تحتلّ دراسة تاريخ الطبخ مكانة بارزة في فهم الحضارات الإنسانية، إذ تكشف الوصفات القديمة عن جوانب مهمّة من الحياة الاجتماعية والاقتصادية والطبّية للمجتمعات الماضية. تمثّل فطيرة التفّاح نموذجاً مثاليّاً لهذا التطوّر الطبخي، حيث تكشف أوّل وصفة مسجّلة لها عن ثراء المطبخ الملكي الإنگليزي في العصور الوسطى وتقنياته المتطوّرة.

تنتمي أقدم وصفة مسجّلة لفطيرة التفّاح إلى القرن الرابع عشر الميلادي، وتحديداً إلى عام 1390 تقريباً، حين دوّنها الطهاة الرئيسيّون للملك {ريتشارد الثاني} في إنگلترا ضمن كتاب “فورما أوف كوري” The Forme of Cury أو “الطريقة الصحيحة للطبخ”. تقدّم هذه الوثيقة الثمينة نظرة فريدة على المطبخ الملكي وتقنياته، وتكشف عن استخدام مكوّنات باهظة الثمن كانت رمزاً للثراء والمكانة الاجتماعية العالية.
وبناءً على المصادر الأكاديمية المتاحة، لا يوجد دليل مقنع على وجود ما يشبه فطيرة التفّاح في التراث الطبخي العربي والإسلامي القديم، برغم ثراء هذا التراث بأصناف حلويّات أخرى متنوّعة. ما يدلّ على أنّ أنواع التفّاح التي عرفتها البلدان العربية ما كانت من الأنواع القابلة للطبخ، على عكس الأنواع الإنگليزية التي ما كانت صالحة للاستهلاك دون طبخ. وهو ما ساق في النهاية إلى ابتكار فطيرة التفّاح.

خصائص الوصفة الملكية وتحدّياتها
تتميّز هذه الوصفة بغموضها الشديد، فهي لا تحدّد كمّيّات المكوّنات ولا تذكر سوى الزعفران من الحُنُط، كما تفترض معرفة القارئ بصنع “الكفن” – وهو نوع من العجين المخصّص للطبخ أو الحفظ. يعود هذا الغموض إلى طبيعة العمل في المطابخ الملكية، حيث كان عشرات بل مئات الطهاة يعملون تحت إشراف الطاهي الرئيسي الذي يقف في وسط المطبخ يصدر الأوامر دون أن يطبخ بنفسه.
كان الكاتب أحياناً يسجّل ما يسمعه من هذه الأوامر، ممّا خلق نوعاً من لعبة “الهاتف المكسور” في توثيق الوصفات. فالشخص الذي يسجّل الوصفة ليس طاهياً في الأصل ولا يفهم التفاصيل التقنية، ممّا يترك مساحة واسعة للتفسير والاجتهاد.
النص الأصلي للوصفة باللّغة الإنجليزية الوسطى كان: “Tak gode Applys and gode Spycis and Figys and reysons and Perys and wan they are wel ybrayed colourd wyth Safroun wel and do yt in a cofyn and do yt forth to bake wel”

تحليل المكوّنات والتكاليف
تتطلّب الوصفة ثلاث أرطال من التفّاح المتنوّع بين الحلو والحامض، ورطل من الإجاص، ونصف كوب من الزبيب المجفّف والتين المقطّع. كانت هذه المكوّنات الأخيرة باهظة الثمن لأنّها مستوردة من فرنسا والبحر الأبيض المتوسط، لكنّ الحُنُط كانت الأغلى على الإطلاق.
الزعفران، الحُنطة الوحيد المحدّد بالاسم، كان يزرع في إنگلترا آنذاك، ممّا يجعله أقل تكلفة نسبيّاً من الحُنُط المستوردة. أمّا الحُنُط الأخرى فتشمل خليطاً يسمّى “پودر دوس” أو المساحيق الحلوة، ويضمّ السكّر والقرفة والزنجبيل وجوزة الطيب والهيل والقرنفل. من اللّافت للاهتمام أنّ السكّر كان يصنّف حُنطة، ولولا استخدامنا له بكمّيّات كبيرة اليوم لاعتبرنا قطعة الشوكولاتة طعاماً مبَهّراً.
{حُنطة} = عطر = بهار
{حُنُط} = حنوط = عطور = بهارات

تقنيات التحضير التقليدية
إعداد الحشوة
تقطّع الفواكه وتهرس باستخدام الهاون أو نهاية المدقّة الخشبية، أو حتّى محضّرة الطعام الحديثة. تخلط الفواكه المهروسة مع الزبيب والتين المقطّع وماء الزعفران، ثم تضاف الحُنُط المطحونة. يمكن تعديل خليط الحُنُط حسب الرغبة، بإضافة الخولنجان أو حتى الفلفل الأسود.
صنع عجين الماء الساخن
يستخدم هذا النوع من العجين كوباً من الماء المُغلّى مع كوب من الشحم أو الزبد، وأربعة أكواب من الدقيق وملعقة صغيرة من الملح. يذاب الشحم في الماء المُغلّى ثم يسكب على الدقيق ويعجن حتى يصبح ناعماً. هذا العجين أكثر مرونة وتسامحاً من عجين الفطائر العادي، ويمكن تشكيله بسهولة حتى لو تشقّق.
عملية التشكيل والخَبز
يقسّم العجين إلى قسمين: كبير يشكّل القاعدة والجوانب، وصغير يغطّي الوجه. يحشى بخليط التفّاح ويغلق جيّداً مع عمل فتحة صغيرة للبخار. يُدهن الوجه بالبيض للحصول على لون ذهبي، ويخبز على درجة 190° 45-50 دقيقة.
في الطبخ درجة 190°C أو 375°F شائعة جداً في خبز الكعك (الكيك) والكعك الإسفنجي (المافن)، وقلي الطعام في الزيت، وتحميص الخضار، وطبخ الدجاج والسمك، وخَبز الپيتزا والفطائر. تُعدّ درجة حرارة متوسّطة إلى عالية مناسبة لمعظم أنواع الطبخ والخبز.

التطوّر التاريخي لزراعة التفّاح
في عام 800 ميلادي، حدّد الإمپراطور شارلمان قائمة بأصناف التفّاح المرغوبة لزراعتها في أراضيه، مثل گوسمورينگا وگيرالدينگا وكريڤاديلا وسپيراوكا. اختفت هذه الأصناف القديمة أو تغيّرت بشكل جذري، لذا لا يمكننا تذوّق النكهة الأصلية لتلك الفطائر التاريخية.
مع سقوط الإمپراطورية الرومانية، تدهورت بساتين التفّاح لأنّ زراعة التفّاح تتطلّب التطعيم – وهي تقنية معقّدة تحتاج للمهارة والصبر. وصف الراهب گيلداس الحكيم في القرن السادس تدهور البساتين البريطانية وألقى باللّوم على المهاجرين الجدد (الزاكسون) الّذين لم يفهموا تقنيات الزراعة.

حافظت الأديرة الأوروپية على المعرفة الزراعية الرومانية، حيث التزم الرهبان بزراعة طعامهم داخل أسوار الدير. وعندما أسّسوا أديرة جديدة، نقلوا معهم هذه المعرفة وطعوم الأشجار، ممّا أدّى إلى انتشار أصناف التفّاح المختلفة عبر أوروپا.
عندما غزا النورمان إنگلترا عام 1066، أحضروا معهم أصنافاً جديدة من التفّاح مثل پيرمين وپيپين وفارو ورينيت. بعض هذه الأسماء ما زالت موجودة اليوم، لكن من المستبعد أن تكون الأصناف الحالية مطابقة لأسلافها القديمة.

الاستخدامات الطبّية والغذائية
اتفّق معظم المؤلّفين في العصور الوسطى وعصر النهضة على فائدة التفّاح المطبوخ مقابل النيّء. حول عام 1500 كُتب: “على الطاهي الحذر من السَلَطات الخضراء والفواكه النيّئة فهي تمرض سيدك”. لذا فُضّل طبخ التفّاح سواء في صلصة التفّاح أو الفطائر أو الشوي أو التجفيف.
أشار نص طبّي من القرن الثاني عشر إلى أنّ التفّاح النيّء مفيد للإمساك: “عندما يكون نيّئاً يحرّك الأمعاء السفلى، وعندما يُطبخ يصبح طعاماً وداءً مفيداً معاً”. كما اقترح العشّاب جون جيرارد في القرن السادس عشر استخدام التفّاح المطبوخ مع الشحم وماء الورد لعلاج ندبات الوجه.

صناعة الشراب والعصائر
عصير الڤيرجوس والخل
استخدم التفّاح لصنع عصير الڤيرجوس Verjuice وهو نوع من الخل المصنوع من التفّاح الحامض أو العنب. استُخدم هذا العصير في الطبخ والطبّ، وكان جزءاً من علاج الطاعون عام 1348 في پاريس وفقاً لنظرية الأخلاط الأربعة. يقابل الڤيرجوس في طبيخ العرب «عصير الحصرم» وليس فيه تفّاح.
عصير التفّاح المخمّر
كان عصير التفّاح المخمّر أكثر شعبية من النبيذ والجعة في المناطق الريفية، حيث يمكن صنعه منزليّاً بسهولة. في أيلول سپتمبر، كان التقليد جمع التفّاح البرّي لصنع هذا العصير، وذُكر هذا النشاط في كتاب “500 نقطة للزراعة الجيدة” Five Hundreth Pointes of Good Husbandrie عام 1573 لمؤلّفه توماس تَسر Thomas Tusser.

لنحلّل الوصفة
تختلف هذه الفطيرة التاريخية عن نظيرتها الحديثة في عدّة جوانب مهمّة.
- أولاً، قوامها أشبه بالپودينگ أو الكومپوت منه بالفطيرة التقليدية.
- ثانياً، حلاوتها معتدلة تعتمد على السكّر الطبيعي للفواكه المجفّفة.
- ثالثاً، الحُنُط (العطورات) قويّة ومميّزة تعطي نكهة مختلفة تماماً عن التوقّعات الحديثة.
العجين المصنوع بتقنية الماء الساخن أصلب من عجين الفطائر العادي، وله نكهة الشحم المميّزة. ويُستخدم هذا النوع من العجين اليوم عادة للفطائر المالحة، لكنّه كان شائعاً للحلوى في العصور الوسطى.
كانت الطريقة التقليدية لتناول هذه الفطيرة برفع “الكفن” وأكل المحتوى بالملعقة أو باليد، حيث لم تكن الشوكة شائعة في إنگلترا آنذاك. هذا يؤكّد أنّ الفطيرة كانت أقرب إلى وعاء صالح للأكل منها إلى الحلوى التقليدية.

تمثّل هذه الوصفة نافذة ثمينة على عالم الطبخ الملكي في القرون الوسطى، وتكشف عن مدى تعقيد وثراء هذا المطبخ برغم بساطة المكوّنات الظاهرية. ومن وجهة نظري، تكشف هذه الممارسة عن مفارقة طبخية لافتة للاهتمام في المطبخ الأوروپي الوسيط: ففي حين استثمر الطهاة جهداً كبيراً في صنع “الكفن”، كان الهدف الأساسي منه وظيفيّاً بحتاً – أي بمنزلة وعاء صالح للأكل وليس جزءاً لذيذاً من الوجبة.
يظهر هذا نظاماً طبقيّاً واضحاً في استهلاك الطعام: فالنبلاء يتناولون الحشوة الثمينة ويتركون القشرة الصلبة المشبعة بالعصائر للخدم والفقراء. وهكذا تحوّل الابتكار الطبخي إلى رمز للتدرج الاجتماعي، حيث يظهر كلّ جزء من الطبق مكانة من يستهلكه – الداخل الثمين للنبلاء والخارج المفيد للطبقات الأدنى. برغم براعته في منع الهدر، يكشف هذا النظام عن كيفية تحوّل حتى أبسط الممارسات الطبخية إلى تجسيد للفوارق الاجتماعية.
المراجع والمصادر
- المصدر الرئيس – كتاب فورما أوف كوري
- Pegge, Samuel (ed.). The Forme of Cury: A Roll of Ancient English Cookery Compiled, about A.D. 1390, by the Master-Cooks of King Richard II. London: Printed by J. Nichols, printer to the Society of Antiquaries, 1780.
- رابط مكتبة الكونگرس: https://www.loc.gov/item/44031282/
- رابط پروجكت گوتنبرگ: https://www.gutenberg.org/ebooks/8102
- رابط الأرشيف: https://archive.org/stream/theformeofcury08102gut/7cury10.txt
- مخطوطات فورما أوف كوري المختلفة
- مخطوطة B: مكتبة پييرپونت مورگان، نيويورك (180 وصفة)
- مخطوطة H: المكتبة البريطانية Harley 1605 (133 وصفة)
- مخطوطة M: مكتبة جامعة مانچستر جون رايلاندز (194 وصفة)
- قانون شارلماني للضيع الملكية
- Capitulare de Villis vel Curtis Imperii. Herzog August Library, Wolfenbüttel, Germany. Cod. Guelf. 254 Helmst., c. 771-800 AD.
- موقع التراث الأوروپي: https://www.oldcook.com/en/medieval-capitulary_charlemagne
- الدراسة الحديثة: https://culture-lovers.eu/blog/2025/5/29/the-capitulare-de-villis-charlemagnes-vision-of-agricultural-order
- كتاب گيلداس عن خراب بريطانيا
- Gildas. De Excidio et Conquestu Britanniae (حوالي 540 م).
- النص الكامل: https://www.gutenberg.org/cache/epub/1949/pg1949-images.html
- ترجمة إنگليزية: Giles, J.A. (trans.). The Works of Gildas surnamed “Sapiens”, or The Wise. London, 1841.
- كتاب العشاب لجون جيرارد
- Gerard, John. The Herball, or Generall Historie of Plantes. London: Printed by John Norton, 1597.
- الطبعة المنقحة 1633: London: Printed by Adam Islip, Joice Norton and Richard Whitakers, 1633.
- رابط مكتبة الكونگرس: https://www.loc.gov/item/44028884/
- الأرشيف الرقمي: https://archive.org/details/herballorgeneral00gera
- خمسمئة نقطة في الزراعة الجيدة
- Tusser, Thomas. Five Hundred Points of Good Husbandry. London: Richard Tottel, 1573.
- الطبعة الأولى 1557: A Hundreth Good Pointes of Husbandrie.
- الأرشيف: https://archive.org/details/bim_early-english-books-1475-1640_five-hundred-points-of-g_tusser-thomas_1610
- دراسات فورما أوف كوري
- Hieatt, Constance B., and Sharon Butler (eds.). Curye on Inglysch: English Culinary Manuscripts of the Fourteenth Century. Oxford: Oxford University Press, 1985.
- Laurioux, Bruno. “The Forme of Cury and Medieval Culinary Literature.” Food & History, vol. 3, no. 2, 2005, pp. 45-72.
- دراسات التاريخ الزراعي
- Thirsk, Joan, and H. P. R. Finberg (eds.). The Agrarian History of England and Wales: 1500-1640. Cambridge: Cambridge University Press, 1967.
- Campbell, Mildred. The English Yeoman under Elizabeth and the Early Stuarts. London: Merlin Press, 1942.
- دراسات النباتات التاريخية
- Chauvet, Michel. “Medieval Plant Lists and the History of European Agriculture.” Agricultural History Review, vol. 48, no. 1, 2000, pp. 12-28.
- Keinath, Anthony. “Horticulture meets history in Charlemagne’s gardens.” Post and Courier, November 2, 2016.
- رابط: https://www.postandcourier.com/features/home_and_garden/horticulture-meets-history-in-charlemagne-s-gardens/article_38c85f84-18aa-5783-861a-b433a8e0bf2a.html
- دراسات الطب القديم والنباتات الطبية
- Gerard, John. The Herball. Introduction by Marcus Woodward. London: Gerald Howe, 1927.
- Arber, Agnes. Herbals: Their Origin and Evolution. Cambridge: Cambridge University Press, 1912.
- الدراسات الأثرية والتاريخية
- Dumville, David N.. “The Chronology of De Excidio Britanniae, Book I.” In Gildas: New Approaches, edited by Michael Lapidge and David Dumville. Woodbridge: Boydell Press, 1984.
- Joyce, Stephen J. “Gildas (fl. 5th or 6th Century).” In History from Loss. London: Routledge, 2023.
- رابط: https://www.taylorfrancis.com/chapters/oa-edit/10.4324/9781003127499-4/gildas-fl-5th-6th-century-stephen-joyce
- المخطوطات الرقمية
- British Library. “Forme of Cury: A Medieval English Cookbook.” Medieval manuscripts blog, December 2016.
- رابط: https://blogs.bl.uk/digitisedmanuscripts/2016/12/forme-of-cury-a-medieval-english-cookbook.html
- John Rylands Library, University of Manchester. Digital manuscripts collection.
- موقع المخطوطات: http://www.library.manchester.ac.uk/inthebigynnyng/manuscript/ms7/
- المصادر التعليمية المتخصصة
- Oldcook: Medieval and Renaissance Food. “Forme of Cury and cookery books in English.”
- رابط: https://www.oldcook.com/en/medieval-cookery_books_english
- Medieval/Renaissance Food Homepage (Greg Lindahl).
- رابط: https://www.pbm.com/~lindahl/foc/
- المراجع الموسوعية
- “The Forme of Cury.” Wikipedia. English Wikipedia, last edited January 2025.
- رابط: https://en.wikipedia.org/wiki/The_Forme_of_Cury
- “Capitulare de villis.” Wikipedia. English Wikipedia, last edited January 19, 2024.
- رابط: https://en.wikipedia.org/wiki/Capitulare_de_villis





اترك رد