سألني بعض الأحبّة أن أنشر شيئاً عن الهندسة الاجتماعية أو المجتمعية، لكونها تخصّصي المهني. مع الأسف هذه من العلوم المهملة على الصعيد العربي وغير المتداولة بالمطلق… حتى أنّ المنشورات فيها باللّغة العربيّة أندر من الكمأة في فصل الربيع. عموماً، هذا تعريف بسيط بها.
يخطئ عموم الناس بفهم مهنة المهندس المجتمعي، بسبب الخلط الذي تسبّب به الإعلام الأميركي مع إطلاق تسمية الهندسة الاجتماعية على تخصّص يختصّ بشؤون الأمن والمخابرات. حين يقوم أشخاص بالنصب أو التحايل على أشخاص آخرين باستخدام التواصل بأشكاله المختلفة، سواء الشخصي أو عبر وسائل التواصل المتعدّدة. مستعملين معلومات شخصيّة جمعنها عن الضحايا بطرق غير مباشرة. وشاع استعمال هذا المصطلح على مستوى أمني بعد انتشار الأفلام الوثائقية التي تسجّل عمليّات نصب عبر الهاتف أو عبر شبكة الإنترنت. تسمية هذه الحرفة بالهندسة الاجتماعيّة social engineering هي تسمية خاطئة، لأنّها لا تتضمّن أيّ من تقنيّات هندسة المجتمع ولا تتعامل مع المجتمع، إنّما تتعامل مع أفراد. وهذا التوصيف للهندسة الاجتماعية لا يشرح تخصّصي المهني على الإطلاق.

الآن، الهندسة الاجتماعيّة أو المجتمعيّة فعلاً هي أحد أفرع العلوم السياسيّة ومن علم الاجتماع. والمصطلح وُلد قبل أكثر من مئة سنة. وخرج في البداية من عالم الصناعة والأعمال، وقدّمه أوّلاً الصناعي الهولاندي {يعقوب فن ماركه} Jacques van Marken حين تحدّث في مقال نشره سنة 1894 عن حاجة عالم الصناعة إلى مهندسين اجتماعيّين sociale ingenieurs لإدارة الموارد البشريّة، تماماً كحاجة عالم الصناعة إلى المهندسين التقليديّين لإدارة الموارد غير البشرية؛ كالآلات والخامات وعمليّات الإنتاج.
انتقل المصطلح وبنفس المعنى إلى عالم الصناعة في الولايات المتّحدة الأميركيّة سنة 1899، ثمّ قامت الحكومة الأميركيّة بتغيير اسم المهنة سنة 1900 إلى {خدمات اجتماعية} Social Service وشاعت هذه التسمية حول العالم للمفهوم الذي طرحه {يعقوب فن ماركه} أوّل مرّة. لكن، سنة 1911 نشر عالم الاجتماع الإنجيلي الأميركي {إدوين إيرپ} Edwin L. Earp كتاباً عنونه {المهندس الاجتماعي} The Social Engineer عبّر فيه عن رؤيته للإدارة الاجتماعيّة، التي تضمّنت وجهة نظره في أنّ المجتمع هو آلة، تنبغي إدارته بطريقة وآليّات المهندس التقني.

وكان قد سبق الأميركي {إيرپ} عالم اجتماع ألماني اسمه {فيرديناند تونّيس} Ferdinand Tönnies حين نشر سنة 1905 دراسة شرح فيها وجهة نظره بالتجربة، في أنّ إدارة المجتمع يجب أن تعتمد على الإحصائيّات الموثوقة التي يمكن تطبيقها على نظام اجتماعي حقيقي. ويجب التخلّي تماماً عن الافتراضات والتوقّعات المعتمدة على {ما يجب} بدلاً عن {ما يكون}. ولا بدّ أنّ {إيرپ} كان قد قرأ دراسة {تونّيس} قبل تأليف كتابه {المهندس الاجتماعي} بعد أربع سنوات. لاحقاً تُرجم كتاب {إيرپ} إلى الفرنسية وصار مصطلح المهندس الاجتماعي معتمداً على مستوى عالمي.
بناء على آراء كلّ من {تونّيس} و {إيرپ} صاغ عالم الصناعة الكثير من أدوات الدعاية والتسويق وقواعد تصميم المنتجات. ونشأت بفضل علم {الهندسة المجتمعيّة} الجديد صناعة السينما في هوليوود، أو صناعة الترفيه بمعنى أدق. حين صارت شركات الإنتاج تنتج الأفلام والمسلسلات بناء على إحصاءات ودراسات دقيقة، تدرس ما يطلبه الجمهور لتلبي، بدلاً عن تقديم ما يريده المخرج أو المؤلّف أو المنتج. أي أنّ العبارات السينمائية والألبسة والمشاهد صارت تُصاغ وفق دراسة دقيقة لرغبة المشاهد، ولا تقدّم وجهة نظر الفنّان. وهذا سبب تسميتها بالصناعة، وإخراجها من عالم الإبداع الفنّي.
ولهذا السبب تماماً، صارت صناعة الترفيه، التي نراها اليوم على نتفليكس وأمازون پرايم وغيرهم، تلبّي رغبة الأغلبيّة، متجاهلة رغبة الأقلّيّة حتّى لو كانت نخبة. لأنّ الأرقام والإحصاءات تشير إلى أنّ هذه المادّة المقدّمة ستلبّي حاجة أكبر قطاع من السوق، ما يعني أنّها ستعود بالمربح والعوائد الأكبر إلى الصناعة.

الآن، هذه هي الهندسة الاجتماعية أو المجتمعية المعاصرة بالضبط. بصفتها حرفة مهنيّة هي حرفة قراءة المجتمع بشكل صحيح، بواسطة الإحصائيّات والاستبيانات، لاستنباط الأشكال المثلى التي ينبغي تقديمها في المنتج النهائي، المقدّم للسوق. سواء أكان هذا المنتَج هو سلعة استهلاكية، أو عمل فنّي ترفيهي، أو رمز سياسي. حتّى البرامج التي تطلقها الأحزاب السياسيّة في الدول الديمقراطيّة هي منتَج يصمَّم بناء على رغبات السوق وحاجاته. ويعمل على إدارة إنتاج هذه المنتجات مهندسين اجتماعيّين، يشتغلون بشكل لا يختلف عن طريقة عمل المهندسين التقليديّين الذين يقومون على إدارة إنتاج يستخدم الخامات الأوّليّة والآلات وخطوط الإنتاج.
وبذات الآليّة، يقوم أغلب نجوم وسائل الإعلام المجتمعي (السوشلميديا) باستعمال نصائح مستشارين من عالم الهندسة الاجتماعيّة لتقديم ڤلوگات وصور وموسيقى وتصرّفات تحوز على إعجاب أكبر قدر ممكن من الجمهور… في النهاية هي ذات الآليّة الصناعية التي تعتمد تقنيّات تصميم المنتج. ما يعني أنّ الكاراكتر المقدّم على إحدى صفحات أو قنوات وسائل الإعلام المجتمعي هو في الواقع كاراكتر مدروس ليحظى بإعجاب فئة معيّنة من السوق، ويلبّي رغبة شريحة اجتماعيّة محدّدة، ترفع من قيمة هذا “الإنفلونسر” في عالم الدعاية والتسويق، لاستعماله للترويج والإعلان لمنتجات مختلفة. وهذا سبب منح هذه الشخصيّات تسمية {مؤثّر} Influencer لأنّه يؤثّر دعائياً على شريحة محدّدة من شرائح السوق.
الهندسة الاجتماعيّة هي آليّة تحليل وقراءة المجتمع بطريقة صحيحة لدعم حملات التسويق ومساعدة الصناعة على تصميم المنتج الأمثل للسوق.
وعلى نتفليكس يمكن مشاهدة الفيلم Brexit (2019) من Channel 4 الذي يشرح تماماً أين وصل علم الهندسة الاجتماعية اليوم، ويشرح تخصّصي المهني بصورة صحيحة. بالإضافة إلى الوثائقي الرائع The Great Hack.
آمل أن يكون في شرحي المختصر هذا إجابات وافية.
المراجع والمصادر
- Jacques van Marken والمصطلح الأصلي (1894) Östlund, David (2007). “A Knower and Friend of Human Beings, Not Machines: The Business Career of the Terminology of Social Engineering, 1894-1910.” Ideas in History, 2007: http://www.ideasinhistory.org/cms/index.php?page=a-knower-and-friend-of-human-beings
- Van der Mast, Jan (2019). Jacques van Marken: De eerste sociaal ondernemer van Nederland. Amsterdam: Nieuw Amsterdam.
- Wolff, Henry W. (1897). “Article.” The Economic Review, Vol. 7, p. 122.
- Ferdinand Tönnies (1905) Tönnies, Ferdinand (1905). “The Present Problems of Social Structure.” American Journal of Sociology, Vol. 10, No. 5, pp. 569-588. https://www.jstor.org/stable/2764140
- Tönnies, Ferdinand (1909). “Eine neue Methode der Vergleichung statistischer Reihen.” Jahrbuch für Gesetzgebung, Verwaltung und Volkswirtschaft im Deutschen Reich, 33(I), pp. 699-720.
- Zimmermann, Bénédicte (2011). “Ferdinand Tönnies, sociologue empiriste.” Actes de la recherche en sciences sociales, n° 188, pp. 44-59. https://www.cairn.info/revue-actes-de-la-recherche-en-sciences-sociales-2011-3-page-44.htm
- Earp, Edwin Lee (1911). The Social Engineer. New York: Eaton & Mains. https://archive.org/details/socialengineer0000earp
- مجلة Social Engineering والتحول المصطلحي Tolman, William H. (1909). Social Engineering. New York: McGraw Publishing Company.
- Brexit (2019) Graham, James (writer); Haynes, Toby (director) (2019). Brexit: The Uncivil War [Television film]. Channel 4/HBO. https://www.imdb.com/title/tt8425058/
- The Great Hack (2019) Amer, Karim & Noujaim, Jehane (directors/producers) (2019). The Great Hack [Documentary film]. Netflix. https://www.netflix.com/title/80117542
- Cahnman, Werner J. (ed.) (1973). Ferdinand Tönnies: A New Evaluation. Leiden: Brill.
- Deflem, Mathieu (1999). “Ferdinand Tönnies on Crime and Society: An Unexplored Contribution to Criminological Sociology.” History of the Human Sciences, Vol. 12, No. 3, pp. 87-116.
- Wirth, Louis (1926). “The Sociology of Ferdinand Tönnies.” American Journal of Sociology, Vol. 32, No. 3, pp. 412-422. https://www.jstor.org/stable/2765542
- Shipman, Tim (2016). All Out War: The Full Story of How Brexit Sank Britain’s Political Class. London: William Collins.
- Oliver, Craig (2016). Unleashing Demons: The Inside Story of Brexit. London: Hodder & Stoughton.
- Wylie, Christopher (2019). Mindfck: Cambridge Analytica and the Plot to Break America. New York: Random House.





اترك رد