برغم أنّ الكثير من الخرائط تُظهر الدولة الأسورية الحديثة دولة لم تتجاوز حدودها ربّما حدود العراق المعاصر، غير أنّ تفاصيل التاريخ تحتوي على قصص عميقة، تدلّ على أنّ الحضارة السريانية (ما قبل المسيحية) قد وصلت رقعة واسعة من هذا العالم، ما يجعلها بحقّ الحضارة المهد لكلّ حضارتنا المعاصرة.
البروفيسور ديرك لانگه: رائد البحث في التاريخ الأفريقي
الدولة الأسورية الحديثة، الإمبراطورية الأشورية الثالثة، مات أشُّر، مملكة سوريا، كلّها أسماء لنفس الدولة؛ عاصمتها نينوى وأهلها السريان… وعلى ما يبدو، هؤلاء أسلاف للعديد من شعوب نيجيريا.
في الأيّام الماضية وقعت على العديد من مقالات الأستاذ الألماني ديرك لانگه المتخصّص بتاريخ الإمبراطوريات الأفريقية. ويشرح فيها الأستاذ لانگه عودة أصول العديد من شعوب نيجيريا وليبيا وما بينهما إلى منطقة الجزيرة، الموزّعة اليوم ما بين العراق وسوريا وتركيا. وهي متن الدولة الأسورية الحديثة.
يشرح الأستاذ لانگه دور السريان (الأشوريّين) في تطوّر الإنسانية والحضارات القديمة، وكيف توسّع نفوذهم إلى ما يشمل أجزاء من آسيا الصغرى، وبلاد إيران ووسط آسيا، وبلاد الشام، ومصر، وأجزاء أوسع من أفريقيا. وبعد سقوط نينوى، العاصمة الإمبراطورية، في 612 ق.م على يد تحالف بقيادة بابل، فرّ الناجون من الجزيرة إلى الأقاليم الغربية لأفريقيا، التي على ما يبدو كانت مستعمرات سريانية (أشورية) من الأساس.
كيبي: دولة آشورية في نيجيريا المعاصرة
وسأتحدّث هنا عن اثنين من هذه الشعوب، ما يُعرفون اليوم باسم كيبِّ ويورُبه، التي اكتشف الأستاذ لانگه أنّهم بالأصل نازحون سريان.
يقول الأستاذ لانگه أنّ مجموعة من السريان (الأشوريين) استقرّوا في كيبِّ kebbi حوالي العام 600 ق.م، التي هي الآن ولاية كيبي الحديثة في نيجيريا. كما يشير إلى السجلّات الأثرية والوثائق في ولاية كيبي الهاوسية التي تشير إلى أن تاريخ المدينة بدأ بالفتح الأشوري. وتشير ألواح أثرية إلى مدن هي أصول قبائل كيبِّة وهي في الواقع المدن الأشورية التاريخية أشور ونينوى. وتركّز الوثائق أيضاً على أسماء 33 ملكًا من الجزيرة، وهو ما يُظهر أصل الهجرة الأشورية إلى غرب أفريقيا.
وعلى الرغم من أنّ التاريخ الأشوري في أفريقيا كان متميّزاً بشكل كبير في السجلات المصرية والسودانية، فإن تاريخ كيبي يُظهر نفوذهم الواسع وأنّ حضارتهم استمرت في الازدهار في أفريقيا.
اليوروبا: هجرة القبائل المفقودة من المشرق
أمّا قبائل اليورُبه، فيرى الأستاذ ديرك لانگه أنّها جميعاً مهاجرة في الأساس من شرق المتوسّط (الشام والعراق)، وهي مواضيع الأساطير التي لم يزل يتداولها شعب أوه-يوه يورُبه Ọyọ-Yoruba حتّى اليوم. فبعد انهيار الإمبراطورية الأشورية سنة 612 ق.م وبعد هزيمة القوّات المصرية-الأشورية في كرخميش في سوريا في العام 605 قبل الميلاد، هرب الكثيرون من أجناد القوّات المصرية-الأشورية الفارّة إلى وادي النيل، قبل استمرار هجرتهم إلى أفريقيا جَنُوب الصحراء الكبرى، مستهدفين الاستقرار في مستوطنات أشورية قديمة في نيجيريا.

ردود الأفعال والنقاش الأكاديمي
طرحت نظرية الپروفيسور لانگه جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية والفكرية، وانعكس هذا الجدل في التعليقات والنقاشات التي رافقت نشر البحث. إحدى أبرز المحاور التي أثيرت تعلّق بالعلاقة بين المصطلحات الدينية والهويّات القومية، حيث جادل بعض الباحثين بأنّ “السريانية” هي مذهب ديني وليست هوية قومية. يظهر هذا الجدل نقاشاً أوسع في الدراسات شرق الأوسطية حول طبيعة الهوية الآشورية المعاصرة، حيث تشير البحوث الأكاديمية إلى أنّ الآشوريّين المعاصرين يشكّلون مجموعة قومية أصيلة في بلاد النهرين، وهم منحدرون مباشرة من الآشوريين القدماء، إحدى الحضارات الرئيسة في بلاد النهرين. تعدّ اللّغة السريانية، التي تنتمي إلى عائلة اللّغات الآرامية، اللّغة المقدّسة للمسيحية السريانية حتى اليوم، وتُستخدم لغة شعائرية في عدّة طوائف، لكن هذا لا ينفي الطابع القومي للهويّة الآشورية التي تسبق المسيحية بقرون.
النقاش الثاني المهمّ تناول قضية الهجرات الأقدم، خاصّة ما يتعلّق بشعب الفولاني وأصولهم المحتملة من آسيا. حظي هذا الموضوع باهتمام علمي كبير في السنوات الأخيرة، حيث تشير الدراسات الجينية الحديثة إلى أنّ أسلاف الفولاني شهدوا اختلاطاً جينيّاً بين مجموعة غرب أفريقية ومجموعة تحمل أصولاً أوروپية ومغاربية عربية. كشفت البحوث الجينية الشاملة على الفولاني عن مكوّن جيني مرتبط بجميع مجموعات الفولاني المحلّية، ممّا يشير إلى مكوّن أسلافي مشترك يمكن ربطه ببدايات الرعي الأفريقي في الصحراء الخضراء. تدعم هذه النتائج فرضية الهجرات القديمة من الشمال، وتؤكّد أنّ التنوّع الجيني المعقّد للفولاني من مصادر مختلفة يظهر قدرتهم على استيعاب عناصر ثقافية متنوّعة.
تمحور الجدل الثالث المثير للاهتمام حول قضية ما يسمّى بالشعوب “الأمازيغية” وادّعاءاتهم حول الأصالة في شمال أفريقيا. يكتسب هذا الموضوع أهمّية خاصة في ضوء الحركة الثقافية الأمازيغية المعاصرة، حيث تدّعي البحوث الأكاديمية المؤدلجة أنّ الأمازيغ هم سكّان شمال أفريقيا الأصليّون الذين سبقوا وصول العرب إلى المغرب العربي. تدّعي الدراسات السياسية أنّ اللّغات “الأمازيغية” انتشرت غرباً من وادي النيل عبر شمال الصحراء إلى المغرب العربي منذ حوالي 2000 قبل الميلاد. لكن هذا، حتى لو صح، لا ينفي إمكانية وجود هجرات أقدم أو أحدث أثّرت على التركيب الديموغرافي للمنطقة، خاصّة وأنّ بعض أقدم ما يُزعم بأنّه من الأدلّة على الثقافة الأمازيغية الأصلية في شمال أفريقيا وُجدت في مرتفعات الصحراء وتعود إلى الألفية الثانية قبل الميلاد.
يشار هنا إلى أنّ من يدّعون الهوية الأمازيغية هم فعلاً بقايا مهاجرين أوروپيين استوطنوا جبالاً في الجزائر في الحقبة الوندالية ما بين القرنين الخامس والسادس الميلاديّين، فيهم أخلاط من الوندال والهون والآلان وغيرهم.
المحور الرابع من النقاش تناول العلاقة بين النظريّات الانتشارية والنظرة “الحاميتية” للتاريخ الأفريقي. يظهر هذا الجدل التوتّرات الأيديولوجية في الدراسات الأفريقية، حيث يُتّهم أحياناً الباحثون الذين يطرحون نظريّات حول التأثيرات الخارجية بإنكار قدرة الأفارقة على بناء حضاراتهم. لكنّ البحوث الحديثة تُظهر أنّ بعض الأدلّة تشير إلى اختلاط من هجرات قديمة وحديثة من أوراسيا إلى أجزاء من أفريقيا جنوب الصحراء، وأنّ هذا الاختلاط الأوراسي في الأفارقة المعاصرين يتراوح من 0% إلى 50%، ويختلف حسب المنطقة ويكون عموماً أعلى في القرن الأفريقي وأجزاء من منطقة الساحل.
تُظهر هذه النقاشات التعقيدات المنهجية في دراسة التاريخ الأفريقي القديم، والحاجة إلى توازن دقيق بين الاعتراف بالإنجازات الأفريقية المحلّية والاعتراف بدور التفاعلات الثقافية والهجرات في تشكيل التاريخ الإنساني. النظرية التي طرحها البروفيسور لانگه، بغض النظر عن صحّتها أو خطئها، فتحت آفاقاً جديدة للبحث وأعادت إثارة أسئلة مهمّة حول طبيعة التفاعل بين القارّات في العصور القديمة.
ديرك لانگه: عالم وباحث متخصص
أخيراً، ديرك لانگه Dierk Lange هو أستاذ متقاعد في تاريخ أفريقيا في جامعة بايروث Universität Bayreuth الألمانية. أجرى بحوث ميدانية في نيجيريا والنيجر وليبيا. نشر العديد من الكتب والمقالات حول تاريخ الإمبراطوريات الأفريقية في العصور الوسطى (غانا، مالي، سونغاي، كانيم-بورنو) وعلى تاريخ وأنثروبولوجيا اليوروبا والهوسا والكانوري. ويعدّ لانگ خبيرًا في العديد من الثقافات والتقاليد الأفريقية وقد أجرى دراسات مقارنة بين تلك الثقافات والتقاليد الأخرى، مثل تلك في الشرق الأدنى القديم.
تلخيص علمي لبحوث الپروفيسور ديرك لانگه حول الهجرات الآشورية إلى غرب أفريقيا
البحوث الرئيسة المرجعية
- “The Founding of Kanem by Assyrian Refugees ca. 600 BCE” (2011). المنشور في: Working Papers in African Studies No. 265, جامعة بوسطن
- “An Assyrian Successor State in West Africa: The Ancestral Kings of Kebbi as Ancient Near Eastern Rulers” (2009). المنشور في: Anthropos, Vol. 104, pp. 359-382
- “Origin of the Yoruba and The Lost Tribes of Israel” (2011). المنشور في: Anthropos, Vol. 106, pp. 579-612
الأطروحة المركزية
يطرح الپروفيسور ديرك لانگه، أستاذ التاريخ الأفريقي المتقاعد من جامعة بايرويت الألمانية، نظرية ثورية حول أصول عدّة ممالك في غرب أفريقيا.
تقترح هذه النظرية أنّ ممالك مهمّة مثل كانم-بورنو وكيبي واليوروبا لم تتطوّر محلّيّاً بشكل منعزل، بل تأسّست على يد موجات من اللّاجئين الذين فرّوا من الإمبراطورية الآشورية المنهارة حوالي عام 600 قبل الميلاد. تتحدّى هذه الأطروحة الرؤية التقليدية للتاريخ الأفريقي التي تركّز على التطوّر المحلّي المستقل.
المنهجية العلمية
اعتمد الپروفيسور لانگه على منهجية متعدّدة التخصّصات تجمع بين عدّة حقول معرفية لبناء حجّته العلمية. يبدأ بالتحليل الاسمي المقارن، حيث يدرس أسماء الملوك في السجلّات الأفريقية ويقارنها مع أسماء حكّام الشرق الأدنى القديم، مركّزاً على 33 اسماً ملكيّاً من سجلّات كيبي وعشرة أسماء من سجلّات كانم-بورنو. لا يقتصر هذا التحليل على التشابه الصوتي فحسب، بل يربط الأسماء بالسياق التاريخي الأوسع للإمبراطورية الآشورية وانهيارها.
تشمل الأدلة الوثائقية تحليلاً دقيقاً للنقش المعروف باسم “الديوان” لسلاطين كانم-بورنو، وهو مصدر تاريخي مكتوب باللّغة العربية يحتوي على معلومات عن الأسرة الحاكمة السيفوا. كما يدرس الكرونيكل الخاص بولاية كيبي والتقاليد الشفهية لليوروبا، مطبّقاً منهجية نقدية صارمة لفصل الطبقات التاريخية المختلفة في هذه المصادر.
يتتبّع الجانب اللّغوي من البحث انتشار الجذور العروبية (السامية) في اللّغات التشادية ويقارن المصطلحات الملكية والحضرية عبر المنطقة. يكشف هذا التحليل عن أنماط لغوية تشير إلى تأثيرات من الشرق الأوسط القديم، خاصّة من اللّغات الأگدية والعبرية والآرامية.

النتائج الرئيسة
بخصوص مملكة كانم-بورنو، تشير الأدلة إلى أنّ الأسرة الحاكمة السيفوا جاءت من منطقة بلاد النهرين، حيث يشير الديوان إلى “بغداد” كموطن أصلي، وهو مصطلح يُستخدم هنا إشارة عامة إلى بلاد النهرين القديمة وليس المدينة العبّاسية اللاحقة.
يقع التأريخ المقترح لهذه الهجرة حوالي عام 600 قبل الميلاد، أي بعد سقوط نينوى عام 612 قبل الميلاد بوقت قصير. الطريق المفترض للهجرة يمر عبر مصر ووادي النيل، ثم جنوباً إلى منطقة بحيرة تشاد.
يكشف التحليل الاسمي عن تركيب قومي معقّد للمهاجرين يضمّ خليطاً من “الإسرائيليّين” والبابليّين والإيلاميّين والأوراريّين والحثيين، وهم شعوب كانت قد رُحّلت إلى سوريا-فلسطين في إطار السياسة الآشورية للترحيل الجماعي.
أما بالنسبة لمملكة كيبي، فإنّ التحليل يشير إلى أنّ مؤسّسها كانتا يطابق شخصية سرگون الأگدي التاريخية (2334-2279 قبل الميلاد) حسب التحليل الاسمي، برغم أنّ التأسيس الفعلي للمملكة حدث حوالي عام 600 قبل الميلاد. الأصل المذكور في المصادر هو مدينة “مدائن” في بلاد النهرين، وتحتوي السجلّات على 33 اسماً ملكيّاً يمثّلون تسلسلاً تاريخياً مدروساً لحكام الشرق الأدنى القديم.
تحتفظ تقاليد شعب اليوروبا بروايات عن هجرة أسلافهم من الشرق الأوسط، وهذه الروايات تساير السياق التاريخي لانهيار الإمبراطورية الآشورية. التوقيت المقترح يأتي بعد هزيمة القوّات المصرية-الآشورية في معركة كرخميش عام 605 قبل الميلاد، حيث سلك اللاجئون طريقاً عبر وادي النيل إلى نيجيريا الحالية. تشير التقاليد الشفهية إلى هوية مرتبطة بما يُعرف بـ”القبائل الضائعة من إسرائيل”.
الأدلّة الأثرية
تدعم الاكتشافات الأثرية الحديثة في منطقة بحيرة تشاد هذه النظرية من طريق ظهور مستوطنات حضرية مبكّرة حوالي عام 500 قبل الميلاد. يُظهر موقع زيلوم، الواقع شمال مايدوغوري الحالية، تخطيطاً حضرياً متطوّراً مع خندق دفاعي بعرض ست أمتار وعمق ثلاث أمتار. ضمت المستوطنة الأكبر في مايبي أكثر من ستة آلاف نسمة، ممّا يجعلها من أكبر التجمعات الحضرية في المنطقة في ذلك الوقت.
شهدت هذه المستوطنات ابتكارات تقنية مهمّة تشمل ظهور التخصّص الحرفي واستخدام تقنيّات جديدة في التخزين وصناعة الفخار. التغييرات الثقافية تضمّنت تحوّلاً في النظام الغذائي نحو زيادة الاعتماد على الزراعة بدلاً من الرعي، وظهور حِرف متخصّصة مثل صناعة الفخّار المتطوّرة ودباغة الجلود. امتدّت شبكات التجارة لتشمل استيراد الگرانيت من مناطق بعيدة، ممّا يدلّ على تطوّر في التنظيم الاقتصادي.
الأدلّة اللّغوية
يكشف التحليل اللّغوي عن انتشار واسع للمصطلحات ذات الأصول العروبية (السامية) في لغات المنطقة. مصطلح mai الذي يعني ملك في عدّة لغات تشادية يُربط بالكلمة العبرية ماشيخ māšîaḥ التي تعني المسيح أو الممسوح. كلمة سَرقِ sarki التي تعني ملك في الهوسا تجمع بين الجذر الأگدي شَرُّ šarru واللّاحقة الآشورية كيَّتِ kiyyati. تُظهر المصطلحات الحضرية نفس النمط، حيث بِرنِ birni التي تعني مدينة محصّنة تأتي من الأگدية بِرتُ bīrtu، في حين گَرِ gari التي تعني مدينة تُشتق من الجذر العروبي (السامي) گير gîr (قير).
مصطلحات أخرى مهمة تشمل پَرَسُ parasu (فرس) للحصان، التي تأتي من العبرية أو الآرامية وليس من العربية كما كان يُعتقد سابقاً. تُربط كلمة مَگُمِ Magumi التي تشير إلى النبلاء الحاكمين بالمصطلح الفينيقي ماقِم عيليم māqīm ʾelīm. هذا الانتشار الواسع للمصطلحات العروبية (السامية) في مجالات الحكم والحضارة يدعم فرضية التأثير المباشر من الشرق الأوسط القديم.
التسلسل الزمني المقترح
يبدأ التسلسل الزمني المقترح في الفترة من 744 إلى 612 قبل الميلاد، وهي فترة الترحيلات الآشورية الكبرى. خلال هذه المرحلة، أسّس تيگلاث فلاسر الثالث نظام الترحيل الجماعي سياسة إمبراطورية، ممّا أدّى إلى ترحيل مئات الآلاف من الإسرائيليّين والشعوب الأخرى إلى سوريا-فلسطين. خلقت هذه السياسة تجمّعات سكّانية كبيرة من المرحلين في المناطق الحدودية للإمبراطورية.
جاءت المرحلة الحاسمة مع انهيار الإمبراطورية الآشورية بين عامي 612 و 605 قبل الميلاد. سقوط نينوى عام 612 قبل الميلاد تبعته هزيمة القوّات المصرية-الآشورية في معركة كرخميش عام 605 قبل الميلاد، ممّا أطلق موجات هجرة جماعية نحو وادي النيل ومن ثمّ إلى أفريقيا جنوب الصحراء.
حوالي عام 600 قبل الميلاد، وصل هؤلاء اللّاجئون إلى منطقة بحيرة تشاد وغرب أفريقيا، حيث أسّسوا ممالك جديدة دول خلف للإمبراطورية الآشورية المنهارة. ترافق هذا التأسيس مع انتشار التقنيات والمؤسّسات والمفاهيم الحضارية من الشرق الأوسط، ممّا شكّل نقطة تحول في تاريخ المنطقة.
النقد والجدل الأكاديمي
واجهت النظرية نقداً أكاديميّاً من عدّة جهات. المؤيّدون يشيرون إلى الثراء التوثيقي ودقّة المعلومات التاريخية في المصادر الأفريقية، والتطابق الزمني المدهش بين ظهور الحضارة الحضرية في المنطقة وانهيار الإمبراطورية الآشورية، بالإضافة إلى الأدلّة اللّغوية الواسعة على انتشار المصطلحات السامية.
المعارضون يطرحون عدّة اعتراضات، أبرزها نقص الأدلّة الأثرية المباشرة والقاطعة على حدوث هجرة بهذا الحجم. كما يتّهم بعضهم النظرية بالانتماء إلى ما يُسمّى بالنظرة “الحاميتية” التي تنكر قدرة الأفارقة على بناء حضاراتهم بشكل مستقل. اعتراض آخر يتعلّق بإمكانية أن تكون المصادر المحلّية قد تأثّرت بالكتابات العربية الإسلامية اللّاحقة، ممّا يفسّر المراجع الشرق أوسطية دون الحاجة لافتراض هجرة فعلية.
الأهمّية العلمية
تكمن الأهمّية العلمية لهذه البحوث في إعادة النظر الجذرية في فهمنا للتاريخ الأفريقي، حيث تتحدّى النظرة التقليدية للتطوّر المحلّي المنعزل وتبرز الروابط التاريخية المعقّدة بين أفريقيا والشرق الأوسط. المنهجية متعدّدة التخصّصات التي اعتمدها لانگه تفتح آفاقاً جديدة لدمج التاريخ واللّغويات والآثار والأنثروبولوجيا في دراسة الماضي الأفريقي.
تقدّم البحوث أيضاً نموذجاً مهمّاً لفهم كيفية تأثير انهيار الإمبراطوريّات الكبرى على الحركات السكّانية عبر التاريخ، ودور اللّاجئين في نقل الحضارة والتقنيّات عبر القارات. هذا الفهم له أهمّية معاصرة في عصر تشهد فيه العالم موجات هجرة كبيرة نتيجة الصراعات والتغيرات السياسية.
خلاصة
تقدّم بحوث الپروفيسور لانگه رؤية جديدة ومثيرة للجدل حول أصول بعض أهمّ الممالك الأفريقية. تقترح النظرية أنّ انهيار الإمبراطورية الآشورية في نهاية القرن السابع قبل الميلاد لم يكن مجرّد حدث محلّي في الشرق الأوسط، بل كان له تأثيرات عميقة امتدّت إلى قلب أفريقيا. شكّلت الهجرات الجماعية التي نتجت عن هذا الانهيار، وفقاً لهذه الرؤية، ملامح التاريخ الأفريقي وأسّست لتقاليد حضارية استمرّت لقرون.
برغم الجدل المحيط بهذه النظرية والانتقادات التي تواجهها، فإنّها تفتح آفاقاً جديدة للبحث في العلاقات التاريخية بين القارات وتدعو إلى إعادة فحص الافتراضات التقليدية حول التطوّر المعزول للحضارات. سواء أُثبتت هذه النظرية أم لا، فإنها تُثري الحوار الأكاديمي وتدفع نحو تطوير منهجيّات جديدة لدراسة التاريخ الأفريقي.
المراجع الأساسية
- Lange, D. (2011). The Founding of Kanem by Assyrian Refugees ca. 600 BCE. Boston University African Studies Center.
- Lange, D. (2009). “An Assyrian successor state in West Africa.” Anthropos 104(2): 359-382.
- Lange, D. (2011). “Origin of the Yoruba and ‘The Lost Tribes of Israel’.” Anthropos 106(2): 579-612.
- Lange, D. (2004). Ancient Kingdoms of West Africa: African-centred and Canaanite-Israelite Perspectives. Dettelbach: J.H. Röll Verlag.





اترك رد