» وانتظر منهم الناس الرأي في وقائع الأحداث، وهؤلاء اليوم المكوّعون. فاضطرّ الشعب لمقابلة الظلم بالسلاح وإلى ردّ السلاح بالسلاح، في حين اشتغل «المثقّف» المزيّف على إنكار ضرورة الثورة.

الرماديّون: جذور النفاق في النخب المزيّفة
طيلة ١٣ سنة اتّخذ بعض المثقّفين والفنّانين من السوريّين وعموم العرب، مواقف رمادية، ما أيّدت الثورة علانية، ولا مدحت الأسد السفّاح صراحة. وحافظوا على علاقات مصلحة بجميع الأطراف. اليوم، ينحازون صراحة ضدّ منجزات الثورة، مستغلّين هذه المنجزات نفسها لمصلحتهم. فيعترضون على كلّ خطوات التغيير. ويدعمون صراحة كل مواقف معارضة إزالة إرث الأسد السفّاح عن سوريا.
- يرفضون علم الاستقلال، ويقولون عنه علم الانتداب الفرنسي.
- يرفضون التعدّدية، ويبالغون بتخويف السوريّين من “الأسلمة”.
- يدافعون عن الطائفية، ويتحدّثون عن حِقْبَة الأسد السفّاح كأنّها كانت ياسمين العلمانية!
هؤلاء هم الطابور الخامس الحقيقي الطاعن في ظهر سوريا ومستقبلها. وسلوكهم مستوى آخر يختلف عن تصرّفات الخُنع المكوّعين. وتنبع خطورة هذا الطابور الخامس من تغلغله في المؤسّسات الثقافية والإعلامية السورية… في عمق عقلية هؤلاء «المثقّفين» المتلوّنين بألوان المصلحة، تتجذّر دوافع تتجاوز الأيديولوجية القومية أو العداء للدين.
يمتدّ مفهوم الطابور الخامس في تاريخ الصراعات إلى الحرب الأهلية الإسپانية، عندما تحدّث الجنرال مولا عن أربعة طوابير عسكرية تتقدّم نحو مدريد، فيما يعمل الطابور الخامس في داخل المدينة على تقويض دفاعاتها. يسري هذا المعنى التاريخي على الوضع السوري في تشكّل فئة «المثقفين» و «الفنّانين» الرماديّين الذين تحوّلوا تدريجيّاً نحو مواقف معارضة لمنجزات الثورة السورية.
في داخل المجتمع السوري يعمل هؤلاء على تقويض التغيير الجذري وحماية مصالحهم. ويتجاوز خطر هذا الطابور الخامس السوري مجرّد الانتماءات القومية أو العداء الديني، ليصل إلى عمق التركيبة العقلية (النفسية) المتأصّلة في منظومة المصالح والامتيازات التي تشكّلت في ظلّ نظام الأسد. تبرز دوافعهم العميقة في الحفاظ على امتيازاتهم ومكتسباتهم في أي نظام، متكيّفين مع المتغيّرات لضمان بقائهم في المشهد وتحقيق منافعهم.
السبب أعمق من مجرّد أفكار البعث القومية أو العداء للإسلام. هؤلاء “الرماديّون” يتحركون غالباً بدافع المصلحة الشخصية والخوف من التغيير الجذري والانتهازية والعقلية النخبوية. فهم يريدون الحفاظ على امتيازاتهم ومكتسباتهم في أي نظام، لذلك تجدهم دائماً يتّخذون المواقف التي تضمن لهم البقاء في المشهد وتحقيق منافعهم. وخوفهم من التغيير الجذري ليس بالضرورة حبّاً بنظام الأسد، ولكن خوفاً من فقدان موقعهم في المنظومة القديمة التي اعتادوا عليها واستفادوا منها. المنظومة التي صنعوا هيكلهم الفارغ بسببها.
وهم بني نفعية انتهازية، فهم استفادوا من مساحات الحرية التي وفرتها الثورة، لكنهم لا يريدون تحمل مسؤولية الانحياز الواضح لأي طرف، ويفضلون البقاء في المنطقة “الآمنة” التي تتيح لهم الاستفادة من جميع الأطراف. ويعتقدون أنهم أصحاب رؤية “متحضّرة” تتعالى على الاستقطاب الحاد، لكنهم في الواقع يمارسون نوعاً من الوصاية الفكرية على المجتمع. فالمسألة ليست مجرد أفكار بعثية أو عداء للإسلام، بل هي منظومة مصالح وعقلية انتهازية تتكيف مع كل المتغيرات لضمان البقاء والاستفادة.
لنرى رأي علوم النفس والمجتمع في هذه المسألة

رأي العلم
أبدأ بنظرية المعرفة الاجتماعية Social Cognitive Theory التي وضعها ألبرت باندورا Albert Bandura. تتمحور هذه النظرية العلمية في علم النفس الاجتماعي على فكرة التعلّم بالملاحظة والتقليد.
يكتسب البشر سلوكهم وأفكارهم ومعتقداتهم عبر مراقبة الآخرين في محيطهم الاجتماعي. وعلى مدى عقود طويلة، رفع النظام السوري مكانة الفنّانين والمطربين ومنحهم امتيازات اجتماعية واقتصادية، فأصبحوا نماذج يقلّدها المجتمع. فنجح هذا النموذج في تشكيل أجيال تؤمن بأنّ التكيف مع السلطة والابتعاد عن المواقف الصريحة يؤدّي إلى مكاسب مادّية واجتماعية.
تفسّر هذه النظرية كيف تشكّلت هذه الشخصيّات «المثقّفة» المزيفة بواسطة التعلّم بالملاحظة والتقليد. إذ خلق نظام الأسد نماذج اجتماعية (الفنّانين والمطربين) وعزّز مكانتهم، ممّا أدّى إلى تعلّم المجتمع أنّ هذه هي النماذج المقبولة للنجاح والمكانة. وفقاً لباندورا، يتعلّم الناس من طريق ملاحظة نتائج سلوك الآخرين؛ وفي هذه الحالة، رأوا أنّ التكيّف مع النظام الحاكم والابتعاد عن المواقف الواضحة هو نمط النجاة الوحيد في المجتمع.
تنتقل إلى النظرية الثانية: التنافر المعرفي Cognitive Dissonance Theory التي طوّرها ليون فستنگر Leon Festinger. تفسّر هذه النظرية النفسيّة الصراع الداخلي الذي يعيشه الإنسان عندما تتعارض معتقداته مع سلوكه.
يسعى العقل البشري دائماً لتحقيق الانسجام بين الأفكار والتصرّفات. ويعاني «المثقّفون الرماديّون» في سوريا صراعاً بين قيمهم المعلنة كمدافعين عن الحقّ والعدل، وبين سلوكهم الانتهازي المتكيّف مع السلطة. ويدفعهم هذا التناقض لابتكار مبرّرات عقلانية لمواقفهم الرمادية، مثل ادّعاء «الموضوعية» و «الاعتدال» و «الحياد» و «نبذ التطرّف». ويعدّل الإنسان معتقداته أو سلوكه لتخفيف حدّة هذا التنافر النفسي.
تشرح هذه النظرية سلوك «المثقّفين الرماديّين» بشكل أعمق. فهؤلاء يواجهون تنافراً بين قيمهم المعلنة كمثقّفين يفترض أن يدافعوا عن الحقيقة والعدالة، وبين سلوكهم الانتهازي. يقول فستنگر إنّ البشر يسعون دائماً لتقليل التنافر بين معتقداتهم وسلوكهم، إمّا بتغيير المعتقدات أو تغيير السلوك؛ وفي هذه الحالة، اختاروا تكييف معتقداتهم لتبرير سلوكهم المصلحي.
تبرز النظرية الثالثة في مفهوم «الشخصية السلطوية» The Authoritarian Personality الذي طوّره ثيودور أدورنو Theodor Adorno. يحلّل هذا المفهوم النفسي شخصيّة الأفراد المتكيّفين مع السلطة والمدافعين عنها بغضّ النظر عن طبيعتها.
تتميّز الشخصية السلطوية بالخضوع للقوّة والسعي للامتيازات والمكانة الاجتماعية. ويظهر هذا النمط في سلوك «المثقّفين» السوريّين الذين يتكيّفون مع أي نظام يحافظ على مصالحهم. وتدفع هذه السمات النفسية أصحابها للدفاع عن الوضع القائم والتشكيك في أيّ تغيير جذري يهدّد امتيازاتهم.
تتكامل هذه النظريات النفسيّة الثلاث في تفسير السلوك المعقّد للنخب الثقافيّة في سوريا. إذ يبدأ التعلّم الاجتماعي بتشكيل النموذج السلوكي الأساسي عبر تقليد النماذج الناجحة. وتدفع آلية التنافر المعرفي أصحاب هذا السلوك لتبرير مواقفهم المتناقضة بمفردات رمادية. ثمّ تفسر سمات الشخصية السلطوية قابليتهم للتكيّف مع أي سلطة تحمي مصالحهم. وتشكّل هذه العمليّات النفسية منظومة متكاملة تفسّر سلوك هذه الفئة الاجتماعية في سياقها التاريخي والسياسي.

يضع المجتمع السوري أمام الأجيال الجديدة مهمّة تاريخية عظيمة. وتتطلّب هذه المهمّة بناء منظومة جديدة تعيد للعقل والفكر مكانتهما، وتحرّر المجتمع من سطوة النماذج المزيّفة. تبدأ هذه الرحلة بتفكيك آليات التشويه وكشف أساليب التضليل التي مارستها الأنظمة القمعية على مدى عقود.
يفتح فهم الدوافع النفسية والاجتماعية للنخب المزيّفة أفقاً جديداً لمواجهة تأثيرها. إذ تحتاج سوريا اليوم إلى نخبة حقيقية تحمل مشروعاً فكريّاً وعلمّياً يؤسّس لمستقبل مختلف. وتمتلك الأجيال الجديدة القدرة على تجاوز تركة الماضي وبناء نموذج مجتمعي يرفع من شأن العلم والفكر والإبداع.
تمنح التجربة السوريّة درساً عميقاً لكلّ المجتمعات التي تسعى للتغيير. ويؤكّد هذا الدرس أهمّية تحصين المجتمع ضدّ محاولات تزييف الوعي وتشويه المفاهيم. وتفتح الثورة السورية، برغم التحدّيات والصعوبات، طريقاً جديداً نحو استعادة دور النخب الحقيقية في قيادة التغيير المجتمعي الشامل.
مراجع
- الجابري، محمد عابد (٢٠٠٤). المثقفون في الحضارة العربية: محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد. مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.
- علي، نبيل (٢٠٠٩). الأنظمة السلطوية وصناعة النخب المزيفة في العالم العربي. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة.
- Adorno, T. W., Frenkel-Brunswik, E., Levinson, D. J., & Sanford, R. N. (1950). The authoritarian personality. Harper & Brothers.
- Bandura, A. (1977). Social learning theory. Prentice Hall.
- Festinger, L. (1957). A theory of cognitive dissonance. Stanford University Press.
- Wedeen, L. (2015). Ambiguities of domination: Politics, rhetoric, and symbols in contemporary Syria. University of Chicago Press.
- Hinnebusch, R. (2001). Syria: Revolution from above. Routledge.
- Ismail, S. (2018). The rule of violence: Subjectivity, memory and government in Syria. Cambridge University Press.
- Preston, P. (2006). The Spanish Civil War: Reaction, revolution and revenge. Harper Perennial.
- Graham, H. (2005). The Spanish Civil War: A very short introduction. Oxford University Press.





اترك رد