انتهت حقبة استبدادية مريرة امتدّت عقوداً طويلة في سوريا، لكنّ الفرحة بالتحرّر سرعان ما اصطدمت بواقع أكثر تعقيداً. تواجه الحكومة المركزية الجديدة تحدّياً وجوديّاً يتمثّل في محاولات عدّة أقلّيّات الانفصال عن الكيان الموحّد، مسترشدة بالدعم الإسرائيلي المباشر. هذا المشهد يقدّم حالة استثنائية لتطبيق نظريات هربرت سپنسر حول التطوّر فوق العضوي، ولكن بطريقة عكسية تكشف عن ديناميكيّات مختلفة تماماً عمّا توقّعه الفيلسوف البريطاني.
من منظور شخصي، أرى أنّ ما تشهده سوريا اليوم يشبه إلى حدّ بعيد مرحلة تفسّخ كائن طفيلي أو ما بعد إزالة عدد كبير من الطفيليّات من جسم مضيف. نظام الأسد ومؤسّساته الاستبدادية كانت تقوم مقام ورم خبيث عنيف استنزف البلاد لعقود طويلة، وما نراه الآن من محاولات انفصالية وتفكّك هو ردّة فعل طبيعية لجسم المجتمع السوري وهو يحاول التعافي من هذا الورم المُستأصل. ليست التشنّجات والانقسامات الحالية علامة على موت المريض، بل على أنّ الجسم الاجتماعي يعيد تنظيم نفسه بعد التخلّص من العامل المُمرِض الرئيس. هذا التفسير البيولوجي يساير نظريات سپنسر حول التطوّر العضوي، ولكنّه يركّز على عملية الشفاء والتجديد بدلاً من التطوّر التدريجي.
هربرت سپنسر ونظرية التطور فوق العضوي
هربرت سپنسر (1820-1903) فيلسوف وعالم اجتماع بريطاني، يُعدّ من روّاد علم الاجتماع الحديث وإحدى أهمّ منظّري التطوّر الاجتماعي في القرن التاسع عشر. طوّر سپنسر نظرية “التطوّر فوق العضوي” Super-organic Evolution التي تطبّق مبادئ التطوّر البيولوجي على المجتمعات البشرية.
تفترض نظرية سپنسر أنّ المجتمعات تتطوّر طبيعيّاً من البساطة إلى التعقيد، ومن التجانس إلى التمايز المتخصّص، ومن الفوضى إلى النظام المؤسّسي. إذ وفقاً لمفهوم “البقاء للأصلح” الذي طوّره سپنسر (قبل داروين)، فإنّ المجتمعات التي تتكيّف بشكل أفضل مع بيئتها وتطوّر أنظمة أكثر تراكباً وتخصّصاً تزدهر وتستمر، في حين تنهار المجتمعات الأقل تكيّفاً.
غير أنّ الحالة السورية الراهنة تسير في الاتجاه المعاكس تماماً. سقط نظام الأسد المعقّد بمؤسّساته الاستبدادية المتشابكة، ليحلّ محلّه فراغ مؤسّسي استغلّته جماعات متنوّعة لإعادة تنظيم نفسها على أسس طائفية وعرقية أكثر هيافة وانغلاقاً.
يُستشهد بنظريّات سپنسر في هذا السياق لأنّ الحالة السورية الراهنة تسير في الاتّجاه المعاكس تماماً لما تنبّأت به نظريّته. بدلاً من التطوّر نحو التراكب والتكامل، نشهد انحداراً نحو التفكّك والانقسامات الطائفية البدائية، ممّا يوفّر دراسة حالة لافتة لاختبار صحّة هذه النظريّات عند تطبيقها عكسيّاً.
«حامي الأقلّيّات» من بشّار الأسد إلى إسرائيل
في محافظة السويداء الجنوبية، تشكّلت حركة انفصالية درزية تحت مسمّى “المجلس العسكري للسويداء”، مدعومة بقوّة من إسرائيل التي تروّج لنفسها حامية للأقلّيّات. يكشف هذا التطوّر عن استراتيجية إسرائيلية قديمة تستند إلى ما يُعرف بـ”خطة يينون” الصادرة عام 1982، التي تهدف إلى تفكيك الدول العربية إلى كانتونات طائفية ضعيفة. الدروز، برغم كونهم أقلّية صغيرة، يحتلّون مناطق استراتيجية قريبة من الحدود الإسرائيلية والأردنية، ممّا يجعلهم أداة مثالية لتحقيق هذه الأهداف الجيوسياسية.
المفارقة الكبرى تكمن في أنّ فلول نظام الأسد، بدلاً من الانسحاب إلى معاقلها التقليدية في جبال الساحل العلوية، توجّهت نحو السويداء حاملة معها شبكات تجارة الكپتاگون المربحة. هذا التطوّر غير المتوقّع يفسّره طبيعة تجارة الكپتاگون التي تطوّرت على مدى عقدين في شراكة وثيقة بين نظام الأسد وحزب الله. فحسب الأدلّة التحقيقية، كانت المنطقة الحدودية السورية اللّبنانية تمثّل المحور الأساسي لإنتاج الكپتاگون، وتتركّز العمليّات في المناطق الخاضعة لسيطرة حزب الله والفرقة الرابعة السورية، مع عائدات سنوية تصل إلى 10 مليارات دولار. كما أنّ مواقع الإنتاج في السيّدة زينب بدمشق كانت تخضع للسيطرة المشتركة للحرس الثوري الإيراني وحزب الله، وهناك شبكات متطوّرة للإنتاج والتهريب يديرها أشخاص مثل حسن محمّد دقّو الملقب بـ”ملك الكپتاگون” من بلدة تفيل اللّبنانية، مع روابط مباشرة بقيادات حزب الله.
عندما سقط نظام الأسد، لم تستطع هذه الشبكات الإجرامية الانتقال إلى الساحل السوري لأسباب لوجستية وأمنية. السويداء، بموقعها الاستراتيجي على الحدود مع الأردن ولبنان، وبهيكلها العشائري المنغلق، وبتاريخها في التهريب، وفّرت البيئة المثالية لاستمرار هذه العمليات. هذا ما يفسّر التحالف البراگماتي المعقّد الذي جمع بين بقايا النظام السابق والحركة الانفصالية الدرزية، مدعومين جميعاً بالرعاية الإسرائيلية. تجارة الكپتاگون، التي كانت مصدر دخل حزب الله الأوّل وتدرّ مليارات الدولارات سنويّاً، توفّر اليوم التمويل اللازم لاستمرارية هذا المشروع الانفصالي في السويداء.
في الشمال الشرقي، تسيطر قوّات قَسَد القومية الكردية على مناطق واسعة غنية بالنفط. قائد هذه القوّات، العراقي مظلوم عبدي، أعرب صراحة عن ترحيبه بالدعم الإسرائيلي، ممّا يشير إلى استعداد كردي للتحالف مع تل أبيب ضدّ الحكومة المركزية الجديدة. وهذا التحالف ليس مستغرباً نظراً لتاريخ العلاقات الإسرائيلية-الكردية، ولكنّه يكشف عن رغبة إسرائيلية واضحة في تطبيق مبدأ “فرّق تسد” على الجغرافيا السورية.
النجاح المؤقّت والهشاشة البنيوية
وفقاً لمفهوم “البقاء للأصلح” عند سپنسر، فإنّ هذه الحركات الانفصالية تبدو ناجحة في المدى القصير لأنّها تحصل على دعم خارجي قويّ ولديها مصادر تمويل مستقلّة. يستفيد الدروز من عائدات المخدّرات والدعم الإسرائيلي، في حين يسيطر الأكراد على موارد النفط ويحظون بالحماية الأمريكية والتأييد الإسرائيلي. هذا «التكيّف» مع الظروف الجديدة يبدو استراتيجية بقاء ذكية.
لكن تطبيق نظريّات سپنسر بعمق أكبر يكشف عن تناقضات جوهرية في هذه الاستراتيجيات. تحتاج المجتمعات المركّبة إلى شبكات متداخلة من التبادل الاقتصادي والثقافي والسياسي لتزدهر وتستمر. تفتقر الكانتونات المنعزلة، مهما كان دعمها الخارجي قويّاً، إلى التنوّع والمرونة اللّازمين للتطوّر طويل المدى. الاعتماد على مصدر واحد للثروة أو على راع خارجي واحد يخلق هشاشة بنيوية تهدّد الاستقرار.
دروس التاريخ والواقع الاقتصادي
التاريخ الحديث مُمتلِئ بأمثلة على فشل المشاريع الانفصالية المبنية على أسس طائفية أو عرقية ضيقة. جنوب السودان، برغم حصوله على الاستقلال بدعم دولي واسع وموارد نفطية ضخمة، سرعان ما انزلق إلى حرب أهلية مدمّرة بسبب افتقاره للتنوّع الاقتصادي والاجتماعي. بالمثل، فإنّ الكانتونات السورية المقترحة ستعاني من نفس المشاكل البنيوية.
الاقتصاد السوري مترابط تاريخيّاً، فالساحل يحتاج منتجات الداخل، والشمال الشرقي يحتاج موانئ الغرب، والجنوب يعتمد على شبكات التوزيع المركزية. تقسيم هذا النسيج الاقتصادي المتداخل سيؤدّي إلى انهيار جميع الأطراف تدريجيّاً. حتى عائدات النفط والمخدّرات لن تكفي لبناء اقتصادات مستدامة في مناطق معزولة تفتقر للتنوّع والعمق السكّاني.
الضغوط الديموغرافية أيضاً تؤدّي دوراً حاسماً. سوريا دولة فتيّة سكانيّاً، والشباب السوري لن يقبل بالعيش في كانتونات مغلقة تحرمه من الفرص والحراك الاجتماعي. ستتواصل الهجرة الداخلية، ولن تستطيع الحدود المصطنعة منع التفاعل الطبيعي بين المجتمعات. سيجبر هذا الضغط الديموغرافي الكانتونات على الانفتاح أو الانهيار.
المقاومة الشعبية والضغوط الإقليمية
الضغوط الإقليمية والدولية ستتزايد أيضاً. تركيا لن تقبل بدولة كردية على حدودها، والأردن لن يتحمّل وجود دويلة مخدّرات في الجنوب السوري. روسيا وإيران، برغم خسارتهما لسوريا الأسد، لن تسمحا بتقسيم البلاد لمصلحة إسرائيل. حتى الولايات المتّحدة، برغم تحالفها مع الأكراد، لن تدعم تقسيماً يخدم المصالح الإسرائيلية أوّلاً وأخيراً.
الأهم من ذلك كلّه أنّ الغالبية العظمى من السوريّين ترفض التقسيم. المظاهرات الشعبية الواسعة في دمشق وحلب وحمص ضدّ التدخّل الإسرائيلي والمحاولات الانفصالية تظهر وعياً شعبيّاً عميقاً بمخاطر التفكّك. سيترجم هذا الوعي إلى ضغط سياسي واجتماعي متزايد على الحركات الانفصالية، خاصّة أنّ شرعيّتها الشعبية محدودة حتى داخل مناطقها.
برغم ضعفها الحالي تملك الحكومة المركزية الجديدة عوامل قوّة مهمّة. الشرعية الثورية التي تستمدّها من إسقاط الديكتاتورية تمنحها دعماً شعبيّاً واسعاً. التأييد الإقليمي والدولي لوحدة سوريا يوفّر لها غطاء سياسيّاً قويّاً. الحاجة الماسّة لإعادة الإعمار تتطلّب وحدة الموارد والجهود، ممّا يجعل التقسيم خياراً مكلفاً حتّى للانفصاليّين أنفسهم.
سيناريو المستقبل:
ثلاث مراحل نحو إعادة التوحيد
استناداً إلى هذا التحليل، يمكن توقع سيناريو مستقبلي يمر بثلاث مراحل أساسية:
- المرحلة الأولى ستشهد تصاعداً في التوتّرات الانفصالية واستمرار الدعم الإسرائيلي للحركات المناهضة للمركز، مع محاولات لترسيخ الأمر الواقع الانفصالي. هذه المرحلة قد تستمر سنتين أو ثلاث سنوات، وستكون مليئة بالصراعات المحدودة والأزمات السياسية.
- المرحلة الثانية ستبدأ مع تراكم التكاليف الاقتصادية والاجتماعية للتقسيم. ستواجه الكانتونات الانفصالية صعوبات متزايدة في تأمين احتياجاتها الأساسية، وستتفاقم الضغوط الديموغرافية، وسيتراجع الدعم الشعبي للانفصال. قد تشهد هذه المرحلة بداية مفاوضات جدّية حول إعادة التوحيد على أسس اتّحادية أو لامركزية موسّعة.
- المرحلة الثالثة ستكون مرحلة إعادة التوحيد التدريجي، ولكن ليس بالضرورة على النموذج المركزي القديم. سوريا الجديدة ستكون أكثر لامركزية وتعدّدية، مع ضمانات دستورية أوسع للأقلّيات … مع الأسف في هذا تكريس للنموذج الطائفي، ولكنّها ستبقى دولة موحّدة. سيحدث هذا التطوّر ليس بسبب القوّة العسكرية، ولكن بسبب الضرورات الاقتصادية والاجتماعية التي تفرض التكامل والتعاون.
قوانين التطوّر والضرورة التاريخية
الخلاصة التي تقدّمها نظريّات سپنسر، حتى لو طُبّقت بطريقة معكوسة، واضحة. لا يمكن تفكيك المجتمعات المركّبة بسهولة إلى مكوّنات بسيطة منعزلة. التداخل والتفاعل والتبادل ضرورات حتمية للبقاء والازدهار. تمثل المحاولات الانفصالية الحالية في سوريا ردّة فعل مؤقّتة على انهيار النظام القديم، ولكنها لن تصمد أمام ضغوط التطوّر الطبيعي نحو التكامل والوحدة. وستخرج سوريا من هذه المحنة أقوى وأكثر تماسكاً، ولكن بعد دفع ثمن باهظ من الوقت والجهد والدماء.
المصادر والمراجع
- Spencer, Herbert. First Principles. 1862. London: Williams and Norgate.
- Spencer, Herbert. The Principles of Sociology. 3 vols. 1876-1896. London: Williams and Norgate.
- Spencer, Herbert. Social Statics. 1850. London: John Chapman.
- Yinon, Oded. “A Strategy for Israel in the Nineteen Eighties.” Kivunim (Directions), No. 14, Winter 1982. World Zionist Organization.
- Coser, Lewis A. Masters of Sociological Thought: Ideas in Historical and Social Context. 2nd ed. New York: Harcourt Brace Jovanovich, 1977.
- Parsons, Talcott. The Structure of Social Action. New York: McGraw-Hill, 1937.
- Peel, J.D.Y. Herbert Spencer: The Evolution of a Sociologist. London: Heinemann, 1971.
- Burrow, J.W. Evolution and Society: A Study in Victorian Social Theory. Cambridge: Cambridge University Press, 1966.
- Shahak, Israel, trans. The Zionist Plan for the Middle East. Belmont, Massachusetts: Association of Arab-American University Graduates, 1982.
- Haddad, William W. “The Yinon Plan and the Balkanization of the Middle East.” Journal of Palestine Studies 32, no. 1 (2002): 46-58.
- Tilley, Virginia. The One-State Solution: A Breakthrough for Peace in the Israeli-Palestinian Deadlock. Ann Arbor: University of Michigan Press, 2005.
- U.S. Drug Enforcement Administration. Project Cassandra: Hezbollah Drug Trafficking and Money Laundering Operations. Washington, D.C.: DEA, 2018.
- Carnegie Endowment for International Peace. “Double Dealers: Lebanon and the Risks of Captagon Trafficking.” Washington, D.C.: Carnegie Endowment, 2025.
- Royal United Services Institute. “Syria, Captagon and Geopolitics: From Magic Bullet to Placebo.” London: RUSI, 2024.
- Organized Crime and Corruption Reporting Project. “Hezbollah’s Global Criminal Networks.” OCCRP Reports, 2020-2025.
- American Jewish Committee. “Who Are the Druze, and Why Is Israel Defending Them in Syria?” AJC Analysis, 2025.
- Atlantic Council. “Israel is Making a Miscalculation in Southern Syria.” MENASource, 2025.
- Foundation for Defense of Democracies. “Why Did Israel’s New Foreign Minister Embrace the Kurdish People?” FDD Analysis, 2024.
- Kurdish Institute of Paris. “Behind Israel’s Support for the Druze Lies Goal to Weaken Syria.” KIP Reports, 2025.
- The Washington Post. “Hezbollah Operatives Seen Behind Spike in Drug Trafficking, Analysts Say.” August 4, 2020.
- CNN. “What’s Behind Deadly Clashes in Syria – and Why Did Israel Intervene?” July 15, 2025.
- The Jerusalem Post. “Hezbollah Fueled by Captagon Trafficking, WSJ Report Reveals.” October 29, 2024.
- Ynet News. “‘No One Will Trust Israel Anymore’: Syria’s Kurds Watch Druze Massacre with Growing Alarm.” July 2025.
- U.S. Department of Treasury, Office of Foreign Assets Control. Sanctions against Hezbollah Network. Multiple reports, 2020-2025.
- European Union External Action Service. EU Sanctions on Syrian Regime and Associated Networks. Brussels: EEAS, 2024-2025.
- United Nations Office on Drugs and Crime. World Drug Report 2024: Middle East Trafficking Routes. Vienna: UNODC, 2024.
- Europol. Serious and Organised Crime Threat Assessment 2024. The Hague: Europol, 2024.
- Begin-Sadat Center for Strategic Studies. “Hezbollah’s Criminal Empire in Latin America.” BESA Center Perspectives, 2023.
- Small Wars Journal. “Hezbollah’s Global Networks and Latin American Cocaine Trade.” February 2025.
- Alma Research and Education Center. “The Captagon Industry in Syria After Assad’s Fall.” March 2025.





اترك رد