معجم المآكل العربية

معجم المآكل العربية

طبيخ سوريا وتركيا والعراق: تراث مشترك أم تقاليد منفصلة؟

تمهيد

تثار في عصرنا الحالي جدالات حادّة حول أصول الأطباق شرق الأوسطية، فيدّعي البعض أنّ الطبيخ التركي مجرّد نسخة مستنسخة عن الطبيخ السوري، فيما يحتجّ آخرون بأنّ الطبيخ السوري نفسه نتاج للحقبة العثمانية وامتداد للتقاليد التركية الأناضولية. ونفس الادّعاءات تُسمع في العراق وغيره من بلدان البحر المتوسّط. هذه الادّعاءات المتضاربة تنتشر على منصّات التواصل الاجتماعي وفي النقاشات الشعبية، مخلّفة انطباعاً خاطئاً بوجود “طبيخ أصلي” واحد و”مطابخ مقلّدة” أخرى.

الحقيقة أنّ هذه الادّعاءات مجرّد خرافة تفتقر للأسس العلمية والتاريخية. فالبحث الأكاديمي الجاد يكشف أنّ المطابخ السورية والتركية والعراقية تطوّرت عبر آلاف السنين من التفاعل الحضاري المعقّد، وأنّ كلّ منها احتفظ بخصائصه المتميّزة برغم التأثيرات المتبادلة. هذه الأسطورة القومية تتجاهل الواقع التاريخي المعقّد وتحوّل تراثاً إنسانياً غنيّاً إلى ساحة صراع هويّاتي عقيم.

الهدف من هذه المقالة دحض هذه الخرافة نهائيّاً بالاعتماد على الأدلّة الأثرية والمخطوطات التاريخية والبحوث الأكاديمية المحكمة. سنكشف الجذور الحقيقية لكلّ طبيخ معاصر، والصلات التاريخية المعقّدة بينها، ودور التراث العبّاسي مصدر إلهام مشترك شكّل هويّة هذه المطابخ جميعاً.

سوق يضم مجموعة متنوعة من التوابل المجففة والمعروضة في حاويات ملونة، مع أكياس وملصقات توضح الأسعار، وخلفية مليئة بمواد غذائية وبهارات.

يكشف البحث التاريخي المتعمّق أنّ المطابخ السورية والتركية والعراقية تشكّلت عبر قرون من التبادل التراثي والسياسي المعقّد، وليس من تطوّر منعزل أو هيمنة تراث واحد على آخر. الأدلّة التاريخية والأثرية تدحض الادّعاءات القومية المبسّطة حول “مُلكية” أطباق معيّنة، وتؤكّد بدلاً من ذلك على التأثير المتبادل العميق والمستمر بين هذه التقاليد الطبخية عبر الإمبراطوريات المتعاقبة.

يتتبع هذا التحليل التحوّلات الجذرية من الطبيخ الأناضولي البيزنطي القائم على لحم الخنزير والبيرة، مروراً بالثورة الطبخية التي أحدثها الفتح العثماني وإحياء كتاب الطبيخ العباسي، وصولاً لتشكيل المدارس الطبخية السورية الأربع المتميّزة التي حافظت على التراث البغدادي وطوّرته.

التحوّل التاريخي في السياق السياسي

الطبيخ الأناضولي البيزنطي قبل الفتح العثماني

كان الطبيخ الأناضولي البيزنطي مختلفاً جذريّاً عمّا سيظهر لاحقاً تحت الحكم العثماني. لحم الخنزير شكّل نصف الاستهلاك اللّحمي في المجتمع الرومي المسيحي، وتُظهر الأدلّة الأثرية من مواقع مثل گريتيل شرق تركيا أنّ عظام الخنازير شكّلت قرابة ٥٠٪ من جميع بقايا الحيوانات. كان الروم يذبحون الخنازير في بداية الشتاء لتوفير اللّحم المحفوظ للعائلة طوال العام، كما تؤكّد الاكتشافات الأثرية في كورنثوس من القرن الثالث عشر الميلادي.

كانت الخمور جزءاً أساسيّاً من النظام الغذائي الرومي، بما فيها النبيذ والبوزة والمشروبات المخمّرة الأخرى. أمّا التوابل العربية والأرز فكانت شبه غائبة عن الطبيخ الرومي، الذي اعتمد بصورة أساسية على المنتجات المحلّية المتوسّطية: زيت الزيتون، المأكولات البحرية، الخبز، والخضروات الأناضولية، إلى جانب التوابل الأناضولية والغاروس (إدام السمك المتخمّر) والمرّي (إدام الشعير المتخمّر).

كان السلق التقنية الرئيسة للطبخ، ممّا استحقّ المثل البيزنطي الساخر: “الطبّاخ الكسول يحضّر كل شيء بالسلق”. هذا التبسيط في تقنيات الطبخ يتناقض بشدّة مع التقنيات المعقّدة التي ستتطوّر لاحقاً تحت الحكم العثماني.

الثورة الطبخية للفتح العثماني للقسطنطينية ١٤٥٣

فتح القسطنطينية عام ١٤٥٣ مثّل نقطة تحوّل جذرية في تاريخ الطبيخ الأناضولي. لم يكن التحوّل فوريّاً، لكنّه مثّل إعادة هيكلة أساسية للقوانين الغذائية وفلسفة الطبخ وتقنياته، وأعاد هيكلة الموارد والأسواق التي أثّرت بدورها بذائقة الناس الطعامية؛ مسيحيّين ومسلمين.

تطبيق الشريعة الإسلامية أدّى لإزالة لحم الخنزير فوراً من الطبيخ الرسمي. تُظهر الأدلّة الأثرية من مواقع ما بعد الفتح انخفاضاً دراماتيكياً في بقايا الخنازير، برغم أنّ المناطق الريفية استمرّت في استهلاك لحم الخنزير لأجيال، نظراً لاتّكالها على تدجين أهلي.

  • استبدال لحم الخنزير بلحم الخروف والماعز كمصادر لحوم أساسية.
  • منع الخمور رسميّاً واستبدالها بالشربات والعيران والقهوة (التي دخلت في القرن السادس عشر).
  • استمرار تقليل استهلاك لحم البقر لأهمّية الماشية الزراعية.

إحياء كتاب الطبيخ العبّاسي وتأسيس المطابخ الإمبراطورية

أهمّ التطوّرات كان الإحياء المنهجي للتقاليد الطبخية الإسلامية العبّاسية على يد الدولة العثمانية، وهذا لم يكن من طريق “سرقة الطهاة من بلاد العرب” كما تروّج بعض المصادر غير الموثّقة، بل نظام متطوّر من المطابخ الإمبراطورية والاهتمام الرسمي بالمخطوطات.

كتاب محمد شيرواني (القرن الخامس عشر) يمثّل أوّل كتاب طبخ عثماني، وهو توسيع كبير لكتاب “الطبيخ” العربي لمحمّد بن الحسن البغدادي (ت. ١٢٢٥). هذا العمل يستند بدوره على كتاب “الطبيخ” الأقدم لابن سيار الوراق من القرن العاشر المطوّر عن كتاب سبقه كتبه الخليفة العبّاسي الأسود إبراهيم بن المهدي في القرن التاسع، ممّا يخلق نسباً طبخيّاً مباشراً من الخلافة العبّاسية للقسطنطينية العثمانية.

الصلة العبّاسية: كتاب البغدادي الأصلي احتوى على أكثر من ٦٠٠ وصفة من “الطبيخ الفاخر للإسلام في العصور الوسطى” ومثّل العصر الذهبي للتراث الطبخي الإسلامي. بإحياء وتوسيع هذا العمل، ربط العثمانيّون طبيخهم بالخلافة العباسية المرموقة، ممّا شرّع دورهم خلفاء لتطوّر الطبيخ الإسلامي.

ترجم محمّد بن محمود الشيرواني حوالي ١٤٥٠م كتاب الطبيخ العبّاسي الأصلي للبغدادي، وكان طبيباً في البلاط العثماني تحت حكم السلطان مراد الثاني، مضيفاً حوالي ٧٠ وصفة “عثمانية” معاصرة للترجمة.

مَجمَع مطابخ توپ كاپي ١٤٥٩-١٨٥٦ (أكاديمية الطهاة العثمانية)

أسّسه محمّد الثاني بعد فترة قصيرة من الفتح، وأصبح أكثر مؤسّسة طبخ تطوّراً في العالم:
النطاق الضخم: قصر يستطيع استضافة ٤٠٠٠ شخص متزامن، مع مطابخ تخدم ١٠٠٠٠ انكشاري تتطلّب ١٠٠٠ طبّاخ على الأقل للمناسبات الواحدة.

المطابخ الإمبراطورية العثمانية شكّلت نظاماً مؤسّسياً متطوّراً يضمّ ١٠ مطابخ بمساحة إجمالية ٥٢٥٠ متر مربع تطعم ٤٠٠٠-٥٠٠٠ شخص يومياً. هذا النظام، المدوّن في “دفاتر طبيخ آميره”، أدّى وظيفة الأكاديمية التطبيقية مع تدريب الطباخين واختبارهم (خاصّة في طبخ الأرز معيار للتوظيف) وتجريب المكوّنات الجديدة من أنحاء الإمبراطورية.

التنظيم الهرمي شمل:

  • الكوشجو پاشيلار: الطبّاخون الرئيسون المسؤولون عن وجبات السلطان الشخصية
  • طبّاخو الخاص: يحضرون الطعام للسلطانة الوالدة وسكّان الحريم
  • الطبيخ الأميري: يطبخ لسكّان القصر والمسؤولين
  • طبّاخون متخصّصون: الحلوانيّون والسمكيّون وخبراء العجين

المصادر التاريخية الأوّلية لهذه الأكاديمية هي سجلّات مطابخ القصر العثماني (دفاتر الطبيخ الأميري) التي توفّر سجلّات مفصّلة للمكوّنات والأطباق وإجراءات الطبخ.

المدارس الطبخية السورية الأربع

الطبيخ الحلبي: حارس التراث البغدادي العبّاسي

تأسّست التقاليد الطبخية الحلبية على الأكاديمية الحلبية للطبخ، التي وثّقت وصفات تعود لـ٨٠٠ عام، بما فيها كبّة السفرجل الموجودة في كتب الطبخ الحلبية القديمة من هذه الفترة. وتطوّر الطبيخ الحلبي في العصر الذهبي للمدينة في القرنين الثالث عشر والرابع عشر تحت الحكم الأيوبي وحكم مماليك مصر، عندما شهدت حلب ازدهاراً تراثياً واقتصادياً كبيراً على طريق الحرير. ظهر ما يمكن تسميته “أكاديمية طبخ حلب” الفعلية من كتاب “الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب” للمؤرّخ الحلبي كمال الدين عمر بن أحمد بن هبة الله العقيلي، المعروف بابن العديم (١١٩٢-١٢٦٢)، الذي احتوى على ٦٣٥ وصفة دقيقة.

قُبيل تدمير بغداد على يد المغول عام ١٢٥٨، أصبحت حلب ملاذاً لتقاليد بغداد الطبخية المتطوّرة، خاصّة في تخصّصهم المشترك كبّة الأرز (استبدال البرغل التقليدي). وسعى أمراء حلب الأيّوبيّون آنذاك لإنقاذ التراث العبّاسي من الاندثار وإعلان وراثة حلب لتراث بغداد، وهذا كان السبب الأساسي لتكليف ابن العديم ببناء موسوعته المطبخية.

الخصائص المميّزة لطبيخ حلب:

  • الإكثار من الدهون: الاستخدام المكثّف للسمن العربي ودهن ذيل الخروف (الألية).
  • التعقيد في الطبخ: طبخ المكوّنات إلى أن تتعقّد (تصل مرحلة المعقود) فيتغيّر بنيانها الكيماوي.
  • التوازن الحلو-المالح: مزج مميّز للنكهات الحلوة والمالحة باستخدام دبس الرمان والفاكهة في أطباق اللّحم.
  • الاعتماد الكثيف على اللّحوم (خاصّة الخروف والماعز) والبزورات (الفستق الحلبي، الجوز، اللّوز) والتوابل المعقّدة مثل البهار الحلو والقرفة وجوزة الطيب.

أطباق مميّزة:

  • عشرات أنواع الكبّة: كبّة الأرز، الكبّة المشوية، كبّة السفرجل
  • كباب الكرز: كرات لحم صغيرة مطبوخة في إدام من كرز الوشنة
  • المحمّرة: معجون الفليفلة الحارّة والجوز مع دبس الرمان
  • الطباهجة: طبخة قديمة تُرجع إلى التقاليد الأشكانية

الطبيخ الشامي: النباتي المتوسطي

يقلّل الطبيخ الدمشقي التقليدي من استخدام الدهون، مع تكيّفات حديثة تلغي الإضافة التاريخية للسمن. ويغطّي الطبيخ الشامي تقليديّاً المنطقة من حماة إلى رفح وشمال سيناء، لكنّه في سوريا منطقة دمشق والغوطة الشرقية والغربية والجولان وحوران، متميّزاً بطابعه النباتي الواضح إذ تشكّل الخضروات والفواكه والحبوب الجزء الأكبر من النظام الغذائي. أبرز سمات الطبيخ الشامي عادة التركيز الشديد على الخضروات الموسمية والمكوّنات النباتية، مع تقليد قوي للأطباق النباتية، خاصّة في الفترات الدينية (لهذا تسمّى صيامية بدلاً من نباتية).

الانتشار الجغرافي:

  • المنطقة الأساسية: جَنُوب سوريا متمركزة حول دمشق
  • المنطقة الممتدّة: فلسطين والأردن وشمال السُّعُودية وسيناء
  • التأثير التراثي: انتشر في أنحاء بلاد الشام عبر الهجرة والتجارة والمصاهرة

الأطباق والطرق المميّزة:

  • المجدّرة: العدس البني مع الأرز أو البرغل والبصل المكرمل.
  • الخضار المحشوّة: الكوسا والباذنجان محشوّة بالأرز والأعشاب مع الحد الأدنى من اللّحم.
  • البرغل: سلطة البرغل مع القرنبيط والمكسّرات ودبس الرمان.
  • الحلويّات الرقيقة: غالباً سميد وقشدة وجبن أبيض.
  • التبّولة الشامية بالبقدونس والبرغل، والفتّوش بالخضار المشكّلة مع خبز القمح.

الطبيخ الجزيري/الفراتي: النباتي الآسيوي

تقليد نباتي قويّ مرتبط بطرق التجارة التاريخية (خاصّة طريق الحرير)، مع صلات مباشرة بالتقاليد الطبخية غرب الآسيوية وآسيا الوسطى عبر شبكات التجارة القديمة. في القسم السوري من الجزيرة العليا (دير الزور، الرقة، أجزاء من الحسكة)، البرغل أساسي مع تنوّع استثنائي في البقوليّات مثل العوين (حبّ اللّوبياء المجفّف) والعدس والحمص.

المكوّنات الأساسية والتقنيات:

  • مركزية البرغل: الاستخدام المكثّف لدرجات مختلفة من البرغل في تحضيرات مختلفة.
  • التركيز على البقول: الاعتماد الكبير على العدس والحمّص والفول.
  • السمن العربي: الزبدة المصفّاة التقليدية مع التوابل المميّزة (هواجة السمنة).
  • الكشك (الجشچ): منتج ألبان مخمّر يجمع اللّبن مع الحبوب، يُظهر التأثير وسط الآسيوي.
  • الفورة الديرية، المصنوعة من الكشك والعوين وتُطبخ ساعات طويلة، وتُقدّم تقليدياً في إفطار يوم الجمعة.

الصلات التاريخية بآسيا الوسطى:

  • تقاليد التخمير: طرق تحضير الكشك مطابقة للقورت/القروت وسط الآسيوي
  • تقنيات الحفظ: طرق التجفيف الشمسي والتخمير المكيّفة من التقاليد الظاعنة
  • إرث طريق الحرير: تأثير طريق الحرير واضح في استخدام التوابل وطرق الطبخ

طبيخ الساحل السوري: البحر المتوسط النباتي

طبيخ نباتي في المقام الأول بسبب المناخ المتوسّطي والوفرة، مع إدراج المأكولات البحرية عند توفرها. الطبيخ الساحلي هو الأكثر نباتية بين المطابخ السورية، إذ تشكّل المنتجات النباتية حوالي ٩٠٪ من النظام الغذائي.

ثقافة زيت الزيتون:

  • زيت الزيتون البكر الممتاز: أصناف معصورة على البارد من بساتين الزيتون الساحلية
  • مصدر الدهون الأساسي: زيت الزيتون يستبدل الدهون الحيوانية في معظم التحضيرات
  • تحضيرات الزعتر: مزج الأعشاب وزيت الزيتون للتتبيل
  • أصناف محلية مثل الخضيري والدعيبلي والزيتي

استخدام النباتات البرّية:

  • تقليد القطف: معرفة واسعة بالنباتات البرية الصالحة للأكل:
    • الهندباء: في السلطات والتحضيرات المطبوخة
    • البقلة: خصائص مضادّة للالتهاب، تُستخدم طازجة
    • الأعشاب البرّية: الزعتر، المردقوش، وأعشاب متوسّطية أخرى
    • السلق البري والخبّيزة واللّسان والقطف
  • المعرفة التقليدية: ممارسات نباتية تُنقل عبر الأجيال شفاهة بالوراثة.
  • الجمع الموسمي: نباتات برية مختلفة تُجمع طوال مواسم النمو
طبق من الطبيخ التقليدي يحتوي على أرز باللون الأحمر مع كرات من اللحم والخضروات، يقدم مع مشروبات في أكواب زجاجية.

العلاقة بالتراث العراقي/العباسي

أهمّ الكتب الناجية من مملكة العبّاسيّين إلى عصرنا الحالي هي كتاب ابن سيار الوراق (القرن العاشر) وكتاب البغدادي (القرن الثالث عشر).

كتاب ابن سيار الوراق (القرن العاشر) عنوانه “كتاب الطبيخ” – المعروف أيضاً باسم “حوليّات مطابخ الخلفاء”. يحتوي أكثر من ٦٠٠ وصفة من الطبيخ الإسلامي الفاخر في العصور الوسطى. وله ثلاث مخطوطات أصلية باقية في إنگلترا وهلسنكي وإسطنبول. وترجمته نوال نصر الله أكاديمياً إلى الإنگليزية (٢٠٠٧، بريل للنشر الأكاديمي).

كتاب البغدادي (القرن الثالث عشر) كُتب عام ١٢٢٦ م، نحو نهاية الخلافة العباسية. ويحتوي ١٦٠ وصفة أصلية، توسّعت لاحقاً لـ٤٢٠ وصفة. و”لقرون، كان كتاب الطبخ المفضل للأتراك” (~ چارلز بيري). والمخطوطة الأصلية في مكتبة سليمانية، إسطنبول.

بغداد ← القسطنطينية/إسطنبول:

كتاب البغدادي أصبح “كتاب الطبخ المفضل للأتراك” ولهذا فالمخطوطة الأصلية محفوظة في مكتبة سليمانية بإسطنبول. طلب السلاطين العثمانيون نسخاً مزخرفة (واحدة في المكتبة البريطانية). وأصبحت التَّرْجَمَةً التركية للشيرواني في القرن الخامس عشر أوّل كتاب طبخ تركي في التاريخ.

بغداد ← حلب:

في القرن الثالث عشر جمع ابن العديم كلّ ما وصل إلى يديه من كتب الطبيخ العبّاسية فأنجز موسوعة صارت مرجع الطهاة والأسر الحلبية لقرون بعدها. وابن العديم عقيلي من أمراء العقيليّين المعروفين بتراث امتدّ قروناً ما بين الموصل وماردين وحلب، لهذا تضمّنت موسوعة ابن العديم جمع التراث العقيلي الشمالي عموماً. المتّصل بعادات الجزيرة العليا.

في العهد العثماني كانت حلب “ثالث أكبر مدن الإمبراطورية العثمانية بعد القسطنطينية والقاهرة” متّصلة عبر سكّة حديد بغداد التي اكتملت عام ١٩١٢. والتقاليد الطبخية المشتركة واضحة في أطباق مثل عادات الشواء وطبخ الباذنجان والبقول، كما أنّ موقع حلب على طريق الحرير سهّل نقل المكونات والتقنيات. بالنسبة للعثمانية كانت حلب عاصمة طريق الحرير بجزئه العثماني.

طبق من ورق العنب المحشي باللحم والأرز، مُقدّم في صحن دائري بلون ذهبي، مع ورقة نعناع طازجة للتزيين.

المقارنة بين الطبيخ العراقي والسوري والتركي

تقليد الدولمة/السارمة/المحاشي:

  • دليل النقل: كانت تُسمّى أصلاً “دولمة تركية” أو “دولمة كركوك”، ثم أصبحت “دولمة بغدادي”، الآن “محشي بغدادي”.
  • الاختلافات الإقليمية: كل المطابخ الثلاثة تحتوي على خضروات محشوّة بخلطات الأرز/اللّحم.
  • طرق التحضير: تقنيات متشابهة لكن مكوّنات إقليمية مختلفة.

تقاليد الكباب:

  • الأصول النهرينية: المطابخ الثلاثة تُرجع تقاليد الكباب للتراث النهريني، وهو اليوم موزّع جغرافياً عبر الحدود العراقية والسورية والتركية.
  • التكيّفات الإقليمية: التكة العراقية، كباب الكرز السوري، الكباب الشامي، الشيش كباب التركي.
  • طرق الطبخ: تقنيات شواء مشتركة مع اختلافات إقليمية في التوابل.

التحليل المقارن: دحض الادّعاءات القومية

يؤكّد الباحث البارز ماكسيم روديسون أنّ مؤرّخي الطعام “يحتاجون لإظهار أنّ [الأطعمة] ليس لها أصل مشترك أو متوازي في الطبخ اليوناني-الروماني قبل أن نستدلّ على أي تأثير شرقي”، مؤكّداً على الحاجة لأدلّة صارمة بدلاً من الادّعاءات القومية. ويلاحظ بيرت فراگنر أنّ المطابخ شرق الأوسطية الحديثة “تقدّم أدلّة ظرفية خادعة” للتاريخ التراثي المشترك. فأصول الإرث الطبخي غالباً “مستحيلة التحقّيق” بسبب التأثيرات المتداخلة. كما أنّ الدول القومية حديثة المنشأة بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية ادّعت بأثر رُجْعِيّ أطباقاً تراث قومي حصري.

الطبيخ الأناضولي العثماني مقابل المطابخ السورية:

  • التركيز على لحم الخروف: القصر العثماني استهلك ٤٠٠٠٠ خروف سنويّاً في أواخر القرن السادس عشر
  • عجين القمح: “خمسة لاعبين رئيسين في طبيخ القصر: القمح، اللّحم، الأرز، السمن المصفّى والسكّر”
  • التقنيّات المتميّزة: طرق تحضير الخبز والمعجّنات التركية تختلف عن النظيرات السورية
  • تنوّع أكبر في منتجات الألبان والجبن، وتنوع أكبر في أنواع الكباب (أكثر من ٣٠ نوع)، والاستخدام المكثّف للباذنجان (أكثر من ٤٠ طبق موثق).

الخصائص السورية المتميّزة:

  • الاستخدام الكثيف لخلاصة التمر الهندي للنكهات الحلوة-الحامضة… استبدلتها اليوم البندورة
  • تفضيل الكمّون والقرفة والبهار الحلو
  • تقاليد المزّة (المازات) المتميّزة مع طرق تحضير خاصّة
  • الاستخدام المكثّف للسمّاق وماء الورد ودبس الرمان، وتنوّع استثنائي في المزّة (أكثر من ٥٠ نوع موثّق)، وتفضيل البرغل على الأرز
شخص يقوم بتحضير بوظة تقليدية مع حشوة من الفستق، حيث يتم سكب مادة الكريمة على الحشوة في وعاء زجاجي.

الأدلّة الأثرية والتاريخية تُظهر أنّ جذور الطبيخ السوري ما قبل عثمانية موثّقة أثريّاً من النقوش الكنعانية والآرامية والنبطية التي تؤكّد استخدام زيت الزيتون والقمح والبرغل آلاف السنين. كتاب “الوصلة إلى الحبيب” الحلبي من القرن الثالث عشر يسبق التأثير العثماني المكثّف بقرنين. الخصائص المحلّية المميّزة مثل المدارس الأربع للطبيخ السوري ونظام المزّة المعقّد لا توجد بنفس الطريقة في تركيا.

الطبيخ التركي له جذور وسط آسيوية موثقة من تقاليد القبائل التركية الرحل مثل الاعتماد على منتجات الألبان (العيران، القيمق) وتقنيات الطبخ الرعوية. التطوير المستقل في الأناضول تحت حكم السلاجقة قبل فتوحات العثمانيين الشامية يُظهر تطوّراً مواز وليس تابعاً. الخصائص المميّزة مثل استخدام الزبدة بدلاً من زيت الزيتون والتنوّع في أطباق الباذنجان والحلويات المبنية على الفيلو تميّز الطبيخ التركي.

الأدلّة الأثرية والتاريخية

الاكتشافات الأثرية المبكّرة:

  • حفريات جارمو في شمال شرق العراق تُظهر زراعة الفستق من ٦٧٥٠ ق.م
  • قاموس سومري-أگّدي ثنائي اللّغة (١٩٠٠ ق.م) يسرد ٨٠٠+ عنصر من الطعام والشراب
  • ألواح بلاد ما بين النهرين تُظهر ٢٠ نوع جُبْن، ١٠٠+ نوع حَساء، و٣٠٠ نوع خبز
  • كتب الطبخ في العصور الوسطى تُظهر تبادل الوصفات والتكيّفات
  • سجلّات مطابخ القصر العثماني توثّق مصادر المكونات
  • أدلّة طرق التجارة تُظهر انتشار التوابل والمكونات

التأثيرات المتبادلة والسياق الحضاري

طريق الحرير وطرق الحج إلى مكّة أدّت دوراً محوريّاً في نقل التقاليد الطبخية. منطقة غازي عنتاب وحلب مثال مثالي على هذا التبادل، فكانت غازي عنتاب تاريخيّاً جزءاً من ولاية حلب العثمانية. وجود أكثر من ٥٠٠٠٠٠ لاجئ سوري في غازي عنتاب حديثاً أدّى لظهور مطاعم سورية جديدة ودمج أطباق سورية في الطبيخ المحلي.

التنوّع المناخي شكّل المطابخ بطرق مختلفة: المناخ القارّي الجاف في حلب أدّى للاعتماد على اللّحوم المحفوظة والتوابل الحارة، والمناخ المتوسّطي المعتدل في الساحل السوري أدّى لوفرة النباتات البرية واستخدام زيت الزيتون. المناخ الصحراوي الحار في المنطقة الفراتية أدّى للاعتماد على الحبوب المخزّنة والبقوليات المجفّفة.

تظهر الدراسات الأنثروپولوجية أوجه تشابه واضحة في الأطباق المشتركة مثل الكبّة والمحاشي والبقلاوة والكنافة والكباب، والتقنيات الطبخية مثل استخدام أفران الطين وتقنيات الحشو والطي، والعادات الاجتماعية كتقاليد الضيافة والأكل الجماعي. هذه التشابهات تظهر التفاعل التاريخي الطويل قبل الفترة العثمانية والتبادل التجاري عبر طريق الحرير.

طبق تقليدي يحتوي على لحم مع اللوز والمكونات المختلفة، موضوع في وعاء فخاري مميز، مع تصميم زهور ملوّن تحت الوعاء.

تقاليد مترابطة ليس فيها مُلكية أبويّة

يكشف الإجماع الأكاديمي أنّ المطابخ السورية والتركية والعراقية تمثّل تقاليد مترابطة تشكّلت عبر آلاف السنين من التبادل التراثي بدلاً من تطوّرات متميّزة ومعزولة. ادّعاءات الملكية الحصرية للأطباق أو التقنيات لا تدعمها الأدلّة التاريخية، التي تُظهر بدلاً من ذلك التكيّف المستمر والتأثير المتبادل.

فترة الإمبراطورية العثمانية كانت مهمّة خاصّة في خلق مفردات وتقنيات طبخية مشتركة، والفترات الأقدم شهدت تبادلات أساسية في الخلافة العباسية. يؤكّد العلماء المعاصرون أنّ هذه المطابخ يجب فهمها بصفة اختلافات إقليمية ضمن تقليد طبخي شرق أوسطي أوسع، كلّ منها مع خصائص متميّزة تطوّرت عبر المكوّنات المحلّية والتفضيلات التراثية والظروف التاريخية.

من المنظور الأكاديمي الموضوعي، لا يمكن القول بأنّ أي من الطبيخين “ينتمي” للآخر بشكل مطلق. كلاهما نتاج تفاعلات تراثية متشابكة عبر آلاف السنين، مع احتفاظ كلّ منهما بخصائصه المميّزة الجوهرية. كان التأثير العثماني عاملاً مهمّاً في التبادل التراثي ولكنّه لم يكن الوحيد في تشكيل هذه التقاليد.

أدّى التراث العباسي الدور الأساسي كمصدر إلهام مشترك، إذ إنّ كُتب الطبخ العباسية مثل كتاب ابن سيار الوراق (القرن العاشر) وكتاب الكاتب البغدادي (١٢٢٦م) أثّرت على كلا الطبيخين. عملت الدولة العثمانية وسيط حضاري في نقل هذا التراث وتطويره، ولكن كل منطقة طوّرت تفسيرها الخاص بناء على ظروفها الجغرافية والتراثية.

المدارس الأربع للطبيخ السوري (الحلبي، الشامي، الجزيري، الساحلي) تمثّل تنوّعاً تراثيّاً وجغرافيّاً فريداً يدحض ادّعاءات التبعية الطبخية، والطبيخ التركي بجذوره وسط الآسيوية والرومية وتطويره العثماني يمثّل تقليداً مستقلّاً ومتميّزاً.

الخلاصة الأساسية: النقاشات المستمرّة حول أصول الطعام تفضح التوتّرات السياسية المعاصرة بدلاً من الحقائق التاريخية، مع الأدلّة الأكاديمية التي تدعم فهماً أكثر دقّة للعلاقات الطبخية القائمة على التراث المشترك والتبادل التراثي المستمر.

فهم هذه المطابخ يتطلّب تجاوز النزعات القومية والنظر إليها كتراث إنساني مشترك تطوّر عبر التفاعل والتبادل التراثي، مع الاعتراف بالإسهامات المحلّية والإقليمية لكلّ منطقة في إغناء هذا التراث الطبخي الثري الذي يستحقّ الدراسة والحفظ شاهد على عظمة الحضارة الإسلامية وقدرتها على الإبداع والتأثير عبر القرون.

طبق تقليدي من المطبخ الشرقي المعروض على صينية فضية، يتضمن مجموعة متنوعة من الأطباق، مثل السلطة، والحمص، والكبة، واللحم، مع سلطة خضروات وفواكه.

المصادر

  1. DIET AND CUISINE | History of Istanbul
  2. CULINARY TRADITIONS OF OTTOMAN ISTANBUL | History of Istanbul
  3. Byzantine Cuisine And Food Tradition – Sultanahmet Deraliye Restaurant
  4. Food Culture And Etiquette In The Ottoman Empire – Sultanahmet Deraliye Restaurant
  5. A Brief History Of Ottoman Cuisine: Culinary Delights Of The Imperial Palace
  6. Turkish Food Culture From Past To Present And Its Importance
  7. Refined Tastes in a Refined Place: Eating Habits an the Ottoman Palace During the 15th-17th Centuries
  8. Kitchen Organization, Ceremonial and Celebratory Meals in the Ottoman Empire
  9. Iraqi Cuisine
  10. A history of Turkish food
  11. كتاب الطبيخ ومعجم المآكل الدمشقية – Internet Archive
  12. تحميل كتاب الطبيخ pdf – Noor Book
  13. A Baghdad Cookery Book – Amazon
  14. Annals of the Caliphs’ Kitchens: Ibn Sayyār Al-Warrāq’s Tenth-Century Baghdadi Cookbook
  15. Annals of the Caliphs’ Kitchens – Barnes & Noble
  16. A Baghdad Cookery Book: The Book of Dishes – Google Books
  17. Annals of the Caliphs’ Kitchen: Ibn Sayyar al-Warraq’s Tenth-Century Baghdadi Cookbook
  18. Kitab al-Tabikh – Srk University
  19. About – Book of Dishes
  20. Ancient Aleppo cuisine tastes of conquest and trade | Reuters
  21. Before the War: The Lost Delicacies of Aleppo
  22. These 15 Syrian Recipes Are Treasures Of Middle Eastern Cooking
  23. Aleppan Muhammara – Arabic flavour
  24. Top 20 Most Popular Syrian Foods – Top Foods in Syria
  25. Syrian Cuisine – Syria Scope Travel
  26. A Time-Honored Tradition – The Origins and Inspiration of Syrian Cuisine
  27. #1 Food From Syria: Savor The Best Of Syrian Cuisine
  28. The Severnshed’s Bazargan
  29. Bulgur Pilaf {Authentic Lebanese Recipe} – Feel Good Foodie
  30. Samneh – The Bite with Jackie
  31. Rana Mustafa | Food Scientist – Qisetna
  32. Kishk – Traditional and Authentic Lebanese Recipe
  33. Our Varieties | Syrian Extra Virgin Olive Oil
  34. Syrian Za’atar Spiced Olive Oil
  35. Mediterranean Wild Edible Plants: Weeds or “New Functional Crops”? – PMC
  36. Book Review of “Ibn Sayyar al-Warraq’s Tenth-century Baghdadi Cookbook”
  37. The 10th-Century Baghdad Cookbook That’s a Poetic Tome to Food
  38. Food in Islamic Studies – Islamic Studies – Oxford Bibliographies
  39. The Imperial Kitchen | Lapham’s Quarterly
  40. Discover the Fascinating History of Turkish Cuisine
  41. The Legacy of Ottoman Cuisine – Istanbul Grill
  42. The Story of Turkish Food | Cuisine & Culture
  43. Historical background of Turkish gastronomy from ancient times until today
  44. The History of Turkish Cuisine
  45. Ottoman Culinary Culture. Chrones
  46. Ottoman cuisine – Wikipedia
  47. Byzantine cuisine – Wikipedia
  48. Muhammad bin Hasan al-Baghdadi – Wikipedia
  49. Iraqi cuisine – Wikipedia
  50. Aleppo – Wikipedia
  51. Topkapı Palace – Wikipedia
  52. Ottoman Empire – Wikipedia
  53. Bulgur – Wikipedia
  54. Kashk – Wikipedia
  55. Middle Eastern cuisine – Wikipedia
  56. Abbasid Caliphate – Wikipedia

تاريخ النشر

آخر تحرير

عودة إلى …

اترك رد

مدوّنة البخاري تُدار بقدرة شخص واحد، دون مورد مالي عائد منها. لذلك فإنّ دعمنا بالتبرّع هو رافد عظيم لمنحنا القدرة على الاستمرار.

مرة واحدة
شهري
سنوي

دعمك يعيننا على الاستمرار

إنشاء تبرع شهري

إنشاء تبرع سنوي

اختيار مبلغ

€5.00
€15.00
€100.00
€5.00
€15.00
€100.00
€5.00
€15.00
€100.00

أو إدخال مبلغ مخصص


تحظى إسهاماتك بالتقدير.

تحظى إسهاماتك بالتقدير.

تحظى إسهاماتك بالتقدير.

تبرعالتبرع شهريًاالتبرع سنويًا

اكتشاف المزيد من مدوّنة البخاري

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading