
تمهيد
في صيف عام 1822، احتفل العالم بإنجاز فرنسي عظيم: فك شامپوليون لرموز الكتابة الهيروگليفية (الصُوَرية) المصرية، وهو الإنجاز الذي فتح الباب أمام فهم حضارة مصر القديمة. لكن ماذا لو كان هذا “الاكتشاف” مبنيّاً على عمل عالم عربي سبقه بثمانية قرون؟
هذا بالضبط ما تكشفه الوثائق التاريخية حول العالم العراقي ابن وحشية النبطي، الذي ألّف في القرن التاسع الميلادي كتاباً مفصّلاً عن فكّ رموز الهيروگليفية (الصُوَرية). والأدهى أنّ أساتذة شامپوليون ترجموا عمل ابن وحشية ونشروه قبل “اكتشاف” شامپوليون بسنوات عديدة.
هذه أكثر من مجرّد قضية أولوية علمية، بل كشف لنمط ممنهج من طمس الإسهامات العربية في التاريخ الإنساني. قصّة تروي كيف تُسرق الإنجازات الحضارية وتُنسب لغير أصحابها، وكيف تُعاد كتابة التاريخ لخدمة السرديات الاستعمارية التي تجرّد الأمّة العربية من إرثها العلمي.
الأخطر من ذلك أنّ هذا النهج يحمل في طيّاته فلسفة لاعربية صريحة: إنكار حقّ العرب في معرفة تاريخهم وحضارتهم، وتصويرهم أجانب في أرضهم يحتاجون إلى “منقذ أوروپي” ليكشف لهم أسرار ماضي بلدانهم. هكذا تتحوّل سرقة التاريخ إلى أداة سياسية تبرّر الهيمنة الغربية وتشرعن الاستعمار الثقافي.
في زمن يصارع فيه العرب لاستعادة مكانتهم الحضارية، تصبح معرفة هذه الحقائق التاريخية ضرورة وجودية. فلا يمكن بناء مستقبل حضاري على أسس هشّة من الجهل بالماضي أو القبول بالسرديّات المشوّهة. استعادة التاريخ المسلوب هي الخطوة الأولى نحو استعادة الثقة الحضارية.

عندما يُسرق التاريخ ويُنسب لغير أصحابه
في دهاليز المكتبات الأوروپية العتيقة، تُخفى مخطوطات عربية قديمة تحمل أسراراً علمية قد تغيّر فهمنا لتاريخ الحضارة الإنسانية. واحدة من هذه المخطوطات، المحفوظة في مكتبة پاريس الوطنية برقم MS Arabe 6805، تحكي قصّة عالم عربي من القرن التاسع الميلادي فكّ رموز الكتابة الهيروگليفية (الصُوَرية) المصرية قبل أن يولد شامپوليون بثلاثة قرون.
هذا العالم العربي هو أبو بكر أحمد بن وحشية النبطي، والقصّة التي تُكشف تدريجيّاً تضعنا أمام واحدة من أكبر القضايا في تاريخ الاستشراق الأوروپي: كيف تمكّنت المؤسّسة الأكاديمية الغربية من طمس إنجاز علمي عربي كبير ونسبته لعالم فرنسي بعد ثماني قرون؟
جوهر القضية
في صيف عام 1822، أعلن العالم الفرنسي جان-فرانسوا شامپوليون أنّه تمكّن من فكّ رموز الكتابة الهيروگليفية (الصُوَرية) المصرية، وصار هذا الإعلان نقطة تحوّل في تاريخ علم المصريّات الأوروپي. لكنّ الوثائق التاريخية تكشف حقيقة مختلفة كلّيّاً: فقد سبق العالم العربي ابن وحشية النبطي شامپوليون بأكثر من ثمانية قرون في فهم الطبيعة الصوتية للرموز الهيروگليفية (الصُوَرية)، وألّف في ذلك كتاباً مفصّلاً بعنوان {شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام}.
الأدهى من ذلك أنّ المستشرق النمساوي جوزيف همر ترجم عمل ابن وحشية إلى الإنگليزية ونشره في لندن عام 1806، أي قبل “اكتشاف” شامپوليون بستّة عشر عاماً. وكان أستاذ شامپوليون، سيلڤستر دي ساسي، يمتلك نسخة من هذا العمل وأعاد طبعها عام 1810. يطرح هذا التسلسل الزمني تساؤلات جدّية حول أصالة “اكتشاف” شامپوليون ويكشف عن نمط أوسع من تغييب الإسهامات العربية في تاريخ العلوم.

العالم المنسي:
ابن وحشية النبطي
وُلد {أبو بكر أحمد بن علي بن قيس ابن وحشية النبطي} في قرية قسين قرب الكوفة حوالي عام 860 ميلادي، في بيئة حضارية غنية تجمع بين التراث العربي الإسلامي والإرث الحضاري العراقي القديم. انتمى ابن وحشية إلى الأنباط، وهم سكّان العراق الريفيون الناطقون بالآرامية الغربية والّذين كانوا يحتفظون بذكريات حضارية عميقة من العصور القديمة.
لم يكن ابن وحشية عالماً عاديّاً، بل كان موسوعيّاً تنوّعت اهتماماته العلمية بصورة مذهلة. في الكيمياء، ألّف كتاباً في السموم والترياق ترجمه مارتن ليڤي إلى الإنگليزية في العصر الحديث. في الزراعة، وضع “الفلاحة النبطية” الذي نقل فيه معارف زراعية عراقية-شامية قديمة. في الفلك والتنجيم، ساهم في تطوير أنظمة التقويم القائمة على المعرفة البابلية والمصرية القديمة.
لكنّ أعظم إنجازاته العلمية كان في مجال اللّغة والخطوط القديمة، تلك المنطقة المعرفية التي جعلته يتقدّم على عصره بقرون طويلة. إذ أدرك ابن وحشية أنّ فهم الحضارات القديمة يتطلّب فكّ رموز كتاباتها المنسيّة، وهو ما دفعه لدراسة أنظمة الكتابة المختلفة بمنهجية علمية متقدّمة.

{شوق المستهام}:
التحفة العلمية المنسية
في كتابه {شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام}، قدّم ابن وحشية دراسة منهجية شاملة لثلاثة وتسعين نظام كتابة من الحضارات القديمة. هذا العدد الضخم من أنظمة الكتابة يكشف عن سعة اطّلاعه على التراث اللّغوي للحضارات القديمة وعمق فهمه للتطوّر التاريخي للكتابة الإنسانية.
خصّص ابن وحشية الفصل الثامن من كتابه لمّا سمّاه “الأقلام الهرمسية”، وهو المصطلح الذي استخدمه للإشارة إلى الكتابة الهيروگليفية (الصُوَرية) المصرية. وفي هذا الفصل، قدّم جداول مفصّلة تحتوي على أربع وثلاثين رمزاً هيروگليفيّاً محدّداً مع مقابلاتها من حروف الجزم العربية، وهو إنجاز لم يحقّقه أيّ عالم أوروپّي قبل القرن التاسع عشر.
الأهمّ من ذلك أنّ ابن وحشية طوّر نظاماً تصنيفيّاً ثوريّاً للرموز الهيروگليفية (الصُوَرية)، قسّمها فيه إلى أربع فئات منطقية: الأجرام السماوية، وأشكال الحيوانات والأفعال والعواطف، والأشجار والنباتات والمنتجات الزراعية، والكلمات والأفكار المتّصلة بالمعادن. يُظهر هذا التصنيف فهماً عميقاً لطبيعة الكتابة الهيروگليفية (الصُوَرية) نظام مختلط يجمع بين الرموز التصويرية والرموز الصوتية والرموز المعنوية.

الاكتشاف الثوري:
فهم الطبيعة الصوتية للهيروگليفية
الإنجاز الأعظم لابن وحشية، الذي يضعه في مقدّمة علماء فكّ الرموز في التاريخ، هو إدراكه للطبيعة الصوتية للرموز الهيروگليفية (الصُوَرية). إذ فهم أنّ هذه الرموز لا تمثّل فقط معانٍ رمزية أو أفكاراً مجرّدة، بل تمثّل أصواتاً يمكن نطقها وقراءتها كمثل الحروف الأبجدية.
اتّبع ابن وحشية في ذلك منهجية علمية متقدّمة تشبه إلى حدّ بعيد المنهجية التي استخدمها شامپوليون بعد ثماني قرون. استعان بالقبطية مفتاح لفهم الهيروگليفية (الصُوَرية)، مُدركاً أنّها وريثة المصرية القديمة، وهو الاكتشاف نفسه الذي اعتمد عليه شامپوليون لاحقاً. كما فهم وظيفة المحدّدات، تلك الرموز التي تحدّد معنى الكلمات، وميّزها عن الحروف الأبجدية البحتة.
استخدم ابن وحشية أيضاً المقارنة بين اللّغات العروبية (السامية) والمصرية القديمة لفهم التطوّر الصوتي للكلمات، وهو منهج مقارن متطوّر لم تعرفه أوروپا إلّا في القرن التاسع عشر. تؤكّد هذه المنهجية المتقدّمة أنّ ابن وحشية لم يكن مجرد هاوٍ يخمّن معاني الرموز، بل عالماً متمكّناً يطبّق منهجاً علميّاً منهجيّاً.

الترجمة التي غيّرت التاريخ:
جوزيف همر وعام 1806
في مطلع القرن التاسع عشر، وفي حين كانت أوروپا تعيش على وقع “حمّى الهيروگليفية (الصُوَرية)” بعد اكتشاف حجر رشيد، وجد المستشرق النمساوي جوزيف ڤون همر-پورگشتال مخطوطة ابن وحشية في القاهرة في أثناء مهمّته في مصر. أدرك همر أهمّية هذا العمل، فترجمه إلى الإنگليزية ونشره في لندن عام 1806 تحت عنوان “الأبجديات القديمة والأحرف الهيروگليفية (الصُوَرية) مع شرح عن الكهنة المصريّين”.
نُشرت الترجمة في ذروة التنافس الأوروپي حول فكّ رموز الهيروگليفية (الصُوَرية)، ورأى همر في ترجمته مساهمة بريطانية للتنافس مع العلماء الفرنسيّين. وفي مقدّمته، ذكر همر صراحة أنّ العلماء الفرنسيّين كانوا يدركون وجود مخطوطات عربية حول موضوع فكّ الرموز، لكنّهم أخفقوا في الحصول على تفسير مُرضٍ للهيروگليفية منها.
يكشف هذا الاعتراف من همر نفسه أنّ الدوائر العلمية الأوروپية كانت على علم بالإسهامات العربية في هذا المجال، ممّا يجعل تجاهل ذكرها لاحقاً أمراً مقصوداً وليس مجرّد جهل بوجودها.

الحلقة المفقودة:
سيلڤستر دي ساسي وشامپوليون
سيلڤستر دي ساسي، أبرز علماء العربية في فرنسا وأستاذ شامپوليون، كان يمتلك نسخة من مخطوطة ابن وحشية وأعاد طبعها عام 1810. تضع هذه الحقيقة دي ساسي في موقع الحلقة المفقودة بين عمل ابن وحشية و”اكتشاف” شامپوليون.
يثير التسلسل الزمني تساؤلات حرجة: فقد مرّت اثنا عشر عاماً بين إعادة طبع دي ساسي لعمل ابن وحشية عام 1810 وإعلان شامپوليون اكتشافه عام 1822. خلال هذه الفترة، كان شامپوليون تلميذاً لدي ساسي ويتردّد على مكتبته باستمرار ويساعده في أعماله. في رسائله إلى أخيه، اشتكى شامپوليون من صعوبة تعلّم العربية، ممّا يدلّ على أنّه أدرك قيمتها في بحثه حول الهيروگليفية (الصُوَرية).
تجعل هذه الظروف من المستحيل تقريباً أن يكون شامپوليون غير مطّلع على عمل ابن وحشية، خاصّة أنّ المنهجيّات التي استخدمها متطابقة إلى حدّ بعيد مع منهجية ابن وحشية: استخدام القبطية، وفهم الطبيعة الصوتية للهيروگليفية، وإدراك وظيفة المحدّدات.
المقارنة المنهجية:
تطابق مذهل في الاكتشافات
المقارنة بين منهجية ابن وحشية وشامپوليون تكشف عن تطابق مذهل يثير الشكوك حول أصالة “اكتشاف” شامپوليون. كلاهما استخدم القبطية جسر لغوي للمصرية القديمة، وكلاهما أدرك الطبيعة الصوتية للهيروگليفية، وكلاهما فهم وظيفة المحدّدات، وكلاهما طبّق منهجاً مقارناً منهجيّاً.
الفرق الأساسي بينهما يكمن في النطاق والدقّة: شامپوليون حقّق فهماً نحويّاً شاملاً واستطاع اختبار قراءاته على نصوص متعدّدة، في حين ركّز ابن وحشية على الرموز الفردية وكان عمله أكثر تكهّناً. لكن هذا الفرق لا ينفي حقيقة أنّ ابن وحشية وضع الأسس النظرية التي بنى عليها شامپوليون إنجازه.
الآثاري المصري في جامعة لندن عكاشة الدالي قارن جداول ابن وحشية بقائمة گاردنر الحديثة للرموز الهيروگليفية (الصُوَرية) وخلص إلى أنّ ابن وحشية حدّد بشكل صحيح تسع رموز هيروگليفية على الأقل، في حين بدأ شامپوليون بثلاثة أحرف فقط. يؤكّد هذا التقييم العلمي المعاصر دقّة عمل ابن وحشية وأهمّيّته العلمية.

آليّات طمس التاريخ:
الاستشراق ومحو الإسهامات العربية
تجاهل الإسهامات العربية في علم المصريّات ليس مجرّد إهمال عفوي، بل نتيجة لآليّات منهجية متعدّدة تكشف عن بنية استشراقية عميقة. منذ حملة ناپوليون على مصر عام 1798، هيمن العلماء والمؤسّسات الغربية على علم المصريّات، وأصبحت المنهجيّات والمصادر الغربية هي المعيار الذهبي للبحث العلمي.
أدّت نظرة عصر التنوير للعصور الوسطى بصفة عصر مظلم تهيمن عليه الخرافة إلى التقليل المنهجي من قيمة المنح الدراسية الوسطى، سواء كانت أوروپية مسيحية أو عربية إسلامية. خلق هذا التحيّز الزمني فجوة اصطناعية في السرد التاريخي للعلوم، جعلت من المستحيل تقريباً الاعتراف بالإسهامات العربية.
بحث عكاشة الدالي الرائد سلّط الضوء على كيفية خلق الأكاديمية الغربية لما سمّاه “الألفية المفقودة” في علم المصريّات، تلك الفترة من الفتح الإسلامي لمصر حتى الحملة الفرنسية، التي يفترض السرد المهيمن أنّها شهدت محو كامل للماضي المصري القديم حتى أعادت المنح الدراسية الأوروپية اكتشافه.
السلب الحضاري أداة سياسية:
كيف تنكر فرنسا على العرب معرفة تاريخهم
تتجاوز قضية طمس إنجاز ابن وحشية النبطي كونها مجرّد خلاف أكاديمي حول الأولوية العلمية، لتصبح تجسيداً صارخاً لآلية استعمارية عميقة: إنكار حقّ الشعوب في معرفة تاريخها وتراثها. الپروپاگاندا الفرنسية، ومن خلفها الغربية عموماً، تقوم على فرضية استعمارية مفادها أنّ العرب في مصر وسائر المنطقة عاجزون عن فهم تاريخهم وحضارتهم، وأنّهم بحاجة إلى “منقذ أوروپي” ليكشف لهم أسرار ماضيهم المجيد.
يحمل هذا التوجّه في طيّاته عنصرية معرفية صارخة تعامل العرب والمسلمين أجانب في أرضهم، كما لو أنّهم مجرد سكّان طارئين وافدين على حضارة عريقة لا يحقّ لهم الادّعاء بفهمها أو امتلاك مفاتيحها. بهذا المنطق الاستعماري، يصبح العالم العربي مجرّد متحف مفتوح للباحثين الغربيين، وتصبح الشعوب العربية مجرّد عمالة محلّية تقدّم الخدمات اللّوجستية للمكتشفين “الحقيقيّين”، وتناولهم مفاتيح حكم البلد “المُضيف”.
إنّ تجاهل إنجاز ابن وحشية ونسبة فكّ رموز الهيروگليفية (الصُوَرية) لشامپوليون وحده يخدم سردية سياسية واضحة: أنّ الحضارة المصرية القديمة “ماتت” مع الفتح الإسلامي، وأنّ المصريّين العرب لا علاقة لهم بتراث أجدادهم “الفراعنة”، وأنّ استعادة هذا التراث تتطلّب تدخّلاً أوروپيّاً “حضاريّاً”. تبرّر هذه السردية الهيمنة الثقافية والسياسية الغربية وتشرعن الاستعمار الفكري باسم “إنقاذ التراث الإنساني”.
الأخطر من ذلك أنّ هذا التوجّه يحاول قطع الصلة بين الحاضر العربي والماضي الحضاري، ليجعل من العرب غرباء في أرضهم، يتلقّون تاريخهم من المستشرقين بدلاً من استلهامه من تراثهم الأصيل. هذه محاولة منهجية لاعربية لتفريغ الهوية العربية من مضمونها الحضاري وحصرها في هوية دينية ولغوية ضيّقة، منفصلة عن التراث الحضاري للمنطقة.

الاعتراف الغربي الجزئي والمواجهة النقدية
برغم الجهود المنهجية لطمس الإسهامات العربية، لا يستطيع النقّاد الغربيون المعاصرون تجاهل الأدلّة التاريخية كلّيّاً. حتّى النقّاد الأشدّ قسوة مثل A.K. Eyma يعترفون بأنّ ابن وحشية فهم الطبيعة الصوتية للهيروگليفية، وإن كانوا يشكّكون في دقّة تطبيقاته.
متحف پيبودي بجامعة ييل، برغم نقده لدقّة ابن وحشية، يقرّ بأنّه تعرّف على الإمكانات الصوتية للهيروگليفية قبل أي عالم أوروپي بقرون. يؤكّد هذا الاعتراف الجزئي، برغم تحفّظاته، الأهمّية التاريخية لعمل ابن وحشية ويعرّي محاولات التجاهل الكامل.
لكنّ هذا الاعتراف الجزئي يبقى غير كافٍ، لأنّه يقلّل من الإنجاز العربي ويصوّره مجرّد محاولة بدائية نادرة لا ترقى لمستوى العلم الحقيقي. يفضح هذا الموقف استمرار النظرة الاستشراقية التي تحتكر صفة العلمية للمنهجيّات الأوروپية وترى في الإسهامات العربية مجرّد تكهّنات فردية وخرافات.

الأدلّة المخطوطة والتوثيق التاريخي
ليست الأدلّة على أولوية ابن وحشية مجرّد ادّعاءات نظرية، بل مدعومة بتوثيق مخطوطي قوي. النسخة الأصلية من “شوق المستهام” محفوظة في مكتبة پاريس الوطنية برقم MS Arabe 6805، وتوجد نسخ أخرى في المكتبة البريطانية ومكتبة بودليان في أكسفورد ومكتبات إسطنبول.
يذكر {أبو الفرج محمّد بن إسحاق ابن النديم} في “الفهرست” عام 987 ميلادي حوالي عشرين عملاً منسوباً إلى ابن وحشية، ممّا يؤكّد شهرته وغزارة إنتاجه العلمي في عصره. كما أنّ أبا طالب الزيّات، تلميذ ابن وحشية وكاتبه، حرّر أعمال أستاذه بعد وفاته، ممّا ضمن حفظها ونقلها للأجيال اللّاحقة.
يؤكّد هذا التوثيق التاريخي متعدّد المصادر أنّ عمل ابن وحشية ليس مزوّراً أو مختلقاً، بل إنتاج علمي أصيل من القرن التاسع الميلادي، سبق شامپوليون بفترة طويلة في فهم أسرار الكتابة الهيروگليفية (الصُوَرية).
استعادة الحقّ التاريخي:
دعوة للعدالة العلمية
قضية ابن وحشية النبطي تتجاوز كونها نزاعاً أكاديميّاً حول الأولوية العلمية، لتصبح رمزاً لكفاح الحضارة العربية المسلمة من أجل الحصول على الاعتراف المستحقّ بإسهاماتها في التقدّم الإنساني. تتطلّب العدالة التاريخية إعادة كتابة تاريخ علم المصريّات ليظهر الحقيقة الكاملة، لا النسخة المشوّهة التي تخدم السردية الاستشراقية المسيحية.
يجب على المؤسّسات الأكاديمية العربية تكثيف الجهود لتحقيق المخطوطات العربية ونشرها، وإجراء المزيد من دراسات المقارنة التي تُبرز الإسهامات العربية في التراث الإنساني. كما يجب تطوير مناهج تعليمية تؤكّد على هذه الإسهامات وتعرّف الأجيال الجديدة بتراثهم العلمي الحقيقي.
المطلوب ليس مجرّد اعتراف رمزي بالإسهامات العربية، بل إعادة تقييم شاملة للسرديات التاريخية المهيمنة والاعتراف بأنّ فك رموز الهيروگليفية (الصُوَرية) إنجاز حضاري مشترك بدأه العلماء العرب وطوّره الأوروپيون، وليس اكتشافاً أوروپيّاً خالصاً كما يُصوّر عادة.

استعادة التاريخ المسلوب
الأدلّة التاريخية والمخطوطات تُثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنّ ابن وحشية النبطي سبق شامپوليون بأكثر من ثمانية قرون في فهم الطبيعة الصوتية للرموز الهيروگليفية (الصُوَرية)، وأنّ الغرب اطّلع على أعماله قبل “اكتشاف” شامپوليون المزعوم بسنوات عديدة. التطابق المنهجي بين العالِمين، والتسلسل الزمني المشبوه، والتغييب المنهجي للإسهامات العربية، كل ذلك يشير إلى نمط من “سرقة التاريخ” يتطلّب مواجهة أكاديمية حاسمة.
يدعو هذا التحقيق إلى ثورة معرفية حقيقية في تناول تاريخ العلوم، ثورة تعيد الاعتبار للحضارة العربية ولعلمائها الرواد الذين أناروا طريق المعرفة الإنسانية. العدالة التاريخية تتطلّب أن يُعطى كل ذي حقّ حقّه، وأن تُعاد كتابة قصّة فكّ رموز الهيروگليفية (الصُوَرية) لتشمل البطل الحقيقي: ابن وحشية النبطي، العالم العربي الذي فتح الباب أمام فهم أسرار مصر القديمة قبل أن تطأ أقدام الاستعمار الأوروپي أرض الكنانة بألف عام.
المراجع والمصادر
- ابن وحشية، أبو بكر أحمد بن علي. “شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام”. مخطوط رقم MS Arabe 6805، مكتبة پاريس الوطنية. الرابط: https://gallica.bnf.fr/ark:/12148/btv1b110000010
- ابن وحشية، أبو بكر أحمد بن علي. “شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام”. مخطوط رقم MS Add. 23,604، المكتبة البريطانية، لندن.
- ابن وحشية، أبو بكر أحمد بن علي. “الفلاحة النبطية”. مخطوطات متعددة في مكتبات پاريس ولندن وأكسفورد وإسطنبول.
- Hammer-Purgstall, Joseph von (1806). Ancient Alphabets and Hieroglyphic Characters Explained; with an Account of the Egyptian Priests, their Classes, Initiation, and Sacrifices in the Arabic Language by Ahmad Bin Abubekr Bin Wahishih. لندن: W. Bulmer and Co. الرابط: https://archive.org/details/ancientalphabets00hamm
- Silvestre de Sacy, Antoine Isaac (1810). إعادة طبع مخطوطة ابن وحشية في Magasin Encyclopédique XVI، ص 145-175.
- ابن النديم، أبو الفرج محمد بن إسحاق (987م). “كتاب الفهرست”. تحقيق گوستاف فلوگل، لايپزيگ 1871-1872. الرابط: https://archive.org/details/fihristofalnadim0000ibna
- ابن النديم، أبو الفرج محمد بن إسحاق. The Fihrist of al-Nadim: A Tenth-Century Survey of Muslim Culture. ترجمة باكستر دودج، نيويورك: Columbia University Press، 1970.
- El-Daly, Okasha (2005). Egyptology: The Missing Millennium. Ancient Egypt in Medieval Arabic Writings. لندن: UCL Press. ISBN: 978-1-84472-062-0 الرابط: https://www.uclpress.co.uk/products/42575
- Hämeen-Anttila, Jaakko (2006). The Last Pagans of Iraq: Ibn Waḥshiyya and His Nabatean Agriculture. ليدن: Brill. ISBN: 9789004150102 السلسلة: Islamic History and Civilization، المجلد 63 الرابط: https://brill.com/view/title/13356
- Levey, Martin (1966). Medieval Arabic Toxicology: The Book on Poisons of Ibn Wahshiya and Its Relation to Early Indian and Greek Texts. فيلادلفيا: American Philosophical Society. السلسلة: Transactions of the American Philosophical Society، المجلد 56، الجزء 7 الرابط: https://www.jstor.org/stable/1006132
- Toral-Niehoff, Isabel and Sundermeyer, Annette (2018). “Going Egyptian in Medieval Arabic Culture. The Long-Desired Fulfilled Knowledge of Occult Alphabets by Pseudo-Ibn Waḥshiyya” في: The Occult Sciences in Pre-modern Islamic Cultures. ڤورتسبورگ: Ergon، ص 249-263.
- Colla, Elliott (2008). “Review of El-Daly 2005”. International Journal of Middle East Studies 40(1)، ص 135-137. DOI: 10.1017/S0020743808070511
- Renan, Ernest (1862). An Essay on the Age and Antiquity of the Book of Nabathaean Agriculture. لندن: Trübner & Co. الرابط: https://archive.org/details/essayonageantiq00renagoog
- Yale Peabody Museum. “Kitab Shauq Al-Mustaham fi Ma’irfat Rumuz Al-Aqlam (The Long-Desired Fulfilled Knowledge of Occult Alphabets)”. Echoes of Egypt. الرابط: https://echoesofegypt.peabody.yale.edu/hieroglyphs/kitab-shauq-al-mustaham
- Muslim Heritage. “Ibn Wahshiyya”. Muslim Heritage Foundation. الرابط: https://muslimheritage.com/people/scholars/ibn-wahshiyya/
- Saudi Aramco World. “Arab Translators of Egypt’s Hieroglyphs”. AramcoWorld 2017. الرابط: https://www.aramcoworld.com/articles/2017/arab-translators-of-egypts-hieroglyphs
- Internet Archive. مجموعة مخطوطات ابن وحشية ومؤلفاته. الرابط: https://archive.org/search.php?query=Ibn%20Wahshiyya
- Academia.edu. “Ibn Wahshiyya, Kitab Shawq al-Mustaham [Ancient alphabets and hieroglyphic characters explained], trans. Joseph von Hammer-Purgstall 1806”. الرابط: https://www.academia.edu/83786375/
- HathiTrust Digital Library. “Medieval Arabic toxicology; the Book on poisons of Ibn Wahshiya”. الرابط: https://catalog.hathitrust.org/Record/001588121
- Wellcome Collection. “Medieval Arabic toxicology: The book on poisons of Ibn Waḥshīya”. الرابط: https://wellcomecollection.org/works/mgmrqft9
- Sezgin, Fuat (1967-2010). Geschichte des arabischen Schrifttums (15 مجلد). ليدن: Brill.
- Ullmann, Manfred (1972). Die Natur- und Geheimwissenschaften im Islam. ليدن: Brill.
- Burnett, Charles (2009). Arabic into Latin in the Middle Ages: The Translators and their Intellectual and Social Context. Ashgate Variorum.
- Brockelmann, Carl (1943). Geschichte der arabischen Litteratur. ليدن: Brill، المجلد 1، ص 279-281.
- Leclerc, Lucien (1876). Histoire de la médecine arabe. پاريس، المجلد 1، ص 307-315.
- Champollion, Jean-François (1822). Lettre à M. Dacier relative à l’alphabet des hiéroglyphes phonétiques. پاريس: Firmin Didot.
- Dewachter, Michel (1990). Champollion: Un scribe pour l’Égypte. پاريس: Gallimard.
- Eyma, A.K. مقالات نقدية حول دقة عمل ابن وحشية في فك الرموز الهيروگليفية (الصُوَرية).
- Stewart, Devin J. (2007). “The Structure of the Fihrist: Ibn al-Nadim as Historian of Islamic Legal and Theological Schools”. International Journal of Middle East Studies 39(3)، ص 369-387. DOI: https://doi.org/10.1017/S0020743807070511
- Encyclopedia.com. “Ibn Wahshiyya, Abu Bakr Ahmad Ibn ʿSali Ibn Al-Mukhtar”. الرابط: https://www.encyclopedia.com/science/dictionaries-thesauruses-pictures-and-press-releases/ibn-wahshiyya-abu-bakr-ahmad-ibn-sali-ibn-al-mukhtar
- Wikipedia. “Ibn Wahshiyya”. النسخة الإنگليزية. الرابط: https://en.wikipedia.org/wiki/Ibn_Wahshiyya
- Yale Peabody Museum. “Echoes of Egypt: Hieroglyphs”. الرابط: https://echoesofegypt.peabody.yale.edu/
- British Museum. مجموعات المخطوطات العربية والمصرية القديمة.
- University College London (UCL). Institute of Archaeology.
- University of Helsinki. قسم الدراسات العربية والإسلامية. الرابط: https://researchportal.helsinki.fi/en/publications/the-last-pagans-of-iraq-ibn-wahshiyya-and-his-nabatean-agricultur
- الحسن، أحمد يوسف (2006). “العلوم والتقنية في الإسلام”. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.
- صالح، أحمد عيسى (2008). “تاريخ العلوم عند العرب”. بيروت: دار الكتب العلمية.
- زيدان، جرجي (1922). “تاريخ التمدن الإسلامي”. القاهرة: دار الهلال.





اترك رد