أصدر معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى تقريرين رئيسين عن العدالة الانتقالية في سوريا خلال عام 2025، محذّراً من أنّ غياب آليات المساءلة الفعالة قد يؤدّي إلى تفاقم العنف الطائفي والاضطرابات الاجتماعية. التقارير تؤكّد أنّ الفشل في تطبيق العدالة الانتقالية الشاملة والمنصفة قد يقوّض الانتقال السياسي في سوريا ويهدّد الاستقرار طويل المدى. هذا التحذير يأتي في ظلّ تصاعد أعمال العنف الانتقامي والتوتّرات الطائفية في أعقاب سقوط نظام الأسد. وهذا مختصر التقريرين مع توثيق ردود الأفعال من حولهم.
التقارير الأساسية ومؤلّفوها
التقرير الأوّل: “بدون المساءلة، العنف الطائفي في سوريا سيزداد سوءاً”
المؤلفان: كايلا كونتز وگريگوري ووترز
تاريخ النشر: 10 حَزِيران يونيو 2025
النوع: تحليل سياسي PolicyWatch 4051
خلفية المؤلّفين:
كايلا كونتز: طالبة دكتوراه في كُلِّيَّة كارتر للسلام وحل النزاعات، وباحثة في الأرشيف السوري
گريگوري ووترز: باحث في الأرشيف السوري ومستشار سابق في مجموعة الأزمات الدولية، متخصّص في أجهزة الأمن وآليات الحكم المحلي
التقرير الثاني: “نماذج للعدالة الانتقالية في سوريا”
المؤلّفان: ميتشيسلاف بودوشينسكي وسابينا هينيبرگ
تاريخ النشر: 18 شباط فبراير 2025
النشر: موقع Lawfare ومعهد واشنطن
خلفية المؤلّفين:
بودوشينسكي: أستاذ مشارك في السياسة والعلاقات الدولية بكلية بومونا، دبلوماسي أمريكي سابق
هينيبرگ: زميلة كبيرة في معهد واشنطن ومديرة برنامَج البحوث الصغيرة
التحذيرات الرئيسية والنتائج الأساسية
تحذيرات من العنف الطائفي والاضطرابات الاجتماعية
يحذّر التقرير الأوّل من أنّ “خطط الحكومة وقدرتها على تنفيذ العفو والعدالة الانتقالية تبقى غير واضحة، ممّا يدفع بعض السنّة والعلويّين لأخذ الأمور بأيديهم والإسهام في موجة متصاعدة من العنف بين الطوائف.” كما يشير إلى أنّ “غياب أي عملية مساءلة خلال الأشهر الستّة الماضية يغذّي بالفعل دورات انتقام إضافية عبر البلاد.”
أدلّة موثّقة على الاضطرابات
- مجزرة 6 آذار مارس 2025: مقتل عدد من العلويّين في محافظتي طرطوس واللاذقية.
- أعمال عنف انتقامية متصاعدة: تشكيل “قوّات المساءلة الخاصّة” التي تهدّد المتعاونين مع نظام الأسد.
- عنف طائفي في حِمْص وحماة واللاذقية: مقتل 624 شخصاً على الأقل وفقاً للشبكة السورية لحقوق الإنسان.
- نزوح 40,000 علوي إلى لبنان نتيجة التهديدات الأمنية.
انتقادات لآليّات المساءلة الضعيفة
يعتبر التقرير أنّ لجنة العدالة الانتقالية الحالية “تفتقر للشفافية وستركّز فقط على مرتكبي الجرائم من النظام السابق، باستثناء الجرائم المرتكبة منذ إطاحة بشّار الأسد.” كما ينتقد “عدم اتّساق وغموض وضعف التواصل” في جهود الحكومة لاعتقال مجرمي نظام الأسد، مشيراً إلى أنّ العديد من المخبرين والموظّفين من المستويات الدنيا يتجوّلون بحرية برغم الإبلاغ عنهم.
التوصيات العاجلة والحلول المقترحة
توصيات فورية للحكومة السورية
- البَدْء السريع في محاكمات مجرمي نظام الأسد
- وضع سياسة عفو واضحة ومحددة
- التصرّف بناءً على نتائج لجنة التحقيق في أحداث 6 مارس آذار
- ضمان عمل اللّجنة الجديدة بسرعة وشفافية واستقلالية
- توفير الدعم التقني لعملية العدالة الانتقالية الأوسع
الدروس المستفادة من التجارِب الإقليمية
- من العراق: تجنّب سياسة “اجتثاث البعث” المدمّرة والمسيّسة
- من تونس: الحذر من تسييس العملية برغم النجاح الأوّلي
- من ليبيا: تجنّب إعطاء نفوذ مفرط للثوّار ممّا يؤدّي لعدم الاستقرار
التوصيات الدولية
- تأسيس آليّات مستقلّة لتوثيق الانتهاكات
- متابعة العدالة الانتقالية جنباً إلى جنب مع إصلاح القطاع الأمني وتمكين المجتمع المدني
- استخدام النفوذ الدولي لمنع النتائج الانتقامية
- تسهيل الحوارات مع عمليات المصالحة الناجحة
ردود الفعل الحكومية والرسمية
الموقف الرسمي السوري
- الدكتور حمزة المصطفى (وزير الإعلام): أكّد عبر وكالة سانا أنّ سوريا تتبع “مسارين متوازيّين: العدالة الانتقالية والاستقرار والسلم الأهلي،” مشدّداً على تشكيل هيئة وطنية للعدالة الانتقالية تتمتّع “بصلاحيات واسعة واستقلالية.”
- حسان الدغيم (مستشار رئاسي): أوضح لرويترز أنّ مفوضية العدالة الانتقالية ستركّز على “التعويضات المادية والمعنوية والمصالحة الوطنية” مع الاعتراف بتعقيد جمع الأدلة القانونية.
ردود الفعل الإقليمية والدولية
- تركيا: رحّبت وزارة الخارجية بتشكيل الحكومة الانتقالية، مؤكّدة التزام “الإدارة السورية بتحقيق عملية انتقال سياسي شامل بقيادة سورية.”
- جامعة الدول العربية: وافق ثمانية وزراء خارجية عرب في اجتماع العقبة على “دعم عملية انتقال سلمية” ودعوا للتمثيل الشامل لـ”جميع القوى السياسية والاجتماعية” مع التحذير من “التمييز العرقي أو الطائفي أو الديني.”
- الاتحاد الأوروپي: رحّب بتشكيل السلطة الوطنية للعدالة الانتقالية والسلطة الوطنية للمفقودين، داعياً لعمليات “شفافة ونزيهة وشاملة تساير المعايير الدولية للعدالة.”
ردود فعل المعارضة والمجتمع المدني
منظّمات حقوق الإنسان
هيومن رايتس ووتش: انتقدت بشدّة ولاية مفوضية العدالة الانتقالية باعتبارها “ضيقة بشكل مقلق وتستثني العديد من الضحايا،” مشيرة إلى أن مرسوم 17 آيّار مايو يحصر التركيز على جرائم حكومة الأسد فقط.
منظّمة العفو الدولية: أصدرت بياناً شاملاً يحدّد الخطوات الأولوية للسلطات السورية لتحقيق العدالة الانتقالية، مطالبة بآليات “تركز على الضحايا ومشاورات وطنية مع الناجين وبرامج تعويضات شاملة.”
المركز الدولي للعدالة الانتقالية: رحّب بتشكيل مؤسّستي العدالة الانتقالية باعتبارها “خطوة تاريخية إلى الأمام” لكنّه شدّد على ضرورة “التعاون الوثيق مع الضحايا والمجتمع المدني والمجتمعات المتضررة.”
معارضة الأسد السورية
الائتلاف الوطني السوري ولجنة التفاوض: أعلنا في 12 شباط فبراير 2025 ولاءهما للحكومة المؤقتة بقيادة أحمد الشرع، مع الدعم العام لإطار العدالة الانتقالية مع التأكيد على ضرورة الشمولية والتمثيل الأوسع.
منظّمات المجتمع المدني السوري
بيان مشترك للمجتمع المدني: أصدرت منظّمات متعدّدة بياناً مشتركاً يعبّر عن “الأمل والقلق” بشأن المرسوم رقم 20، مثيرة تساؤلات جدية حول رؤية المفوضية وولايتها وقدرتها على معالجة تركة الانتهاكات.
الشبكة السورية لحقوق الإنسان: نشرت تقارير مفصّلة تحدّد الأطر القانونية لتأسيس هيئة العدالة الانتقالية، محذّرة من إنشاء المفوضية عبر مرسوم تنفيذي بدلاً من عملية تشريعية.
التحليل الخبير والتقييم الدولي
تحليل المؤسّسات البحثية الكبرى
- معهد بروكينگز: أكّد ستيفن هايدمان على أنّ العدالة الانتقالية أساسية للانتقال المستدام، محذّراً من تجرِبة “اجتثاث البعث الكارثية” في العراق، ومشدداً على ضرورة رفع العقوبات والتعافي الاقتصادي جنباً إلى جنب مع جهود العدالة.
- مجلس العلاقات الخارجية: أكد ستيفن كوك على أن انهيار نظام الأسد يوفر فرصة للقطع مع الماضي، محذراً من مخاطر الحرب الطائفية في الانتقال.
- مؤسسة كارنيغي: نشرت فيديريكا داليساندرا ورقة شاملة حول “مساءلة الجرائم الدولية في سوريا ما بعد الأسد،” مشددة على الاستفادة من التوثيق الموجود للمساءلة.
التحليل الأكاديمي والخبراء المتخصصون
- خبراء العدالة الانتقالية المقارنة: يؤكّدون أنّ الحالة السورية تمثل سيناريو “مضاد للنموذج” في العدالة الانتقالية، حيث تحولت جهود التوثيق في أثناء النزاع من التوقيت التقليدي للعدالة الانتقالية.
- الجمعية الأمريكية للمحامين: تحدد العدالة الانتقالية بصفة حجر الأساس لمستقبل سلمي وشامل، مشددة على البحث عن الحقيقة والمساءلة والتعويضات والإصلاحات المؤسسية.
السياق الحالي للعدالة الانتقالية في سوريا
التطوّرات المؤسّسية الحديثة
المؤسّسات الوطنية المؤسسة (أيّار مايو 2025):
- اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية: أسسّت بموجب المرسوم الرئاسي رقم 20 في 17 أيّار مايو 2025
- اللّجنة الوطنية للمفقودين: أسست في نفس الوقت لمعالجة مصير أكثر من 100,000 مفقود من النزاع
الإطار الدستوري: الإعلان الدستوري لسوريا في آذار مارس 2025 (المادة 49) يؤسّس إطاراً لمفوضية العدالة الانتقالية مع “آليات تركّز على الضحايا لتحديد المساءلة والحق في الحقيقة والانتصاف للضحايا والناجين.”
الآليّات القانونية الدولية
القضايا ذات الولاية القضائية العالمية: محاكمات نشطة في المحاكم الأوروبية مستمرّة في ألمانيا وفرنسا لمراقبة المسؤولين السوريّين بتهم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
الآليات الدولية: الآلية الدولية والمحايدة والمستقلّة حصلت على وصول غير مسبوق لسوريا في كان الأوّل ديسمبر 2024 لأوّل مرة منذ تأسيسها في 2016.
التحديات والعقبات الرئيسية
التحدّيات السياسية والمؤسّسية:
- تجزّؤ الحكم عبر هياكل سلطة متنافسة في مناطق مختلفة
- مخاوف الشمولية حول تمثيل الأقليات في الحكومة الانتقالية
- عدم اليقين في الانتقال الديمقراطي مع جدول زمني 3-5 سنوات
التحدّيات الاقتصادية والإنسانية:
- استمرار القيود المالية التي تعيق إعادة الإعمار والخدمات الأساسية
- فجوة كبيرة في التمويل الإنساني مع استلام 186 مليون دولار فقط من الاحتياجات المطلوبة
تقييم التوصيات والفريقين
نِقَاط القوّة في التوصيات
التقارير تقدّم إطاراً عملياً مبنياً على دروس مستفادة من تجارِب إقليمية، مع التركيز على:
- تجنب الأخطاء الاستثنائية مثل اجتثاث البعث في العراق
- التركيز على الضحايا والمفقودين أولوية
- الحاجة للعمل المبكر لمنع دورات الانتقام
- أهمية الشمولية والمشاركة المجتمعية
التحدّيات في التطبيق
القيود الهيكلية:
- ضعف قدرة الدولة على تنفيذ العدالة الانتقالية الشاملة
- نزاع متعدّد الأطراف يتطلب نهجاً شاملاً
- التدخل الإقليمي والتعقيدات الجيوسياسية
- الأزمة الاقتصادية التي تقوض استقرار الانتقال
الحاجة للدعم الدولي المستمر
يؤكّد التحليل الشامل على أنّ نجاح العدالة الانتقالية في سوريا يتطلب:
- الدعم المالي والتقني المستمر من المجتمع الدولي
- رفع العقوبات المرتبط بالتقدم في العدالة الانتقالية
- التنسيق بين الآليات المحلية والدولية للمساءلة
- ضمان المشاركة الحقيقية للضحايا في تصميم وتنفيذ العمليات
التقرير النهائي يشير إلى أنّ سوريا تقف عند مفترق طرق حرج، حيث يمكن للعدالة الانتقالية الشاملة والمنصفة أن تمهّد الطريق للمصالحة الوطنية والاستقرار، أو يمكن لفشلها أن يؤدّي إلى تعميق الانقسامات وتجدد دورات العنف الطائفي.
يمكن تصنيف ردود الأفعال إلى فريقين رئيسين بناءً على موقفهما من تقارير معهد واشنطن وآليات العدالة الانتقالية المطبقة:
الفريق الأول: المؤيّد للنهج الحكومي الحالي (الداعم للتدرّج)
يشمل:
- الحكومة السورية الانتقالية (وزير الإعلام حمزة المصطفى)
- تركيا (وزارة الخارجية التركية)
- جامعة الدول العربية (اجتماع العقبة)
- الاتّحاد الأوروپي (الخدمة الأوروبية للعمل الخارجي)
موقفهم:
- يرحبون بالخطوات المتّخذة لتشكيل لجان العدالة الانتقالية
- يدعمون النهج التدريجي والمتوازن
- يؤكّدون على أهمية الاستقرار والسلم الأهلي جنباً إلى جنب مع العدالة
- يثقون في قدرة الحكومة الانتقالية على إدارة العملية
الفريق الثاني: المنتقد والمطالب بالإصلاح (الداعي للتسريع والتوسيع)
يشمل:
- منظّمات حقوق الإنسان (هيومن رايتس ووتش، منظمة العفو الدولية)
- منظمات المجتمع المدني السوري (الشبكة السورية لحقوق الإنسان)
- المؤسّسات البحثية الغربية (معهد بروكينغز، مؤسسة كارنيغي)
- الخبراء الأكاديميون والقانونيون
موقفهم:
- ينتقدون ضيق ولاية لجنة العدالة الانتقالية
- يطالبون بتوسيع نطاق المساءلة لتشمل جميع الأطراف
- يحذّرون من مخاطر بطء العملية على الاستقرار
- يدعون لمشاركة أوسع للضحايا والمجتمع المدني
- يؤكدون على ضرورة الإسراع في المحاكمات
الخلاف الجوهري بين الفريقين:
- الفريق الأول: يركّز على الاستقرار أولاً ثم العدالة تدريجياً
- الفريق الثاني: يؤّكد أنّ العدالة الشاملة والسريعة هي الطريق الوحيد للاستقرار الحقيقي
هذا التصنيف يظهر الانقسام الكلاسيكي في مقاربات العدالة الانتقالية بين أنصار “السلام أولاً” وأنصار “العدالة أولاً”.
قائمة المصادر المستخدمة في التقرير
- التقارير الأساسية لمعهد واشنطن
- المصادر الحكومية والرسمية
- منظّمات حقوق الإنسان
- المؤسّسات البحثية والأكاديمية
- 13 معهد بروكينغز – سقوط نظام الأسد
- 14 معهد بروكينغز – الحاجة لرفع العقوبات
- 15 معهد بروكينغز – العدالة الانتقالية: كسر الأرض الجديدة
- 16 مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي – مساءلة الجرائم الدولية
- 17 معهد الشرق الأوسط – إعادة تصور سوريا
- 18 معهد بحوث السياسة الخارجية – سوريا ما بعد الأسد
- 19 مجموعة الأزمات الدولية – سوريا الجديدة: وقف الانجراف الخطير
- 20 منظمة اللاجئين الدولية – ما بعد السقوط: إعادة بناء سوريا
- المنظّمات القانونية والمهنية
- 21 الجمعية الأمريكية للمحامين – العدالة الانتقالية في سوريا
- 22 مركز العدالة والمساءلة السوري
- 23 بيت الحرية – الانتقال والحكم المستقبلي
- الأمم المتّحدة والمنظمات الدولية
- 24 الآلية الدولية والمحايدة والمستقلة – المجتمع المدني
- 25 مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان – العدالة الانتقالية
- 26 مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان – الوجود في سوريا
- 27 ReliefWeb – زيارة رئيس آلية المساءلة السورية
- وسائل الإعلام والتقارير الإخبارية
- المصادر الأكاديمية





اترك رد