اندلعت شرارة الثّورة السّوريّة منتصف شهر آذار من عام 2011، لتكتب بداية مرحلة مفصليّة في تاريخ البلاد. إذ خرج السّوريّون مطالبين بالحرّيّة والكرامة، كاسرين حاجز الخوف الّذي بناه نظام الأسد على مدار عقود طويلة.
يسرد هذا النّصّ تفاصيل الشّهر الأوّل، موثّقاً الأحداث المتسارعة، ومبرزاً شخصيّاتٍ وتفاصيلَ شكّلت اللّبنات الأولى لحراك شعبيّ غيّر وجه المنطقة.

جدل البدايات: هويّة سوريّة خالصة للثّورة
برز بين بعض السوريّين، وتحديداً في أوساط بعض أهالي حوران، ميل إلى حصر انطلاقة ثورة الكرامة بتاريخ الثامن عشر من آذار، ونسب شرارة البداية إلى محافظة درعا وحدها. حمل هذا التوجّه، المنطلق من نزعة مناطقيّة، إجحافاً كبيراً بحقّ مَن خطّطوا للثّورة وأشعلوها من مختلف المحافظات السوريّة. التخطيط للحراك والدعوات الأولى للتظاهر لم تكن حكراً على منطقة بعينها، بل كانت نتاج تنسيق وتواصل مستمرّين بين شبّان وشابّات من كافّة أطياف الشعب السوريّ ومناطقه.
شهد الخامس عشر من آذار خروج المظاهرة الأولى لثورة الكرامة في سوق الحميديّة بدمشق، ولم يكن المشاركون فيها من أهالي العاصمة فقط كما افترض بعض المدافعين عن “حورانيّة” الثّورة، بل توافدوا من محافظات متعدّدة، مجتمعين على هدف واحد هو إسقاط نظام الأسد. وشكّل هذا التجمّع إعلاناً صريحاً عن بدء الحراك الفعليّ، وكسراً لحاجز الخوف في قلب العاصمة الأمنيّة لنظام الأسد.
اكتسب الثامن عشر من آذار رمزيّته الكبيرة من كونه أوّل أيّام الجمعة التي ترافقت مع مظاهرات واسعة في مدن سوريّة عدّة، مثل حمص وبانياس ودمشق ودرعا، ولكونه اليوم الذي سالت فيه أوّل دماء الشهداء في درعا. ومنحت هذه التضحيّة العظيمة لدرعا لقب “مهد الثّورة”، لكنّ هذا اللّقب لا يلغي حقيقة كون التأسيس للحراك وصناعة شرارته الأولى عملاً سوريّاً جامعاً، تشارك فيه أبناء وبنات الوطن من كلّ حدب وصوب، لتولد الثّورة سوريّة الهويّة والانتماء منذ لحظتها الأولى، بعيدة عن أيّ تقوقع مناطقيّ.
اندلع الحراك الشعبيّ السوريّ انتصاراً للكرامة المهدورة ورفضاً لاستبداد نظام الأسد الذي جثم على صدور السوريّين عقوداً طويلة. ولم تكن الثّورة السوريّة يوماً هبّة عاطفيّة لنصرة محافظة درعا فحسب، ولا ردّة فعل محصورة بحادثة أطفال مفترضين خطّوا عبارات مناهضة للسلطة على جدران مدرستهم. حتّى خروج أهالي حوران أنفسهم جاء تتويجاً لاحتقان طويل وتوق للحرّيّة، وليس تفاعلاً مع قضيّة الأطفال وحدها. واختزال أسباب أعظم ثورة في التاريخ المعاصر بشخبطات عفويّة على جدار يمثّل تسطيحاً تعسّفيّاً لوعي الشعب السوريّ، وتهميشاً لتضحيات جسيمة وجهود حثيثة بذلها الناشطون في التخطيط والتنظيم لإسقاط منظومة القمع وبناء دولة العدل والقانون.
ثورة الكرامة ثورة السوريّين جميعاً، وليست ثورة الحوارنة وحدهم.

شرارة ثورة الكرامة
14 آذار 2011
انتشرت دعوات عبر الڤيديو (غالباً على منصّتي يوتيوب وفيسبوك) للمطالبة بالخروج في مظاهرات معارضة لنظام الأسد. ومنها رسالة ابن دير الزّور {فهد فيصل النّجرس} الّتي قال فيها:
{بسم الله الرّحمن الرّحيم والحمد لله ربّ العالمين وأفضل الصّلاة والسّلام على سيّدنا محمّد خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وأصحابه أجمعين السّلام على أنبياء الله أجمعين أقول السّلام عليكم أيّها الشّعب السّوريّ السّلام عليكم يا مسلمين السّلام عليكم يا مسيحيّين السّلام عليكم يا جميع فئات الشّعب السّوريّ بدون استثناء.
اسمي فهد فسر النّجرس وأنا مسلم سوريّ من محافظة دير الزّور طبعاً أسجّل هذا الڤيديو وأنا أعرف العواقب وأعرف ما يترتّب عليّ هذا الڤيديو من آثار على مستقبلي وعلى حياتي وعلى عائلتي وعلى أصدقائي وعلى كلّ من أعرف ولكن يشهد الله يشهد الله أنّه هذا الڤيديو يعني حبّ الوطن وحبّ وتطلّع المستقبل المشرط لهذا الوطن هو من دفعنا لتزيير هذا الڤيديو.
كما يعلم الكلّ أنّه بكرة لأنّه اليوم هو 14-03-2011 بكرة 15-03-2011 وفيه دعوات للخروج في هذا اليوم يوم الثّلاثاء للتّظاهر والمطالبة بحقوق وتطلّعات لكثير كثير من فئات الشّعب السّوريّ وكثير من شباب الشّعب السّوريّ.
يا إخوة كما تعلمون أنّه ماضينا في بلدنا في سوريا بلدنا العزيز سوريا يعني أنجزت المخاورات وبعض المتسلّطين وجعلوا المواطنين غير كرام جعلوا المواطنين غير حرّيّة نشروا في البلد الفساد نشروا في البلد الرّشوة نشروا في البلد المحسوبيّة وكثير من الأمور الّتي تعرفونها نتمنّى أن نخرج غداً لنطالب تغيير هذا الواقع نطالب دفن هذا الماضي نطلع لحياة كريمة نطلع لحرّيّة نطلع لتعبير عن الرّأي بدون تكمين الأفواه وبدون تسلّط وبدون تسلّط أجهزة المخابرات والأمن نطلع لكثير من المطالب من إلغاء القانون الطّوارئ من تغيير الدّستور من أعطاء حرّيّات أكبر لمجلس الشّعب مجلس الشّعب الّذي يفترض أن يكون يمثّل أطياف الشّعب جميعاً ولا يمثّل حزب معيّن أو فئة معيّنة أو شخص معيّن لمصالح معيّنة.
طبعاً أقول إخوتي الّذين يتخوّفون من الخروج يا إخوة الكرام لماذا أنت خائف تخرج الطّالب بحقوقك الّذي حفظها لك الدّستور إذا أنت خائف تطالب بحقوقك لماذا أنت تعيش في هذه الحياة لماذا أنت موجود يا إخوة الكرام إذا أنت أبوك إبراهيم هنانو وأبوك سلطان باشا الأطرش وأبوك يوسف العظمة ورسولك الكريم صلّى الله عليه وسلّم قال أن جبريل عليه السّلام ألقى في روعي أنّه لا يخرج أحد من هذه الدّنيا حتّى يستكمل رزقه فأنت ليش خايف يا أخي أنت ليش خايف إذا كان جدّك وأنت حفيده خالد بن الوليد وخالد بن الوليد قال شهدت ماءة زحف أو زهاء ولم يبقى في جسدي موضع شبر إلّا فيه رمية أو ضربة أو رمية أو طعن وها أنا ذا أموت على فراشي كما يموت العيال فلا نامت أعيني الجبنان يا أخي أنت ما راح تموت إلّا بيومك وما راح الله سبحانه وتعالى ياخذ أمانته إلّا إذا خلص أجلك.
طبعاً أنا اتكلّمت بلغتي المسلمة كونه أنا مسلم فأخواننا المسيحيّين يعرفون في كتابهم المقدّس في الكتاب المقدّس في الكثير من الآيات الّتي تضم الجبن وتشجّع على الشّجاعة والخروج والمطالبة بالحقوق يعني مثلاً في سفر التّثنية يقول في الكتاب المقدّس تشددوا وتشجّعوا لا تخافوا ولا ترهبوا وجوههم لأن ربّ إلهك سائر معك لا يهملك ولا يتركك إذا كان الله سبحانه وتعالى معك أنت ليش خايف يا أخي الكريم يا أخي السّوريّ يا أخي في الإسلام ويا أخي في الوطنيّة ويا أخي في كلّ شي.
الأخير عندي كلمة طبعاً كلمة قصيرة كما قلت أنّه أنا من دير الجزر وأنا ابن عشيرة كبيرة وأنا أتكلّم نيابة عن نفسي لا أتكلّم نيابة عن أحد من هذه العشيرة وأتكلّم بما أملأ عليه ضميري وما أملأ عليه وطنيّتي وما أملأ عليه حب للوطن وتطلّع المستقبل المشرق لي وأخوتي في هذا الوطن أقول للأخوة الّذين يشاهدون هذا الڤيديو أنّه أتمنّى أنّه لا تعتمدون على شيخ العشار لأن شيخ العشار يا إخوتي يا أم جبناء وخايفين يا أم منافقين وأنا والله لا أتهجّم على أحد ولكن هذه هي الحقيقة حتّى يثبت العكس وإن شاء الله يثبت لنا العكس في الأيّام المقبلة إن شاء الله يا ربّ.
أقول أنّه اعتمدوا على أنفسكم أنتم الشّباب وأنتم بيدكم مفتاح التّغيير وأنتم بيدكم تحقيق ما تصبون إليه وأخرجوا في هذا اليوم وكونوا إيد واحدة وأخرجوا سلميّة خروج سلميّ لا يوجد فيه لا تخريب الممتلكات ولا اعتداء على أحد ولا حتّى يا أخي لو استطعت أن تحمل بيدك وردة وتهديها لأجهزة الأمن فلا تقصّر نحن نخرج سلميّة ونطالب بحقوقنا بدون أي أذى لأي إنسان وإن شاء الله الله يكرمنا ونحقّق مطالبنا كليّاتها والله وليّ التّوفيق والسّلام عليكم}
15 آذار 2011
انطلقت شرارة الحراك الفعليّ بخروج مظاهرة ضمّت قرابة مئتي شخص، توافدوا من مختلف المحافظات السّوريّة إلى سوق الحميديّة الشّهير وسط العاصمة دمشق. تعالت الأصوات بهتافات تطالب بالحرّيّة، مردّدين {الله، سوريا، حرّيّة وبس}. وبرزت في هذا التّجمّع أسماء واجهت الاعتقال فوراً، مثل النّاشطة مروة الغميان، والشّابّ حسام علي، والنّاشطة ميمونة العمّار.
واجهت قوّات أمن نظام الأسد المتظاهرين بشراسة بالغة ومنعت وصولهم إلى ساحة المرجة عن طريق قصر العدل، مسنودة بعناصر مدنيّة تُعرَف باسم الشّبّيحة. وفرّقت الأجهزة الأمنيّة التّجمّع بالضّرب المبرح والاعتقال العشوائيّ، لتسجّل عاصمة السوريّين أوّل تحرّك علنيّ يكسر صمت السّنين.
16 آذار 2011
نظّم العشرات من النّاشطين والحقوقيّين وعائلات المعتقلين اعتصاماً سلميّاً أمام مبنى وزارة الدّاخليّة في ساحة المرجة بدمشق، مطالبين بالإفراج الفوريّ عن معتقلي الرّأي. وبرز بين المعتصمين شخصيّات بارزة مثل المفكّر الطّيّب تيزيني، والمحامي مازن درويش، والنّاشطة سهير الأتاسي، والنّاشط كمال شيخو، والكاتبة ناهد بدويّة. وتدخّلت قوّات الأمن مسنودة بعناصر مسلّحة بالعصيّ من اتّحاد الطّلبة، وانهالت على المعتصمين ضرباً مبرحاً. فرّقت الأجهزة الأمنيّة الاعتصام بالقوّة الباطشة، واعتقلت أكثر من اثنين وثلاثين شخصاً زجّت بهم في أقبية المخابرات، لتفرج عن بعضهم لاحقاً وتُبقي آخرين رهن الاعتقال التّعسّفيّ.
17 آذار 2011
عاد أهالي المعتقلين الّذين أُوقِفوا في اليوم السّابق، برفقة عائلات معتقلين سياسيّين آخرين، ليتجمّعوا مجدّداً في ساحة المرجة بدمشق للمطالبة بحرّيّة أبنائهم. وواجه نظام الأسد هذا التّجمّع السّلميّ بالأسلوب الأمنيّ ذاته، وفرّق المحتشدين بالقوّة، واستخدم العنف اللّفظيّ والجسديّ لمنع أيّ شكل من أشكال التّعبير العلنيّ في قلب العاصمة، مكرّساً سياسة تكميم الأفواه.

الجمعة الأولى في ثورة الكرامة
18 آذار 2011
انطلقت أوّل جمعة في ثورة الكرامة وحملت اسم {جمعة الغضب}.
تدفّقت المظاهرات في درعا وحمص ودمشق وبانياس وعدّة مناطق أخرى. وتفاوتت هذه التّحرّكات بين تجمّعات حاشدة وأخرى صغيرة فُرّقت سريعاً على يد قوّات أمن نظام الأسد. وشكّلت مدينة درعا الحدث الأبرز والأكثر دمويّة إثر خروج المصلّين من المسجد العمريّ، لتواجههم قوّات الأمن برئاسة عاطف نجيب بالرّصاص الحيّ، مترافقة مع مروحيّات تحلّق في سماء المدينة لترهيب الأهالي.
ارتقى الشّابّان محمود الجوابرة وحسام عيّاش أوّل شهيدين في الثّورة السّوريّة، لتتخضّب شوارع درعا بالدّماء، وتعلن بدء مرحلة جديدة من التّضحيات.
19 آذار 2011
شيّع الآلاف من أهالي درعا وقراها الشّهيدين في موكب مهيب تحوّل إلى مظاهرة عارمة غاضبة هتفت بإسقاط المحافظ فيصل كلثوم ومحاسبة عاطف نجيب. وأطلقت قوّات أمن نظام الأسد الرّصاص الكثيف والمباشر والغاز المسيّل للدّموع على المشيّعين العزّل، لتسقط دماء جديدة، ويرتقي أربعة شهداء آخرين، منهم الشّابّ أكرم الجوابرة وعدنان أكراد، ممّا أجّج نار الثّورة في حوران بِرُمَّتها ودفع الأهالي لنصب خيام عزاء تحوّلت إلى ساحات اعتصام.
20 آذار 2011
تواصلت المظاهرات الغاضبة في درعا وتواصل تشييع الشّهداء، مترافقة مع إضراب عامّ شلّ الحركة في المدينة بالكامل. فصعّدت أجهزة أمن نظام الأسد من حلّها الأمنيّ، مسجّلة أوّل استخدام مكثّف للأسلحة النّاريّة القاتلة. وأصيب أكثر من مئة شخص بالرّصاص المباشر، وارتقى عدد منهم.
أحرق المتظاهرون الغاضبون مقرّ حزب البعث ومبنى شركة سيرياتل العائدة لرامي مخلوف وقصر العدل تعبيراً عن غضبهم من رموز الفساد، وتحوّل المسجد العمريّ إلى مستشفىً ميدانيّ ومركزٍ لانطلاق التّظاهرات وتجمّع الأهالي لحماية مدينتهم.
21 آذار 2011
انتشرت وحدات من الجيش السّوريّ والفرقة الرّابعة عند مداخل مدينة درعا، وفرضت طوقاً أمنيّاً خانقاً حولها. وأرسل نظام الأسد وفداً أمنيّاً، ترأّسه رستم غزالة، ليجتمع مع وجهاء المدينة وشيوخ عشائرها في محاولة لترهيب الشّارع وإسكاته. فقدّم الأهالي مطالب واضحة وصريحة، منها محاسبة قتلة المتظاهرين والإفراج عن الأطفال المعتقلين على خلفيّة كتابة عبارات مناهضة لنظام الأسد على جدران مدرستهم، وإقالة المحافظ فيصل كلثوم ورئيس فرع الأمن السّياسيّ عاطف نجيب، لتقابل هذه المطالب بتسويف ومماطلة وتهديد مبطّن.
22 آذار 2011
امتدّت شرارة الغضب لتشمل مدناً وبلدات أخرى في محافظة درعا، فانطلقت مظاهرات حاشدة في نوى وجاسم وإنخل والصّنمين وخربة غزالة تضامناً مع درعا البلد وفكّاً للحصار عنها. فطبّق نظام الأسد تشديداً أمنيّاً خانقاً في المدن السّوريّة الأخرى مثل دمشق وحلب، مستبقاً أيّ محاولة للتّضامن، وناشراً قوّاته المدجّجة بالسّلاح والشّبّيحة باللّباس المدنيّ في السّاحات العامّة ومحيط المساجد الكبرى لمنع أيّ تجمّع بشريّ.
23 آذار 2011
ارتكبت قوّات نظام الأسد مجزرة مروّعة أمام المسجد العمريّ وفي محيطه وسط درعا. حين اقتحمت القوّات الأمنيّة ومكافحة الإرهاب المسجد فجراً بعد قطع الكهرباء والاتّصالات الأرضيّة والخلويّة عن المدينة بالكامل، مطلقة الرّصاص الحيّ بكثافة على المعتصمين داخله. وأسفر الاقتحام عن ارتقاء عدد من الشّهداء، بينهم الطّبيب علي المحاميد الّذي لبّى نداء الاستغاثة لإسعاف الجرحى، والشّابّ مؤمن المسالمة، لتروّع هذه المذبحة السّوريّين وتكشف دمويّة نظام الأسد أمام العالم، وتُظهِر جثث الشّهداء ملقاة في محيط المسجد.
24 آذار 2011
ضجّت وسائل التّواصل الاجتماعيّ بدعوات واسعة ومكثّفة للتّحضير لجمعة جديدة أطلق عليها النّاشطون اسم {جمعة الكرامة}. وتفاعل الشّباب السّوريّ مع الدّعوات، ونسّقوا لتوحيد الهتافات وتحديد نقاط التّجمّع، محوّلين الفضاء الإلكترونيّ إلى غرفة عمليّات ميدانيّة تحشد لخروج شعبيّ واسع وتتحدّى الرّواية الرّسميّة الّتي ادّعت وجود عصابات مسلّحة، مؤكّدين على سلميّة الحراك.

الجمعة الثانية في ثورة الكرامة
25 آذار 2011
انطلقت ثاني جمعة في ثورة الكرامة باسم {جمعة الكرامة}.
خرجت المظاهرات في أغلب المدن السّوريّة مثل حمص وحماة واللّاذقيّة ومدن ريف دمشق وضواحي العاصمة (دوما وداريا)، استجابة لنداء فكّ الحصار عن درعا. فواجهت الأجهزة الأمنيّة المتظاهرين بالرّصاص المباشر، لتسجّل مدينة الصّنمين في ريف درعا مجزرة مروّعة راح ضحيّتها أكثر من خمسة عشر شهيداً وعشرات الجرحى إثر إطلاق النّار على متظاهرين سلميّين حاولوا التّوجّه نحو درعا البلد لمساندة أهلها.
نفّذ نظام الأسد حملة اعتقالات واسعة، وسقطت تماثيل حافظ الأسد وصوره في درعا وعدّة مناطق أخرى، معلنة كسر حاجز الرّعب الموروث بشكل لا رجعة فيه.
26 آذار 2011
تصاعدت الأحداث بشكل غير مسبوق في مدينة اللّاذقيّة، واشتبك الأهالي العزّل مع قوّات الأمن والميلشيات التّابعة لنظام الأسد. وأحرق الغاضبون مقرّات لحزب البعث تعبيراً عن رفضهم للقمع المستمرّ. طوّق الجيش المدينة ونشر القنّاصة على أسطح المباني العالية، وأطلق النّار عشوائيّاً على كلّ ما يتحرّك، ليقتل عدداً من المتظاهرين والمارّة.
أطلق النّاشطون على منصّة فيسبوك دعوات صريحة إلى انتفاضة سوريّة شاملة وعصيان مدنيّ يشلّ مفاصل الدّولة.
27 آذار 2011
أعلن نظام الأسد استنفاراً عسكريّاً في درعا واللّاذقيّة استمرّت معه حملات المداهمة وتكسير الأبواب والاعتقال التّعسّفيّ. وظهرت بثينة شعبان مستشارة بشّار الأسد في مؤتمر صحفيّ، ملمّحة باعتزام نظام الأسد دراسة إلغاء قانون الطّوارئ المعمول به منذ عقود، وتشكيل لجان لمكافحة الفساد.
جاءت هذه التّصريحات في محاولة بائسة لامتصاص الغضب الشّعبيّ ووقف تمدّد الاحتجاجات، دون أن تلقى أيّ قبول في الشّارع الّذي تجاوز سقف مطالبه هذه الوعود الشّكليّة.
28 آذار 2011
تحدّى أهالي درعا الحصار العسكريّ الخانق وانقطاع مقوّمات الحياة الأساسيّة، وخرجوا في مظاهرة جديدة حاشدة تهتف بإسقاط نظام الأسد وتندّد بالتّصريحات الرّسميّة الجوفاء. ففرّقت القوّات الأمنيّة المظاهرة باستخدام الرّصاص الحيّ وقنابل الغاز، مكرّسة لغة الدّمّ خيار وحيد في التّعامل مع مطالب الشّارع المحقّة، ومسقطة المزيد من الجرحى في صفوف المدنيّين.
29 آذار 2011
أصدر بشّار الأسد قراراً يقضي بإقالة حكومة محمّد ناجي عطري، وكلّفها بتسيير الأعمال ريثما تُشَكَّل حكومة جديدة. وجاءت هذه الخطوة محاولة لتقديم كبش فداء سياسيّ وإيهام الشّارع بوجود نيّة حقيقيّة للإصلاح.
لم تلق الخطوة أيّ صدىً إيجابيّاً في الشّارع السّوريّ لعلم المتظاهرين بصوريّة الحكومة وانعدام صلاحيّاتها الفعليّة، ولترادف هذه القرارات مع استمرار القتل الممنهج في الشّوارع والسّاحات.
30 آذار 2011
ألقى بشّار الأسد خطابه الأوّل منذ اندلاع الثّورة أمام أعضاء مجلس الشّعب. وخيّب الخطاب آمال المترقّبين الّذين انتظروا قرارات حاسمة، ووجّه اتّهامات صريحة للمتظاهرين بالمشاركة في مؤامرة كونيّة تقودها أطراف خارجيّة.
ضحك الأسد وسخر من مصاب أهل درعا وسط تصفيق وهتافات أعضاء المجلس الموالين. وأثار هذا التّعالي غضباً واسعاً اندلعت إثره مظاهرات مسائيّة حاشدة فور انتهاء الخطاب في اللّاذقيّة وحمص ودوما استنكاراً لمضمونه الاستفزازيّ الّذي أغلق باب الحلّ السّياسيّ وفتح الباب أمام مواجهة مفتوحة.
31 آذار 2011
توالت ردود الفعل الدّوليّة المندّدة بالقمع المفرط، وطالبت الولايات المتّحدة رعاياها بمغادرة سوريا فوراً. وأعلن بشّار الأسد تشكيل لجنة برئاسة قاضٍ للتّحقيق في مقتل متظاهرين في درعا واللّاذقيّة، في خطوة شكليّة هدفها شراء الوقت وتلميع الصّورة أمام المجتمع الدّوليّ، دون أن تقنع الشّارع المنتفض الّذي استمرّ في تحضيراته لجمعة جديدة حاشدة، مدركاً أن القاتل لا يمكن أن يكون هو القاضي.
الجمعة الثالثة في ثورة الكرامة
1 نيسان 2011
انطلقت ثالث جمعة في ثورة الكرامة باسم {جمعة الشّهداء}.
توسّعت رقعة المظاهرات سابقة من نوعها لتنتشر في جميع المدن السّوريّة بلا استثناء، من درعا جنوباً إلى دير الزّور شرقاً. وانضمّ الحراك الكرديّ الحرّ رسميّاً للثّورة بمظاهرات حاشدة في القامشلي وعامودا، وبرزت أسماء معارضة بارزة لقيادة الشّارع مثل الشّهيد مشعل تمّو. وشهدت مدينة دوما في دمشق مجزرة عنيفة برصاص الأمن راح ضحيّتها أكثر من عشرة شهداء، منهم الشّابّ نعيم المقداد، لتكتمل لوحة التّلاحم الوطنيّ وتؤكّد استحالة تراجع الشّارع عن مطالبه مهما بلغت التّضحيات.
تدحرجت كرة الثّلج لاحقاً، واتّسعت الخرق على الرّاقع، واستحالة حلّ الأسد للعقدة المعقودة بيده، مع مرور الأيّام حتّى سقوط الأسد وانتصار الثّورة.

من الحراك السّلميّ إلى إسقاط نظام الأسد
التّحوّل إلى الكفاح المسلّح وتدويل الصّراع (2011 – 2015)
واجه نظام الأسد الحراك السّلميّ بعنف مفرط، مجبراً المتظاهرين على حمل السّلاح دفاعاً عن النّفس. وتشكّلت فصائل المعارضة لتسيطر على مساحات واسعة. واستعان السفّاح الأسد بميلشيات إيرانيّة ومقاتلي حزب الله اللّبنانيّ لمنع انهيار جيشه، وأدخل البلاد في حرب وكالة مدمّرة.
التّدخّل الرّوسيّ ومسار التّدمير (2015 – 2023)
في أيلول 2015، تدخّلت روسيا عسكريّاً لإنقاذ نظام الأسد المنهار، مستخدمة قوّة نيرانيّة هائلة دمّرت المدن وارتكبت مجازر واسعة. وأدّى ذلك إلى استعادة نظام الأسد للسّيطرة على مساحات كبيرة، وتهجير ملايين السّوريّين، وسقوط مئات الآلاف من الشّهداء والمغيّبين، وصولاً إلى تجميد خطوط التّماسّ سنوات.
عمليّة {ردع العدوان} والانهيار السّريع (تشرين الثّاني – كانون الأوّل 2024)
استغلّت فصائل المعارضة انشغال حلفاء نظام الأسد (روسيا في أوكرانيا، وحزب الله وإيران في صراعات إقليميّة أخرى)، وأطلقت عمليّة عسكريّة مفاجئة في 27 تشرين الثّاني 2024. فانهار جيش نظام الأسد بشكل متسارع، وسقطت مدينة حلب بالكامل في أيدي المعارضة بعد أيّام قليلة.
تحرّر دمشق وهروب الأسد (7 – 8 كانون الأوّل 2024)
توالت الانهيارات في صفوف قوّات نظام الأسد، وسقطت حماة ثمّ حمص ودرعا في غضون وقت قصير. وفي ليلة السّابع من كانون الأوّل، ومع وصول فصائل المعارضة إلى تخوم دمشق وتطويق العاصمة، غادر بشّار الأسد القصر الجمهوريّ سرّاً وبشكل مفاجئ.
توجّه الطّاغية نحو قاعدة حميميم العسكريّة الرّوسيّة في اللّاذقيّة، واستقلّ طائرة نقلته مع عائلته وبعض مقرّبيه إلى العاصمة الرّوسيّة موسكو.
إعلان النّصر ونهاية حقبة الأسد (8 كانون الأوّل 2024)
في صباح الثّامن من كانون الأوّل، دخلت قوّات المعارضة قلب العاصمة دمشق دون أيّ مقاومة عسكريّة تُذكر. وأُعلن رسميّاً عن سقوط نظام الأسد وانتهاء حكم العائلة الّذي استمرّ خمسة عقود.
أكّدت الخارجيّة الرّوسيّة لاحقاً منح بشّار الأسد وعائلته حقّ اللّجوء، لتطوى بذلك صفحة نظام دمويّ أهلك الحرث والنّسل، وتبدأ سوريا مرحلة انتقاليّة جديدة بقيادة أحمد الشّرع رئيس للمرحلة الانتقاليّة، معلنة انتصار الثّورة السّوريّة وانتهائها.





اترك رد