تكشف السجلّات العسكرية الرومانية عن حقيقة تاريخية تدحض خرافات كلّ لاعربي: الوجود العربي الراسخ في منطقة المغرب العربي قبل الفتوحات الإسلامية بقرون عديدة. هذه الوثائق التاريخية تبرز تشابهات ملحوظة في العادات، اللّغة، والممارسات الثقافية بين سكّان المغرب العربي وأقرانهم في المشرق العربي، ممّا يدحض الاعتقاد الشائع بأنّ العروبة في هذه المنطقة بدأت مع الفتح الإسلامي.
تحليل هذه السجلّات يعيد تشكيل فهمنا للتاريخ العربي في شمال أفريقيا، مؤكّداً عمق الجذور العربية في هذه المنطقة قبل ظهور الإسلام بقرون. هذه الأدلّة تثبت أنّ الهوية العربية متجذّرة في شمال أفريقيا من قبل العهد الروماني على أقل تقدير، ممّا يعيد رسم خريطة الانتشار العربي في العصور القديمة، ويكذّب كلّ الصورة المغلوطة التي يحاول الاستشراق الأوروپي تصويرها.
عبر صفحات التاريخ، تتجلّى روابط عميقة تربط بين الشعوب العربية في مختلف أنحاء العالم العربي، متخطّية حدود الجغرافيا والزمن. ومن بين الشواهد التاريخية الملفتة على هذه الروابط، تبرز السجلّات العسكرية الرومانية كمصدر ثمين للمعلومات، تكشف عن سمات مشتركة بين عرب المغرب العربي وأشقائهم في سوريا والعراق.
في زمن كانت فيه الإمبراطورية الرومانية في أوج اتّساعها، امتدّ نفوذها ليشمل مناطق شاسعة من شمال أفريقيا وبلاد الشام. وفي خضم هذا التوسّع، وجد الرومان أنفسهم على تماس مباشر مع القبائل العربية في هذه المناطق، ممّا أدّى إلى تفاعلات عسكرية وثقافية عميقة.

ما سجّله الرومان في وثائقهم العسكرية عن هذه القبائل يقدّم لنا اليوم نافذة فريدة على الهوية العربية المشتركة التي تجمع سكّان المغرب العربي بإخوانهم في المشرق. هذه السجلّات لا تقتصر على تسجيل الأسماء والأنساب فحسب، بل تمتد لتشمل العادات والتقاليد، وأساليب القتال، والممارسات الدينية، مما يرسم صورة متكاملة عن الحياة العربية في تلك الفترة.
دراسة هذه السمات المشتركة لا تقدم فقط رؤية تاريخية ثاقبة، بل تساهم أيضاً في فهم أعمق للهوية العربية وجذورها الممتدّة عبر القارّات. فمن خلال هذه السجلّات، نكتشف كيف أنّ القبائل العربية، برغم تباعدها الجغرافي، حافظت على روابط ثقافية وإثنية قويّة، تجلّت في أوجه التشابه العديدة التي لاحظها ووثقها الرومان.
يوجد سجلّات عسكرية رومانية من القرن الثاني والثالث توضح أنّ قبائل الجزائر والمغرب التي شاركت في فيالق عسكرية رومانية كانت قبائل عربية. شاركت بسبب تطوّع بني عمّها من نفس القبائل في منطقة سوريا الرومانية. وسوريا الرومانية هي اليوم محافظات الرقة وديرالزور وحلب وشرق حمص في سوريا المعاصرة، وولايات خطاي وأضنة وعثمانية وغازي عينتاب وكلّز ومرسين وأنطاليا وديار بكر وماردين في تركيا المعاصرة.

أطلق الرومان على هذه القبائل تسميات عربُم Arabum و حَميورُم Hamiorum و پالميرِنورُم (التدمريّون) Palmyrenorum و پارثورُم (الخراسانيّين) Parthorum و پِترايورُم Petraeorum و إتورَيورُم Ituraeorum و قيرِنَيقة Cyrenaica.
ديانة هذه الوحدة كانت الميثرانية (الأميّة) التي صلّت باتّجاه مدينة حمص في سوريا. وعبادة “ميثرا” و “سوريا” كانت شائعة بين الجنود الرومان، وخاصةً بين الوحدات العسكرية المنتشرة في المناطق المختلفة من الإمبراطورية. وكانت هي الآلهة الرئيسة في المعابد العسكرية الرومانية، ما يدلّ على أنّ ديانة ميثرا العربية كانت بمنزلة الديانة العسكرية في الإمبراطورية الرومانية.
وسُمّيت أهمّ وحدات هذه القبائل العسكرية باسم Cohors Prima Hamiorum Sagittaria تعني الفيلق الأوّل من الرماة الحميوريّين… أغلب المؤرّخين نسب كلمة حميورُم (الحميوريّين) إلى حِميَر، غير أنّ اليمن لم تخضع للإمبراطورية الرومانية بصفة تابع، إنّما ارتبطت بروما باتّفاقية تحالف اقتصادي وعسكري، والبعض رآها نسبة إلى مدينة حماة في سوريا، وأنا أراها غالباً مضر الحمراء.
هذه الوحدة العربية كانت متخصّصة في الرماية (Sagittaria تعني الرماة) فهي قوّات نخبة كانت تتألّف من جنود مهرة في استخدام القوس والسهام وغيرها من مهارت القنص. والسجلّات التي ذكرتها وُجدت في أماكن متفرّقة من الإمبراطورية الرومانية، ما يدلّ على سعة انتشار خدماتها. والدراسات الأكاديمية في التاريخ الروماني مثل كتب وبحوث پاتريشيا كرون Patricia Crone وبنجامين إسحاق njamin Isaac تحتوي على تفاصيل دقيقة حول هذه الوحدات العسكرية الرومانية التي كوّنتها القبائل العربية.
السجلّات التي تتحدّث عن القبائل العربية التي شاركت في الفيالق العسكرية الرومانية من القرنين الثاني والثالث تُعرف بالوثائق العسكرية الرومانية. وهي موثّقة في نقوش ووثائق مكتوبة على ألواح طينية أو حجرية، ووثّقت أسماء وأصول الجنود الذين خدموا في الجيش الروماني.
منها سجلّات الديپلوماتة Diplomata Militaris وهي شهادات التسريح الرسمية للجنود الذين خدموا في الجيش الروماني، والتي كانت تُمنح بعد فترة معينة من الخدمة العسكرية. هذه الشهادات كانت تحتوي على معلومات حول الوحدات العسكرية وأصول الجنود. بالإضافة إلى قوائم الشرف Tabulae Honestae Missionis وقوائم الخدمة الإلزامية Libri Militum وسجلّات العمليّات Commentarii وأرشيف الجُند Acta Diurna.

الكثير من الوحدات العسكرية الرومانية تكوّنت من أبناء قبائل عربية، منها مثلاً:
- وحدة الرماة الحميوريّين Cohors Prima Hamiorum Sagittaria
- وحدة المشاة العربية الرئيسة Cohors Prima Arabum
- وحدة الهجّانة والفرسان التدمرية Ala I Ulpia Dromedariorum Palmyrenorum
- وحدة الاحتياط التدمرية Numerus Palmyrenorum
- وحدة المشاة التدمرية Cohors XX Palmyrenorum
- وحدة الفرسان العرب العراقيّين والخراسانيّين Ala I Augusta Parthorum
- وحدة الفرسان النبطية Ala I Ulpia Petraeorum
- وحدة المشاة اللّبنانيّين والفلسطينيّين Cohors I Ituraeorum
- الفيلق اللّيبي Legio III Cyrenaica
السجلّات التاريخية التي توثّق عادات القبائل العربية التي شاركت في الفيالق العسكرية الرومانية تقدّم بعض التفاصيل عن أنماط حياتهم وعاداتهم الثقافية والاجتماعية. بالإضافة إلى تناول أمعاء وأحشاء الخروف المحشوة وتدجين الثدييات، مثل الاحتفالات والمناسبات الدينية والفنون الحربية والتدريب العسكري والملابس والزينة والعادات الغذائية وأنماط البناء والسكن والنشاطات الاقتصادية والنظام الاجتماعي والأساطير والحكايات.
كانت القبائل العربية تحتفل بمناسبات دينية مرتبطة بعبادة الآلهة العربية، مثل عبادة ميثرا، وهي ديانة عربية كانت شائعة بين الجنود الرومان. بالإضافة إلى احتفالات موسمية أو شعائر مرتبطة بالزراعة والرعي.
الرماة من هذه القبائل كانوا معروفين بمهاراتهم العالية في استخدام القوس والسهام. التدريب العسكري كان جزءًا لا يتجزّأ من حياتهم اليومية ومن الصغر، ويشمل تقنيّات القتال والتكتيكات العسكرية.
ملابس الجنود كانت تعكس خليطاً من التأثيرات الرومانية والمحلّية، مع استخدام الدروع والأسلحة التي تتناسب مع مهامهم كقنّاصين. وكانت هناك زخارف ورموز على ملابسهم وأسلحتهم تدلّ على انتمائهم القبلي أو الديني.

بالإضافة إلى تناول أحشاء الخروف المحشوّة، كانت القبائل العربية تعتمد على نظام غذائي يتضمّن اللحوم والألبان والحبوب. وكانت القبائل العربية تعيش في مساكن تتناسب مع نمط حياتها الرعوي، مثل الخيام أو البيوت البسيطة. وكانت هذه المساكن تشمل مرافق لتربية الحيوانات وحفظ المؤن.
تدجين الثديّيات مثل الأغنام والماعز كان نشاطاً اقتصادياً رئيسيّاً. التجارة كانت جزءاً من حياتهم، إذ ما إن تستقرّ وحدة عسكرية في منطقة ما تبدأ تبادل المنتجات الزراعية والحيوانية مع المجتمعات المحلّية المجاورة.
كان التنظيم الاجتماعي قائماً على البنية القبليّة، مع وجود زعماء يقودون القبيلة. وكانت العلاقات الاجتماعية والعائلية تؤدّي دوراً مهمّاً في الحياة اليومية، مع وجود تقاليد متعلّقة بالزواج والضيافة. وكانت هذه القبائل تحمل معها أساطير وحكايات تُتناقل عبر الأجيال، تتعلّق بأبطالهم وأصولهم وتاريخهم.
مصادر ومراجع:
- كتاب The Roman Army in the East تحرير David L. Kennedy: يحتوي على دراسات تتعلق بالحياة اليومية والعادات للجنود في الوحدات العسكرية الرومانية في الشرق.
- كتاب Rome and the Arabs تأليف Irfan Shahîd: يناقش تفاصيل العلاقات بين الرومان والقبائل العربية، بما في ذلك العادات والتقاليد.
- توفّر النقوش الأثرية تفاصيل مباشرة عن حياة وعادات الجنود وأسرهم، ويمكن العثور على مثل هذه النقوش في قواعد البيانات مثل Corpus Inscriptionum Latinarum (CIL) ومكتبة The Epigraphic Database Heidelberg (EDH).
- كتاب The Roman Army: The Greatest War Machine of the Ancient World تأليف Chris McNab يوفّر نظرة عامّة شاملة على الجيش الروماني، بما في ذلك الوحدات المتخصصة مثل Cohors Prima Hamiorum Sagittaria.
- كتاب The Roman Imperial Army of the First and Second Centuries A.D. تأليف Graham Webster يتناول تفاصيل تنظيم وهيكل الجيش الروماني خلال القرون الأولى والثانية، ويحتوي على معلومات حول الوحدات المختلفة، بما في ذلك الوحدات الأجنبية.
- كتاب Rome and the Arabs: A Prolegomenon to the Study of Byzantium and the Arabs تأليف Irfan Shahîd يناقش العلاقات بين الرومان والقبائل العربية، بما في ذلك تفاصيل حول الوحدات العسكرية التي تتألف من الجنود العرب.
- كتاب The Auxilia of the Roman Imperial Army تأليف G.L. Cheesman يتناول بالتفصيل الوحدات المساعدة في الجيش الروماني، بما في ذلك Cohors Prima Hamiorum Sagittaria.
- المقالة Arabian Frontier of the Roman Empire تأليف Michael C.A. Macdonald تتناول تفاصيل حول تفاعل الرومان مع القبائل العربية على الحدود الشرقية للإمبراطورية.
- مقالات The Roman Army in the East edited تأليف David L. Kennedy مجموعة من المقالات التي تناقش تفاصيل الجيش الروماني في الشرق، بما في ذلك الوحدات الأجنبية مثل الرماة الحميوريين.





اترك رد