من استبانة أجريتها في مجموعة معجم اللّهجات العربية على فيٓسبوك، وجدت أنّ أغلب العرب تلفظ اسم الأرز: رُوز (52٪) بالإضافة إلى رُز، رَوز، رِز، رِيز، رِنز، أرُوز، أرُز، غز… وكذلك تمّن و مارو حول الخليج العربي.
هذه التنويعات في أسماء الأرز قديمة وأقدم من الفصحى بقرون عديدة، وسببها أن تسمية الأرز غير عربية الأساس. واختارت الفصحى من هذه التنويعات صيغة {الأَرُزّ} وقال فيها الفراهيدي: إنّ فلاناً لأَرُوزٌ، أي: ضيّقٌ بخيلٌ شُحّاً، قال رؤبة: فذاك بَخّالٌ أَرُوزُ الأَرزِ. يعني أنّه يبخل حتّى بالأرز. والعرب إلى اليوم تضرب الأمثال بالوفرة والكثرة بالتشبيه بالأَرُزّ.

أرزّ و روز
في الواقع تسمية {الأَرُزّ} باسمه هذا وافدة إلى العربية عن طريق الآرامية {أُروزا} 𐡀𐡓𐡅𐡆𐡀 حوالي القرنين 8-7 ق.م. مستوردة من لغات وسط آسيا حين كانت {وريژې} عن الآرية {ۉرنجِش} 𐎺𐎼𐎡𐎵𐎩𐎡𐏁 نسبة إلى مكان اسمه ور، أو نسبة إلى طريقة زراعة الأَرُزّ في مدرّجات ذات أحواض تحبس الماء. وكلمة ور تعني جدار، قاطع، فاصل. عن المصدر القديم وريق (وريگ) أي قَطْعٌ.
من الآرامية دخلت الكلمة اللّغة الفينيقية بشكل {أورزون} 𐤀𐤓𐤆𐤍، ثمّ في حوالي القرنين 4-3 ق.م دخلت الإغريقية القديمة كلمة {أوروزا} ὄρυζα (أورُزه). وصيغة {أورزون} ὄρυζον موجودة كذلك في الإغريقية القديمة.
أمّا تسمية {الرِز} فهي مستوردة إلى العربية من اللّغة الصُغدية القديمة {ريزگ} {رِسه} 𐽀𐼷𐼼𐼸 ومعناها قُوت و رزق.

تمّن
أمّا تسمية {تمّن} فأصلها شرق آسيوي، بلاد الأرز الأصلية. في البورمية (ميانمار) ထမင်း أتَمَنّ تعني أرز مسلوق. حيث {أتَ} تعني مسلوق، مطهو، و{مَنّ} تعني أرز. وتُلفظ كذلك {همّين} {تمّين}. وفي الصين الأرز هو {مِي 米}، ويسمّى الأرز المطبوخ في الصينية القديمة {تسُ مِه أن = تسُمِن}. وفي الصينية المعاصرة {شو مِه ڤان = شُومِڤَانْ} 熟米飯.
أقدم سجل معروف للأرز في العراق يعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد، في عهد الإمبراطورية الأشورية. سمّاه العراقي آنذاك عدّة أسماء، منها كُرَنگُ 𒆳𒊏𒉋𒂵 و كُرُگُّ 𒆳𒊏𒂵𒂵. وسمّى العراقي حقول زراعة الأرز مُشَرُ 𒈬𒊭𒊒.

في سفر حزقيال 27:17 المكتوب في في بابل في القرن السادس قبل الميلاد نجد كلمة تمِنِّيث מנית فسّرها التقليد الحاخامي على أنها تعني “الأرز”.
سنة ١٨٦٦ نشر مستكشف إيطالي اسمه كارلو گوَرماني Carlo Guarmani في القدس كتاباً عن رحلته إلى نجد الشمالية، سمّاه Il Neged settentrionale. وفي الصفحة ٧١ من الكتاب تجده يتحدّث عن تسمية أهل المنطقة للأرزّ تمّن.

مارو
في موريتانيا، يُطلق على الأرز اسم {مارو}، وأصل التسمية طريف نوعاً ما.
دخل استهلاك الأرز إلى موريتانيا في فترة الاستعمار الفرنسي في النصف الأوّل من القرن العشرين، حيث جلبه الفرنسيّون معهم كجزء من التحوّل الزراعي الذي شمل عدّة محاصيل جديدة على المنطقة. لم يكن الأرز جزءاً من النظام الغذائي التقليدي للشعب الموريتاني، والذي اعتمد أساساً على الحبوب المحلّية مثل الذرة والدخن، لكن الفرنسيّين أدخلنه لتصريف منتجات استثماراتهم في السنغال.
وفي تلك الحقبة استوردت السلطات الاستعمارية الفرنسية الأرز إلى موريتانيا في البداية من السنغال، حيث كانت زراعته شائعة في مناطق الوُلوف. وفي بعض لهجات الوُلوف تُستخدم كلمة {مبارو} Mbaaru تسمية لصنف سيريري Céré من الأزر الأبيض، وهي مصدر تسمية الموريتانيّين اليوم للأرز بكلمة {مارو}.

بالمحصّلة
وعليه، من استورد هذه الحبوب أوّل مرّة أيّام الإمبراطورية الأشورية سمّاها الأَرُزّ. ومن استوردها من طريق الصُغديّين مباشرة سمّاها الرِز. ومن استوردها من جنوب شرق آسيا مباشرة سمّاها التمّن.
الكلمة الآرية {ۉرنجِش} صارت في الصُغدية {برينق} {برينچ} ܒܪܝܢܢܨ ثم {برينز} 𐫁𐫡𐫏𐫗𐫉، ثمّ في الپهلوية {برِنق} {برِنج}، وهي التي صارت في الفارسية {برنج}.
أما {الأَرْزُ} في اللّغة العربية فهو في الأصل {شدّةُ تَلاحُمٍ وتَلازُمٍ في كَزازةٍ وصَلابةٍ} (حسب الفراهيدي). ولهذا صارت الكلمة صفة لشجر اللُبنى أو الصنوبر العرعر لصلابة خشبه، وجعلتها العرب اسماً لها. وهي نفسها {أرز} {أرزا} {عرزاء} في الآرامية والسريانية אַרְזָא / ܐܪܙܐ. وفي الجأزية {إرز} {إيرز} አርዝ. عن الأصل الأُگاريتي {أرز} {عرز} {إيرز} 𐎀𐎗𐎇. عن الأگّدية {عرينُ} 𒄑𒂞، عن السومرية {إيرِن} 𒄑𒂞.

وهكذا نرى أنّ تاريخ كلمة “الأرز” في اللّغة العربية وتنوّعاتها يعكس قصّة ثريّة من التبادل الثقافي والتجاري عبر القرون. فتعدّد أسماء الأرز في اللّهجات العربية المعاصرة ليس إلّا امتداداً لتاريخ طويل من التأثر والتأثير اللّغوي بين الحضارات.
دراسة أصول هذه الكلمة تكشف لنا مسارات التجارة القديمة وطرق انتقال المحاصيل والأفكار بين الشرق والغرب. كما تبيّن لنا كيف أنّ اللّغة العربية، في مرونتها وقدرتها على الاستيعاب، قد أغنت معجمها بمفردات من مصادر متنوّعة، محتفظة في الوقت ذاته بهويّتها وخصوصيتها.

ولعلّ في هذا التنوّع اللّغوي لتسمية محصول واحد يذكّرنا بأهمّية الحفاظ على التنوّع اللّهجي كجزء من التراث الثقافي العربي. فكلّ لهجة تحمل في طيّاتها قصّة فريدة عن التفاعل الحضاري وتطوّر اللّغة عبر الزمن.
إنّ هذه الدراسة الإتيمولوجية لكلمة “أرز” تفتح الباب أمام المزيد من البحث في أصول الكلمات العربية، ممّا يسهم في فهم أعمق لتاريخ اللّغة العربية وعلاقتها باللّغات والحضارات الأخرى.
مراجع
- Watson, W. G. E. (2007). “Lexical Studies in Ugaritic”. Alter Orient und Altes Testament, Band 340. Ugarit-Verlag.
- Muss-Arnolt, W. (1905). “A Concise Dictionary of the Assyrian Language”. Reuther & Reichard.
- Koehler, L., & Baumgartner, W. (2001). “The Hebrew and Aramaic Lexicon of the Old Testament”. Brill.
- Leslau, W. (1991). “Comparative Dictionary of Geʻez (Classical Ethiopic)”. Otto Harrassowitz Verlag.
- Beekes, R. S. P. (2010). “Etymological Dictionary of Greek”. Brill.
- Ciancaglini, C. A. (2008). “Iranian Loanwords in Syriac”. Beiträge zur Iranistik, Band 28. Wiesbaden: Reichert Verlag.
- Steingass, F. (1892). “A Comprehensive Persian-English Dictionary”. London: Routledge & K. Paul.
- الفراهيدي، الخليل بن أحمد. (1980). “كتاب العين”. تحقيق: مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي. دار الرشيد للنشر.
- Lane, E. W. (1863-1893). “An Arabic-English Lexicon”. Williams & Norgate.
- Jeffery, A. (2007). “The Foreign Vocabulary of the Qurʼān”. Brill.





اترك رد