يطرح الكاتب موريس عايق في مقاله الأخير “الحرب الأهلية السورية في طورها الثاني” رؤية قاتمة للمشهد السوري الراهن، محاولاً تحليل ما يسمّيه “صعود الفاشية السُنيّة” وانهيار “الوطنية السورية”. لكن، ما يقدّمه عايق ليس تحليلاً علميّاً رصيناً، بل خطاباً محمّلاً بالتحيّز والتعميمات شديدة الْخَطَر التي تخدم خطاب التحريض أكثر ممّا تخدم الفهم الموضوعي للواقع السوري المعقّد.
إشكالية المصطلح والمفهوم
يبدأ الخلل المنهجي في مقال عايق مع استعارته لمفهوم “الفاشية” وتطبيقه على الوضع السوري. فالفاشية حركة سياسية أوروپية ولدت في سياق تاريخي محدّد، ولها خصائص معيّنة ترتبط بطبيعة المجتمعات الصناعية الحديثة والقومية العلمانية. أمّا ما يصفه عايق بـ”الفاشية السنّيّة” فهو في حقيقته مزاج من التديّن المحافظ والحركات السياسية التي نشأت ردّة فعل على عقود من القمع والتهميش.
ليس بريئاً هذا الخلط المفاهيمي، طالما أنّه يهدف إلى شيطنة طيف واسع من السوريّين عبر إلصاقهم بتهمة الفاشية، وكأنّ أكثرية السوريّين تحوّلت فجأة إلى جماعة فاشية متعطّشة للدماء. يتجاهل هذا التعميم المجحف التنوّع الهائل داخل المجتمعات السورية السنّيّة، ويُغفل وجود ملايين السوريّين الذين يتطلّعون إلى دولة عادلة تحترم التعدّدية وحقوق الإنسان.
تشويه السرد التاريخي
لا يكتفي عايق بتشويه الحاضر، بل يمتدّ تشويهه إلى التاريخ نفسه. فحين يتحدّث عن نشأة “الوطنية السورية”، يربطها حصريّاً بالمسيحيّين والنخب العلمانية، متجاهلاً الدور المحوري الذي أدّاه العلماء والمفكّرون المسلمون المتديّنون في بناء الفكر الوطني السوري الحديث.
أين عبد الحميد الزهراوي، مؤسس النادي العربي في دمشق عام ١٩٠٨، الذي درس في الأزهر وتأثّر بأفكار محمد عبده والأفغاني؟ أين محمّد كرد علي الذي أسّس المجمع العلمي العربي عام ١٩١٩؟ أين عزيز علي المصري الذي أسّس جمعية “العربية الفتاة” العسكرية عام ١٩٠٩؟ وأين عشرات المفكّرين والنشطاء المسلمين مثل رفيق التميمي وسليم الجزائري وإحسان الجابري الذين أسهموا في صياغة الرؤية الوطنية السورية؟
هذا الإقصاء المتعمّد للإسهامات الإسلامية في تشكيل الهوية الوطنية السورية ليس مجرّد سهو، بل موقف إيديولوجي يسعى إلى احتكار مفهوم الوطنية لتيّار بعينه. كما يتجاهل عايق الحقيقة التاريخية الساطعة وهي أنّ الحركة الوطنية السورية ضدّ الاستعمار الفرنسي ضمّت في صفوفها مقاتلين من جميع الطوائف والمناطق، وأنّ القيادات الإسلامية كان لها دور بارز في هذا النضال.
ويُظهر التحليل الدقيق للشخصيّات المؤثّرة في صناعة القومية العربية أنّ المسلمين السنّة شكّلوا ٧٦.٢٪ من هذه الشخصيّات، فيما شارك المسيحيّون بنسبة ١٤.٣٪ والعلويّون بنسبة ٧.١٪. يدحض هذا التنوّع مزاعم عايق بأنّ الوطنية السورية كانت حكراً على المسيحيّين أو النخب العلمانية. كما تُظهر البيانات التاريخية أنّ النساء شاركن بقوّة في الحركة القومية العربية، إذ بلغت نسبة مشاركتهن ٣١٪ من إجمالي الشخصيّات المؤثّرة، وهيمنّ على ٧٢.٧٪ من الشخصّات المؤثّرة في المراحل المبكّرة للدول العربية.
انحياز مفضوح في قراءة الحرب
أمّا في قراءته للحرب السورية، فيسقط عايق في انحياز فاضح يكشف عن موقف مسبق لا علاقة له بالبحث العلمي الموضوعي أو المحايد. إذ هو يصوّر الأحداث وكأنّ الدمار الذي لحق بالمناطق السنّيّة كان نتيجة صراع بين السنّة والآخرين، متجاهلاً الوثائق والتقارير الدولية التي تؤكّد أنّ نظام الأسد وحلفاءه هم من دمّروا هذه المناطق باستخدام القصف الجوّي والأسلحة الكيماوية والحصار والتجويع.
هذا التجاهل المتعمّد لجرائم النظام الموثّقة دوليّاً، والتي تشمل قتل مئات الآلاف واعتقال عشرات الآلاف وتهجير الملايين، يكشف عن نزعة تبريرية خطيرة. فحين يتحدّث عايق عن “تحطيم المجتمعات السنّيّة التقليدية” دون أن يشير بوضوح إلى من تحمّل المسؤولية الأساسية عن هذا التحطيم، فإنّه يشارك في محو الحقائق وطمس المسؤوليّات.
ومن المفارقات أنّ عايق يتجاهل تماماً أنّ نظام الأسد نفسه استخدم الطائفية سلاحاً منذ السبعينات، واعتمد على ميليشيات طائفية من إيران والعراق وأفغانستان ولبنان للبقاء في السلطة. كما يتجاهل أنّ هذا النظام هو الذي رعى واحتضن شبكات السلفية الجهادية في سوريا من أجل تأمين الإمداد للحركات الإسلامية المقاتلة ضدّ الاحتلال الأميركي في العراق (وخدمة لمن يدفع أكثر).
علاوة على ذلك، يتجاهل عايق السياق التاريخي الذي أظهر أنّ تراجع الدور السياسي للمرأة العربية حدث تدريجيّاً بعد فرض الانتداب الفرنسي والبريطاني على المنطقة، وليس قبله. ففي العهد العثماني (السنّي)، أقرّت قوانين الإصلاح (التنظيمات) حقوقاً واسعة للمرأة في التعليم والعمل والمشاركة العامة. وأتاح قانون الجمعيّات العثماني لعام ١٩٠٩ للنساء تأسيس جمعيّات نسائية مستقلّة وعضوية الجمعيات المختلطة دون قيود.
غياب الأدلّة والمنهج العلمي
يفتقر مقال عايق افتقاراً تامّاً إلى المنهج العلمي في البحث والتحليل. فلا نجد فيه إحالة واحدة إلى دراسة ميدانية أو إحصائية موثّقة أو حتّى شهادات مباشرة من المناطق التي يتحدّث عنها. كل ما يقدّمه هو انطباعات شخصية وتعميمات واسعة تُقدَّم وكأنّها حقائق مسلّمة.
يتناقض هذا النهج الانطباعي تماماً مع المنهجية العلمية التي اتّبعها الباحثون الجادّون في دراسة تاريخ القومية العربية. فالدراسات المحترمة في هذا المجال تستند إلى مراجعة مئات المصادر الأصلية بالعربية والفرنسية والإنگليزية، ومقابلات مع شهود عيان ومؤرّخين متخصّصين، إضافة إلى زيارات ميدانية للمواقع التاريخية المرتبطة بنشأة الحركات القومية.
يتطلّب هذا النهج العلمي بناء إطار منهجي متكامل يجمع بين التحليل التاريخي والسياسي والاجتماعي، وليس الاكتفاء بالانطباعات الشخصية والأحكام المعمّمة التي يقدّمها عايق.
مغالطات منطقية ومفارقات خطيرة
يقع عايق في مغالطات منطقية جسيمة حين يربط بين أحداث متفرّقة دون أن يثبت وجود علاقة سببية واضحة بينها. فهو يستخدم أحداثاً معيّنة وقعت في مناطق محدّدة لاستنتاج أحكام عامّة على ملايين السوريّين. يشبه هذا النهج في التعميم من يحكم على شعب برمّته انطلاقاً من أفعال أفراد أو جماعات صغيرة.
والحقيقة أنّ الواقع السوري بعد سقوط النظام يكذّب مزاعم عايق تماماً. فقد كشفت الأحداث الأخيرة أنّ بعض الأقلّيّات هي من بادرت بالعداء وسعت للاستعانة بإسرائيل، وليس الأغلبية السنّيّة كما يوحي خطاب عايق. ففي محافظة السويداء، رُفع العلم الإسرائيلي مراراً من قبل فصائل درزية تطلب التدخّل الإسرائيلي. كما طلبت قوّات سوريا الديمقراطية (قسد) الكردية الدعم الإسرائيلي صراحة بعد فقدان حليفها نظام الأسد.
هذه الوقائع تكشف أنّ المشكلة الحقيقية تكمن في رفض بعض الأقلّيّات – التي تمتّعت بامتيازات تحت نظام الأسد – قبول المساواة مع بقية المواطنين السوريّين. فبدلاً من الاندماج في مشروع وطني ديمقراطي، تسعى هذه الأقلّيّات للاستعانة بإسرائيل للحفاظ على موقعها المتفوّق على الأغلبية.
إغفال البدائل والحلول
الجانب الأكثر إثارة للقلق في مقال عايق هو رفضه القاطع لأيّ بديل غير التقسيم. فهو يتجاهل تماماً إمكانيّات المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية، ولا يشير إلى التجارب الناجحة في العالم لحلّ النزاعات الطائفية والإثنية. بدلاً من ذلك، يقدّم رؤية قدرية قاتمة تحكم على سوريا بالفناء، وعلى السوريّين بالافتراق الأبدي.
يخدم هذا النهج التيئيسي أجندات التقسيم أكثر ممّا يخدم البحث عن حلول حقيقية. فالتاريخ يعلّمنا أن المجتمعات قادرة على تجاوز أعمق الأزمات حين تتوفّر الإرادة السياسية والرؤية الحكيمة. والواقع السوري الحالي يثبت قدرة السوريين على العيش المشترك، حيث لم تشهد البلاد مذابح طائفية منظّمة بعد سقوط نظام الأسد السفّاح، برغم التحريض والاستفزازات.
والأخطر أنّ خطاب عايق يتجاهل حقيقة أساسية: أنّ سوريا تواجه اليوم محاولات حقيقية للتقسيم والتفتيت من قبل قوى خارجية تستغلّ بعض الأقلّيّات لتحقيق هذا الهدف. بدلاً من فضح هذه المؤامرات والتحذير من مخاطرها، يساهم عايق في تبريرها والدفاع عنها تحت شعارات مضلّلة حول “حقوق الأقليات”.
خطورة الخطاب التحريضي
لعلّ الجانب الأخطر في مقال عايق هو اعتماده على لغة تحريضية تصنّف السوريّين إلى “نحن” و”هم”، و”أغيار” و”أصحاب أرض”. تذكّر هذه اللّغة التقسيمية بأسوأ فصول التاريخ الإنساني، وتساهم في تأجيج الكراهية بدلاً من ترسيخ قيم التسامح والعيش المشترك.
حين يتحدّث كاتب عن “إبادة ثقافية بطيئة” و”عبودية للأغيار” دون أن يقدّم أدلّة موثّقة، فإنّه يشارك في صناعة خطاب الكراهية الذي يمهّد لمزيد من العنف والانقسام. وحين يصف ملايين السوريّين بأوصاف تجريدية (“الكتلة السنّيّة الفاشية”)، فإنّه ينزع عنهم إنسانيّتهم ويسهّل استهدافهم.
والمفارقة أن عايق يكتب مقاله في الوقت الذي تشهد فيه سوريا محاولات حقيقية للتقسيم من قبل بعض الأقلّيّات بدعم إسرائيلي مباشر. فقد تشكّل “المجلس العسكري للسويداء” حركة انفصالية درزية مدعومة من إسرائيل، فيما استقرّ فلول نظام الأسد في المنطقة حاملين معهم شبكات تجارة الكبتاگون التي كانت تدرّ مليارات الدولارات سنويّاً. وفي الشمال الشرقي، أعرب قائد قسد مظلوم عبدي صراحة عن ترحيبه بالدعم الإسرائيلي.
تؤكّد هذه الوقائع أنّ خطاب عايق ليس مجرّد تحليل أكاديمي منحاز، بل مساهمة فعلية في مشروع تقسيم سوريا وتفتيتها. وبدلاً من التحذير من هذه المخاطر الحقيقية، يساهم في تبريرها وتسويغها تحت غطاء فكري مضلّل.
في الختام: دعوة للمراجعة
إنّ ما قدّمه موريس عايق ليس تحليلاً علميّاً للواقع السوري، بل رؤية إيديولوجية محمّلة بالأحكام المسبقة والتعميمات الخطيرة. يخدم هذا النوع من الكتابة أجندات التقسيم والتحريض أكثر ممّا يخدم البحث عن حلول حقيقية للأزمة السورية.
سوريا اليوم في أمسّ الحاجة إلى أصوات عقلانية تدعو إلى الحوار والمصالحة، لا إلى أصوات تنشر بذور الكراهية وتدعو إلى الانفصال. والمثقّفون السوريّون مدعوّون إلى تحمّل مسؤوليّاتهم التاريخية في بناء خطاب وطني جامع يرسّخ قيم العدالة والمساواة، لا خطاب يزيد الطين بلّة ويدفع بلدهم نحو مزيد من التشرذم.
لن يُبنى مستقبل سوريا على أنقاض الكراهية الطائفية، بل على أسس العدالة الانتقالية واحترام حقوق الإنسان وإرساء دولة القانون التي تحمي جميع مواطنيها دون تمييز. ويحتاج هذا المستقبل إلى جهود جميع السوريّين، لا إلى دعوات التقسيم والانفصال التي لا تنتج سوى مزيد من المأساة والألم.





اترك رد