تشكّل دراسة تسميات الطائفة الدرزية المختلفة عبر التاريخ نافذة مهمّة لفهم تطوّر هويّتها الدينية والثقافية والسياسية عبر ألف عام. تكشف هذه التسميات عن التفاعل المعقّد بين الهوية الداخلية والضرورات الخارجية للتكيّف مع السياقات التاريخية المتغيّرة. تحتاج هذه الدراسة إلى فهم عميق للسياق التاريخي لنشأة الطائفة في القاهرة الفاطمية في أوائل القرن الحادي عشر، وتطوّرها اللّاحق في المناطق الشامية.
النشأة التاريخية والتسميات المبكّرة
عام 1017م نشأت الطائفة الدرزية حركة دينية في القاهرة على يد حمزة بن علي بن أحمد، في عهد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله. حملت الحركة في بداياتها تسمية “دعوة التوحيد” أو “الدعوة الحاكمية”، نسبة إلى الخليفة الذي عدّته الحركة تجلّياً إلهياً. واستمرت فترة التبشير النشيط حتى عام 1043م، عندما أُعلن إغلاق باب الدعوة، وأصبحت الطائفة مجتمعاً مغلقاً لا يقبل أعضاء جدد.
خلال هذه الفترة التأسيسية، ظهر عدد من الشخصيات المؤثّرة التي ارتبطت بتسميات مختلفة. كان {محمّد بن إسماعيل الدرزي} أحد المبشّرين الأوائل، لكنّه، وبسبب تنافس على زعامة الطائفة والسيطرة على مسجد ريدان، دخل في صراع مع {حمزة بن علي} حول طبيعة الدعوة وأهدافها. ممّا أدّى إلى إعدامه بأمر من الخليفة الحاكم 1018م. برغم هذا الرفض الشديد، التصقت تسمية “الدروز” بالطائفة في المصادر الخارجية.
التسمية الدينية الأساسية:
الموحّدون وأهل التوحيد
تشكّل تسمية “الموحّدون” أو “الموحّدين” الهوية الدينية الأساسية للطائفة منذ نشأتها. تظهر هذه التسمية في كلّ صفحة تقريباً من رسائل الحكمة، النصوص المقدّسة الدرزية المكوّنة من 111 رسالة. تنطلق التسمية من الجذر العربي و-ح-د، المرتبط بمفهوم التوحيد، لكنها تحمل معنى بعيد عن التوحيد الإسلامي اليهودي التقليدي. وأقرب إلى المعنى الهندوسي.
يفهم الدروز التوحيد مفهوم فلسفي مركّب متأثّر بالأفلاطونية الجديدة. لا يقتصر الأمر على الإيمان بإله واحد، بل بوحدة إلهية مطلقة تتجاوز كلّ الصفات والأوصاف. في العقيدة الدرزية، الله “منزّه عن الصفات” – ليس حكيماً بالحكمة بل بذاته. هذا المفهوم للتوحيد جعل الدروز يعدّون أنفسهم أتباع “المسلك الثالث” للمعرفة الحقيقية بالوحدة الإلهية، متجاوزين التفسيرات الحرفية السنّية والتفسيرات الباطنية الشيعية.
تؤكّد التسمية الموازية “أهل التوحيد” على البعد الجماعي والاجتماعي للهوية الدرزية. تشير إلى الطائفة جماعة موحّدة حول مبدأ التوحيد، وتربطها بدعوة التوحيد التي بدأها {حمزة بن علي}. يمتدّ الاستخدام الجغرافي لهذه التسمية عبر جميع المناطق الدرزية، خاصّة في السياقات الدينية الرسمية، وتظهر في الوثائق الرسمية للمحاكم الدرزية في لبنان وفي إطار “الأقلّية الدرزية” الرسمي في سوريا.
التسمية المعاصرة:
بني معروف
تحتل تسمية “بني معروف” مكانة خاصّة في الخطاب المعاصر للدروز، فهي تجمع بين التراث القبلي العربي والقيم الأخلاقية الإسلامية. تشير كلمة “معروف” إتيمولوجيّاً إلى الجذر العربي ع-ر-ف، الذي يحمل معاني المعرفة والاعتراف والفضيلة.
يتجاوز المعنى الديني والثقافي لهذه التسمية البعد اللّغوي البسيط. في الفهم الدرزي المعاصر، تُترجم “بني معروف” إلى «أبناء المعروف من الفضيلة»، ولا ترتبط تاريخيّاً بقبيلة عربية. بل تتّصل بـ”عُرف” و”معرفة” و”عرفان” الذي يدلّ على المعرفة الباطنية أو الغنوصية. أي أنّ إيمان الطائفة الدرزية قائم على يقين بأنّهم الطائفة الوحيدة التي تعرف الحكمة التي يعرفها الخالق، التي لا يعرفها غيرها من البشر.
يمتدّ النطاق الجغرافي لاستخدام هذه التسمية عبر جميع المناطق الدرزية، مع تركيز خاص في سوريا ولبنان حيث تحتفظ المجتمعات الدرزية بروابط قوية مع التراث القبلي. تُستخدم التسمية أيضاً في الأردن وفلسطين المحتلّة، خاصّة في السياقات الدينية والثقافية الداخلية. تحافظ الجاليات الدرزية في المهجر، من أمريكا الشمالية إلى أستراليا، على هذه التسمية رمز للهوية.
التسمية المثيرة للجدل:
الدروز
تمثّل تسمية “الدروز” واحدة من أكثر القصص إثارة للجدل في تاريخ التسميات الدينية، إذ نشأت من اسم شخص تعده الطائفة نفسها مهرطق ومنشقّ. انتشرت التسمية برغم رفض المجتمع الدرزي لها، حيث التصقت بهم عبر المؤرّخين والمصادر الخارجية. مع ذلك، يفسّر بعض مشايخ الدروز أنفسهم أنّ التسمية التصقت بهم برغبة من أبناء الطائفة بعد نزوحها إلى ما هو اليوم شمال سوريا، على الحدود البيزنطية-الفاطمية هرباً من الإبادة الفاطمية. فكان التكنّي بتسمية {الدرزي} تقيّة تفصلهم عن تهمة التبعية إلى عدوّه المقتول {حمزة بن علي}.
كان يحيى الأنطاكي، المؤرّخ السرياني المسيحي في القرن الحادي عشر، من أوائل المؤرّخين العرب الذين استخدموا مصطلح “الدروز” للإشارة إلى هذه الجماعة. كما كان بنيامين التطيلي (حوالي 1165م) من أوائل الكتاب الأوروپيّين الذين أشاروا إلى “الدروز” بهذا الاسم.
تصف النصوص الدرزية المقدّسة، وخاصة رسائل الحكمة، الدرزي بأنّه “أوّل المبطلين” و”الشيطان”، ممّا يوضح العمق النظري للرفض الداخلي لهذه التسمية. برغم ذلك، أصبحت “الدروز” التسمية الرسمية المعتمدة في الدوائر الحكومية والقانونية في لبنان وسوريا، وتُستخدم التسمية العبرية “درُوزيم” דְּרוּזִים في الوثائق الرسمية الإسرائيلية.
التطوّر الجغرافي والتسميات الإقليمية

لبنان: المهد التاريخي
يُعدّ جبل لبنان المهد التاريخي الأوّل لظهور الدروز بعد انتقالهم من مصر. كان وادي التيم في لبنان أوّل منطقة ظهر فيها الدروز تاريخيّاً تحت اسم “الدروز” في السجلّات التاريخية الوسطى. تتميّز التسميات اللّبنانية بالتنوّع والثراء اللّغوي: “دروز جبل لبنان”، “الموحّدون اللّبنانيّون”، و”بني معروف”. عزّزت الحرب الأهلية اللّبنانية (1975-1990) من الهوية الطائفية والتسمية الجغرافية “الدروز اللّبنانيون”.
عزّزت حرب الجبل (1982-1984) من التسميات الجغرافية وربطت الهوية الدرزية بالجبل اللّبناني معقل تاريخي وجغرافي. رسّخ التمثيل البرلماني الدرزي في لبنان التسمية الرسمية “الطائفة الدرزية” في النظام السياسي اللّبناني.

سوريا: انتقال “جبل الدروز”
نقلت الهجرة الكبيرة من جبل لبنان إلى حوران في القرن التاسع عشر تسمية “جبل الدروز” من لبنان إلى حوران. أدّت معركة عين دارة 1711 التي انهزم فيها الحزب اليمني إلى هجرة جماعية إلى حوران، ممّا حوّل اسم جزء من المنطقة إلى “تلّ الدروز”. ثمّ جاء دعم بريطانيا عام 1860 لاستقلال جبل حوران إلى تغيير اسم الجبل كاملاً إلى “جبل الدروز”. لكن، مع محاولات فرنسا حصر العروبة بطائفة الدروز وحدها، غيّرت اسمها إلى “طائفة العرب” وغير اسم الجبل إلى “جبل العرب”. وهو ما تكرّر كذلك في فلسطين قبل أن تعيد سلطات الانتداب البريطاني تسمية طائفة العرب إلى طائفة الدروز.
رسّخت دولة جبل الدروز (1921-1936) تحت الانتداب الفرنسي الهوية الإقليمية المميّزة للدروز السوريّين. جعلت الثورة السورية الكبرى (1925-1927) بقيادة سلطان باشا الأطرش من “دروز حوران” رمزاً للمقاومة والاستقلال. وعزّزت الحرب السورية في العصر المعاصر (2011-2024) من الهوية العابرة للحدود للدروز، حيث ظهرت تسمية “الدروز السوريّون” في الخطاب الإعلامي الدولي، في حين أنّهم يحتفظون داخلياً بتسمية “دروز جبل العرب” أملاً بالاستقلال.

فلسطين المحتلّة: الهوية المركّبة
خلق إنشاء دولة إسرائيل عام 1948 هوية مركّبة فريدة: “الدروز الإسرائيليّون” تسمية رسمية تجمع بين الانتماء الديني والمواطنة الإسرائيلية. عزّزت الخدمة العسكرية الإجبارية للدروز منذ 1956 من هذه الهوية المركّبة. “دروز الجليل” تسمية جغرافية تؤكّد على التركّز في شمال فلسطين المحتلّة، في حين “دروز الكرمل” تشير إلى تجمّعات منطقة حيفا.
تظهر الاستطلاعات أنّ الدروز في فلسطين المحتلة يرتّبون هويّتهم كالتالي: أولاً درزي (دينيّاً)، ثانياً عربي (إثنيّاً)، ثالثاً إسرائيلي (مواطنة). تمثّل هضبة الجولان المحتلّة حالة خاصة، حيث يحتفظ معظم الدروز بهويّتهم السورية ويرفضون الجنسية الإسرائيلية، ممّا يخلق تسمية “دروز الجولان السوريّون”.
الأردن: الاندماج والتكيف
يمثّل دروز الأردن أصغر تجمع درزي (حوالي 32,000 نسمة)، مع هجرة بدأت في 1918 من جبل حوران السوري. تصنّفهم السياسة الأردنية الاندماجية رسميّاً مسلمين، ممّا يحدّ من التسميات الرسمية المميّزة. يجعل التركّز في شمال غرب الأردن (عمان، الزرقاء، الرصيفة، الأزرق) التسمية الجغرافية بسيطة: “دروز الأردن” أو “الدروز في الأردن”. عدم وجود نظام قضائي منفصل يقلّل من الحاجة لتسميات رسمية مميّزة.
السياسات الحكومية والتسميات الرسمية
العصر العثماني والتسميات الإدارية
أظهرت السجلات العثمانية أساليب منهجية في التعامل مع التسمية الدرزية تظهر الحاجات الإدارية الإمبراطورية. سُجّل الدروز مبدئيّاً مسلمين مع الحفاظ على الحكم الذاتي الديني، وظهروا في سجلّات الضرائب تحت الفئات الإسلامية لكن مع أحكام خاصّة مستقلّة، لا يخضعون بموجبها لسلطة الخلافة الدينية. أصبح مصطلح “جبل الدروز” (جبل لبنان) موحّداً في المناطق الإدارية الشامية.
فترة الانتداب والتحوّلات الاستعمارية
أنشأت سلطات الانتداب الفرنسي تراتبيّات تسمية مركّبة تظهر المنطق الإداري الاستعماري. يظهر التطوّر من “الإقليم المستقل لسويدا” (1921) إلى “دولة سويدا” (1922) إلى “دولة جبل الدروز” (1927) كيف أسّست القوى الاستعمارية الهويّات الجغرافية والإثنية عبر التسمية الرسمية.
وفّرت سجلّات تعداد الانتداب البريطاني في فلسطين دليلاً مفصّلاً على التصنيف الديموغرافي. صنّف تعداد 1922 الدروز واحدة من ثماني مجموعات ديموغرافية دينية، متميّزة عن “العرب” (أي البدو\الظعن) و”المسلمين” و”المسيحيّين”، مع أرقام سكّانية بلغت 7,028 (1922) و9,148 (1931). أسّس نظام التصنيف هذا نماذج للسياسات الإسرائيلية المعاصرة.
السياسات الحديثة وسياسة الهوية
كشف تطوّر السياسة الإسرائيلية عن الآثار السياسية لاصطلاحات التسمية. أظهر التغيير في 1962 من جنسية “عربية” إلى “درزية” على بطاقات الهوية استراتيجيات مدروسة لتفتيت الوحدة العربية، كما وثقت تحليلات مشروع بحوث ومعلومات الشرق الأوسط. أسّس الاعتراف عام 1957 بـ”مجتمع ديني متميّز” وإنشاء قطاعات تعليمية منفصلة (1976) التمييزات التسموية مع عواقب اجتماعية وسياسية دائمة.
تصنّف الأنظمة الطائفية اللّبنانية الدروز واحدة من خمس طوائف إسلامية لبنانية برغم رفض الدروز للعقيدة الإسلامية، ممّا يظهر كيف تتجاوز البنى السياسية الوطنية الفهم الديني الذاتي في السياقات الرسمية.
التسميات التاريخية الإضافية
تطوّرت عدّة تسميات إضافية عبر التاريخ تظهر مراحل مختلفة من التطوّر الديني والسياسي. “الحاكمية” استخدمها المؤرّخون الأوائل للإشارة إلى أتباع الحاكم بأمر الله، مؤكّدة على العلاقة بين المجتمع الدرزي والخليفة الفاطمي الذي يرون فيه التجلّي الإلهي الأخير. “الدرزية” كانت الصيغة النسبية المستخدمة في المصادر التاريخية الوسطى، خاصّة في كتابات {المقريزي} و{ابن خلدون}. “المعروفيّون” تسمية مرتبطة بمفهوم المعروف الديني، وتشير إلى أتباع الحق المعروف والمعترف به في العقيدة الدرزية.
التطوّر الزمني والسياق التاريخي
المرحلة التأسيسية (1017-1043)
شهدت بداية الدعوة التوحيدية في 1017م تأسيس التسمية الأصلية “الموحّدون” على يد {حمزة بن علي}. هذه الفترة القصيرة لكن الحاسمة (26 عاماً) وضعت الأسس الدينية واللّغوية لجميع التسميات اللّاحقة. إنهاء التبشير في 1043م جعل من المجتمع الدرزي مجتمعاً مغلقاً، ممّا عزّز من أهمّيّة التسميات الداخلية علامات هوية حصرية. وثّقت رسائل الحكمة الـ111 استخدام “الموحّدون” تسمية أساسية في هذه المرحلة.
المرحلة الوسطى (1043-1500)
أدّى الاضطهاد والتشتّت الجغرافي خلال العصرين الأيّوبي والمملوكي إلى تطوير تسميات جغرافية محلّية. ظهرت “دروز الشوف” و”دروز وادي التيم” تسميات جغرافية مرتبطة بمناطق الاستقرار. جعلت التقية استراتيجية بقاء المجتمع الدرزي يقبل التسميات الخارجية مثل “الدروز” عمليّاً مع الحفاظ على “الموحّدون” هوية دينية داخلية. أصبحت هذه الإستراتيجية المزدوجة نمطاً مستمرّاً حتى اليوم.
المرحلة العثمانية (1500-1918)
عزّز الحكم الذاتي الدرزي في جبل لبنان من التسميات الجغرافية السياسية. إمارة آل معن (1517-1697) وإمارة آل شهاب (1697-1842) ربطت الهوية الدرزية بالاستقلاليّة السياسية. نقلت الهجرة إلى حوران في القرن التاسع عشر تسمية “جبل الدروز” من لبنان إلى حوران، ممّا أدّى إلى تطوير تسميات إقليمية متوازية: “دروز لبنان” و”دروز سوريا”.
المرحلة الحديثة (1918-الحاضر)
أدخل الانتدابان الفرنسي والبريطاني التسميات الحديثة المبنية على الحدود السياسية الجديدة. “دولة جبل الدروز” (1921-1936) كانت أوّل تجربة لربط التسمية بكيان سياسي حديث. إنشاء إسرائيل (1948) ولبنان الحديث وسوريا المعاصرة والمملكة الهاشمية في الأردن خلق تسميات وطنية جديدة: “الدروز الإسرائيليّون”، “الدروز اللّبنانيّون”، “الدروز السوريّون”، “دروز الأردن”.
العولمة والهجرة المعاصرة أنتجت تسميات جديدة: “الدروز الأمريكيّون”، “دروز المهجر”، “الجالية الدرزية العالمية”. مواقع التواصل الاجتماعي والمنصّات الرقمية سهّلت النقاش حول التسميات المفضّلة وأتاحت منصّات للحوار حول الهوية والتسمية.
الأسباب والدوافع وراء تنوّع التسميات
الدوافع الدينية
يظهر التنوّع في التسميات الدرزية التعقيد اللّاهوتي لعقيدتهم وضرورة التكيّف مع السياقات الدينية المختلفة. “الموحّدون” و”أهل التوحيد” تؤكّدان على الهوية الدينية الأساسية المرتكزة على مفهوم التوحيد الفلسفي المركّب. هذه التسميات تميّزهم عن المسلمين والمسيحيّين واليهود بواسطة ادّعائهم الحصول على المعرفة الحقيقية للوحدة الإلهية.
لعبت التقية (التخفي الديني) دوراً مهماً في تطوير التسميات المختلفة. المجتمع الدرزي، الذي يعيش أقلية في بيئات إسلامية مختلفة، طور استراتيجيات تسمية تسمح له بالحفاظ على هويته الدينية الأصيلة داخلياً مع قبول التسميات الخارجية عملياً.
الدوافع السياسية
أثّر السياق السياسي لنشأة الدروز في العصر الفاطمي بشكل كبير على تطوير تسمياتهم. بعد مقتل {الحاكم بأمر الله} مع {حمزة بن علي} في 1021م وبداية الاضطهاد في عهد {الظاهر}، احتاج المجتمع الدرزي لتسميات تحميه من الاضطهاد السياسي مع الحفاظ على هويّته الدينية.
في العصر الأيوبي والمملوكي، ساعدت التسميات الخارجية مثل “الدروز” السلطات في تصنيف وإدارة هذا المجتمع بصفة أقلّية دينية مميّزة. هذا التصنيف الخارجي، برغم رفض المجتمع الدرزي له دينيّاً، أصبح ضرورة سياسية وإدارية. في العصر العثماني، عزّز الحكم الذاتي الدرزي في “جبل لبنان” من استخدام التسميات الجغرافية مثل “دروز جبل لبنان” و”دروز جبل حوران” و”دروز جبل العرب”، ربطاً بين الهوية الدينية والاستقلالية السياسية.
الدوافع الاجتماعية
أثّرت البنية الاجتماعية الدرزية المبنية على نظام العشائر والعائلات الكبيرة على تفضيل تسميات مثل “بني معروف” التي تؤكّد على الروابط القبلية والعائلية. هذه التسمية تظهر الهوية الاجتماعية العربية للمجتمع الدرزي وتربطه بالتراث القبلي في الشام. مع ذلك، تبقى فكرة وجود قبيلة عربية حملت اسم “بني معروف” تقيّة ومحض خرافة لا أصل لها.
الممارسات الاجتماعية مثل الزواج الداخلي والتماسك الاجتماعي عزّزت من الحاجة لتسميات تؤكّد على التماسك والوحدة الداخلية. “أهل التوحيد” تظهر هذا التماسك حول العقيدة المشتركة وتؤكّد على البعد الجماعي للهوية الدينية.
الآثار اللّغوية والثقافية
كشف تطوّر التسمية الدرزية عن أنماط أوسع للحفاظ على هوية الأقلّيّات داخل مجتمعات الأكثرية. الحفاظ المستمرّ على “الموحّدون” عبر جميع المناطق والفترات التاريخية يظهر استمرارية ثقافية ملحوظة برغم التفتّت السياسي. التكيّفات الإقليمية – مثل العبرية “درُوزيم”، والفرنسية Druzes، والتركية Durzi – تُظهر التكيّف العملي مع الحفاظ على الهوية اللّاهوتية الأساسية.
تطوّر الاعتراف الأكاديمي بتعقيدات التسمية هذه بشكل كبير. تعترف مجلّة دراسات الدروز بجامعة كانساس، التي تأسّست عام 2024، صراحة بتفضيلات المجتمع للتسميات اللّاهوتية الذاتية مع الاعتراف بالاستخدام العملي للتسميات الخارجية في الخطاب الأكاديمي.
أحدث الاستخدام المعاصر للتسميات في وسائل الإعلام الرقمية ومنصّات التواصل الاجتماعي تطوّرات جديدة في النقاش حول الهوية والتسمية. تستخدم المجتمعات الدرزية في المهجر التسميات المختلفة حسب السياق: “بني معروف” في المناسبات الدينية، “الدروز” في التفاعل مع الأكثرية، و”الموحّدون” في الخطاب الديني الداخلي.
الاستراتيجيات الوقائية والتكيفية
طوّر المجتمع الدرزي عبر التاريخ استراتيجيات مركّبة للحفاظ على الهوية تحت ضغوط سياسية واجتماعية مختلفة. التقيّة بمنزلة مبدأ ديني سمحت بالمرونة في استخدام التسميات دون المساس بالمعتقدات الأساسية. هذه المرونة مكّنت المجتمع من البقاء والازدهار في بيئات سياسية متغيّرة على مدى ألف عام.
الفصل بين التسميات الداخلية والخارجية أصبح استراتيجية محورية. “الموحّدون” للاستخدام الداخلي تحافظ على النقاء اللاهوتي، في حين قبول “الدروز” خارجيّاً يسهّل التفاعل مع السلطات والمجتمعات المحيطة. هذه الازدواجية ليست تناقضاً بل استراتيجية بقاء.
خلقت الجغرافيا السياسية المعاصرة تحدّيات جديدة للهوية والتسمية. قسّمت الحدود الحديثة المجتمع الدرزي عبر أربع دول، ممّا أدّى إلى تطوير تسميات وطنية موازية تحافظ على الوحدة الدينية والثقافية الأساسية. “الدروز اللّبنانيون” و”الدروز السوريّون” و”الدروز الإسرائيليّون” و”دروز الأردن” تظهر هذا التكيف مع الواقع السياسي الحديث. وينحى دروز سوريا اليوم إلى رفض الهوية السورية والمطالبة بهوية مستقلّة مع تفضل الهوية الإسرائيلية.

التحدّيات المعاصرة والآفاق المستقبلية
العولمة والهجرة المعاصرة طرحت تحدّيات جديدة على التسميات التقليدية. تواجه الجاليات الدرزية في أمريكا الشمالية وأستراليا وأوروپا ضرورة شرح هويّتها لمجتمعات لا تعرف تاريخ الشرق الأوسط. هذا السياق يتطلّب تطوير تسميات وشروح تحافظ على الدقّة مع الوضوح للجمهور الأوسع. إذ يضطرّ الدروز باستمرار على توضيح أنّهم غير مسلمين، وغير المسلمين.
أتاحت وسائل الإعلام الرقمية ومنصّات التواصل الاجتماعي فرصاً جديدة للحوار الداخلي حول التسميات المفضّلة. يناقش الشباب الدرزي في المهجر بنشاط أي التسميات تعبّر بشكل أفضل عن هويّتهم في السياقات المعاصرة. يشمل هذا الحوار نقاش حول ترجمة المفاهيم الدينية والثقافية الدرزية إلى لغات أخرى.
برغم مضيّ ألف عام على نشأة الطائفة، لم تزل إلى اليوم بلا إجماع على تسمية هويّة مميّزة.
أصبحت الأكاديميا الحديثة أكثر حساسية لتفضيلات المجتمعات حول التسمية الذاتية. تسعى الدراسات المعاصرة للموازنة بين الاستخدام التاريخي المترسّخ لـ”الدروز” والاعتراف بتفضيل المجتمع لـ”الموحّدون” أو “بني معروف”. يُظهر هذا التطوّر تغيّراً أوسع في المناهج الأكاديمية نحو إشراك المجتمعات في تمثيل هويّاتها.
خلاصة وتوليف
تكشف تسميات الطائفة الدرزية عبر التاريخ عن ديناميكية مركّبة بين الهوية الدينية الأصيلة والتكيّف مع السياقات السياسية والاجتماعية المتغيّرة. “الموحّدون” تبقى التسمية الدينية الأساسية التي تظهر جوهر العقيدة الدرزية، في حين تطوّرت تسميات أخرى لتلبية احتياجات مختلفة: “بني معروف” للهوية الأخلاقية والقبلية، “الدروز” للتعامل الخارجي، والتسميات الجغرافية للانتماء الإقليمي.
الموحّدون، الحاكميّون، الحاكميّة، الزوزنيّون، الحمزاويّون، بني معروف، المعروفيّون، الدروز، طائفة العرب، درُوزيم דְּרוּזִים، Durzi، Druzes … يعبّر هذا التنوّع عن تشتّت في الهوية. كلّ تسمية تحمل طبقة من المعنى التاريخي والديني والثقافي، وتخدم وظيفة مختلفة في السياقات المتنوّعة التي يعيش فيها الدروز. من رسائل الحكمة في القرن الحادي عشر إلى منصّات التواصل الاجتماعي في القرن الحادي والعشرين، تظلّ هذه التسميات شاهداً على عدم قدرة المجتمع الدرزي على الحفاظ على هويّته الأصيلة مع التكيف “الذكي” مع متطلّبات العصر.
التفاعل المستمرّ بين التسمية الداخلية والخارجية يظهر التوتّر الأساسي في تجربة الأقليات الدينية: الحاجة للحفاظ على الهوية الأصيلة مع ضرورة التكيّف مع المجتمعات المحيطة. نجاح المجتمع الدرزي في الحفاظ على تماسكه عبر ألف عام، برغم الضغوط السياسية والاجتماعية الهائلة، يشهد على فعّالية هذه الاستراتيجيّات التسموية. فهي خديعة الأغلبية القوية بالتقيّة مع إبطان الصراحة في سبيل البقاء.
المراجع
- رسائل الحكمة. حمزة بن علي بن أحمد الزوزني (القرن 11م). رسائل الحكمة (3 مجلدات). متوفّر في: المكتبة الوطنية الإسرائيلية وأرشيف الإنترنت.
- إسماعيل بن محمد التميمي (القرن 11م). رسائل ضمن مجموعة رسائل الحكمة.
- علي بن أحمد السموقي (القرن 11م). رسائل ضمن مجموعة رسائل الحكمة.
- يحيى بن سعيد الأنطاكي (975-1066م). تاريخ الأنطاكي (صلة تاريخ أوتيخا). تحقيق: عمر عبد السلام تدمري. طرابلس: جروس برس، 1990.
- تقي الدين المقريزي (1364-1442م). المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (4 أجزاء). تحقيق: محمد زينهم ومديحة الشرقاوي. القاهرة: مكتبة مدبولي، 1997.
- تقي الدين المقريزي. اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء. القاهرة: دار الكتب المصرية.
- عبد الرحمن ابن خلدون (1332-1406م). ديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر (تاريخ ابن خلدون). بيروت: دار الفكر، 2001.
- بنيامين التطيلي (القرن 12م). رحلة بنيامين التطيلي 561-569هـ/1165-1173م. ترجمة: عزرا حداد. تقديم: عبد الرحمن عبد الله الشيخ. أبو ظبي: المجمع الثقافي، 2002.
- محمد كامل حسين. طائفة الدروز – تاريخها وعقائدها. القاهرة: دار المعارف، 1962.
- حسين، محمد كامل. طائفة الدروز – تاريخها وعقائدها (الطبعة الجديدة). القاهرة: دار المعارف، 2024.
- خالد خليل. “الدروز: استكشاف شامل لتاريخهم ومعتقداتهم ووجودهم الراهن” (مجموعة مقالات). مركز الدراسات والأبحاث العلمانية في العالم العربي، 2024.
- Samy Swayd. The A to Z of the Druzes (annotated edition). Scarecrow Press, 2009.
- Farhad Daftary. Historical Dictionary of the Ismailis. Scarecrow Press, 2011.
- Benjamin of Tudela. The Travels of Benjamin. Translated into various European languages from Hebrew original.
- Druze Studies Journal (DSJ). University of Kansas Libraries and KU College of Liberal Arts & Sciences. ISSN: 2997-0997 (online). تأسست 2024.
- Hazran, Y., Reed, M. A., Schäbler, B., Timani, H. S., & Zeedan, R. (2024). “The Status of Druze Studies and Launching the Druze Studies Journal (DSJ)”. Druze Studies Journal, 2024(1).
- Johnson, C., & Zeedan, R. (2024). “Bibliography of Periodical Literature on the Druze in 2023”. Druze Studies Journal, 2024(1).
- الموسوعة العربية السورية. “الدرزي (محمد بن إسماعيل)”. دمشق: هيئة الموسوعة العربية.
- موسوعة الجزيرة. “الطائفة الدرزية.. بنو معروف المؤمنون بميثاق ولي الزمان”. الجزيرة نت، 2015.
- Encyclopedia Britannica. “Druze” entry.
- Encyclopedia of Islam. “Durūz” entry.
- دراسات مختلفة عن الطائفة الدرزية في الجامعات العربية والغربية (تحتاج لمراجعة فهارس الجامعات للحصول على القائمة الكاملة).
- Internet Archive. مجموعة رسائل الحكمة ومصادر أخرى عن الدروز.
- المكتبة الوطنية الإسرائيلية. مخطوطات رسائل الحكمة.
- الأرشيف الرقمي العربي. مصادر تاريخية مختلفة.
- Druze Studies Project. University of Kansas. https://druze.ku.edu/
- Druze Studies Reference Portal. في طور التطوير، جامعة كنساس.
- دراسات لغوية حول تطور مصطلح “الدروز” مقابل “الموحدون” في المصادر التاريخية.
- بحوث أنثروبولوجية حول الهوية الدرزية والتسميات الذاتية مقابل الخارجية.
- وثائق الانتداب الفرنسي والبريطاني المتعلقة بالتصنيفات الإدارية للدروز.
- سجلات التعداد السكاني في فلسطين (1922، 1931) تحت الانتداب البريطاني.
- الوثائق الرسمية اللبنانية والسورية والأردنية والإسرائيلية الخاصة بالتسميات الطائفية.
- نشتكين الدرزي: مصادر تاريخية متنوعة حول شخصيته ودوره في نشأة التسمية.
- المصادر العثمانية: سجلات الدولة العثمانية المتعلقة بالدروز في بلاد الشام.
- دولة جبل الدروز (1921-1936): الوثائق الفرنسية والعربية المتعلقة بهذه الفترة.





اترك رد