لا يستهدف هذا المقال استعادة أمجاد غابرة أو الانكفاء إلى ماضٍ انقضى، بل يسعى إلى فهم كيف انقطعت سلسلة التطوّر التقني العربي التي امتدّت قروناً، وكيف تحوّلت البلاد العربية — في غضون قرنَين — من مراكز صناعية وعلمية ناشطة إلى أطراف تابعة في منظومة اقتصادية عالمية جديدة. ليس هذا الفهم رفاهية أكاديمية، بل ضرورة لإدراك جذور الواقع المعاصر، وشرط لبناء مستقبل صناعي وعلمي مستقلّ.
يتناول المقال التطوّرات السياسية والاقتصادية التي أجهضت إمكانية قيام ثورة صناعية في العالم العربي “العثماني” خلال القرنَين الثامن عشر والتاسع عشر، ويحلّل العوامل الداخلية (الانهيار السياسي وتفكّك المؤسّسات) والخارجية (القمع الاستعماري الممنهج للتصنيع المستقلّ) التي أدّت إلى هذا المصير. ويطرح — في ضوء الأدلّة التاريخية — ما كان ممكناً لو لم تتضافر هذه العوامل، وما يمكن استخلاصه للمستقبل.

الإمكانية التي لم تكتمل
تشهد مساهمات الهندسة الميكانيكية العربية الوسيطة على إنجازات علمية وتقنية حقيقية قدّمت تطوّراً نوعيّاً في مجالها. إذ أظهر المهندسون العرب — من بني موسى في بغداد القرن التاسع إلى الجزري في ديار بكر القرن الثالث عشر، وصولاً إلى تقي الدين الشامي في القسطنطينية القرن السادس عشر — فهماً متطوّراً للمبادئ الميكانيكية، وخلقوا ابتكارات سبقت زمنها بقرون: العمود المرفقي، وأنظمة التحكّم بالتغذية الراجعة، والساعات الفلكية الدقيقة، والآلات القابلة للبرمجة، والمحرّك البخاري والتوربين قبل نظيره الغربي بعقود وقرون.
كانت هذه الإنجازات جزءاً من حوار تكنولوجي مركّب متعدّد الحضارات، لا اختراقات معزولة. ورث العرب معرفة من أسلافهم الآراميّين والهلنستيّين وإيران والهند، وأضافوا إليها إضافات جوهرية، قبل أن تنتقل هذه المعارف — محسّنة ومطوّرة — إلى أوروپا عبر العثمانية والأندلس وصقلية والحروب الصليبية. يشهد هذا التسلسل الحضاري لترابط المعرفة الإنسانية، وضرورة الاعتراف بإسهام كلّ حضارة في البناء التراكمي للعلم والتقنية.
غير أنّ سؤالاً محوريّاً يفرض نفسه: لماذا لم يتحوّل هذا الإرث الغزير إلى ثورة صناعية عربية؟ حين نتأمّل مسار الهندسة الميكانيكية العربية حتّى القرن السادس عشر، نجد أنّ الإمكانية كانت لا تزال قائمة. فتقي الدين — الذي توفّى عام 1585 — لم يكن مجرّد صدى باهت لعصر ذهبي ولّى، بل كان مبتكراً حقيقياً طوّر المحرّك البخاري والتوربين قبل نظيره الغربي بعقود. والقسطنطينية العثمانية، ودمشق، والقاهرة، لم تكن مدناً خامدة علميّاً في القرنَين السادس عشر والسابع عشر، بل كانت لا تزال تحتفظ بتقاليد علمية وحرفية عريقة.
لكنّ شيئاً جوهريّاً تغيّر في القرنَين الثامن عشر والتاسع عشر، ليس في الشرق بقدر ما كان في علاقة الشرق بالغرب. لم تكن المسألة مجرّد “تخلّف داخلي”، بل منظومة معقّدة من الانهيار السياسي الداخلي والقمع الاستعماري الخارجي الممنهج لأيّ محاولة تطوير صناعي أو علمي مستقلّ في البلاد العربية والعثمانية.
الانهيار السياسي الداخلي
حين انهارت الدولة الحامية

الدولة العثمانية: من الرعاية إلى الفوضى
ظلّت الدولة العثمانية — حتّى أواخر القرن الثامن عشر — قوّة إقليمية كبرى تحمي مساحات شاسعة من العالم العربي وتؤمّن فضاءً لتطوّر أعمال صناعية وتجارية ضخمة. ورعت المؤسّسة السلطانية المراصد الفلكية، ومكّنت الحرفيّين المهرة، ووفّرت الاستقرار السياسي اللّازم لازدهار الصناعات والعلوم. لكنّ ما حدث منذ مطلع القرن التاسع عشر كان انهياراً متسارعاً غيّر طبيعة الدولة ووظيفتها.
توالت الانقلابات العسكرية بدعم خارجي، واغتيالات السلاطين، والصراعات على السلطة بين الإنكشارية (بدعم روسي) والإصلاحيّين (بدعم فرنسي)، فتحوّلت العاصمة العثمانية من مركز استقرار إلى بؤرة فوضى سياسية. وتوقّف الدعم المؤسّسي للعلوم والتطوير الصناعي بشكل شبه كامل: أُهملت المراصد الفلكية أو أُغلقت، ولم تعُد تُموَّل المكتبات العلمية، وفقد الحرفيّون المهرة الرعاية السلطانية التي كانت تدعم مشاريعهم.
وفي الوقت نفسه، غرقت الدولة العثمانية في ديون غرب أوروپية متزايدة، ما وضعها تدريجيّاً تحت التأثير الاقتصادي والسياسي للإمبراطوريات الغربية. ولم يكن هذا التأثير الغربي “مساعدة تنموية”، بل كان خنقاً ممنهجاً لأيّ محاولة تصنيع عثمانية مستقلّة. فالامتيازات الأجنبية — التي منحت الشركات غرب الأوروپية حقوقاً تجارية واسعة في الأراضي العثمانية دون مقابل — حوّلت الإمبراطورية إلى سوق مفتوح للمنتجات الأوروپية، وقضت على أيّ إمكانية لحماية الصناعات المحلّية الناشئة.
وحين حاول السلطان محمود الثاني (1808-1839) وخلفاؤه إدخال إصلاحات تحديثية (“التنظيمات”)، كانت هذه الإصلاحات مقيّدة بالديون والتبعية غرب الأوروپية، وركّزت على الجيش والإدارة، لا على بناء قاعدة صناعية وعلمية حقيقية. فصارت الدولة العثمانية — في النصف الثاني من القرن التاسع عشر — شبه محميّة غربية، تُدار مالياً واقتصادياً لخدمة المصالح غرب الأوروپية، لا لخدمة شعوبها.

إمبراطورية مسقط العُمانية: قوّة بحرية أُجهِضت
كانت إمبراطورية مسقط العُمانية — في أوجها بين القرنَين الثامن عشر ومنتصف التاسع عشر — قوّة بحرية وتجارية هائلة. وبوراثة سلطنة كِلوى وإمارة بستك، امتدّت سيطرتها من سواحل شرق أفريقيا (زنجبار وممباسا وتنزانيا) إلى سواحل إيران وپاكستان والهند وإندونيسيا، وسيطرت على تجارة المحيط الهندي: التوابل، والعاج، واللّؤلؤ، والأخشاب. وكانت السفن العُمانية — المبنية بحرفية عالية — تجوب البحار منافسةً السفن الپرتغالية والهولاندية والبريطانية.
كانت هذه القوّة البحرية تعني إمكانية هائلة لتطوير صناعات مرتبطة: بناء السفن بتقنيات متطوّرة، والملاحة، والتجارة الدولية، والصناعات الساحلية. لكنّ بريطانيا — المسيطرة على الهند منذ منتصف القرن الثامن عشر — لم تكن لتسمح بمنافس إقليمي قويّ في المحيط الهندي. فعبر سلسلة من المعاهدات “الحمائية” و”التعاون الأمني”، حوّلت بريطانيا إمبراطورية مسقط تدريجيّاً إلى محميّة بريطانية فعلية، وذلك بتسليح إمارة الجبل الأخضر الإباضية وتحريضها على مهاجمة مسقط.
وحين توفّى السيّد سعيد بن سلطان عام 1856، قُسّمت إمبراطوريّته — بترتيب بريطاني — إلى سلطنة مسقط وسلطنة زنجبار، ما أضعف كلتيهما. وتحوّلت زنجبار إلى محميّة بريطانية عام 1890، أمّا مسقط — برغم استقلالها الاسمي — فأصبحت تحت السيطرة البريطانية الكاملة. والنتيجة؟ توقّف أيّ تطوير صناعي أو بحري مستقلّ. فالصناعات البحرية العُمانية — التي كان يمكن أن تتطوّر إلى ترسانات حديثة — ظلّت حرفية تقليدية، لأنّ بريطانيا كانت تحتكر صناعة السفن الحديثة وتمنع نقل التقنية.
والأهمّ: الثروات التجارية الهائلة لإمبراطورية مسقط — بدلاً من أن تُوظَّف في بناء صناعات عُمانية — تحوّلت إلى أرباح للشركات البريطانية. فالتوابل من زنجبار كانت تُشحَن على سفن بريطانية، وتُباع في أسواق بريطانية، وتُحوَّل أرباحها إلى لندن. واللّؤلؤ من الخليج كان يُصدَّر خاماً إلى لندن وپاريس، حيث يُشغَل ويُباع بأسعار مضاعفة.

الدولة الرسولية اليمنية: ميراث علمي ضائع
كانت الدولة الرسولية في اليمن (1229-1454) واحدة من أكثر الدول العربية تقدّماً علمياً في عصرها. ازدهرت فيها الفلك والرياضيات والهندسة والزراعة، وبُنيت المراصد الفلكية، وأُلّفت الكتب العلمية المتقدّمة. لكنّ سقوط الدولة الرسولية بسلاح مماليك مصر، وما تلاه من فوضى ثمّ حكم عثماني متقطّع ثمّ تجزّؤ محلّي، أنهى هذا التقليد العلمي.
وحين وصل الپرتغاليّون إلى المحيط الهندي في مطلع القرن السادس عشر، كانت أوّل أهدافهم تدمير التجارة العربية في بحر العرب والبحر الأحمر والخليج العربي. فالسيطرة البرتغالية على مضيق هرمز (إمارة بستك وإمارات عرب الهولة)، والهجمات على السفن اليمنية والعُمانية، والحصار البحري على الموانئ العربية، كلّها أضعفت الاقتصادات الساحلية اليمنية والعربية بشكل كارثي.
ولاحقاً، في القرن التاسع عشر، حين احتلّت بريطانيا عدن عام 1839، حوّلتها إلى قاعدة عسكرية ومحطّة فحم لسفنها المتّجهة إلى الهند — لا إلى مركز تجاري وصناعي يخدم اليمن نفسه. فالثروات اليمنية (البنّ خاصّة) كانت تُصدَّر خاماً، وأيّ محاولة يمنية لبناء صناعات تحويلية كانت تُقمَع لمصلحة الاحتكارات البريطانية.
والأهمّ: التقاليد العلمية اليمنية — الرياضيات والفلك والهندسة — انقطعت تماماً. فلم يعُد هناك دعم مؤسّسي للعلماء، ولا مكتبات تُموَّل، ولا مراصد تُبنى. واليمن — الذي كان في القرون الوسطى مركزاً علمياً مهمّاً — تحوّل إلى مصدر للبنّ الخام والعمالة الرخيصة.

القمع الاستعماري الممنهج — حين حُورب التصنيع المستقلّ
تحطيم الصناعات المحلّية: الدرس المصري
حين غزا ناپليون مصر عام 1798، لم يأتِ فاتحاً عسكريّاً فحسب، بل جاء يستكشف إمكانات السوق المصرية لمصلحة الصناعة الفرنسية. وحين تولّى محمد علي پاشا الحكم وحاول — في العقود الأولى من القرن التاسع عشر — بناء صناعة مصرية حديثة (مصانع نسيج، وترسانات بحرية، ومعامل أسلحة)، كانت النتيجة تدخّلاً غرب أوروپياً مباشراً.
ومعاهدة لندن 1840، التي فُرضت على محمد علي بعد هزيمته العسكرية، لم تكن تسوية سياسية فحسب، بل كانت إعداماً اقتصادياً: أُجبرت مصر على تفكيك مصانعها، وتقليص جيشها، والأهمّ — فتح أسواقها أمام المنتجات غرب الأوروپية دون قيود جمركية حقيقية. هكذا تحوّلت مصر — وبقية البلاد العربية لاحقاً — إلى سوق استهلاكية للمنتجات الأوروپية، ومصدر للمواد الخام الرخيصة: القطن الخام يُصدَّر إلى مانشستر، ويعود منسوجات بأسعار مضاعفة.
لماذا فعلت أوروپا الغربية ذلك؟ لأنّ الشركات البريطانية والفرنسية كانت تحتاج إلى أسواق لمنتجاتها الصناعية، وإلى مواد خام رخيصة لمصانعها. ومصر الصناعية كانت منافساً شديد الْخَطَر يجب سحقه. أمّا مصر الزراعية المصدّرة للقطن الخام والمستوردة للمنسوجات فكانت الصيغة المثالية للمصالح غرب الأوروپية.
الهند ومصر: نموذجان لتدمير ممنهج
ما حدث في مصر لم يكن استثناءً، بل نمطاً استعمارياً متكرّراً. فصناعة النسيج الهندية — التي كانت الأجود في العالم طوال قرون — دُمّرت بشكل منهجي على يد شركة الهند الشرقية البريطانية. ولم يكن التدمير “منافسة عادلة”، بل سياسة مقصودة: فُرضت ضرائب باهظة على المنتجات الهندية المحلّية، في حين أُعفيت المنتجات البريطانية من الرسوم. بل إنّ التجّار البريطانيّين — في بعض الحالات الموثّقة — قطعوا أصابع الحرفيّين الهنود لمنعهم من مواصلة عملهم.
والنتيجة؟ تحوّلت الهند من مصدّر للمنسوجات الفاخرة إلى مستورد للمنسوجات البريطانية الرخيصة، وتحوّل ملايين الحرفيّين المهرة إلى عمّال زراعيّين فقراء ينتجون القطن الخام لمصانع لانكشاير.
الديون والتبعية: الاستعمار المالي
في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ابتُكرت أداة استعمارية أكثر فعّالية من الاحتلال العسكري: الديون. أُغرقت مصر والعثمانية وتونس والمغرب في ديون ضخمة لبنوك غرب أوروپية، بفوائد مركّبة خانقة. وحين عجزت هذه الدول عن السداد، كانت النتيجة سيطرة غرب أوروپية مباشرة على الاقتصاد: “صندوق الدَين” في مصر عام 1876، الذي وضع الماليّة المصرية تحت إدارة غرب أوروپية مباشرة. و”الديون العثمانية” التي حوّلت القسطنطينية فعليّاً إلى مدينة تحت الوصاية المالية غرب الأوروپية.
ولم تكن هذه السيطرة المالية “مساعدة اقتصادية”، بل كانت أداة لمنع أيّ تصنيع مستقلّ. فأيّ محاولة لبناء مصانع محلّية كانت تُقابَل برفض التمويل، أو بفرض شروط تجعل المشروع غير قابل للاستمرار. والمال غرب الأوروپي كان يُضخّ في مشاريع البنية التحتية (سكك حديد، وموانئ، وقنوات) التي تخدم هدفاً واحداً: تسهيل نقل المواد الخام من المستعمرات إلى أوروپا، وتوزيع المنتجات غرب الأوروپية في أسواق المستعمرات.
وقناة السويس — التي افتُتحت عام 1869 — لم تُبنَ لخدمة التجارة المصرية أو العربية، بل لخدمة التجارة البريطانية والفرنسية مع الهند والشرق الأقصى. دفعت مصر تكاليف بنائها (عبر الديون والسخرة)، ودمّرت اقتصاد حلب (عاصمة النقل التجاري العثماني)، لكنّ أرباحها ذهبت إلى الشركات غرب الأوروپية، وسيطرتها انتقلت إلى بريطانيا.

القمع العلمي — حين يُحارَب العلم نفسه
إغلاق المؤسّسات العلمية والتقنية
لم تكتفِ القوى غرب الأوروپية بتدمير الصناعات القائمة، بل حارب إمكانية نشوء صناعات جديدة بمنع التعليم العلمي والتقني. فالمدارس التي أسّسها الاستعمار في البلاد العربية كانت تركّز على تخريج موظّفين إداريّين وكتبة، لا مهندسين وعلماء. وكان التعليم التقني الجادّ محظوراً أو محدوداً للغاية.
وفي الدولة العثمانية، توقّف الدعم الحكومي للمؤسّسات العلمية مع الأزمات المالية والسياسية المتتالية. أُهملت المراصد الفلكية، ولم تعُد المكتبات العلمية تُحدَّث، والحرفيّون المهرة لم يعُد يُدرَّب جيل جديد منهم بشكل منهجي. وفي الوقت نفسه، كانت الجامعات غرب الأوروپية تتوسّع وتزدهر، وكانت المختبرات والمعامل تُبنى بتمويل ضخم من الأرباح الاستعمارية.
احتكار المعرفة التقنية
حرصت الدول الاستعمارية على احتكار المعرفة التقنية المتقدّمة. فتصدير الآلات الصناعية إلى المستعمرات كان محظوراً أو مقيّداً بشكل صارم. وبريطانيا — حتّى أواخر القرن التاسع عشر — كانت تمنع هجرة الحرفيّين المهرة والمهندسين من البلاد، خوفاً من نقل المعرفة التقنية إلى منافسين محتملين. في نفس الوقت، نُقلت المخطوطات العلمية العربية إلى جامعات هذه الدول الاستعمارية وحُظرت عن أهلها العرب، فنشأت أجيال جديدة تجهل حتّى وجود هذه المخطوطات في الحياة.
وحين أراد محمد علي إحضار خبراء أوروپيّين لتدريب المصريّين على التقنيات الحديثة، واجه صعوبات جمّة. وقلائل الخبراء الذين وصلوا كانوا يعملون تحت قيود صارمة، وكان تدريبهم للمصريّين محدوداً بالضرورة — فنقل المعرفة الحقيقي كان يُعدّ “خيانة” للمصالح غرب الأوروپية.
وفي إمبراطورية مسقط، حين حاول بعض السلاطين إدخال تقنيات بناء السفن الحديثة، واجهوا رفضاً بريطانياً صريحاً. كانت بريطانيا تريد أن تبقى السفن العُمانية تقليدية — “جيّدة بما يكفي للتجارة المحلّية” — لكن ليست منافسة للسفن البخارية البريطانية. وأيّ محاولة عُمانية لشراء أو بناء سفن بخارية كانت تُقابَل بمعوّقات سياسية ومالية.
سرقة الابتكارات والمعارف المحلّية
وفي الوقت نفسه، كانت البعثات الاستعمارية تسرق المعارف والابتكارات المحلّية بشكل منهجي. فالنباتات والبذور، والتقنيات الزراعية، والمعارف الطبّية التقليدية، والمخطوطات العلمية — كلّها نُهبت ونُقلت إلى غرب أوروپا. وتمتلئ المكتبات الأوروپية اليوم بمخطوطات عربية نُهبت من مكتبات القاهرة وبغداد ودمشق وصنعاء، ولم تُترجَم إلا حديثاً (إن تُرجمت أصلاً)، وغير متاحة للباحثين العرب.
والبنّ اليمني — الذي كان احتكاراً يمنيّاً مربحاً لقرون — سُرقت شتلاته ونُقلت إلى مستعمرات أوروپية (إثيوپيا وجاوة والبرازيل)، فانهارت التجارة اليمنية. بل ونُكر على اليمن أصالة هذه الزراعة فيه فصارت القهوة (بقدرة المستعمر البريطاني) إثيوپية الهوية. والتوابل التي كانت تُجمع من زنجبار والهند وتُباع عبر التجّار العُمانيّين، أصبحت تُجمع مباشرة من قبل الشركات البريطانية والهولاندية، فخسر العُمانيّون دورهم وسطاء.

في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، تجاوزت الثورة الصناعية وما نتج عنها من تحولات اجتماعية وسياسية في “الحداثة الغربية” حدود أوروپا. فشرعت أنظمة المشرق في برامج “التنمية الدفاعية” لتصنيع مجتمعاتها وتحديثها، اتّقاءً للتخلّف عن الركب.
في أواخر العصور الوسطى وأوائل العصر الحديث، كانت إمبراطوريات المشرق من الثراء بمكان يضاهي نظيراتها الأوروپية، إذ استفادت من موقعها على بعض أعظم طرق التجارة في العالم لإثراء خزائنها الإمبراطورية. غير أنّه مع بزوغ الرأسمالية الحديثة، وانتشار تقانات الثورة الصناعية في أرجاء أوروپا الغربية، وجدت دول العالم الإسلامي نفسها متأخرة مع حلول مطلع القرن التاسع عشر، عالمة أنّ التفوّق الاقتصادي والتقني قد يفضي إلى الهزيمة العسكرية والغزو على أيدي القوى الغربية المتقدّمة باطراد. فسعى حكام إمبراطوريات المشرق إلى الإصلاح السريع في دولهم واللّحاق بالغرب، في حركة عُرفت باسم “التنمية الدفاعية”.
مصر في طليعة الطريق
كانت مصر السبّاقة إلى سلوك هذا الدرب. ففي ظل حكم محمد علي (1769-1849)، شرعت مملكة مصر المستقلّة فعليّاً في برنامج إصلاح شامل مع مطلع القرن التاسع عشر. إذ بدأ مماليك مصر في توسيع البيروقراطية الحكومية وتعزيز المنظومة التعليمية. والأهم من ذلك على المدى البعيد، برنامج التصنيع الذي استُهل. فإلى جانب صناعة أسلحة قوية لدعم حملات محمّد علي – التي انتهت بحروب فتح فاشلة – بُنيت بنجاح صناعة نسيج واسعة لمنافسة أوروپا الغربية في أوائل ومنتصف القرن التاسع عشر. وشهد ذلك بدء مصر في التحوّل بنجاح عن الاعتماد على صادرات المحاصيل النقدية، وإرساء أولى الصناعات المحلّية، ممّا وفر قاعدة يمكن البناء عليها مستقبلاً في التوسع الصناعي وصناعات الحديد والصلب. وهكذا وُضعت مصر على طريق التصنيع الذي واصلت السير فيه تحت رعاية أسرتها الحاكمة.
لم يقف سلاطين القسطنطينية مكتوفي الأيدي. فبينما حالت التدخّلات الغربية دون إطاحة محمّد علي بالإمبراطورية، لم يكن احتمال وجود مصر قوية تتفوّق على هيمنتهم الإقليمية بالأمر الواقعي. فاستجابة لذلك، وُضعت إصلاحات سياسية طموحة عُرفت باسم التنظيمات في عهد الصدر الأعظم مصطفى رشيد باشا. وابتداءً من خط شريف كلخانة عام 1839 وما تبعه من إصلاحات، شهدت العقود التالية توسّعاً سريعاً في أجهزة الدولة والتعليم والبيروقراطية، والسير نحو الحكم الدستوري. وفي الوقت ذاته، ومع التوسّع السريع لمصر في صناعة نسيج قوية على ضفاف النيل، شُجعت الصناعة في أرجاء الإمبراطورية، مع الاستفادة الكاملة من احتياطيّات الفحم الرئيسية في البلقان والأناضول. ومثلما فعلت مصر من قبل، أصبحت الدولة العثمانية دولة متأخّرة في التصنيع ذات اقتصاد صناعي تصديري بحلول أواخر القرن التاسع عشر.
الدرب نحو التصنيع
بدأت السياسات الصناعية المتّبعة في أواخر القرن التاسع عشر في الإمبراطورية العثمانية ومصر تُظهر ثمارها مع نمو اقتصادي سريع. مع مطلع القرن العشرين، شهد المشرق تحوّلاً سريعاً. فالسكك الحديدية تعبر المناطق حاملة الفحم والحديد والبضائع المصنّعة إلى وجهاتها، في حين تمخر البواخر الضخمة عباب النيل وتجتاز قناة السويس. ولا تزال التحدّيات قائمة، برغم أنّ سياسة العثمنة قد حقّقت بعض النجاح في إنشاء هوية وطنية عثمانية، فإن صعود القوميّات يهدّد بتمزيق الإمبراطورية إرباً إرباً. والحرب تلوح في الأفق، إذ تتحالف عدوّة تركيا القديمة، روسيا، مع مصر لمناهضة خصم عثماني قوي متنامٍ. ومع ذلك، ففي هذا الوقت، تبدو الأحوال حسنة في مشرق يتصنّع بسرعة.

الإمكانية البديلة — لو غاب القمع والانهيار
الدولة العثمانية: استمرارية الإصلاح والتطوير
لو استمرّت الدولة العثمانية في استقرارها السياسي، ولو لم تُخنَق بالديون والتبعية غرب الأوروپية، لكان إصلاحها التقني والعلمي ممكناً. فالمهندسون والحرفيّون العثمانيّون — الذين ورثوا تقاليد الجزري وتقي الدين — كانوا قادرين على استيعاب التقنيات الحديثة وتطويرها محلّياً.
تخيّل القسطنطينية في منتصف القرن التاسع عشر: مدارس هندسية عثمانية تخرّج مئات المهندسين سنوياً، مصانع على ضفاف القرن الذهبي تعمل بالطاقة البخارية (المطوّرة محلّياً من تصاميم تقي الدين)، ترسانات بحرية تبني سفناً حربية وتجارية تنافس السفن غرب الأوروپية، ومراصد فلكية تواصل تقاليد تقي الدين في الرصد الدقيق.
ودمشق وحلب وبغداد — مدن الحرف التقليدية — كانت ستتحوّل إلى مراكز صناعية، مستفيدة من مهارات حرفيّيها وموقعها على طرق التجارة. فالمعادن من الأناضول، والقطن من مصر والشام، والنفط من العراق (الذي كان معروفاً منذ القدم) — كلّها كانت ستُشغَّل في مصانع عثمانية، لا أن تُصدَّر خاماً إلى غرب أوروپا.
إمبراطورية مسقط: قوّة صناعية بحرية
لو بقيت إمبراطورية مسقط موحّدة ومستقلّة، لتحوّلت إلى قوّة صناعية بحرية إقليمية. فالثروات الهائلة من التجارة (التوابل، واللّؤلؤ، والعاج، والأخشاب) كانت ستُوظَّف في بناء ترسانات حديثة في مسقط وزنجبار وممباسا. وكانت السفن العُمانية — المشهورة بجودة بنائها — ستتطوّر إلى سفن بخارية وحديدية، مستفيدة من التقنيات الحديثة لكن محتفظة بخبرة بنّائي السفن العُمانيّين.
تخيّل مسقط في سبعينيّات القرن التاسع عشر: ترسانات ضخمة على الساحل، تبني عشرات الناقلات والسفن التجارية سنوياً. ومصانع لتكرير الأخشاب الأفريقية وتحويلها إلى أثاث راقٍ يُصدَّر إلى آسيا وأوروپا. ومعامل لشغل اللّؤلؤ وتحويله إلى مجوهرات، بدلاً من تصديره خاماً. وأسطول تجاري عُماني يربط موانئ المحيط الهندي، منافساً الشركات البريطانية والفرنسية.
والأهمّ: شبكة تجارية عُمانية مستقلّة تربط شرق أفريقيا بالهند وجنوب شرق آسيا، خارج السيطرة الأوروپية. وهذه الشبكة كانت ستوفّر الأسواق والتمويل اللّازمَين للصناعات العُمانية والعربية، وكانت ستمنع احتكار الشركات الأوروپية للتجارة الدولية.
اليمن: مركز علمي وزراعي متجدّد
لو استمرّ الاستقرار السياسي في اليمن بدل التنازع الطائفي، ولو لم يُحتَلّ ميناء عدن ويُدمَّر اقتصاده الساحلي، لكان اليمن قادراً على استعادة دوره مركزاً علمياً وزراعياً. فالتقاليد الفلكية والرياضية اليمنية — الموروثة من الدولة الرسولية — كانت ستتجدّد في مدارس علمية حديثة في صنعاء وتعز.
والبنّ اليمني — بدلاً من أن يُصدَّر خاماً ثمّ تُسرَق شتلاته — كان سيُشغَّل محلّياً: مصانع تحميص وطحن في المخا والحديدة، تصدّر بنّاً مُجهَّزاً بأسعار أعلى. والتقنيات الزراعية اليمنية المتطوّرة (الزراعة المدرّجة، وأنظمة الرّي التقليدية) كانت ستتحسّن بإدخال آلات ميكانيكية، ما كان سيضاعف الإنتاجية.
تخيّل صنعاء في أواخر القرن التاسع عشر: جامعة علمية تُدرّس الفلك والرياضيات والهندسة، مكتبة ضخمة تحتفظ بالمخطوطات القديمة وتضيف إليها الكتب الحديثة، ومراصد فلكية على جبال اليمن العالية تواصل تقاليد علماء الرسوليّين.

مصر الصناعية: حلم محمد علي المكتمل
لو نجح محمد علي پاشا في مشروعه التصنيعي دون تدخّل غرب أوروپي قسري، لتحوّلت مصر إلى قوّة صناعية إقليمية. فمصانع النسيج في القاهرة والإسكندرية كانت ستتوسّع، مستفيدة من القطن المصري عالي الجودة ومن مهارات الحرفيّين المصريّين. وكانت الترسانات البحرية ستبني أساطيل تجارية ضخمة تربط مصر بإفريقيا وآسيا وأوروپا وتسيطر على تجارة البحر المتوسّط.
والأهمّ: البعثات العلمية المصرية — التي أرسلها محمد علي إلى فرنسا وإيطاليا — كانت ستعود بمعرفة حقيقية، وكانت ستؤسّس مدارس هندسية مصرية تخرّج آلاف المهندسين. ومصر — بموقعها على البحرين المتوسّط والأحمر، وبخصوبة أراضيها، وبكثافة سكّانها — كانت مؤهّلة لتصبح مركزاً صناعيّاً إقليميّاً يربط أفريقيا بآسيا.
تخيّل القاهرة في ثمانينيّات القرن التاسع عشر: أحياء صناعية على ضفاف النيل، مصانع تعمل بالطاقة البخارية (وربّما الكهربائية)، شبكة سكك حديد مصرية الصنع تربط الدلتا بالصعيد، جامعة تقنية تنافس معاهد غرب أوروپا، وميناء الإسكندرية يصدّر منتجات صناعية — لا قطناً خاماً — إلى أفريقيا وآسيا وأوروپا.
شبكة تكامل عربية: من المحيط إلى الخليج
والأهمّ من كلّ ذلك: لو بقيت هذه المراكز (العثمانية، والمصرية، والعُمانية، واليمنية) مستقلّة ومستقرّة، لتشكّلت شبكة تكامل اقتصادي وعلمي عربية. فالتجارة بين هذه المراكز كانت ستنقل المعرفة والتقنيات، وكانت المنافسة بينها ستحفّز الابتكار. وكان المهندسون سينتقلون بين القاهرة ودمشق والقسطنطينية ومسقط وصنعاء، حاملين معهم الخبرات والأفكار.
والثروات النفطية — المكتشفة في العراق والخليج في مطلع القرن العشرين — كانت ستُستَثمر في صناعات عربية، لا أن تُنهَب من قبل الشركات البريطانية والأمريكية. والمواد الخام المتنوّعة (القطن المصري، والنفط العراقي، والفوسفات المغربي، والحديد الجزائري، واللّؤلؤ الخليجي) كانت ستُشغَّل في مصانع عربية، منتجةً سلعاً تامّة الصنع تُصدَّر إلى العالم.

تجارب الإفلات من التبعية وكبح التخلّف الصناعي
يُبرز التاريخ الاقتصاديّ مساراً مختلفاً تماماً للدول التي أفلتت من فخّ التبعيّة وأسّست لثوراتها الصناعيّة الخاصّة. إذ يُلاحظ توجّه الولايات المتّحدة الأميركيّة، وألمانيا، واليابان، نحو تطبيق سياسات حمائيّة صارمة وتدخّل حكوميّ موجّه، رافضةً الانصياع لنصائح بريطانيا التي دعت إلى التجارة الحرّة وفتح الأسواق. ويُظهر هذا الرفض فهماً عميقاً لآليّات الهيمنة؛ إذ أدركت هذه القيادات استحالة بناء قاعدة صناعيّة متينة في ظلّ منافسة غير متكافئة مع الإمبراطوريّة البريطانيّة أو غيرها من القوى غرب الأوروپيّة.
الولايات المتّحدة الأميركيّة: سرقة التقنيّة والحمائيّة الصارمة
سعت بريطانيا جاهدةً لإبقاء مستعمراتها السابقة في أميركا الشماليّة مزرعةً واسعةً تمدّ مصانعها بالقطن الخامّ والموادّ الأوّليّة وتستهلك منتجاتها المصنّعة. وصدرت قوانين بريطانيّة تمنع تصدير الآلات الصناعيّة وتحرّم هجرة الحرفيّين والمهندسين. غير أنّ الإدارة الأميركيّة الناشئة أدركت خطورة هذا التوجّه المدمّر. فصاغ ألكسندر هاميلتون Alexander Hamilton سياسةً اقتصاديّةً ترفض التجارة الحرّة، وتدعو إلى فرض رسوم جمركيّة عالية جدّاً على الواردات الأوروپيّة، بهدف حماية الصناعات الناشئة من الإغراق الأجنبيّ.
ترافق هذا التوجّه مع جهود حثيثة لنقل التقنيّة البريطانيّة بطرق سرّيّة. يبرز هنا اسم صامويل سلايتر Samuel Slater، المهندس الشابّ الذي حفظ تصاميم آلات الغزل البريطانيّة عن ظهر قلب، وهاجر متخفّياً إلى الولايات المتّحدة، ليؤسّس أوّل مصنع نسيج يعمل بالطاقة المائيّة هناك. وفّرت الدولة الأميركيّة غطاءً قانونيّاً لهذه الأفعال، ورفضت الاعتراف ببراءات الاختراع الأوروپيّة لفترة طويلة، ممّا سمح لروّاد الأعمال المحلّيّين بنسخ التقنيّات الأجنبيّة وتطويرها دون قيود، حتّى اشتدّ عود الصناعة الأميركيّة وأضحت قادرةً على المنافسة العالميّة.
ألمانيا: الاتّحاد الجمركيّ وتوجيه الاستثمار
واجهت الولايات الألمانيّة المتفرّقة في القرن التاسع عشر تحدّياً مشابهاً، تمثّل في تدفّق البضائع البريطانيّة الرخيصة التي هدّدت بسحق أيّ محاولة للإنتاج المحلّيّ. وحذّر الخبير الاقتصاديّ فريدريش ليست Friedrich List من خطاب التجارة الحرّة البريطانيّ، واصفاً إيّاه بمحاولة ركل السّلّم؛ في إشارة واضحة إلى صعود بريطانيا إلى قمّة التطوّر الصناعيّ باستعمال الحماية الجمركيّة، ثمّ محاولتها ركل السّلّم لمنع الآخرين من اللّحاق بها عبر الترويج للأسواق المفتوحة.
تبنّت الدول الألمانيّة إستراتيجيّةً دفاعيّةً تجلّت في تأسيس الاتّحاد الجمركيّ، الذي ألغى الرسوم بين الولايات الألمانيّة الداخليّة وفرض جداراً جمركيّاً موحّداً تجاه الخارج. تدخّلت الدولة البروسيّة، ومن بعدها الإمبراطوريّة الألمانيّة الموحّدة، تدخّلاً مباشراً في توجيه الاستثمارات الكبرى. مُوّلت شبكات السكك الحديديّة الواسعة لربط مناجم الفحم بمصانع الصلب، وأُسّست منظومة تعليميّة تقنيّة صارمة ترفد المصانع بالمهندسين المتخصّصين. وتكلّلت هذه الجهود بصعود ألمانيا قوّة صناعيّة كبرى أزاحت بريطانيا عن عرش الصناعات الكيميائيّة والمعدنيّة الثقيلة في أوروپا.
اليابان: التحديث الدفاعيّ واستنساخ المعرفة
تبدو التجربة اليابانيّة أوضح مثال على تدخّل الدولة لتأسيس ثورة صناعيّة تفادياً للاستعمار. إذ أدركت القيادة اليابانيّة في حقبة مييجي 明治 ضعفها العسكريّ والتقنيّ أمام السفن الحربيّة الغربيّة. وتجنّبت اليابان الوقوع في فخّ الديون الأوروپيّة، وموّلت عمليّة التصنيع بفرض ضرائب زراعيّة داخليّة قاسية. وأُرسلت بعثات علميّة مكثّفة إلى أوروپا وأميركا لدراسة النظم الصناعيّة والإداريّة، واُستقدم خبراء أجانب بأجور مرتفعة جدّاً لتأسيس المصانع الأولى، مع اشتراط تدريب كوادر يابانيّة تحلّ محلّهم في أسرع وقت ممكن.
بنت الحكومة اليابانيّة المصانع الإستراتيجيّة الأولى، كمصانع الصلب والترسانات البحريّة، لتحمّل المخاطر الماليّة العالية التي عجز القطاع الخاصّ عن تحمّلها آنذاك. وبمجرّد نجاح هذه المصانع في العمل بكفاءة، بِيْعت بأسعار زهيدة لعائلات تجاريّة يابانيّة كبرى، لتتشكّل التكتّلات الصناعيّة الضخمة التي قادت عجلة التصدير لاحقاً. وأثمرت هذه السياسة المتكاملة عن تحوّل اليابان من دولة إقطاعيّة معزولة إلى قوّة صناعيّة وعسكريّة كبرى في عقود قليلة.
يُستنتج ممّا سبق تشابه مسارات الدول التي نجحت في التصنيع. توفّرت إرادة سياسيّة مستقلّة، وطُبّقت حماية جمركيّة صارمة للمنتجات المحلّيّة، وجرى استنساخ ونقل للتقنيّة الغربيّة بشتّى السبل، مع تدخّل حكوميّ مباشر في تمويل البنية التحتيّة والتعليم التقنيّ. يُقابل هذا المسار تماماً ما حُرمت منه دول المشرق العربيّ والهند بفعل التدخّل العسكريّ والهيمنة الماليّة الأوروپيّة.

جذور التخلّف الصناعي المعاصر
البنية الاقتصادية المشوّهة
حين نالت الدول العربية استقلالها (الشكلي غالباً) في منتصف القرن العشرين، ورثت بنية اقتصادية مشوّهة تماماً: اقتصادات ريعية تعتمد على تصدير مادّة خام واحدة (نفط، أو قطن، أو فوسفات)، وتستورد كلّ المنتجات المصنّعة من الخارج. فلا قاعدة صناعية حقيقية، ولا كوادر تقنية مؤهّلة، ولا مؤسّسات بحثية علمية.
ومحاولات التصنيع في الخمسينيّات والستّينيّات — في مصر والجزائر والعراق — واجهت عقبات هائلة: نقص الخبرات، وتبعية تقنية كاملة للخارج (سوڤييتي أو غربي)، وحصار اقتصادي عند أدنى محاولة استقلال حقيقي. والشركات الأوروپية والأمريكية، المدعومة من حكوماتها، حرصت على بقاء العالم العربي سوقاً استهلاكية ومصدراً للنفط الرخيص.
التبعية التقنية المستمرّة
وحتّى اليوم، بعد عقود من “الاستقلال”، تبقى البلاد العربية تابعة تقنياً بشكل شبه كامل. فالمصانع العربية — إن وُجدت — تستورد الآلات والتقنيات من الخارج، وتعمل بترخيص أجنبي، وتعتمد على قطع غيار مستوردة. فلا صناعة آلات حقيقية، ولا تطوير تقني محلّي، ولا براءات اختراع ذات قيمة.
والجامعات العربية تخرّج آلاف المهندسين سنوياً، لكنّ معظمهم يهاجرون — “هجرة العقول” — لأنّ بلادهم لا توفّر لهم فرصاً حقيقية للعمل في مجالات البحث والتطوير. والإنفاق على البحث العلمي في العالم العربي كلّه لا يتجاوز 0.5% من الناتج المحلّي الإجمالي، مقارنة بـ 2-4% في الدول الصناعية.
إرث الانقسام السياسي
والانقسام السياسي الذي بدأ مع انهيار الدولة العثمانية واحتلال إمبراطورية مسقط وتجزئة اليمن، استمرّ واستفحل في القرن العشرين. فالحدود الاستعمارية المصطنعة — سايكس-پيكو وتقسيماتها اللّاحقة — حوّلت العالم العربي إلى دويلات صغيرة متنافسة ومتصارعة، عاجزة عن التكامل الاقتصادي أو التعاون العلمي الجادّ.
وكلّ محاولة للوحدة أو التكامل — سواء القومية العربية في الخمسينيّات أو محاولات السوق العربية المشتركة — واجهت معارضة غربية شرسة، وغالباً ما فُجّرت من الداخل بدعم خارجي. ومُنع العالم العربي من تشكيل الكتلة الاقتصادية والعلمية الموحّدة التي كانت ضرورية للنهوض الصناعي.

من الإرث الحيّ إلى المستقبل الممكن
ليس الهدف من هذا التحليل إلقاء اللّوم على الخارج وحده، وتبرئة الداخل من كلّ مسؤولية. لكنّ من الضروري فهم أنّ “التخلّف الصناعي” العربي ليس قدَراً حتميّاً ولا نتيجة “عجز حضاري”، بل هو — بدرجة كبيرة — ثمرة منظومة معقّدة من الانهيار السياسي الداخلي والقمع الاستعماري الخارجي الممنهج، استمرّ قرنَين من الزمن ولا يزال مستمرّاً بأشكال أخرى.
كان العالم العربي يمتلك — ولا يزال يمتلك — كلّ المقوّمات للنهوض الصناعي: الثروات الطبيعية الهائلة، والموقع الجغرافي الاستراتيجي، والموارد البشرية الضخمة، والتراث العلمي العريق. ما ينقصه هو الإرادة السياسية الحقيقية لتحقيق استقلال اقتصادي وتقني، والاستعداد لدفع ثمن هذا الاستقلال (الذي قد يكون باهظاً في البداية).
حين ننظر إلى إنجازات بني موسى والجزري والمرادي وتقي الدين، يجب أن نرى فيها ليس ماضياً مجيداً فحسب، بل إمكانية لم تُتَح لها أن تتحقّق — إمكانية خُنقت بالانهيار السياسي أوّلاً، ثمّ بالقمع الاستعماري الممنهج. وحين نتحدّث عن نهضة عربية معاصرة، يجب أن ندرك أنّها لن تتحقّق إلا بكسر قيود التبعية هذه، واستعادة الاستقرار السياسي والوحدة الاقتصادية، وبناء قاعدة صناعية وعلمية مستقلّة حقّاً — مهما كانت التحدّيات.
فالثورة الصناعية التي أُجهِضت في القرن التاسع عشر يمكن أن تتحقّق — بصيغتها المعاصرة — في القرن الحادي والعشرين، إن توفّرت الإرادة والرؤية والعمل الجماعي الدؤوب. وإرث بني موسى والجزري والشامي ليس متحفاً نستعرضه بحنين، بل بوصلة تشير إلى إمكانية لم تُتَح لها أن تكتمل بعد. وحين نفهم كيف ولماذا توقّف ذلك المسار، نفهم أيضاً كيف يمكن استئنافه — بصيغته المعاصرة — في زماننا هذا.
المراجع والمصادر
- الجزري، بديع الزمان أبو العز بن إسماعيل. الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل. تحقيق: أحمد يوسف الحسن. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، سلسلة التراث الحضاري.
- تقي الدين محمد بن معروف الشامي. الطرق السنية في الآلات الروحانية. نشر ضمن: أحمد يوسف الحسن. تقي الدين والهندسة الميكانيكية العربية مع كتاب الطرق السنية في الآلات الروحانية من القرن السادس عشر. معهد التراث العلمي العربي، حلب.
- الحسن، أحمد يوسف. تقي الدين والهندسة الميكانيكية العربية: مع كتاب الطرق السنية في الآلات الروحانية من القرن السادس عشر. حلب: معهد التراث العلمي العربي، 1976. متوفر في: المكتبة الوطنية الإسرائيلية https://www.nli.org.il/en/books/NNL_ALEPH990038661700205171/NLI
- الشعراني، منى سنجقدار. الفيزياء التطبيقية والهندسة الميكانيكية عبر العصور الذهبية عند العرب. بيروت: دار المعرفة للطباعة والنشر، 2025. 240 صفحة. المرجع: https://sanjakdar-chaarani.com/new_ma_j3x/index.php/auteur/dirassat/199-2013-12-30-23-04-38
- هيل، دونالد (Donald Hill). دراسات حول الهندسة الميكانيكية الإسلامية. [مشار إليه في المصادر العربية كمستشرق متخصص في تاريخ التكنولوجيا العربية].
- معاهدة لندن 1840. ويكيپيديا العربية. https://ar.wikipedia.org/wiki/معاهدةلندن(1840)
- الفريحي، فاطمة محمد. “معاهدة لندن أسبابها وأثرها على الوضع السياسي بالخليج العربي 1255هـ/1840م”. حوليات آداب عين شمس، المجلد 47، العدد يوليو-سبتمبر (ب)، 2019، ص 442-474. https://aafu.journals.ekb.eg/article_76650.html
- غازي، علي عفيفي علي. الجزيرة العربية والعراق في استراتيجية محمد علي. [مشار إليه في المصادر].
- تقسيم زنجبار عن عُمان 1856-1861. ويكيپيديا العربية. https://ar.wikipedia.org/wiki/تقسيمزنجبارعن_عمان_1856-1861
- الإمبراطورية العُمانية. ويكيپيديا العربية. https://ar.wikipedia.org/wiki/الإمبراطورية_العمانية
- تاريخ عُمان الحديث والمعاصر. ويكيپيديا العربية. https://ar.wikipedia.org/wiki/تاريخعمانالحديث_والمعاصر
- الدرويش، مديحة. سلطنة عُمان في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. جدة: دار الشروق، 1982.
- البخاري، مؤنس. “الإمبراطورية العُمانية”. مدوّنة البخاري، 26 أپريل 2023. https://albukhari.com/الامبراطورية-العُمانية/
- الدولة الرسولية. ويكيپيديا العربية. https://ar.wikipedia.org/wiki/الدولة_الرسولية
- الأكوع، القاضي إسماعيل. الدولة الرسولية في اليمن. [مشار إليه في المصادر].
- الخزرجي، علي بن الحسن. العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية. [مؤرخ معاصر للدولة الرسولية، متوفى 812هـ/1409م].
- البخاري، مؤنس. “الدولة الرسولية: عصور العلم والحضارة في اليمن”. مدوّنة البخاري، 28 يونيو 2025. https://albukhari.com/الأسرة-الرسولية-إرث-علمي-خالد-في-تاريخ
- “الجهود العلمية والدعوية لملوك الدولة الرسولية”. حكمة يمانية، 23 نوڤمبر 2023. https://hekmahyemanya.com/آثار/الجهود-العلمية-والدعوية-لملوك-الدولة/
- London Convention of 1840 | Egypt Failed to Become a Regional Power. Fanack، 1 مايو 2023. https://fanack.com/egypt/history-of-egypt/egypt-ottoman-and-french-occupation/london-convention-1840/
- “ماذا نعرف عن اتفاقية لندن الخطيرة؟ وما علاقتها بإسرائيل؟”. الجزيرة نت، 26 أغسطس 2025. https://www.aljazeera.net/opinions/2025/8/27/
- قصة الإسلام: “الهندسة في الحضارة الإسلامية”. https://islamstory.com/ar/artical/23402/
- متحف المتروپوليتان (نيويورك): أسطرلاب الملك الأشرف عمر الرسولي، 1291م. [قطعة محفوظة في المتحف].
- سايكس-پيكو: اتفاقية تقسيم المشرق العربي 1916. [للإشارة إلى التقسيمات الاستعمارية].
- الثورة الصناعية: دراسات مقارنة حول شروط قيام الثورة الصناعية في أوروپا وغيابها في العالم العربي.
- معاهدة هليجولاند 1890: تقسيم شرق أفريقيا بين بريطانيا وألمانيا وأثرها على زنجبار.





اترك رد