تمهيد: في ظلال الروايات المنسية
تكتنف صفحات التاريخ البحري العربي الإسلامي كثيراً من الروايات التي طواها النسيان، وغابت عن الذاكرة الجماعية برغم ما تحمله من دلالات على جسارة البحّارة العرب وقدرتهم على شقّ عباب المحيطات في أزمنة مبكّرة. ومن بين تلك الروايات تبرز قصّة بحّار أندلسي أبحر في القرن التاسع الميلادي متجاوزاً حدود المعمور المعروف، ليصل إلى أراضٍ مجهولة وراء المحيط الأطلسي، قبل رحلة كريستوفر كولومبوس بما يزيد على خمسة قرون. غير أنّ هذه الرواية ظلّت محاصرة بين التصديق والتشكيك، بين الإيمان بإمكانية حدوثها والمطالبة بمزيد من البراهين والشواهد.

الرحلة التي لا يريدون أن تصدّقها: إشكالية السردية التاريخية المهيمنة
لا تنحصر أهمّيّة رواية خشخاش بن سعيد في كونها مجرّد قصّة بحّار أندلسي جسور خاض غمار المحيط الأطلسي، بل تمتدّ لتطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الكتابة التاريخية ذاتها، ومن يملك سلطة تشكيل الذاكرة الجماعية للإنسانية. فإن صحّت هذه الرواية، أو حتّى إن ثبت أن عرب مسلمين أندلسيّين وصلوا إلى الأمريكتين قبل كريستوفر كولومبوس بقرون، فإنّنا أمام واحدة من أكبر عمليّات التغييب التاريخي في العصر الحديث، عملية لم تكن بالضرورة نتاج مؤامرة منظّمة بقدر ما كانت محصّلة طبيعية لهيمنة السرديات الأوروپية على كتابة التاريخ العالمي منذ القرن السادس عشر.
السردية السائدة التي تعلّمناها في المدارس تنسب “اكتشاف” أمريكا إلى الرحّالة الجنوي كريستوفر كولومبوس الذي أبحر عام 1492 تحت راية التاج القشتالي الإسپاني. هذه السردية تجعل من كولومبوس بطلاً حضاريّاً فتح الطريق أمام العالم القديم لمعرفة العالم الجديد، متجاهلة حقيقتين أساسيّتين: أولاهما أنّ القارة الأمريكية لم تكن بحاجة إلى “اكتشاف” إذ كانت مأهولة بشعوب وحضارات عريقة منذ آلاف السنين، وثانيتهما أنّ الڤايكنگ الإسكندنافيّين كانوا قد وصلوا إلى سواحل أمريكا الشمالية قبل كولومبوس بنحو خمس قرون، وأسّسوا مستوطنة في جزيرة نيوفاوندلاند الكندية الحالية، لم تزل معمورة إلى اليوم.
لكن رواية خشخاش تضيف بُعداً آخر لهذه الإشكالية. فلو ثبت أنّ بحّارة عرب من الأندلس عبروا المحيط الأطلسي في القرن التاسع الميلادي، أي قبل الڤايكنگ أنفسهم، فهذا يعني أنّ الحضارة العربية الإسلامية امتلكت القدرة التقنية والجرأة الاستكشافية للوصول إلى العالم الجديد في وقت كانت فيه أوروپا المسيحية لا تزال تعاني اضطرابات العصور الوسطى المبكرة. أكثر من ذلك، يعني أنّ هذه المعرفة ربّما انتقلت بطريقة أو بأخرى إلى الأوساط البحرية في إسپانيا والپرتغال، وأسهمت في تهيئة الأرضية المعرفية للرحلات الأوروپية اللّاحقة.
التغييب الأوروپي لإسهامات الحضارات الأخرى في تاريخ الاستكشاف البحري لم يكن محض صدفة. بعد سقوط غرناطة عام 1492، العام نفسه الذي أبحر فيه كولومبوس، شهدت شبه الجزيرة الإيبيرية حملة منظّمة لطمس الإرث العربي الإسلامي الأندلسي. محاكم التفتيش الإسپانية لم تقتصر على اضّطهاد العرب مسلمين ويهود، بل امتدّت إلى إحراق الكتب والمخطوطات العربية. آلاف المؤلّفات العلمية والجغرافية التي كانت تزخر بها مكتبات قرطبة وإشبيلية وطليطلة تحوّلت إلى رماد. لو كانت هناك وثائق تفصيلية عن رحلات بحرية أندلسية إلى ما وراء المحيط الأطلسي، فمن المرجّح أنّها فُقدت في تلك النيران.
الأمر لا يتوقّف عند حدود التغييب المتعمّد، بل يمتدّ إلى طبيعة الكتابة التاريخية الحديثة التي تشكلت في سياق الاستعمار الأوروپي للعالم. التاريخ كما نعرفه اليوم كُتب بأقلام أوروپية، من منظور غرب أوروپي، ولخدمة سرديات أوروپية عن التفوّق الحضاري والتقني للغرب. في هذه السردية، تصبح الاكتشافات الجغرافية الكبرى حكراً على الأوروپيّين، في حين تُهمّش أو تُنكر إنجازات الحضارات الأخرى. المعرفة الملاحية العربية، والخرائط العربية الإسلامية، والاختراعات البحرية التي استفاد منها البحّارة الپرتغاليون والإسپان، كلّها تُذكر عرضاً إن ذُكرت، دون الاعتراف الكامل بدورها المحوري.

في حالة كولومبوس بالذات، تشير بعض الدراسات إلى أنّه اطّلع على خرائط ومعلومات جغرافية عربية قبل رحلته الأولى. كان قد درس كتب الجغرافيّين العرب، واستفاد من معارف بحرية أندلسية متوارثة. بل إن اثنين من قباطنة سفنه في رحلته الأولى، الأخوين مارتين ألونسو پينثون وڤيثنتي يانييث پينثون، كانا من أصول مغربية ينحدران من السلالة المرينية. هذه التفاصيل نادراً ما تُذكر في السرديات الرسمية عن “اكتشاف” أمريكا.
اعتمدت الإمبراطورية الپرتغالية على علوم الملاحة التي طوّرها العرب، حتّى أنّ فاسكو دا غاما اعتمد على ربّان عربي مسلم للوصول إلى الهند. كما حسّن المستكشفون الپرتغاليون الأساليب والأدوات التي طوّرها الملّاحون العرب، واستخدموا الشراع اللّاتيني المثلّث الذي كان رائداً عند البحارة العرب، لكنّ لضرورة تغييب عروبته صار اسمه “الشراع اللّاتيني المثلّث”. كما أنّ فريق هنري الملّاح الپرتغالي ضمّ علماء عرب يهود ومسلمين، واستخدموا معرفة جغرافية مبنية على أعمال بطليموس والعلماء العرب العبّاسيّين واليمانية.
إنّ إثبات رحلة خشخاش، أو أي رحلات عربية أخرى إلى الأمريكتين، لن يقلّل من أهمّيّة رحلة كولومبوس التاريخية، فرحلته كانت نقطة تحوّل فعلية في تاريخ العالم، إذ فتحت الباب أمام الاتّصال المستمرّ والواسع بين القارّات، ومهّدت الطريق لتشكل النظام العالمي الحديث مع تنبيه الإسپان إلى أرض جديدة قابلة للاحتلال والاستعمار. لكنّه سيعيد وضع تلك الرحلة في سياقها الصحيح، باعتبارها جزءاً من مسار تاريخي أطول وأعقد، تداخلت فيه معارف وجهود حضارات متعدّدة. سيكشف أيضاً عن مدى التحيّز البنيوي في الكتابة التاريخية الحديثة، وعن حجم ما فُقد أو غُيّب من ذاكرة الإنسانية بفعل الصراعات السياسية والدينية.
السؤال الأعمق هنا يتعلّق بالعدالة المعرفية. كم من الإنجازات والاكتشافات والإبداعات البشرية طُمست أو نُسبت لغير أصحابها بسبب موازين القوى السياسية والعسكرية؟ وكم من الحقائق التاريخية لا نزال نجهلها لأنّ الذين كتبوا التاريخ كانوا منحازين لأهوائهم ولسرديّاتهم الخاصّة؟ رواية خشخاش بن سعيد، سواء ثبتت أم ظلّت محل نقاش، تدعونا إلى إعادة النظر النقدية في كلّ ما نعتقد أنّنا نعرفه عن التاريخ، وإلى البحث عن الأصوات المهمّشة والقصص المنسية التي قد تغيّر فهمنا للماضي، وبذلك تصوّرنا للحاضر والمستقبل.

خشخاش بن سعيد والإبحّار نحو المجهول
ولد خشخاش بن سعيد بن أسود في بيشاينة Pechina في البيرة Elvira في ألمريا Almería بالأندلس Andalucía، ونشأ في قرطبة حاضرة العلم والحضارة العربي الإسلامية. تدرّج في سلك البحرية حتى بلغ رتبة أمير البحر (أمير الماء)، وهي الرتبة التي عُرفت لاحقاً باسم “أدميرال”.
في عام 889 للميلاد، أبحر خشخاش من مدينة ولبة Huelva الواقعة في جنوب غرب الأندلس، وبالتحديد من منطقة پالوس دي لا فرونتيرا Palos de la Frontera، وهي ذات المنطقة التي أبحر منها كريستوفر كولومبوس صوب أميركا بعد ذلك بقرون. رافق خشخاش في رحلته طاقم يبلغ خمسمئة رجل من البحّارة الأندلسيّين، وشقّوا عباب المحيط الأطلسي باتّجاه الغرب، متوغّلين في مجاهل لم تطأها أقدام المسافرين من قبل.


مصادر الرواية: بين المسعودي والمؤرّخين
يرجع الفضل في حفظ هذه الرواية إلى المؤرّخ الجغرافي أبي الحسن علي بن الحسين المسعودي (871-957)، الذي أورد تفاصيل رحلة خشخاش في كتابه الشهير “مروج الذهب ومعادن الجوهر”.
ذكر المسعودي أنّ خشخاش أبحر عبر المحيط الأطلسي ووصل إلى أرض غير معروفة، ثم عاد محمّلاً بكنوز ثمينة من الذهب والفضّة، شأنه في ذلك شأن كولومبوس الذي أتى بعده. لم يكن المسعودي المصدر الوحيد لهذه الرواية، إذ أشار إليها أيضاً عبد الواحد البكري في “البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب”، وأبو محمد الحميري في “الروض المعطار في خبر الأقطار”. أمّا المستشرق الروسي كراتشكوفسكي فرجّح أنّ الرحلة بدأت في منتصف القرن الثالث الهجري، الموافق للقرن التاسع الميلادي.

تفاصيل الرحلة: أين وصل خشخاش؟
استغرقت الرحلة شهرين من الإبحّار المتواصل عبر مياه المحيط الأطلسي، حتى وصل خشخاش وطاقمه إلى أرض جديدة وصفها المسعودي بأنّها خصبة غنية، تكثر فيها الأشجار المثمرة وتتنوّع فيها الحيوانات. لم يكتف خشخاش بالوصول إلى تلك الأرض، بل استكشفها وتفاعل مع ما وجده فيها، وجمع من كنوزها ما أثقل به سفنه في رحلة العودة. قضى البحّارة الأندلسيون وقتاً في تلك الأرض يستكشفون معالمها ويتعرّفون إلى مواردها، قبل أن يشدّوا الرحال عائدين إلى الأندلس محمّلين بالغنائم والأخبار عن عالم جديد وراء البحّار.
بالنظر إلى مدّة الرحلة التي استغرقت شهرين، وإلى وصف الأرض الجديدة بأنّها خصبة غنية بالأشجار والحيوانات، يرجّح عدد من الباحثين أنّ خشخاش وصل إلى السواحل الشمالية لأمريكا الجنوبية، وتحديداً إلى منطقة ڤنزويلا الحالية. تتوافق المسافة بين ولبة وڤنزويلا مع المدّة الزمنية للرحلة، كما تتطابق أوصاف الأرض مع طبيعة ڤنزويلا الاستوائية التي تزخر بالغابات الكثيفة والحيوانات المتنوّعة كالغزلان والنمور. يدعم هذا الترجيح اكتشاف قطع نقدية عربية في ڤنزويلا يرجع تاريخها إلى القرن التاسع الميلادي، ممّا يشير إلى احتمال وجود اتّصال بين البحّارة الأندلسيّين وتلك المناطق.

السكّان الأصليّون: مع من التقى خشخاش؟
في القرن التاسع الميلادي، سكنت ڤنزويلا قبائل متعدّدة من الشعوب الأصلية التي تنتمي إلى عائلة اللّغات الكاريبية. عاشت تلك القبائل في مجتمعات صغيرة، واشتغلت بالزراعة والصيد، وطوّرت عاداتها وتقاليدها الخاصّة. من أبرز تلك القبائل: قبيلة الكريول التي استوطنت المناطق الساحلية واشتغلت بالزراعة والصيد، وقبيلة الكارابي التي سكنت المناطق الداخلية وامتهنت الصيد والزراعة والتجارة، وقبيلة الگواري التي استقرّت في الجنوب وبرعت في الفنون والحرف اليدوية إلى جانب الزراعة والصيد.
شهدت ڤنزويلا خلال القرون الخمسة الممتدّة بين القرن العاشر والقرن الخامس عشر الميلادي ظهور حضارات محلّية متطوّرة. برزت حضارة تيكيه في المناطق الساحلية خلال القرن العاشر، وامتازت بتقدّمها في الزراعة والتجارة، فبرع سكّانها في زراعة الذرة والأرز والبطاطس، وأقاموا علاقات تجارية مع القبائل المجاورة، كما شيّدوا المعابد والأسواق والقصور. أمّا حضارة بويبوكوار فازدهرت في القرن الحادي عشر بالمناطق الداخلية، واشتهرت بإنجازاتها في الهندسة المعمارية والبناء، فضلاً عن الزراعة والصيد. وفي القرن الثالث عشر، بلغت حضارة توتوموچي أوج ازدهارها في المناطق الجنوبية، وتميّزت بتطوّرها في الفنون والحرف اليدوية، خاصّة صناعة الفخار والنحت والنسيج.

التواصل الحضاري: آثار باقية
استناداً إلى توقيت رحلة خشخاش في القرن التاسع، وإلى وصف المسعودي للأرض الساحلية الخصبة، يبدو أنّ البحّارة الأندلسيّين التقوا بسكّان حضارة تيكيه التي كانت مزدهرة في المناطق الساحلية. يدعم هذا الافتراض وجود القطع النقدية العربية التي اكتُشفت في تلك المناطق. غير أنّ احتمالات اللّقاء بحضارات أخرى كبويبوكوار أو توتوموچي تظلّ قائمة، برغم أنّ موقعهما الداخلي والجنوبي يجعل ذلك أقل ترجيحاً. لا شكّ أنّ مثل هذا التواصل – إن صح – كان سيترك أثراً في الذاكرة الشفوية للسكّان الأصليّين، كما كان سيؤثّر في معارف البحّارة الأندلسيّين عن العالم الجديد.
تركت الشعوب الأصلية في ڤنزويلا إرثاً حضاريّاً غنيّاً استمرّ تأثيره حتى بعد الاستعمار الأوروپي. لا تزال بعض اللّغات الكاريبية محكية في بعض المناطق، كلغة الكريول والكارابي. كما بقيت الفنون والحرف اليدوية التقليدية، خاصّة صناعة الفخّار والنحت والنسيج، شاهدة على براعة تلك الشعوب. أمّا الأساطير والتقاليد فظلّت حية في الوجدان الشعبي الڤنزويلي، تروي قصص الأجداد وحكاياتهم عن الأرض والسماء.

التشكيك النقدي: بين الحقيقة والأسطورة
أثارت رواية رحلة خشخاش جدلاً واسعاً بين المؤرّخين المعاصرين. يستند المشكّكون إلى كون المسعودي المصدر الوحيد الذي أورد تفاصيل هذه الرحلة بشكل صريح، ممّا يضعف القدرة على التحقّق من الرواية. كما ينتقدون غياب التفاصيل الدقيقة عن موقع الأرض الجديدة وملامحها الجغرافية المحدّدة. إضافة إلى ذلك، لم يترك خشخاش نفسه أي كتابات أو وثائق عن رحلته، ممّا يجعل الاعتماد على رواية المسعودي الشفوية محل تساؤل.
في المقابل، يستند المدافعون عن صحّة الرواية إلى عدّة حجج.
- أوّلها أنّ المسعودي مؤرّخ موثوق به، اشتهر بدقّته في نقل الأخبار والوقائع، وكانت له معرفة واسعة بأحوال الأندلس وبحّارتها.
- ثانيها أنّ قدرات البحّارة الأندلسيّين في القرن التاسع الميلادي كانت متقدّمة بما يكفي للإبحّار لمسافات طويلة عبر المحيطات، إذ امتلكوا السفن المتطوّرة والمعارف الملاحية الضرورية.
- ثالثها وجود أدلّة أثرية محتملة، كما القطع النقدية العربية المكتشفة في ڤنزويلا، التي تشير إلى اتّصال مبكّر بين العالمين.

الدلالة التاريخية: روح الاكتشاف الأندلسي
بغضّ النظر عن صحّة الرواية من عدمها، تظلّ قصّة خشخاش بن سعيد شاهدة على روح المغامرة والجسارة التي ميّزت البحّارة العرب في الأندلس. تشير الرواية إلى أنّ العرب امتلكوا القدرة التقنية والمعرفة الملاحية اللّازمة للإبحّار عبر المحيطات في وقت مبكّر جداً. كما تؤكّد مكانة الحضارة العربي الإسلامية في مجالات العلوم البحرية والجغرافيا، وإسهامها في توسيع آفاق المعرفة الإنسانية بالعالم.
من اللّافت أنّ كريستوفر كولومبوس أبحر بعد خمس قرون من المنطقة نفسها التي أبحر منها خشخاش، وهي پالوس دي لا فرونتيرا في ولبة. يذهب بعض الباحثين إلى أنّ كولومبوس اطلع على خرائط المسعودي وغيره من الجغرافيّين العرب، ممّا ساعده في رحلته، خاصّة أنّ تلك الفترة شهدت احتكاكاً واسعاً بين الإسپان والتراث العلمي العربي الإسلامي بعد سقوط الأندلس. هذا التشابه في نقطة الانطلاق، وفي طبيعة الكنوز المُحصَّلة، يضيف بُعداً آخر للنقاش حول مدى تأثير التجربة الملاحية الأندلسية على الملاحة الأوروپية اللّاحقة.

الخاتمة: سؤال مفتوح
تبقى رحلة خشخاش بن سعيد بن أسود موضوعاً مفتوحاً للبحث والنقاش التاريخي، لا تسمح الأدلّة المتاحة حاليّاً بإصدار حكم قاطع بشأن صحّة الرواية أو نفيها. غير أنّ القصّة تستحقّ الاهتمام والدراسة، لا لذاتها فحسب، بل لما تكشفه من إشكاليّات عميقة في طريقة كتابة التاريخ الحديث، ولما تطرحه من أسئلة حول العدالة المعرفية والاعتراف بإسهامات الحضارات المختلفة في بناء المعرفة الإنسانية.
إن أهمّيّة هذه الرواية لا تكمن فقط في احتمالية وصول بحّار أندلسي عربي إلى الأمريكتين قبل كولومبوس بستّة قرون، بل في ما تمثّله من تحدٍّ للسرديات التاريخية المهيمنة التي شكلت وعينا بالماضي. فالتاريخ كما نعرفه اليوم كُتب إلى حدّ بعيد من منظور المنتصرين والمهيمنين، وفي حالة شبه الجزيرة الإيبيرية، كُتب بعد سقوط الأندلس وفي سياق محو ممنهج للإرث العربي الإسلامي. حرق المخطوطات العربية في محاكم التفتيش الإسپانية لم يكن مجرد عمل انتقامي، بل كان محاولة لطمس ذاكرة حضارية كاملة، وإعادة كتابة التاريخ بما يخدم السردية الجديدة للسلطة القشتالية الصاعدة.
لو ثبتت رحلة خشخاش، فهذا لن يقلّل من الأهمّيّة التاريخية لرحلة كولومبوس التي مثّلت نقطة تحوّل فعلية في تاريخ البشرية، وفتحت عصر الاتّصال المستمر بين القارّات، لكنّه سيعيد وضع تلك الرحلة في سياقها الصحيح باعتبارها جزءاً من مسار استكشافي أطول وأعقد، تراكمت فيه معارف حضارات متعدّدة. سيكشف أيضاً عن حجم التغييب المنهجي للإسهامات العربي الإسلامية في تاريخ الملاحة والاستكشاف، وهو تغييب لم يكن محض صدفة، بل نتج عن سياقات سياسية وأيديولوجية محدّدة.
المعرفة الملاحية العربية العربي الإسلامية لم تكن هامشية أو ثانوية، بل كانت في طليعة العلوم البحرية في العصور الوسطى. طوّر البحّارة العرب الأسطرلاب البحري، وأتقنوا استخدام البوصلة، وأبدعوا في رسم الخرائط الجغرافية، واخترعوا الشراع المثلث الذي سمح للسفن بالإبحّار عكس الرياح. كُتُب الجغرافيّين العرب مثل الإدريسي والمسعودي وابن ماجد كانت مراجع أساسية للبحّارة الأوروپيين في عصر الاكتشافات. حتّى كلمة “أدميرال” نفسها، التي تطلق على قائد الأسطول، هي تحريف للقب العربي “أمير البحر” (أمير الماء). نادراً ما تُذكر هذه الحقائق في السرديات الأوروپية المركزية عن تاريخ الاستكشاف.

السؤال الأعمق الذي تطرحه رواية خشخاش يتجاوز مسألة من وصل أولاً إلى أين، ليصل إلى جوهر الكتابة التاريخية: من يملك سلطة تشكيل الذاكرة الجماعية؟ ومن يقرّر أيّ القصص تُروى وأيّها يُطمس؟ التاريخ ليس مجرد سرد محايد للوقائع، بل هو بناء اجتماعي يتشكّل في سياقات القوّة والهيمنة. حين يُكتب التاريخ من منظور واحد، تُفقد أصوات كثيرة، وتُغيّب إسهامات حضارات بِرُمَّتها، وتتشوّه صورة الماضي بما يخدم مصالح الحاضر.
تدعونا رواية خشخاش إلى ممارسة نقدية ضرورية، ليس فقط لإعادة اكتشاف ما فُقد من تاريخ الحضارة العربي الإسلامية، بل لإعادة التفكير في منهجية الكتابة التاريخية ذاتها. تدعونا إلى البحث عن القصص المنسية، والأصوات المهمّشة، والإنجازات المطمورة تحت ركام السرديات المهيمنة. تدعونا إلى الشكّ المنهجي الصحّي في كلّ ما يُقدّم لنا بصفة حقيقة تاريخية مطلقة، وإلى السعي الدؤوب نحو تاريخ أكثر شمولاً وعدالة، تاريخ يعترف بتعدّد الإسهامات الحضارية في بناء المعرفة الإنسانية.
ربّما تكشف البحوث المستقبلية والاكتشافات الأثرية مزيداً من الحقائق حول رحلة خشخاش، وربّما تظلّ في دائرة الاحتمال والتساؤل. لكنّها في كلّ الأحوال تمثّل نافذة مهمّة على فترة غنية ومعقّدة من تاريخ البشرية، فترة كانت فيها الأندلس منارة للعلم والحضارة، وكان فيها البحّارة العرب يجوبون البحار ويدفعون حدود المعرفة الجغرافية. يستحقّ هذا الإرث أن يُدرس بجدّية وموضوعية، بعيداً عن الانحيازات الأيديولوجية، سواء تلك التي تنفي كل إسهام غير أوروپي، أو تلك التي تبالغ في الادعاءات دون أدلّة كافية.
في النهاية، القضية ليست منافسة على من اكتشف ماذا أولاً، بل هي سعي نحو فهم أعمق وأشمل لتاريخ الاستكشاف البشري، تاريخ لم يكن يوماً حكراً على أمّة أو حضارة واحدة، بل كان دائماً نتاج تفاعل وتراكم معارف وجهود شعوب وثقافات متعدّدة. رواية خشخاش بن سعيد، بكلّ ما تحمله من غموض واحتمالات، تذكّرنا بهذه الحقيقة البسيطة والعميقة: أنّ تاريخ البشرية أغنى وأعقد بكثير ممّا تحكيه لنا الكتب المدرسية، وأنّ الماضي لا يزال يخبّئ لنا أسراراً كثيرة تنتظر من يكتشفها.

المراجع العلمية والمصادر
- المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسين (المتوفى 346هـ/957م). مروج الذهب ومعادن الجوهر، تحقيق: كمال حسن مرعي، المكتبة العصرية، بيروت، 2005. الرابط الإلكتروني: متاح على https://archive.org/details/003-004 هذا هو المصدر الأساسي الوحيد الذي ذكر قصّة خشخاش، لكن الإشارة جاءت عابرة وموجزة جداً دون تفاصيل كثيرة.
- ابن عذاري المراكشي، أبو العباس أحمد بن محمد (المتوفى نحو 695هـ) البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، تحقيق: ج. س. كولان وإ. ليڤي پروڤنسال، دار الثقافة، بيروت، الطبعة الثالثة، 1983. الرابط الإلكتروني: متاح على https://shamela.ws/book/11782
- الحميري، أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد المنعم (المتوفى 900هـ/1495م) الروض المعطار في خبر الأقطار، تحقيق: إحسان عباس، مؤسسة ناصر للثقافة، بيروت، الطبعة الثانية، 1980. الرابط الإلكتروني: متاح على https://shamela.ws/book/1043
- كراتشكوفسكي، إجناطيوس يوليانوفيتش. تاريخ الأدب الجغرافي العربي، ترجمة: صلاح الدين عثمان هاشم، دار الغرب العربي الإسلامي، بيروت، 1987. دراسة أكاديمية روسية مهمة عن الجغرافيا العربية والرحلات العربي الإسلامية.
- حميدالله، محمد “Muslim Discovery of America before Columbus”, Journal of the Muslim Students’ Association of the United States and Canada, Vol. 4, No. 2 (Winter 1968), pp. 7-9. دراسة مبكرة حول الاكتشافات العربي الإسلامية المحتملة لأمريكا.
- Quick, Abdullah Hakim. Deeper Roots: Muslims in the Americas and the Caribbean from before Columbus to the Present, DPB Printers and Booksellers, Cape Town, South Africa, 1996. دراسة شاملة عن الوجود العربي الإسلامي المبكّر في الأمريكتين.
- Diouf, Sylviane A. Servants of Allah: African Muslims Enslaved in the Americas, New York University Press, New York, 1998. كتاب أكاديمي موثوق عن العرب الأفارقة في الأمريكتين.
- Hamdani, Abbas. “An Islamic Background to the Voyages of Discovery”, in The Legacy of Muslim Spain (Studien Und Texte Zur Geistesgeschichte Des Mittelalters), edited by Salma Khadra Jayyusi, Brill, Leiden, 1994. فصل أكاديمي عن الخلفية العربي الإسلامية لرحلات الاكتشاف الأوروپية.
- Álvarez de Toledo, Luisa Isabel (دوقة مدينة سيدونيا) Africa versus America: La Fuerza del Paradigma, Moguer, Fundación Municipal de Cultura, 2000. دراسة مثيرة للجدل من أرشيف عائلي إسپاني خاص.
- Li, Hui-lin. “Mu-lan-p’i: A Case for Pre-Columbian Transatlantic Travel by Arab Ships”, Harvard Journal of Asiatic Studies, Harvard-Yenching Institute, Vol. 23 (1960-1961), pp. 114-126. دراسة من جامعة هارڤرد عن احتمالات الرحلات العربية عبر الأطلسي.
- Weiner, Leo. Africa and the Discovery of America, 3 volumes, Innes & Sons, Philadelphia, 1920-1922. دراسة لغوية وأنثروپولوجية مثيرة للجدل لكنها مرجع تاريخي مهم.
- أحمد، نبيل. المسلمون وأميركا قبل كولومبوس، دار الهلال، القاهرة، 2000.
- Khair, Tabish. Other Routes: 1500 Years of African and Asian Travel Writing, Signal Books, Oxford, 2006. يتضمّن فصولاً عن الرحلات العربي الإسلامية المبكرة.
- العلي، صالح أحمد. الملاحة وعلوم البحّار عند العرب، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1979. دراسة شاملة عن علوم الملاحة العربية.
- Ahsani, S. A. H. “Muslims in Latin America: A Survey”, Journal of Muslim Minority Affairs, Vol. 5, No. 2 (July 1984), pp. 454-463.
- Feder, Kenneth L. Frauds, Myths, and Mysteries: Science and Pseudoscience in Archaeology, 9th edition, Oxford University Press, 2017. كتاب أكاديمي ينتقد الادعاءات غير المدعومة بأدلة قوية في علم الآثار، بما فيها بعض نظريات الاتصال قبل كولومبوسي.

ملاحظات مهمّة للقارئ
إطار منهجي للبحث:
- تستند رواية رحلة خشخاش بن سعيد إلى ما أورده المؤرخ المسعودي في كتابه “مروج الذهب”، وهو مؤرّخ موثوق معروف بدقّته في نقل الأخبار. جاءت الإشارة إلى الرحلة ضمن حديث المسعودي عن بحر الظلمات (المحيط الأطلسي) والمغامرات البحرية الأندلسية، وإن لم تتضمن تفاصيل جغرافية محددة عن الأرض التي وصل إليها خشخاش.
- جزء من المعلومات الواردة في هذا المقال يمثل محاولات تفسيرية واستنتاجات من باحثين معاصرين استناداً إلى النص الأصلي للمسعودي، ومقارنتها بمعطيات جغرافية وتاريخية أخرى. هذه الاستنتاجات تبقى في إطار الترجيح والاحتمال، وليست حقائق مؤكّدة بالإجماع الأكاديمي الغربي.
- تشير بعض الدراسات إلى وجود قطع نقدية وآثار أخرى قد تدل على اتصالات مبكرة بين العالم العربي الإسلامي والأمريكيتين، غير أن هذه الأدلة لا تزال محل بحث ونقاش علمي، ولم تحسم بشكل قاطع في الأوساط الأكاديمية الغربية. بعض الباحثين يرى فيها دلائل قوية، في حين يتعامل آخرون معها بحذر منهجي.
- المعلومات المقدّمة عن الحضارات والقبائل الأصلية في ڤنزويلا وغيرها من مناطق أمريكا الجنوبية تستند إلى بحوث في علم الآثار والأنثروپولوجيا. تسميات بعض هذه الحضارات قد تختلف بين المصادر، ثم أن المعرفة بها لا تزال تتطوّر مع استمرار الاكتشافات الأثرية الجديدة.
- يتباين موقف الباحثين والمؤرخين من رواية خشخاش بن سعيد، فبعضهم يرى فيها احتمالاً تاريخياً جديراً بالدراسة المعمّقة، في حين يطالب آخرون بمزيد من الأدلة الوثائقية والأثرية قبل الجزم بصحتها. هذا التباين طبيعي في البحث التاريخي، خاصة عندما يتعلق الأمر بفترات بعيدة ومناطق جغرافية واسعة.
- تظلّ هذه الرواية موضوعاً مفتوحاً للبحث والتحقيق، وقد تكشف البحوث المستقبلية والاكتشافات الأثرية الجديدة عن مزيد من الحقائق. ثم أن دراسة القدرات البحرية للعرب الأندلسيين في تلك الحقبة تساعد على فهم أفضل لإمكانية حدوث مثل هذه الرحلات.
للقارئ الباحث:
يُنصح بالرجوع إلى النص الأصلي في “مروج الذهب” للمسعودي، ومراجعة الدراسات المتنوّعة في الموضوع، مع التمييز بين ما ورد في المصادر التاريخية الأولية وما هو تفسير أو استنتاج لاحق، وذلك لتكوين رؤية متوازنة حول هذه المسألة التاريخية المثيرة للاهتمام.






اترك رداً على مؤنس بخاريإلغاء الرد