معجم المآكل العربية

معجم المآكل العربية

حضارة الغذاء الغبي

تمهيد

مع تطوّر الزمن وتغيّر نمط الحياة، شهدت عاداتنا الغذائية تغيّرات جذرية، حيث أصبح الاعتماد على الأطعمة المصنعة والمعالجة جزءاً كبيراً من نظامنا الغذائي اليومي. هذا التحوّل لم يأتِ دون ثمن؛ إذ أنّ لهذه الأطعمة تأثيرات سلبية واضحة على صحّتنا الجسدية والعقلية.

هذا أمر أفكّر فيه باستمرار، هل كانت الأجيال القديمة أذكى وأكثر فهماً من أجيالنا؟

ألا تفكر في ذلك عندما؟ ترى الاختراعات والعمارة القديمة؟ كلّما عدنا إلى الوراء، كانت الأجيال أذكى من الأجيال التي جاءت بعدها.

أشعر أنّ الجيل قبل 100 سنة مثلاً كان أكثر فهماً من جيل اليوم، والجيل قبل 200 سنة أكثر فهماً بكثير من جيل اليوم. كانوا ينضجون ويعقلون مبكّراً، على عكس اليوم، حيث تجد شخصاً بعمر 25 سنة لا يزال طفلاً بمنطق تفكيره.

أعتقد أنّ السبب في ذلك هو الطعام فقط، لا شيء غيره.

أعضاء جوعى برغم الامتلاء

معظم طعامنا اليوم سخيف. شيء معلب، وشيء مصنّع، ولم نعد نأكل شيئاً طبيعيّاً أبداً. بالتالي، لم نعد نحصل من الطعام على المواد التي يحتاجها الدماغ ليعمل ويتطوّر. انظر إلى الخبز مثلاً وكل شيء عجين. في الماضي، كان الناس يخمّرون العجين بشكل طبيعي، وينتظرون ساعات وأيّاماً ليتركوا مجالاً لبكتيريا الخميرة لتعمل عملها في القمح الكامل، ويُهضم القمح جيّداً قبل أن يُخبز ويدخل معدتنا، ونستخلص منه الفوائد في الأمعاء، البروتينات والڤيتامينات والأشياء المفيدة إلى جانب السكّر.

“في كتابي ‘في الدفاع عن الطعام: أكل الطعام الحقيقي’، أؤكد على ضرورة العودة إلى تناول الأطعمة الكاملة والطبيعية. الأغذية المعالجة والمصنعة تحرمنا من المغذيات الحيوية التي يحتاجها جسمنا وعقلنا. عندما نقارن بين النظام الغذائي للأجداد والنظام الغذائي الحالي، نجد أن الأطعمة المصنعة تفتقر إلى الألياف والفيتامينات والمعادن الأساسية، مما يؤثر على صحتنا العامة وقدراتنا العقلية. الطعام هو أكثر من مجرد وقود؛ إنه جزء من ثقافتنا وهويتنا ويؤثر بشكل مباشر على صحتنا ورفاهيتنا.”

د. مايكل پولان Michael Pollan، مؤلف وأستاذ في جامعة كاليفورنيا بيركلي

لكن انظر إلى عجين اليوم. أزيل منه الخير بجعله أبيض دون أي شيء من النُّخالة، بل لم يبق فيه سوى السكر والنشا. حتى أنّه يُخبز غير مخمّر، ولم يعد أي مخبز يترك العجين يتخمّر قبل أن يصبح خبزاً أو پيتزا. حتى في المنزل، نضيف الخميرة المزيّفة السريعة وننتهي. ولا نترك العجين يتخمّر كما ينبغي. باختصار، هذا القمح الذي نأكله عجين لا يعطينا شيئاً، سكّر فقط لا أكثر، والباقي يذهب إلى النفايات. إذن، على أيّ أساس سيعمل الدماغ بشكل صحيح؟

“النظام الغذائي الحديث الغني بالسكّر والدهون المهدرجة والمكونات المصنعة يسهم بشكل كبير في تفشي الأمراض المزمنة مثل السكري وأمراض القلب والسمنة. الأغذية المصنعة تُخضعنا لانفجارات مفاجئة من السكر في الدَّم، مما يؤثر سلبًا على وظائف الدماغ. لقد أظهرت البحوث أن تناول الأطعمة الكاملة، بما في ذلك الخضروات والفواكه والبروتينات الصحية، يمكن أن يحسن بشكل كبير من الأداء العقلي والصحة النفسية. من طريق تبني نظام غذائي صحي وطبيعي، يمكننا تعزيز وظائفنا العقلية وتحسين جودة حياتنا عمومًا.”

د. مارك هيمان Mark Hyman، مدير مركز الطبّ الوظيفي في كليڤلاند كلينيك

يؤسفني أنّنا، وبكلّ صراحة، الجيل الغبي، جيل الطعام الغبي. لا أعرف، لو رأى أجدادنا ما نأكله اليوم، ماذا سيفعلون بنا؟ طعام أزيلت فوائده، نحشو به بطوننا كلّ يوم. حتى كلمة “طبيعي” لم نعد نعرف معناها الحقيقي، ولا نعرف شكل الطعام الأصلي، اللّحوم والتوابل والبزور، كلّها إمّا مطحونة أو مفرومة جاهزة ومغلّفة على رفوف المتاجر… ولا نعرف كم منها ملوّنات ومنكّهات صحّية.

“الگلوتين والسكريات المكررة في نظامنا الغذائي الحديث لهما تأثير مدمر على الدماغ. البحوث تشير إلى أن هذه المكونات يمكن أن تسبب التهابات مزمنة في الجسم والدماغ، مما يؤدي إلى تدهور وظائف الإدراك وزيادة خطر الإصابة بأمراض مثل الزهايمر. النظام الغذائي للأجداد الذي يعتمد على الأطعمة الكاملة والمخمّرة يدعم صحة الدماغ بشكل أفضل. بواسطة العودة إلى هذه الأطعمة الطبيعية، يمكننا تقليل الالتهابات وتحسين صحتنا العقلية.”

د. ديڤيد پيرلمُتّر David Perlmutter، مؤلّف كتاب “دماغ البُر” Grain Brain

كانت الأجيال السابقة أذكى وأكثر وعياً منّا بسبب الطعام. قامت حضارة بابل ونينوى العظيمة كلها على القمح، وكان سبب انفجارها الحضاري العظيم هو القمح. خبز القمح، دبس القمح، بيرة القمح، أطباق البرغل، الفريكة، كلّها قمح في قمح. لكنّ أجدادنا القدماء عرفوا ضرورة تخمير القمح قبل تناوله، لذلك كانوا يخمّرونه لوقت طويل، وتتفاخر المَحَالّ بمن يخمّر أكثر، ونشأت من بينهم حضارة مختمرة تماماً.

أمّا طعامنا اليوم! كلّه “سلوقة”، كلّه مصنوع على عجل مع حفنة من المواد الصنعية التي لا تقدّم سوى النكهة واللّون، لكن لا يوجد فيها شيء حقيقي، ولا توجد فيها الفوائد التي يحتاجها دماغنا حقاً ليعمل.

ورثت الديانة المسيحيّة عن الديانة الآشوريّة عبارة مهمّة في الصلاة الربّانية وهي “خبزنا كفافنا أعطنا اليوم!”، ولم تذكر اللّحم ولا الخضار. إلى هذه الدرجة كانت أهمّيّة وقداسة الخبز عند الحضارة الآشورية والبابلية قبل 4000 سنة، وكانت إنجازاتهم رائعة. أمّا نحن اليوم فقد أفسدنا الخبز وأذلّيناه وحوّلناه إلى قطعة بيضاء تسمن وتشبع الجوع، لكنّها لا تملأ خزانة العقل ولو بقرش واحد.

“لقد وجدت في بحوثي وتجربتي الشخصية أن النظام الغذائي الغني بالأطعمة الكاملة والطبيعية يمكن أن يساهم بشكل كبير في علاج الأمراض المزمنة وتعزيز صحة الدماغ. الأطعمة المعالجة تفتقر إلى المغذيات الأساسية وتعزز الالتهابات، مما يؤثر سلباً على وظائفنا العقليّة. بتحوّلنا إلى نظام غذائي يحتوي على الخضروات والفواكه والبروتينات الصحية، يمكننا تحسين وظائفنا العقلية والبدنية بشكل كبير.”

تيري والز Terry Wahls، عالمة أعصاب ومؤلّفة كتاب “أدب والز” The Wahls Protocol

نحن حضارة الخبز الغبي!

الغذاء الذي نتناوله اليوم يؤدّي دوراً محوريّاً في تحديد صحّتنا الجسدية والعقلية. تغيّرت عاداتنا الغذائية بشكل جذري عن تلك التي اتّبعها أجدادنا، ممّا أثّر بشكل كبير على صحّتنا العامّة. الأطعمة المعالجة والمصنّعة التي تفتقر إلى العناصر الغذائية الضرورية باتت شائعة في نظامنا الغذائي، ممّا أدّى إلى تزايد المشاكل الصحّية مثل الأمراض المزمنة والتدهور العقلي. هذا التغيّر الغذائي لم يؤثّر فقط على صحّتنا الجسدية بل أيضاً على قدرتنا على التفكير والتعلّم، ممّا يوجب علينا ضرورة إعادة تقييم خياراتنا الغذائية.

المشاكل والحلول الممكنة

المشكلة: نقص العناصر الغذائية:

الأطعمة المصنّعة تفتقر إلى الڤيتامينات والمعادن الأساسية التي يحتاجها الجسم والدماغ للعمل بكفاءة.

الحل: العودة إلى الأطعمة الكاملة والطبيعية:

يجب التركيز على تناول الأطعمة الطبيعية غير المعالجة التي توفّر الڤيتامينات والمعادن الضرورية للجسم.

لحل مشكلة نقص العناصر الغذائية الناتج عن تناول الأطعمة المصنّعة، يمكن للإنسان اتّباع خطوات عملية لتفعيل الحل والعودة إلى الأطعمة الكاملة والطبيعية. يجب البَدْء بتخطيط وجبات أسبوعية تشمل مجموعة متنوّعة من الخضروات والفواكه الطازجة، والحبوب الكاملة مثل الأرزّ البنّي والقمح الكامل. خلال التسوّق، ينبغي التركيز على شراء الأطعمة من الأسواق المحلّية أو العضويّة التي تبيع منتجات طازجة (ولو كانت مجمّدة) وغير معالجة صنعيّاً، مع تجنّب الأطعمة المعلّبة. من الأفضل تحضير الوجبات في المنزل باستخدام مكوّنات طبيعية وكاملة، وتناول الأطعمة الموسميّة التي تكون في أعلى مستوياتها من العناصر الغذائية. بالإضافة إلى ذلك، يمكن تضمين البروتينات النباتية مثل الفاصولياء والعدس، واستبدال المشروبات الغازية والعصائر المصنّعة بالربوب والعصائر الطبيعية المحضّرة في المنزل. باتّباع هذه الخطوات، يمكن تحسين النظام الغذائي وضمان حصول الجسم على الڤيتامينات والمعادن الضرورية.

المشكلة: زيادة نسبة السكّر والدهون الضارّة:

ارتفاع استهلاك السكّريات والدهون المهدرجة يؤدّي إلى مشاكل صحية مثل السمنة والسكّري وأمراض القلب.

الحل: تقليل استهلاك السكّريات والدهون الضارّة:

تبنّي نظام غذائي منخفض في السكريات والدهون المهدرجة وزيادة استهلاك الدهون الصحية من مصادر مثل الأسماك والجوزيّات.

لمعالجة مشكلة زيادة نسبة السكّر والدهون الضارّة في النظام الغذائي، يمكن اتّباع خطوات عملية لتقليل استهلاك السكّريات والدهون المهدرجة وزيادة استهلاك الدهون الصحية. يجب البَدْء بقراءة ملصقات الأغلفة الغذائية بعناية لتجنّب المنتجات التي تحتوي على سكّريّات مضافة وزيوت مهدرجة. يمكن استبدال الحَلْوَيَات والمشروبات الغازية بعصائر الفواكه الطبيعيّة والنقوع المبرّدة، واختيار الوجبات الخفيفة الصحّية مثل الفواكه الطازجة، والجوزيّات غير المملّحة. عند الطهي في المنزل، استخدم زيوتاً صحية مثل زيت الزيتون أو زيت البندق أو زيت الأڤوكادو بدلاً من الزيوت النباتية المهدرجة. حاول تضمين الأسماك الدهنية مثل السلمون والتونة في وجباتك الأسبوعية لزيادة استهلاك الأحماض الدهنية أوميگا-3 المفيدة. يمكن أيضًا تجرِبة طرق طهي صحّية مثل الشوي أو الطهي على البخار بدلاً من القلي. وأخيراً، تنظيم وجبات الطعام بحيث تشمل البروتينات الخالية من الدهون، والخضروات الغنيّة بالألياف، والحبوب الكاملة يمكن أن يساهم في تحقيق توازن غذائي أفضل.

المشكلة: الالتهابات المزمنة:

الأطعمة الغنيّة بالگلوتين والسكّريات المكرّرة تسبّب التهابات مزمنة تؤثّر على صحّة الدماغ وتزيد من خطر الأمراض العقلية.

الحل: تشجيع التخمير الطبيعي:

العودة إلى ممارسات التخمير التقليديّة لتحسين صحة الأمعاء والدماغ، مثل استهلاك الخبز المخمّر طبيعياً والمخلّلات.

لحلّ مشكلة الالتهابات المزمنة الناتجة عن الأطعمة الغنية بالگلوتين والسكّريّات المكرّرة، يمكن اتّباع خطوات عملية لتشجيع التخمير الطبيعي. البَدْء بإدخال الخبز المخمر طبيعيًا، والذي يمكن تحضيره منزليًا باستخدام الخميرة الطبيعية التي تتطلّب وقتاً لتخمير العجين، أو التأكد من شراءه من مخابز تستخدم عمليّات تخمير تقليدية. إدراج المخلّلات التقليدية مثل مخلّل الخِيار، الجزر، واللّفت، التي تعتبر جزءاً من مائدة شرق المتوسّط، لزيادة تناول البكتيريا النافعة. تحضير اللّبن الرائب (الزبادي) واللبنة في المنزل باستخدام حليب طازَج 3,8 وخمائر طبيعية، حيث أنّ هذه المنتجات تساعد في تحسين صحّة الأمعاء. إدراج الأطعمة المخمرة الأخرى مثل عجين الخبز المرقّد (الفوكاچيا). التركيز على تناول الحبوب الكاملة مثل البرغل والفريكة والشعير بدلاً من الحبوب المكرّرة.

المشكلة: فقدان الفوائد الصحّية للتخمير:

عدم تخمير الأطعمة بشكل صحيح يؤدّي إلى فقدان الفوائد الصحّية المرتبطة بالبكتيريا الجيّدة التي تعزّز صحّة الأمعاء والدماغ.

الحل: زيادة الوعي الغذائي:

تعليم الناس حول أهمّية الغذاء الصحي وكيفية اختيار الأطعمة التي تعزّز الصحة العقلية والبدنية.

لحلّ مشكلة فقدان الفوائد الصحية للتخمير، يمكن اتّباع خطوات عملية لزيادة الوعي الغذائي وتعليم الناس حول أهمّية الغذاء الصحّي واختيار الأطعمة التي تعزّز الصحّة العقلية والبدنية. يمكن بَدْء ذلك بتقديم ورش عمل مجتمعيّة أو محاضرات في المدارس والمراكز الثقافية لشرح فوائد الأطعمة المخمّرة وكيفية تحضيرها في المنزل باستخدام مكوّنات محلّية مثل اللّبن الرائب (الزبادي)، المخلّلات، والخبز المخمّر. نشر مقالات وڤيديوهات تعليمية على وسائل التواصل الاجتماعي تشرح فوائد البكتيريا الجيّدة الموجودة في الأطعمة المخمرة وكيفية دمجها في النظام الغذائي اليومي. تحفيز الناس على تجرِبة وصفات جديدة باستخدام مكوّنات متوفّرة مثل اللبنة، والمخلّلات التقليدية. تنظيم أسواق محلّية تعزّز بيع المنتجات الغذائية الصحّية والمخمّرة، ممّا يدعم المنتجين المحليّين ويشجّع المستهلكين على شراء أطعمة صحّية. توفير كتب ووصفات حول الغذاء الصحّي وأهمّية التخمير في المكتبات المحلّية والمدارس. تشجيع الحِوار والنقاش بين الأفراد حول تجاربهم مع الأطعمة المخمّرة وفوائدها الصحّية، ممّا يساهم في نشر الوعي بشكل أكبر.

يمكننا تحسين صحّتنا العامّة ورفاهيّتنا من طريق اتّخاذ قرارات غذائية أكثر وعياً وعودة إلى الأطعمة الطبيعية والكاملة. الاهتمام بالنظام الغذائي هو الخطوة الأولى نحو تحسين جودة حياتنا وصحّة أجيالنا المستقبلية.


تاريخ النشر

آخر تحرير

عودة إلى …

اترك رد

مدوّنة البخاري تُدار بقدرة شخص واحد، دون مورد مالي عائد منها. لذلك فإنّ دعمنا بالتبرّع هو رافد عظيم لمنحنا القدرة على الاستمرار.

مرة واحدة
شهري
سنوي

دعمك يعيننا على الاستمرار

إنشاء تبرع شهري

إنشاء تبرع سنوي

اختيار مبلغ

€5.00
€15.00
€100.00
€5.00
€15.00
€100.00
€5.00
€15.00
€100.00

أو إدخال مبلغ مخصص


تحظى إسهاماتك بالتقدير.

تحظى إسهاماتك بالتقدير.

تحظى إسهاماتك بالتقدير.

تبرعالتبرع شهريًاالتبرع سنويًا

اكتشاف المزيد من مدوّنة البخاري

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading