تطرح هذه الورقة البحثيّة إشكاليّة محوريّة تدور حول آليّات معاقبة مرتكبي جرائم الحرب والفظائع الجماعيّة، متسائلة عن الجدوى الفعليّة للعقوبات التّقليديّة كالإعدام في تحقيق توازن نفسيّ ومجتمعيّ مستدام. وتناقش الدّراسة المفهوم الفلسفيّ والسّيكولوجيّ للعدالة، مفكّكة الآثار النّفسيّة لعقوبة إزهاق الرّوح مقابل عقوبات الإذلال والخدمة القسريّة.
تتّخذ هذه المقالة من قضيّة مجزرة التّضامن أنموذجاً تطبيقيّاً محوريّاً لفهم هذه الإشكاليّة. إذ تعود أحداث هذه الفظيعة إلى 16 نيسان أبريل 2013 م \ 6 جمادى الآخرة 1434 هـ، إبّان سيطرة الفرع 227 التّابع لشعبة المخابرات العسكريّة على الحيّ الدّمشقيّ. في ذلك اليوم ساق الضّابط أمجد يوسف العشرات من المدنيّين العزّل، معصوبي الأعين والمقيّدي الأيدي، نحو حفرة مجهّزة مسبقاً ومليئة بإطارات السّيّارات. وأُجبر الضّحايا على الرّكض نحو الحفرة، ليُقنصوا بدم بارد، وتُحرق جثثهم المتراكمة لاحقاً لإخفاء معالم الجريمة.
بقيت هذه الأحداث طيّ الكتمان سنوات طويلة، إلى أن كشف تحقيق استقصائيّ نشرته صحيفة گارديان The Guardian البريطانيّة في شهر نيسان أبريل 2022 م \ رمضان 1443 هـ مقطعاً مصوّراً مسرّباً يوثّق تصفية 41 مدنيّاً بوضوح تامّ.
تلاحقت التّطوّرات الأمنيّة والقانونيّة لاحقاً، لتبلغ ذروتها في 24 نيسان أبريل 2026 م \ 6 ذي القعدة 1447 هـ)، إثر إعلان وزارة الدّاخليّة السّوريّة إلقاء القبض على السفّاح أمجد يوسف في قرية نبع الطّيب بريف حماة بعمليّة أمنيّة مُحكمة. أعقب هذا الاعتقال مواجهة علنيّة ومباشرة جمعت وزير الدّاخليّة السّوريّ، أنس خطّاب، بالمتّهم، لتُستنطق فيها بقايا إنسانيّته بسؤاله عن أبنائه، وهو ما قوبل بردّ بارد ومصطنع أثبت استمتاعاً ساديّاً بممارسة سلطة الموت.
شكّلت هذه المواجهة، والاعتقال السّابق لها، نقطة تحوّل مفصليّة أشعلت جدلاً مجتمعيّاً واسعاً حول ماهيّة القصاص العادل، طارحة تساؤلات عميقة حول كفاية الإعدام الجسديّ لمعاقبة جلّاد سلب أرواح المئات بدم بارد، وممهّدة الطّريق نحو استكشاف بدائل عقابيّة تسلب الجلّاد نرجسيّته وسطوته.

مدخل
يقدّم هذا البحث تحليلاً استقصائيّاً لنموذج العدالة التّرميميّة Restorative Justice كبديل رادع وعميق للعدالة الانتقاميّة Retributive Justice، متّخذاً من قضيّة القبض على منفّذ مجزرة التّضامن في العاصمة السّوريّة دمشق، أمجد يوسف السفّاح، حقلاً تطبيقيّاً للنّقاش. ويبحث المقال في الجذور التّاريخيّة لفلسفات العقاب في شمال العربيّة، مقارناً الشّرائع الآشوريّة المائلة لسفك الدّماء، بالفلسفة البابليّة الموجّهة نحو التّعويض. ويمتدّ التّحليل ليشمل النّموذج الإندونيسيّ الحديث المقنّن للخدمة المجتمعيّة، موظّفاً مفاهيم علم النّفس الجنائيّ لتحطيم النّرجسيّة المظلمة للجلّادين، وصولاً إلى استشراف آليّات توظيف الموروث المحلّيّ كالصّلح العشائريّ لبناء وعي جنائيّ جديد يشفي صدور ذوي الضّحايا.

محور النّقاش، ماهيّة العدالة الرّادعة وسلب سطوة الجلّاد
يفرض النّظر في مفهوم العدالة الجنائيّة، ضمن السّياقات المتّسمة بوقوع فظائع جماعيّة وجرائم حرب معقّدة، تفكيكاً فلسفيّاً وقانونيّاً عميقاً للغايات النّفسيّة والمجتمعيّة الكامنة وراء منظومة العقاب.
أعلنت وزارة الدّاخليّة السّوريّة، في 24 نيسان أبريل 2026 م \ 6 ذي القعدة 1447 هـ، إلقاء القبض على أمجد يوسف، المتّهم الأوّل والأساسيّ بتنفيذ مجزرة حيّ التّضامن في العاصمة دمشق والواقعة في 16 نيسان أبريل 2013 م \ 6 جمادى الآخرة 1434 هـ. جاء ذلك إثر عمليّة أمنيّة موصوفة بالمُحكمة والمدروسة في قرية نبع الطّيب في ريف حماة. وأعادت هذه الحادثة المحوريّة فتح جراح غائرة في الذّواكر الجمعيّة للسّوريّين وللعالم أجمع.
أظهرت التّسريبات المصوّرة المنشورة ضمن تحقيق استقصائيّ لصحيفة گارديان The Guardian البريطانيّة في عام 2022 م 1443 هـ، مشاهد مروّعة وقاسية لمدنيّين عُزّل، معصوبي الأعين ومقيّدي الأيدي، يُساقون قسراً للرّكض نحو حفرة مليئة بإطارات السّيّارات، ليقنصهم الجلّاد بدم بارد، ثمّ يحرق جثثهم المتراكمة في مشهد يجسّد أقصى درجات الانحطاط الإنسانيّ والسّاديّة المطلقة. كما وثّقت التّقارير المحلّيّة والدّوليّة مقتل واحد وأربعين رجلاً في ذلك المقطع المصوّر المسرّب تحديداً، وتشير التّوثيقات المحلّيّة لتنسيقيّة حيّ التّضامن إلى بلوغ عدد الضّحايا الموثّقين بالأسماء 288 شخصاً، فضلاً على اعترافات لمتورّطين آخرين تشير إلى تصفية ما يزيد عن 500 مدنيّ في سلسلة من المجازر المتتالية الّتي كان أمجد يوسف، بصفته ضابطاً متنفّذاً في الفرع 227 التّابع لشعبة المخابرات العسكريّة، مهندسها ومنفّذها المباشر.
جلس وزير الدّاخليّة السّوريّ، أنس خطّاب، أمام المقبوض عليه في مشهد مواجهة يحمل دلالات نفسيّة وفلسفيّة بالغة التّعقيد، موجّهاً له سؤالاً جوهريّاً يستنطق بقايا الإنسانيّة المزعومة. سأله عمّا إذا كان يمتلك أطفالاً، فأجاب الأخير بصوت متأثّر مصطنع بامتلاكه طفلة وطفلاً، ممّا دفع الوزير لاستنكار انعدام الإنسانيّة في قلبه وهو يمارس القتل وكأنّه يتسلّى، مؤكّداً ابتعاد هذا الفعل عن الرّغبة الجامحة في الانتقام، وارتباطه بانعدام مطلق للضّمير والإنسانيّة.

تظهر مفارقة نفسيّة لافتة للاهتمام بخروج شقيقات أمجد يوسف في مقاطع مصوّرة يبرّرن أفعال شقيقهنّ، متذرّعات بالفقر المدقع دافع الشّباب للتّطوّع في صفوف القوّات المسلّحة، ومحاولات نفي المسؤوليّة الفرديّة عنه بحجّة كونه أداة تنفّذ الأوامر العسكريّة العليا. ينفي مشهد الجلّاد، وهو يصطاد ضحاياه بدم بارد ويوجّههم بسخرية نحو حتفهم، أيّ سرديّة متعلّقة بالإكراه، ويثبت استمتاعاً ساديّاً بممارسة سلطة الموت المطلقة.
يبرز التّساؤل الجوهريّ والمحوريّ انطلاقاً من هذا المنطلق الإشكاليّ الدّقيق حول ماهيّة العدالة الرّادعة في مثل هذه الجرائم الكبرى والفظائع المنهجيّة. ويطرح النّقاش ما إذا كان حكم الإعدام التّقليديّ، المنهي لحياة الجلّاد في لحظات معدودة بوساطة حبل المشنقة أو رصاصة الإعدام، يُشكّل تحقيقاً فعليّاً وعميقاً للعدالة الشّافية لصدور ذوي الضّحايا والمُرمّمة للكسر النّفسيّ النّاتج عن الجريمة.
تميل الفلسفة التّقليديّة للعقاب، المعروفة بالعدالة الانتقاميّة Retributive Justice، إلى إعطاء إزهاق روح القاتل صفة النّهاية لمطاف العدالة وذروة التّوازن الأخلاقيّ، مرتكّزة حصريّاً على الانتهاك الأخلاقيّ للقانون ومتجاهلة الأبعاد الشّخصيّة والاجتماعيّة المعقّدة المترتّبة على جريمة القتل. وتخفي هذه النّظريّة، وفقاً للبحوث الأكاديميّة الحديثة، أبعاداً جوهريّة للجريمة، ولا سيّما الطّبيعة الشّخصيّة البحتة للأذى النّفسيّ اللّاحق بأسر الضّحايا. كما يمنح الإعدام الجلّاد مهرباً سريعاً ومريحاً من مواجهة التّبعات النّفسيّة والأخلاقيّة لأفعاله، ويحرم الضّحايا من رؤية الجاني وهو يتجرّع كأس النّدامة أو يشعر بالخزي الحقيقيّ إزاء ما اقترفت يداه.
يتّجه الفكر القانونيّ والنّفسيّ التّقدّميّ، بناءً على ذلك، نحو العدالة التّرميميّة Restorative Justice، طارحاً فرضيّة جريئة ومغايرة للمألوف تدعو إلى استبدال عقوبة الإعدام التّقليديّة بعقاب نفسيّ وجسديّ مستدام. حيث يرتكز هذا العقاب أساساً على إبقاء الجلّاد حيّاً يُرزق، ومجرّداً من أيّ سلطة، أو رتبة، أو كرامة مصطنعة، لإخضاعه لخدمة مجتمعيّة قسريّة وذليلة أمام من دمّر حياتهم.
يهدف هذا النّمط المعمّق من العدالة إلى سلب الجلّاد سطوته النّرجسيّة، وتحطيم الصّورة التّضخّميّة المرسومة لنفسه إله يتحكّم في مصائر البشر عبر فوهة بندقيّته، محوّلاً إيّاه من كائن متعجرف إلى أداة طيّعة لخدمة المجتمع المدمّر. ويضمن التّحوّل الجذريّ في التّعاطي العقابيّ عقاباً يوميّاً مستداماً يعمّق شعور الجلّاد بالهزيمة والانكسار والعجز المطلق، ويقدّم للأمّهات المكلومات ولأسر الضّحايا تعويضاً نفسيّاً وردّاً للاعتبار يفوق في تأثيره التّرميميّ التّفرّج على جثّة تتأرجح هُنيهة من الزّمن ثمّ تُدفن وتُنسى.
يؤسّس ذلك لمرحلة جديدة من التّعافي المجتمعيّ واضعاً احتياجات الضّحيّة النّفسيّة في صميم العمليّة القضائيّة عوضاً عن الاكتفاء بتطبيق نصوص قانونيّة صمّاء.

صراع الموروثات في شمال العربيّة، مقارنة بين الشّرائع الآشوريّة الدّمويّة والفلسفة البابليّة التّعويضيّة
يرتبط النّقاش الفكريّ والمجتمعيّ حول كيفيّة معاقبة مجرمي الحرب وإحقاق العدالة في منطقة شمال العربيّة بالإرث التّاريخيّ والقانونيّ العريق والممتدّ لآلاف السّنين في هذه البقعة الجغرافيّة الفريدة الشّاهدة على ولادة أقدم الشّرائع البشريّة المدوّنة.
يستلزم فهم التّجاذبات الدّاخلية الحاليّة في الشّارع السّوريّ والعربيّ عموماً تجاه قضايا القصاص، والانتقام، والعفو، والعدالة، الغوص عميقاً في صراع الموروثات التّاريخيّة المشكّلة لعقل المجتمعات الباطن. ويتحدّد هذا التّباين الفلسفيّ الجوهريّ بين الشّرائع الآشوريّة الصّارمة المائلة بقوّة نحو الانتقام الدّمويّ الشّخصيّ، والفلسفة البابليّة الأكثر براغماتيّة والمائلة للتّعويض المادّيّ وإخضاع المذنب لخدمة ذوي الضّحيّة.
تعرض القوانين الآشوريّة الوسيطة (Middle Assyrian Laws) MAL، المتبلورة في الفترة الممتدّة بين عامي 1450 و 1250 قبل الميلاد، توجّهاً عقابيّاً مفرطاً في صرامته، يميل بشدّة نحو الانتقام الدّمويّ الشّخصيّ كآليّة لردع الجريمة واستعادة التّوازن. وكانت منحت هذه الشّرائع القديمة ما يُعرف في الأدبيّات القانونيّة بـ {وَليّ الدّم} أو {المنتقم} سلطة شبه مطلقة في تقرير مصير القاتل. وكان النّظام القضائيّ الآشوريّ يكتفي بإدانة الجاني ثمّ تسليمه مباشرة لعائلة الضّحيّة المالكة للخيار الأوّل والأخير في إعدامه بالوسيلة المناسبة لها، أو استرقاقه، أو مصادرة ممتلكاته كاملاً.
انعكس هذا التّوجّه الانتقاميّ الصّارم في الشّرائع الآشوريّة بشيوع مفرط لاستخدام عقوبات التّشويه الجسديّ بفظاعة، كقطع الآذان، وجدع الأنوف، والجَلد المبرّح، كأمر اعتياديّ ورادع. ويعبّر ذلك عن بنية مجتمعيّة ترى في تحطيم الجسد المادّيّ للمذنب وإلحاق أقصى درجات الألم به سبيلاً وحيداً لاسترداد الكرامة المجروحة والشّرف المهدور.
رسّخت القوانين الآشوريّة جذور الثّأر المؤسّسيّ، وجعلت سفك الدّماء مقابلاً حتميّاً لسفك الدّماء، وهو ما تماهى مع طبيعة الإمبراطوريّة الآشوريّة العسكريّة البحتة المكرّسة للقوّة والبطش.
قدّمت الفلسفة القانونيّة البابليّة، المتجسّدة بوضوح وجلاء في تشريعات حمّورابي الشّهيرة حوالي 1750 قبل الميلاد وقوانين إشنونا حوالي 1770 قبل الميلاد، رؤية أكثر عمقاً وشموليّة لمفهوم العدالة في المقابل. إذ ابتعدت هذه القوانين في كثير من المواضع الحيويّة عن سفك الدّماء المحض واقتربت بخطى ثابتة من مفاهيم التّعويض التّرميميّ والمنفعة المجتمعيّة المستدامة.
أسّست قوانين حمّورابي، برغم احتوائها على مبادئ القصاص التّقليديّة ومبدأ العين بالعين أو قانون القصاص Lex Talionis، لمبدأ إخضاع المذنب للتّعويض المادّيّ المضاعف أو الخدمة القسريّة بديل فعّال وواقعيّ عن الإعدام في قضايا متعدّدة. وشاع في التّشريع البابليّ، على سبيل المثال، فرض غرامات فضّيّة باهظة في حالات القتل غير العمد أو القتل النّاتج عن الإهمال. وتفاوتت هذه الغرامات وفقاً للطّبقة الاجتماعيّة للضّحيّة، سواء كان من طبقة الأحرار أو أوِلُم (الأولياء) أو من طبقة العوامّ أو مُشكينُم (المساكين).
يبرز الاعتماد البابليّ على مبدأ التّعويض بالخدمة أمر بالغ الأهمّيّة في سياق العدالة التّرميميّة، حيث يُجبر الجاني، أو أفراد من عائلته أحياناً في حالات القصاص التّعويضيّ Vicarious Talion، على العمل عبيد أو خدم لمصلحة أسرة الضّحيّة لتعويضهم عن الخسارة الاقتصاديّة، والاجتماعيّة، والمعنويّة اللّاحقة بهم جرّاء الجريمة. ولم يمثّل هذا النّظام البابليّ بديلاً مخفّفاً للعقاب فحسب، بل أسّس مبكّراً لفكرة خلق الجريمة لخلل في التّوازن الاقتصاديّ والمجتمعيّ، وعدم ارتباط استعادة هذا التّوازن دائماً بمحو وجود الجاني جسديّاً، بل بتسخير طاقته وحياته لترميم ما أفسده، وإذلاله بوضعه في مرتبة الخادم لمن أذنب بحقّهم.
يظهر التّباين الجوهريّ بين الشّرائع الآشوريّة والبابليّة في التّعاطي مع الجرائم والقصاص جليّاً عند المقارنة المنهجيّة الدّقيقة بينهما. إذ تتولّى عائلة الضّحيّة، أو وليّ الدّم، السّلطة التّنفيذيّة للقصاص في الشّرائع الآشوريّة ذات الطّابع الانتقاميّ، وتمتلك السّلطة المطلقة لتنفيذ العقاب. في حين تختلف الصّورة في الشّرائع البابليّة المائلة للعدالة التّرميميّة والتّعويضيّة، فالدّولة والقضاة هم من يحدّدون ويفرضون التّعويض أو العقاب.
تهيمن عقوبة الإعدام الجسديّ المباشر، والتّشويه، والجَلد المبرّح على طبيعة العقوبات في النّظام الآشوريّ، لتُقابلها الغرامات الماليّة الباهظة، والتّعويض المادّيّ، والاستعباد لدفع الدّين في النّظام البابليّ. ويغيب التّفريق الواضح في التّعاطي مع القتل غير العمد في التّشريع الآشوريّ، ويترك لوليّ الدّم حريّة تقرير المصير، لتبرز الغرامات الماليّة الدّقيقة المتناسبة مع الطّبقة الاجتماعيّة للضّحيّة في القوانين البابليّة حلّ بديل.
تُستخدم الخدمة القسريّة عقاب في العرف الآشوريّ مثل خدمة للملك أحياناً أو مصادرة أملاك لمصلحة المنتقم، لتصبح مبدأ أساسيّاً لتعويض الخسائر في التّشريع البابليّ عبر تقديم عبيد بدلاء أو عمل الجاني خادم. ويتركّز الهدف الفلسفيّ للعقاب الآشوريّ في شفاء غليل الانتقام الشّخصيّ وتدمير جسد المعتدي، ليقابله هدف بابليّ يتمحور حول استعادة التّوازن المجتمعيّ والاقتصاديّ، والتّعويض المباشر للخسارة.
يعتمل هذا الصّراع التّاريخيّ المتأصّل بين نزعة الثّأر الآشوريّة المدمّرة ونزعة التّرميم البابليّة البنّاءة بقوّة في العقل الباطن والشّعور الجمعيّ للشّعوب الشّرق أوسطيّة حتّى يومنا هذا. وتمثّل المطالبة الشّعبيّة العارمة بصلب أمجد يوسف وتقطيعه حيّاً، والبالغة حدّ المشروعيّة العاطفيّة بالنّظر لهول الجرم، امتداداً طبيعيّاً وعفويّاً لإرث القصاص الآشوريّ الرّائي في التّشفّي الجسديّ المباشر راحة فوريّة لبركان الغضب المحتقن.
في المقابل، يؤدّي تفعيل الموروث البابليّ العقلانيّ برؤية عصريّة وقانونيّة مُحكمة، واستبدال إعدام أمجد يوسف بإخضاعه لأعمال شاقّة ومستدامة لخدمة عائلات حيّ التّضامن، كإجباره على تنظيف شوارعهم الملطّخة بالدّماء والمشاركة في إعادة بناء منازلهم المهدّمة بآلته العسكريّة، إلى تطبيق حديث وعادل وناجع لفلسفة التّعويض البابليّة. يحوّل هذا التّطبيق طاقة الانتقام السّطحيّة واللّحظيّة إلى منظومة معقّدة من العدالة النّفسيّة العميقة القادرة على قهر الجلّاد يوميّاً ولسنوات طويلة؛ عوضاً عن إراحته بالموت السّريع.

النّموذج الإندونيسيّ وتأويل النّصوص، العدالة التّرميميّة بصفتها بديل منهجيّ للعقاب التّقليديّ
يبرز النّموذج الإندونيسيّ الحديث أحد أهمّ التّجارب القانونيّة والمجتمعيّة الرّائدة النّاجحة بجدارة في دمج القيم التّرميميّة التّاريخيّة والأخلاقيّة مع النّصوص القانونيّة الوضعيّة الحديثة، في سياق البحث العالميّ والمستمرّ عن آليّات تطبيقيّة معاصرة للعدالة التّرميميّة القابلة للاستنساخ والتّكييف مع البيئات المحلّيّة.
أقرّت إندونيسيا في مطلع عام 2023 م 1444 هـ، في مسار تشريعيّ تاريخيّ، تعديلاً جذريّاً وشاملاً على قانون العقوبات الوطنيّ الموروث عن الحقبة الاستعماريّة الهولانديّة. وجاء ذلك بإقرار القانون رقم 1 2023 م، الممثّل لتحوّل نموذجيّ ونسقيّ من فلسفة العقاب الانتقاميّ الكلاسيكيّ إلى فلسفة العقاب التّرميميّ والتّأهيليّ. وشكّل هذا القانون ثورة حقيقيّة في الفقه الجنائيّ الآسيويّ والعالميّ والإسلامي بالأخصّ؛ إذ نصّت الموادّ القانونيّة الجديدة بوضوح شديد على عدم اقتصار الغاية الأساسيّة من العقوبة على الانتقام المجرّد أو إلحاق الأذى الموازِ للمذنب، بل باتت تهدف صراحة إلى حلّ النّزاعات، وإصلاح الجاني، واستعادة التّوازن المجتمعيّ والسّلام الأهليّ.
يرافق ذلك تشديد مغلّظ على وجوب عدم حطّ أيّ عقوبة مفروضة من الكرامة الإنسانيّة، استناداً إلى مبدأ أخلاقيّ راسخ يؤمن بقدرة الإنسان الدّائمة على التّغيير والتّكفير عن أخطائه متى وُضع في البيئة العقابيّة التّأهيليّة الصّحيحة.
تجلّى هذا التّوجّه التّرميميّ التّقدّميّ في أبهى صوره العمليّة باستحداث وتفعيل عقوبة الخدمة المجتمعيّة أو {پيدانا كرجا سوسيال} Pidana Kerja Sosial بديل رسميّ ومؤسّسيّ واعد لعقوبات السّجن التّقليديّة، لا سيّما في الجرائم المتوسّطة والخفيفة، مع إمكانيّة التّوسّع في المبدأ ليشمل جرائم أشدّ في سياقات العدالة الانتقاليّة. وتُجبر هذه العقوبة المدان قانونيّاً على تقديم مساهمات ملموسة، ومجهدة، وفعليّة للمجتمع كجزء من سداد فاتورة الجرم المرتكب، محقّقة غايتين متلازمتين:
- الأولى، التّخفيف من العبء المادّيّ واللّوجستيّ الهائل عن كاهل مؤسّسات الإصلاح والسّجون العانية في إندونيسيا من اكتظاظ خانق،
- والثّانية، والأهمّ، ضمان عدم انسلاخ الجاني عن الواقع المجتمعيّ خلف أسوار إسمنتيّة تحوّله إلى مجرم أشدّ قسوة. تضعه العقوبة بدلاً من ذلك في مواجهة يوميّة ومباشرة مع نتائج أفعاله وتلزمه بتعويض المتضرّرين بجهده وعرقه.
لنستعرض الموادّ القانونيّة الجوهريّة المكرّسة لهذا التّحوّل التّرميميّ لمزيد من التّوضيح لفلسفة المشرّع الإندونيسيّ المدرجة في القانون رقم 1 2023 م.
- تحدّد المادّة 51 الغاية من العقاب بابتعادها عن الانتقام، وسعيها لحلّ النّزاعات، واستعادة التّوازن، وإعادة تأهيل الجاني استناداً إلى القيم الرّوحيّة الإلهيّة الحاثّة على المغفرة وإمكانيّة التّغيير الإيجابيّ للإنسان.
- وتضع المادّة 52 معياراً إنسانيّاً صارماً يمنع فرض أيّ عقوبة شأنها الحطّ من الكرامة الإنسانيّة الأساسيّة، مؤكّدة وجوب بناء العقاب لكينونة الفرد لا هدمها.
- وتلزم المادّة 54 القضاة بضرورة النّظر الشّامل في الدّوافع، والخلفيّة الاجتماعيّة، والأثر المستقبليّ للعقوبة على كلّ من الجاني والضّحيّة، فاتحة الباب واسعاً أمام تطبيق بدائل السّجن وتكييف العقوبة.
- ثمّ تتوّج المادّة 132 المسار التّرميميّ بنصّها الصّريح على سقوط الدّعوى الجزائيّة وبطلان سلطة الادّعاء العامّ عند التّوصّل إلى تسوية مجتمعيّة صلحية خارج أسوار المحاكم، مُعلية من شأن الحلول الأهليّة.
- كما تشرّع الموادّ من 85 إلى 87 آليّات تطبيق عقوبة الخدمة المجتمعيّة وتفصّلها عقوبة رئيسة بديلة للسّجن، ملزمة الجاني بتقديم عمل نافع للمجتمع جزء من مسار التّكفير والإصلاح المباشر.
وفوق كلّ ذلك، لا ينبع النّجاح الباهر والمستمرّ لهذا النّموذج الإندونيسيّ إطلاقاً من استيراد قوانين غربيّة معلّبة أو فرض نماذج خارجيّة غريبة عن النّسيج الاجتماعيّ والمحلّيّ، بل ينشأ من قدرة المشرّع الإندونيسيّ الفائقة على استنطاق الموروث المحلّيّ العريق وتأويل النّصوص الدّينيّة والاجتماعيّة تأويلاً عصريّاً يساير متطلّبات حقوق الإنسان.
استندت الفلسفة التّرميميّة في إندونيسيا إلى مفاهيم فلسفيّة إسلامية مستمدّة من المبادئ الأخلاقيّة العليا الدّاعمة لمبادئ {پانچاسيلا} Pancasila؛ والممثّلة للمبادئ الخمسة التّأسيسيّة للدّولة الإندونيسيّة. تستند أيضاً إلى الأعراف التّقليديّة المحلّيّة الرّاسخة أو قانون {أداة} Adat Law، كتقاليد التّشاور المجتمعيّ المعمّق أو {موشاوارهْ} Musyawarah، المعتمد على الحلّ السّلميّ للنزاعات بوساطة الحوار المجتمعيّ المكثّف والمفتوح، وكذلك آليّات حلّ النّزاعات التّقليديّة كنظام {ساسي} Sasi و{پيلا گاندونگ} Pela Gandong في بعض الجزر الإندونيسيّة.
أدرك المشرّعون منح ربط مسارات العدالة بالقيم الدّينيّة والمحلّيّة الرّاسخة في الوجدان الشّعبيّ، الدّاعية بطبيعتها إلى العفو المشروط، وإصلاح ذات البين، والعمل الصّالح، القوانين الجديدة شرعيّة اجتماعيّة لا مثيل لها تفتقر إليها النّصوص المستوردة من عالَم غير مسلم.
تتقاطع التّجربة الإندونيسيّة الحديثة بهذا النّسق المتكامل بشكل مذهل مع المبادئ البابليّة القديمة المنادية بالتّعويض الفعليّ وإخضاع الجاني للخدمة، لتثبت للعالم أجمع إمكانيّة التّطبيق العمليّ للعدالة البانية للمجتمع والمُرمّمة لأرواح الضّحايا، وقابليّتها للتّقنين التّشريعيّ المتين، دون اقتصارها على التّنظير الأكاديميّ. ويُشكّل هذا النّجاح دافعاً قويّاً وإلهاماً تشريعيّاً للمجتمعات شّرق الأوسطيّة المأزومة لاستلهام هذا النّموذج في التّعاطي مع مرتكبي الجرائم البشعة ومجرمي الحرب، لتتحوّل طاقة تدميرهم السّابقة وأياديهم الملطّخة بالدّماء إلى طاقة بناء قسريّة تعمل يوميّاً على خدمة الفئات المجتمعيّة والبيئات المدمّرة، مجسّدة أسمى آيات العدالة التّعويضيّة الفاعلة.
يتقاطع هذا المسار التّرميميّ التّطبيقيّ الحديث مع الجذور التّاريخيّة والتّشريعيّة العميقة في التّراث الإسلاميّ، وتحديداً في التّطبيقات العمليّة للنّبيّ محمّد ص في التّعامل مع أسرى الحرب والأعداء. إذ يبرز هذا التّقاطع جليّاً في أعقاب معركة بدر في شهر آذار مارس 624 م \ رمضان 2 الهجريّ؛ حين خيّر النّبيّ محمّد الأسرى الأعداء المتعلّمين العاجزين عن دفع الفدية المادّيّة، بين البقاء في الأسر أو نيل حرّيّتهم مقابل تعليم عشرة من أطفال المسلمين القراءة والكتابة.
يُمثّل هذا القرار التّاريخيّ تأسيساً مبكّراً وموثّقاً لمبدأ الخدمة المجتمعيّة الإلزاميّة كبديل فاعل عن العقاب الجسديّ، أو التّصفية، أو السّجن العبثيّ. وتتجلّى النّزعة التّرميميّة التّصالحيّة أيضاً في العفو الشّامل الممنوح لأهل مكّة عند فتحها في شهر كانون الثّاني يناير 630 م \ رمضان 8 هـ. تجاوز هذا العفو النّزعة الانتقاميّة والثّأر الدّمويّ، ليُعيد دمج الخصوم السّابقين ضمن النّسيج المجتمعيّ الجديد، موجّهاً طاقاتهم نحو بناء الدّولة النّاشئة عوضاً عن إهدارها في دوّامات الانتقام الشّخصيّ.
ينبغي أن يكون استحضار المشرّع الإندونيسي لهذه الشّواهد التّاريخيّة الأصيلة دعامة فكريّة صلبة لترسيخ النّموذج التّرميميّ في الوعي الجمعيّ العربيّ، ويُقدّم تأكيداً إضافيّاً على كون استبدال التّصفية الجسديّة للمجرمين بالخدمة القسريّة المنتجة أبعد ما يكون عن استيراد النّظريّات الخارجيّة، بل هو إحياء لمنهجيّة نبويّة عريقة تضع نفع المجتمع وإصلاح الجاني فوق غريزة التّشفّي العابرة.

سيكولوجيّة العقاب وتحطيم النّرجسيّة، أثر الخدمة المجتمعيّة في كسر جنون العظمة
للوقوف على الآثار الحقيقيّة والعميقة للعدالة التّرميميّة مقابل العدالة الرّادعة والانتقاميّة التّقليديّة في سياق جرائم الحرب المعقّدة، لابدّ من الغوص عميقاً في سيكولوجيّة العقاب وتحليل البنية النّفسيّة المظلمة والمركّبة لمجرمي الحرب والجلّادين، أمثال أمجد يوسف.
يشير علم النّفس الجنائيّ والتّحليل النّفسيّ الحديث إلى تميّز مرتكبي هذه الفظائع الممنهجة واشتراكهم بما يُعرف اصطلاحاً بالرّباعيّ المظلم Dark Tetrad. ويمثّل هذا الرّباعيّ مجموعة متداخلة من السّمات الشّخصيّة السّامّة وشديدة الْخَطَر الشّاملة للاعتلال النّفسيّ أو السّيكوباتيّة المتّسمة بانعدام التّعاطف والاندفاعيّة، والميكافيليّة العاكسة للنّزعة الاستراتيجيّة العميقة للتّلاعب بالآخرين واستغلالهم لتحقيق السّطوة، والسّاديّة المتمثّلة في التّمتّع الفعليّ والشّعور باللّذّة المطلقة عند إلحاق الألم النّفسيّ والجسديّ بالضّحايا، وأخيراً النّرجسيّة المتضخّمة المتّسمة بجنون العظمة أو {ميگالومانيا} Megalomania والشّعور الواهم بالاستحقاق المطلق والتّفوّق على بقيّة البشر.
يُجسّد التّحليل الدّقيق لمشهد أمجد يوسف ذروة جنون العظمة وهو يقود ضحاياه معصوبي الأعين إلى حفرة الموت في حيّ التّضامن، موجّهاً لهم التّعليمات بسخرية لاذعة واستعلاء مقيت، طالباً منهم الرّكض قبل إردائهم قتلى بدم بارد وابتسامة تعلو محيّاه. مارس أمجد في تلك اللّحظات المظلمة دور الإله المزيّف المانح للحياة والسّالب لها بلمسة خفيفة من إصبعه على زناد بندقيّته.
يبدو الحكم عليه بالإعدام شنقاً أو رمياً بالرّصاص (للوهلة الأولى وللعامّة) أقصى درجات القصاص العادل بالنّسبة لشخصيّة مغرقة في نرجسيّتها وميكافيليّتها وقسوتها بهذا الشّكل المروّع، لكنّه يمثّل في العمق النّفسيّ والتّحليليّ مهرباً سهلاً وسريعاً يسمح له بالاحتفاظ بكبريائه المريض ورفضه للاعتراف بالخطأ حتّى لحظاته الأخيرة، محوّلاً إيّاه في مخيّلته المريضة إلى ضحيّة لنظام قضائيّ أو لمنتصرين في حرب.
تُشير الدّراسات المعمّقة في مجال العدالة التّرميميّة، وعلى رأسها بحوث الپروفيسور {جون برايثويت} John Braithwaite وما ورد في أدبيّات {مراجعات هارڤارد للقانون} Harvard Law Review، إلى مفهومين نفسيّين بالغي الأهمّيّة في سياق العقاب: «إزاحة الخزي» Shame Displacement و «الخزي الإدماجيّ أو المنتِج» Reintegrative/Productive Shame.
يتعرّض الجاني لما يُسمّى بـ «التّشهير التّفكيكيّ» Disintegrative Shaming في النّظم العقابيّة التّقليديّة القائمة على الإقصاء، والسّجن الانفراديّ طويل الأمد، والإعدام، فيشعر برفض مجتمعيّ كلّيّ وتامّ يجعله يتّخذ موقفاً دفاعيّاً شرساً لحماية ما تبقّى من أنا نرجسيّة، رافضاً الاعتراف بخطئه الدّاخليّ، ومتقمّصاً دور الضّحيّة أو عدوّ المجتمع المتمرّد، مانعاً إيّاه تماماً من الشّعور بالخزي الإيجابيّ المقرّب للإنسان من إدراك بشاعة جريمته. كما يركّز الجلّاد القابع في طابور الإعدام على معركته القانونيّة عوضاً عن مواجهة بشاعة أفعاله، ويحصّن نفسه ضدّ الألم النّفسيّ بالتّجاهل والإنكار، متسلّحاً بنرجسيّته حتّى يصعد إلى منصّة الإعدام دون انكسار عينه أو إذلال كبريائه.
تخلق العدالة التّرميميّة، المتجسّدة في إبقاء الجلّاد حيّاً يُرزق وإجباره على التّفاعل المباشر والمستمرّ مع الآثار الكارثيّة لأفعاله وتطبيق نظريّة «التّشهير الإدماجيّ» (Reintegrative Shaming Theory) – RST، بيئة سيكولوجيّة مثاليّة للخزي المنتِج. ويكمن العقاب الحقيقيّ لمجرم كأمجد يوسف في إجباره على خلع بزّته العسكريّة ورتبته الأمنيّة التي منحته شعوراً زائفاً بالقوّة المطلقة، وإلباسه ثياب العمالة الشّاقّة والمذلّة، وإخضاعه لخدمة مجتمعيّة يوميّة تتضمّن تنظيف الشّوارع والأزقّة الملوّثة بدماء الأبرياء في حيّ التّضامن، وليس في إنهاء نبضه. ويتمثّل الفعل الأكثر فتكاً من النّاحية النّفسيّة في إجباره على العمل تحت إشراف وتوجيه وأوامر أمّهات الضّحايا المكلومات والزّوجات الأرامل مسلوبات الأحبّة. سيمثّل هذا المشهد هجوماً صاعقاً ومدمّراً ومستداماً على نرجسيّته الأساسيّة وعلى شعوره المرضيّ بالتّفوّق.
يعمل هذا النّوع من العقاب النّفسيّ والجسديّ المستمرّ كمعول ضخم يهدم صرح جنون العظمة المتصلّب لبنةً لبنة يوماً بعد يوم. ويتحوّل شعور أمجد بالخزي إلى ألم نفسيّ علائقيّ عميق يعجز تماماً عن الهروب منه أو إنكاره، حين يُجبر الجلّاد على النّظر يوميّاً في عيون الضّحايا الأحياء المُنكّل بهم، مستمعاً صاغراً إلى أوامرهم، ومتعرّضاً للتّوبيخ، والمراقبة، والإذلال الشّخصيّ المستمرّ من قِبلهم. تغيب إمكانيّة التّعالي أو اللّجوء إلى الإنكار الدّفاعيّ، لكون وضعيّته الدّونيّة المتجدّدة كلّ صباح، خادم مطيع لمن وضعهم في منزلة حشرات تُسحق، تذكّره بحجم انحطاطه وانسحاق أناه.
يتحقّق كسر نرجسيّة مجرم الحرب الفعليّة يقيناً بتركه يعيش حياة طويلة مفعمة بالذّلّ الممنهج والتّجريد الكامل من السّطوة والسّلطة، فتتحوّل كلّ لحظة محيطة به من حياته المتبقّية إلى اعتراف قسريّ بانتصار الضّحيّة المطلق والأبديّ عليه، ولا يتحقّق أبداً بإنهاء حياته بطلقة ناريّة سريعة أو حبل مشنقة غليظ يخفي ملامحه إلى الأبد. يُمثّل ذلك في جوهره تفريغاً استراتيجيّاً للشّحنات الانتقاميّة لدى المجتمع بطريقة تسحق الجلّاد نفسيّاً وروحيّاً وتتركه قشرة خاوية قبل سحقه جسديّاً.

آليّات التّأثير في الرّأي العامّ وتفكيك الموروث الانتقاميّ، نحو شفاء غليل الأمّهات المكلومات
تُعدّ محاولة تسويق وطرح مفهوم العدالة التّرميميّة والنّفسيّة في مجتمعات شمال العربيّة عموماً، وفي المجتمع السّوريّ على وجه الخصوص، حيث تجذّرت مفاهيم الثّأر القبليّ والانتقام الدّمويّ على مدى ثلاث ألفيّات، مهمّة محفوفة بالتّحدّيات العميقة والمقاومة الشّعبيّة العارمة. إذ يرى الشّارع السّوريّ، المكلوم والمنهك جراء سنوات طويلة من الصّراع، والاعتقال، والتّعذيب، والدّماء المهدورة مجّاناً، بشكل غريزيّ وطبيعيّ في التّصفية الجسديّة والإعدام العلنيّ للقتلة أمثال أمجد يوسف الملاذ الوحيد والأسلس للشّعور ببعض الرّاحة العابرة واستعادة الشّرف.
لابدّ من صياغة آليّات عمليّة مبتكرة تستلهم من صميم الموروث المحلّيّ والتّراث العربيّ للمساعدة في إعادة توجيه الخطاب العامّ لتغيير هذه القناعات المتصلّبة وتفكيك الموروث الانتقاميّ العقيم واستبداله بوعي ترميميّ فعّال، عوضاً عن فرض نظريّات سيكولوجيّة غربيّة تظهر متعالية أو غير مفهومة للسّواد الأعظم من النّاس.
يبرز هنا الدّور المحوريّ والاستراتيجيّ لتوظيف تقاليد الصّلح العشائريّ العريقة، الممثّلة لنمط أصيل وجذريّ للعدالة التّرميميّة المتأصّلة في العالم العربيّ والإسلاميّ، كأداة لإقناع الجماهير بجدوى التّعويض والإذلال النّفسيّ بديلاً عن الإعدام. يغيب اعتبار الانتقام الفرديّ المباشر غاية بحدّ ذاتها في آليّات الصّلح العشائريّ التّقليديّ، لينصبّ التّركيز بشكل أساسيّ على ما يُعرف في الدّراسات السّوسيولوجيّة بنظريّة ردّ الاعتبار التّكريميّ (Reintegrative Honoring Theory) – RHT، الواقفة نقيض أو مكمّل لنظريّة التّشهير الإدماجيّ الغربيّة.
ينصبّ التّركيز في نظام الصّلح على استعادة الشّرف المهدور لعائلة الضّحيّة أكثر من التّركيز على معاقبة الجاني فحسب؛ إذ يتنازل الجاني وعشيرته عن كبريائهم تماماً بتقديم الاعتذار العلنيّ ضمن مراسم شديدة التّواضع كالتّوجّه بوجاهة الجاهة لمجلس الضّحيّة منكسي الرّؤوس، ودفع التّعويضات الماديّة الرّمزية والفعليّة المتمثّلة في العطوة التّمهيديّة والدّية النّهائيّة، والاعتراف الكامل بالذّنب وطلب العفو … يُسهم هذا النّسق المتكامل في شحن عشيرة الضّحيّة بشعور هائل من التّكريم واستعادة الشّرف، مُخمداً نار الثّأر ومُمهّداً للمسامحة أو التّعايش.
يُمكن استخدام هذه النّماذج الأصيلة، المفهومة للمواطن العربي جيّداً، قاعدة فكريّة صلبة لإقناع الرّأي العامّ بعدم اقتصار العدالة على إراقة الدّم، وبتجلّيها بأبهى صورها في إركاع المعتدي وسلب كرامته علناً لمصلحة الضّحيّة، وبكون إجبار أمجد يوسف على الخدمة الذّليلة تطبيقاً مباشراً لهذا التّكريم المستدام لأسر ضحايا التّضامن.
لتطبيق هذا التّوجّه، يلزم صياغة خطّة إعلاميّة واجتماعيّة واضحة تعمل في اتّجاهات متعدّدة لتهدئة نفوس الأمّهات الفاقدات لأبنائهنّ.
ينبغي في المقام الأوّل إظهار الجلّاد يوميّاً بوسائل الإعلام في وضعيّة ضعيفة ومهينة وقت تأديته للأعمال الشّاقّة المفروضة عليه. فرؤية أمجد يوسف بلا سلاح أو سلطة تحميه، وهو ينظّف الشّوارع ويجمع القمامة لخدمة عائلات حيّ التّضامن، ستمنح النّاس الغاضبين شعوراً كبيراً بالرّاحة. سيؤكّد هذا المشهد شدّة ألم العقاب النّفسيّ وإذلاله بصورة تتجاوز عقوبة الإعدام المنهية لحياة المجرم بلحظات.
يُضاف إلى ذلك وجوب إعطاء الأمّهات وأهالي الضّحايا دوراً رئيساً في مراقبة هذا العقاب، بمنحهنّ الصّلاحيّة لإصدار الأوامر للجلّاد ومحاسبته خادماً لهنّ. يقلب هذا الإجراء موازين القوى، محوّلاً القاتل المغرور إلى خادم مطيع لطلبات ضحاياه. ويخلق هذا التّغيير إحساساً كبيراً بالانتصار والعدل اليوميّ، متفوّقاً على الرّاحة العابرة النّاتجة عن الإعدام السّريع.
ويلزم أيضاً إشراك رجال الدّين والمثقّفين وقادة المجتمع في نشر فكرة العقاب الدّائم الكاسر لغرور القاتل والمساعد في إعادة إعمار البلاد. ويُستحسن الاستدلال بقصص التّاريخ والدّين المبيّنة لمطابقة إبقاء المذنب حيّاً لخدمة ضحاياه مع أسمى القيم الأخلاقيّة والإنسانيّة، والمفضّلة لإصلاح الضّرر على التّصفية الجسديّة وحدها.
يستوجب نجاح هذه الخطّة صبراً طويلاً وجهداً متواصلاً لبناء فكر مجتمعيّ جديد يدرك غياب المنفعة الفعليّة للمتضرّرين عند التّخلّص السّريع من الجلّاد. يبني هذا الفكر فهماً بضرورة سلب كرامة القاتل وجعله درساً حيّاً سنوات طويلة لشفاء جراح النّاس ومنع تكرار المأساة، مؤسّساً لمجتمع يؤيّد العقاب النّفسيّ بديل حضاريّ ناجح لإنهاء حياة المجرم.

الخاتمة واستشراف المستقبل، نحو تأسيس وعي جديد للعدالة الجنائيّة
يفرض التّمعّن الدّقيق في التّفاصيل المروّعة لمجزرة التّضامن وسلوكيّات مجرمين سيكوباتيين ونرجسيين من طينة أمجد يوسف، ضرورة أخلاقيّة لإعادة تقييم شاملة وجذريّة لمفهوم العدالة الجنائيّة في المجتمعات الممزّقة بالنّزاعات المدمّرة والحروب الأهليّة، على مستوى الأفراد والمجتمعات والمشرّعين.
أوضح التّحليل التّاريخيّ المقارن بوضوح استمرار سيطرة النّزعة المفرطة للانتقام الجسديّ والثّأر الدّمويّ، المستوحاة من الجذور الشّرائعيّة الآشوريّة الصّارمة، بقوّة على التّوجّهات العاطفيّة والقانونيّة، متجاهلين بذلك الإمكانات الهائلة والتّأثيرات الشّفائيّة العميقة المتاحة بوساطة الفلسفة التّعويضيّة، والتّرميميّة، والخدميّة المرساة في القوانين البابليّة القديمة كشريعة حمّورابي.
أُحييت هذه الفلسفة وبُلورت بنجاح فائق ومبهر في النّموذج التّشريعيّ الإندونيسيّ الحديث المتمثّل في القانون رقم 1 2023 م المكرّس لعقوبة الخدمة المجتمعيّة والتّعويض المباشر أعمدة متينة للعدالة الفاعلة والمتسامحة والقادرة على بناء المجتمعات المحطّمة.
تبيّن من خلال التّحليل النّفسيّ العميق، المستند إلى نظريّات التّشهير الإدماجيّ ودراسات الرّباعيّ المظلم في سيكولوجيّة الجناة، تشكيل الإعدام الجسديّ التّقليديّ في حقيقة الأمر طوق نجاة نهائيّ لمرتكب الجريمة النّرجسيّ والميكافيليّ، مريحاً إيّاه للأبد من عبء المواجهة الدّاخلية، وتأنيب الضّمير، وعار التّذلّل أمام من استضعفهم سابقاً. ويمثّل استبدال ذلك بعقوبة الخدمة القسريّة والأعمال الشّاقّة المستدامة تحت إشراف وأوامر ضحاياه المباشرين عمليّة تحطيم منهجيّة، ومدروسة، وساحقة لجنون العظمة المستفحل لديه، مقدّماً في الوقت ذاته للأمّهات المكلومات وللمجتمع المدمّر انتصاراً نفسيّاً، وعلائقيّاً، وماديّاً يوميّاً يتجاوز بكثير التّشفّي العابر المنتهي بانتهاء نبض المجرم.
يطرح استشراف المستقبل التّشريعيّ والقضائيّ في سوريا، وعموم دول شمال العربيّة السّاعية للتعافي من حقبة الاستبداد والحروب، تساؤلات مفتوحة، وجريئة، ومصيريّة حول القدرة الفعليّة والمؤسّساتيّة على استنساخ النّجاح الإندونيسيّ الباهر وإدماج المفاهيم التّراثيّة التّصالحيّة العميقة كالصّلح العشائريّ ومفاهيم ردّ الاعتبار التّكريميّ ضمن أطر قانونيّة عصريّة، ودستوريّة، وملزمة لمعاقبة مجرمي الحرب وأمراء الدّم.
يبحث النّقاش عن امتلاك المجتمع السّوريّ والعربيّ للإرادة الجمعيّة الكافية والوعي النّاضج لتجاوز غريزة التّصفية الجسديّة اللّحظيّة نحو تبنّي آليّات عقابيّة نفسيّة واجتماعيّة تفرض على الجلّادين واقعاً يوميّاً أشدّ مرارة وقسوة من الموت ذاته. وتتطلّب الإجابة الشّافية والعمليّة على هذه التّساؤلات الكبرى شجاعة فكريّة، وسياسيّة، وتشريعيّة استثنائيّة لتأسيس وعي جنائيّ ومجتمعيّ جديد يبحث بصدق عن عدالة تشفي الصّدور بآليّات متطوّرة ومركّبة، عدالة تدرك يقيناً عدم كمون الانتصار الحقيقيّ والنّهائيّ على الطّغيان ورموزه أبداً في إهدار دم الطّاغية فحسب، بل في إبقائه حيّاً شاهد ذليل وعلامة فارقة على هزيمته وانكساره، مجرّداً من كلّ زيف ارتدى به لباس القوّة والغطرسة، ليقضي ما تبقّى من سنوات عمره خادماً صاغراً ومنبوذاً لضحاياه، فيرسّخ بذلك نموذجاً مجتمعيّاً مستداماً للعدالة يحصّن الأجيال القادمة عبر التّربية بالخزي، ويمنع بشكل قاطع ولادة جلّادين جدد في مستقبل الأوطان.
مراجع ومصادر
- الجريمة، والخزي، وإعادة الإدماج Crime, Shame and Reintegration – مطبعة جامعة كامبريدج Cambridge University Press https://doi.org/10.1017/CBO9780511804618
- التّنظير لاستجابة ترميميّة لجرائم القتل Theorizing a Restorative Response to Homicide – مراجعات هارڤارد للحقوق المدنيّة Harvard Civil Rights-Civil Liberties Law Review. https://journals.law.harvard.edu/crcl/wp-content/uploads/sites/80/2023/09/HLC205_Roberts.pdf
- الجنحة في الخلاصات القانونيّة لبلاد الرّافدين وحتّي Delict in the Law Compendia of Mesopotamia and Hatti – مجلّة السّاميّات Journal for Semitics. https://unisapressjournals.co.za/index.php/JSEM/article/view/4481
- الكونيّة الدّينيّة للعدالة التّرميميّة في المادّة 51 من قانون العقوبات الجديد The Religious Cosmology of Restorative Justice in Article 51 of the New Criminal Code – مجلّة القانون والعدالة Law and Justice. https://journal.pubmedia.id/index.php/lawjustice/article/view/5016
- إعادة بناء العدالة التّرميميّة مع قانون العقوبات الإندونيسيّ Restorative Justice Reconstruction with The Indonesian Criminal Code – مجلّة الاستدامة Journal Keberlanjutan. https://journalkeberlanjutan.com/index.php/pjlel/article/view/1208
- العمل الاجتماعيّ كأداة للقانون الجنائيّ Pidana Kerja Sosial Sebagai Instrumen Hukum Pidana – مجلّة خيڤانگينين للقانون الجنائيّ Gevangenen Jurnal Hukum Pidana. https://ejournal.fhuki.id/index.php/gevangenen/article/view/623
- تنفيذ أمر الخدمة المجتمعيّة بناءً على القانون رقم 1 2023 Implementation of Community Service Order Based on Law Number 1 of 2023 – الباحث الدّلاليّ Semantic Scholar. https://pdfs.semanticscholar.org/c615/f11693881f950946ab19be4ef56e244b012a.pdf
- العدالة التّرميميّة والتّعدّديّة القانونيّة في إندونيسيا Restorative Justice and Legal Pluralism in Indonesia – بريل Brill. https://brill.com/view/journals/icla/26/2/article-p217_003.xml
- العدالة التّرميميّة كبديل في نظام العدالة الجنائيّة الإندونيسيّ Restorative Justice as an Alternative in the Indonesian Criminal Justice System – ريسيت پريس Riset Press. https://risetpress.com/index.php/jplls/article/view/1864
- السّاديّة اليوميّة: الرّباعيّ المظلم Everyday sadism: The Dark Tetrad – مجلّة العلوم النّفسيّة Psychological Science. https://journals.sagepub.com/doi/10.1177/0956797613490749
- نموذج هجين لحلّ النّزاعات بين المهاجرين والمجتمعات المضيفة Hybrid dispute resolution model for migrant-host communities – إيميرالد إنسايت Emerald Insight. https://www.emerald.com/insight/content/doi/10.1108/ijcma-01-2019-0009/full/html
- الصّلح العربيّ الإسلاميّ ونموذج العدالة التّرميميّة The Muslim/Arab Sulha and the Restorative Justice Model – مجلّة كاردوزو لحلّ النّزاعات Cardozo Journal of Conflict Resolution. https://larc.cardozo.yu.edu/cgi/viewcontent.cgi?article=1223&context=cjcr
- استكشاف مفهوم التّوفيق Exploring the Concept of Conciliation – باحث جامعة ويسترن كيپ UWCScholar. https://uwcscholar.uwc.ac.za/bitstreams/88c3dcec-0f69-420e-aaff-1ec203387a5b/download
- دراسات Studi/Studies – مجلّة ميدياريز Mediares Rivista. https://www.mediaresrivista.it/archivio/2024-1/4.pdf





اترك رد