معجم المآكل العربية

معجم المآكل العربية

جغرافيّة الدهون الغذائيّة في البلدان العربيّة

قبل القيام بهذه الدراسة كنت أعتقد أنّ السمن البلدي وزيت الزيتون هم الدهون الأكثر استخداماً في مطابخ البلدان العربية المعاصرة. ثمّ فاجأتني نتيجة الدراسة.

خريطة توزيع دهون الطبخ المنزلي في البلدان العربية

في هذه الخريطة نرى بوضوح وبدقّة توزّع أنماط استهلاك دهون الطبخ المنزلي في البلدان العربية، وحسب الكثافة السكّانية في كل منطقة، فإنّ ثلاث أخماس العرب يستهلكون زيت السمسم والسمن البلدي والدهون الحيوانية، في حين يتوزّع الخُمسين الباقيين الزيوت والدهون النباتية وزيت الزيتون وزيت النخيل وزيت الفول السوداني (الفستق).

خريطة توزيع دهون الطبخ المنزلي في البلدان العربية
خريطة توزيع دهون الطبخ المنزلي في البلدان العربية

تكشف دراسة توزيع دهون الطبخ في البلدان العربية عن رؤى عميقة تتجاوز مجرّد الوصف السطحي لعادات الطهي. وتظهر هذه الاستنتاجات صورة متكاملة للعلاقة بين الإنسان العربي وبيئته وتراثه وواقعه الاقتصادي.

تعريف أصناف الدهون المستخدمة في الطبخ المنزلي في البلدان العربية

تتنوع أصناف الدهون المستخدمة في الطبخ المنزلي عبر البلدان العربية، حيث تشكّل عنصراً أساسياً في تمييز نكهات المطبخ العربي ومذاقاته الفريدة. قبل الخوض في تفاصيل توزيعها الجغرافي وأنماط استخدامها، من المهم التعرف على خصائص كل صنف منها ومصدره وطريقة استخراجه وميزاته المختلفة.

زيت الزيتون

زيت الزيتون

يستخرج زيت الزيتون من ثمار شجرة الزيتون Olea europaea بواسطة العصر الميكانيكي. يتميز بلونه الأصفر المائل للأخضر ورائحته المميزة. يختلف زيت الزيتون في جودته حسب طريقة الاستخراج، فيعد زيت الزيتون البكر الممتاز Extra Virgin أجود الأنواع ويستخرج بالعصر على البارد دون معالجات كيميائية، في حين تخضع الأنواع الأخرى لدرجات متفاوتة من التكرير. يشتهر باستخدامه في المطبخ المتوسطي في القلي والتتبيل وإعداد الصلصات والمخبوزات.

السمن البلدي (من الحليب)

السمن البلدي (من الحليب)

يصنع السمن البلدي من حليب الأبقار أو الجاموس أو الأغنام أو الماعز أو الإبل. تبدأ عملية تصنيعه بتحويل الحليب إلى زبدة عن طريق الخض، ثم تسخين الزبدة لفصل الدهون عن الماء والشوائب، يليها التصفية للحصول على السمن النقي. يتميز بقوامه شبه صُلْب في درجة حرارة الغرفة، ولونه الأصفر الذهبي، ونكهته الغنية المميزة. يستخدم في طهي اللحوم والأرز والمخبوزات والحلويات التقليدية، ويتميز بارتفاع نقطة احتراقه مما يجعله مناسباً للقلي العميق.

الدُّهْن الحيواني (الشحم أو الإلية)

الدُّهْن الحيواني (الشحم أو الإلية)

يستخرج الدُّهْن الحيواني من أنسجة الثروة الحيوانية، خاصة الأغنام والماعز والإبل والأبقار. تتنوع أنواعه بين الشحم الذي يستخرج من الأجزاء الداخلية للحيوان، والإلية التي تؤخذ من منطقة الذيل في الأغنام. يستخلص بتقطيع الدهون وإذابتها على نار هادئة، ثم تصفيتها وتبريدها. يتميز بلونه الأبيض المائل للصفرة وقوامه الصُّلْب في درجة حرارة الغرفة. يستخدم في طهي اللحوم والمرق واليخنات وبعض أنواع المخبوزات، ويتميز بقدرته العالية على التحمل والتخزين لفترات طويلة خاصة في المناطق البدوية.

السمن النباتي المصنّع

السمن النباتي المصنّع

ينتج السمن النباتي المصنّع صناعياً من الزيوت النباتية مثل زيت النخيل وزيت فول الصويا وزيت عباد الشمس، بعد إخضاعها لعملية الهدرجة التي تحولها من الحالة السائلة إلى الحالة الصلبة أو شبه الصلبة. تضاف إليه عادة مواد حافظة ومكسبات طعم ورائحة وألوان صناعية لمحاكاة السمن البلدي. يتميز بلونه الأصفر الفاتح وقوامه الطري وانخفاض سعره مقارنة بالسمن البلدي. يستخدم بديلاً اقتصادياً للسمن البلدي في المخبوزات والحلويات وطهي الأرز واللحوم.

الزيوت النباتية المكررة

الزيوت النباتية المكررة

تستخرج الزيوت النباتية من بذور أو ثمار النباتات مثل عباد الشمس وفول الصويا والذرة والكانولا. تخضع هذه الزيوت لعمليات تكرير كيميائية وفيزيائية لإزالة الشوائب والروائح واللون، مما يجعلها ذات مذاق محايد ولون فاتح. تتميز بقوامها السائل وانخفاض سعرها وتوفرها طوال العام. تستخدم بشكل واسع في القلي والطهي العام وإعداد الصلصات والمايونيز والمخبوزات، وتشيع في المناطق الحضرية والمدن الكبرى.

water bubbles

زيت النخيل

يستخرج زيت النخيل من ثمار نخيل الزيت Elaeis guineensis الأصلي من غرب أفريقيا. يتميز بلونه البرتقالي المحمر الناتج من غناه بالكاروتينات، وقوامه شبه صُلْب في درجة حرارة الغرفة. ينتشر استخدامه في المناطق الساحلية من جزر القمر وجيبوتي وجنوب العراق والصومال. يستخدم في القلي العميق وطهي الأطباق المحلية، ويتميز بثباته الحراري العالي وقدرته على التحمل دون تزنخ لفترات طويلة، بالإضافة إلى نكهته المميّزة التي أصبحت جزءاً من مذاق المأكولات في المناطق التي يستخدم فيها.

زيت السمسم

زيت السمسم

يستخرج زيت السمسم من بذور نبات السمسم Sesamum indicum عن طريق العصر. يوجد منه نوعان رئيسان: زيت السمسم الخام ذو اللون الذهبي والنكهة القوية، وزيت السمسم المكرر ذو اللون الفاتح والنكهة الأخف. ينتشر استخدامه في شرق السودان وإريتريا والمناطق المجاورة. يتميز برائحته النفاذة المميزة ومذاقه الفريد وقيمته الغذائية العالية. يستخدم في تتبيل السلطات وإعداد الصلصات والأطباق المحلية مثل “الملاح” السوداني و”الطحينة” في بلاد الشام، ويدخل أيضاً في بعض أنواع الحَلْوَيَات.

زيت الفول السوداني

زيت الفول السوداني

يستخرج زيت الفول السوداني من بذور نبات الفول السوداني Arachis hypogaea. يتميز بلونه الأصفر الفاتح ونكهته الخفيفة ونقطة احتراقه المرتفعة. ينتشر استخدامه في مناطق من تَشاد (وداي، سلامات) والمناطق المجاورة. يستخدم في القلي والطهي العام وإعداد المأكولات المحلية، ويفضله السكان المحليون لنكهته المميزة وثباته الحراري وانخفاض سعره النسبي مقارنة بالزيوت المستوردة.

المزيج بين زيت الزيتون والدهون الحيوانية

يجمع هذا المزيج بين مميزات زيت الزيتون (النكهة والقيمة الغذائية) والدهون الحيوانية (القدرة على التحمل الحراري). يستخدم في مناطق التداخل بين المناطق المتوسطية والبدوية مثل أجزاء من لبنان (البقاع، بعلبك-الهرمل) وليبيَا. يستخدم في طهي اللحوم واليخنات والمأكولات التي تحتاج لطهي طويل، حيث يضيف نكهة زيت الزيتون مع قدرة الدُّهْن الحيواني على تحمل الحرارة العالية.

المزيج بين السمن البلدي وزيت السمسم

يجمع هذا المزيج بين غنى نكهة السمن البلدي والرائحة المميزة لزيت السمسم. يستخدم في مناطق من اليمن والسودان، خاصة في طهي اللحوم والأرز والفتات والعصيدة. يعطي هذا المزيج نكهة فريدة للأطباق المحلية ويعد جزءاً أساسياً من الهُوِيَّة الغذائية لهذه المناطق، ويستخدم في المناسبات والأعياد والولائم التقليدية.

المزيج بين الزيوت النباتية المختلفة

يستخدم هذا المزيج في المناطق الحضرية والمدن الكبرى، ويجمع بين أنواع مختلفة من الزيوت النباتية مثل زيت عباد الشمس وزيت الذرة وزيت فول الصويا. يستخدم في الطهي اليومي والقلي والمخبوزات. يتميز بانخفاض تكلفته وسهولة الحصول عليه وتعدد استخداماته، مما يجعله خياراً شائعاً في المطبخ الحديث في البلدان العربية.

يظهر تنوّع أصناف الدهون المستخدمة في المطبخ العربي غنى التراث الغذائي وتأثره بالبيئة المحلية والتقاليد المتوارثة، ويساهم هذا التنوع في إثراء النكهات والأطباق المميزة للمطبخ العربي بمختلف مناطقه.

photo of olives on cup of olive oil

العوامل المؤثّرة في توزيع دهون الطبخ العربية

يتشكّل نمط استخدام دهون الطبخ في البلدان العربية نتيجة تفاعل مجموعة متنوعة من العوامل المترابطة. هذه العوامل تتجاوز مجرد التفضيلات الغذائية الفردية لتظهر تأثيرات عميقة للبيئة والتاريخ والاقتصاد والثقافة. فيمَا يلي أبرز القوى التي تشكل خريطة توزيع الدهون في المطبخ العربي المعاصر.

تأثير البيئة الطبيعية

تتحكّم الطبيعة الجغرافية بشكل أساسي في تحديد أنماط استخدام الدهون. تتناغم زراعة الزيتون مع مناخ البحر المتوسط في بلاد الشام وشمال أفريقيا، فينتج السكان زيت الزيتون ويدمجونه في مطبخهم اليومي. تفرض الصحراء على سكانها البدو اعتماداً كبيراً على دهون حيواناتهم، فيستخرجون الشحوم والإلية ويخزّنونها لفترات طويلة تناسب طبيعة حياتهم المتنقلة. تسمح الأراضي الخصبة في أجزاء من السودان وتَشاد بزراعة السمسم والفول السوداني، فتتحول زيوتهما إلى عنصر أساسي في المطبخ المحلي.

انعكاسات اقتصادية واضحة

يرتبط نمط استخدام الدهون ارتباطاً وثيقاً بالواقع الاقتصادي للمناطق المختلفة. تستطيع المناطق الأكثر ثراءً الاحتفاظ باستخدام الدهون التقليدية عالية التكلفة مثل زيت الزيتون البكر والسمن البلدي الصافي. تضطر المناطق الأقل ثراءً للتحول نحو بدائل أرخص مثل الزيوت النباتية المكررة والسمن النباتي المصنّع. تؤثر الأزمات الاقتصادية والتضخم على تغيير أنماط استهلاك الدهون، فتتراجع بعض الممارسات التقليدية لمصلحة خيارات أكثر اقتصادية.

بصمة الهُوِيَّة الغذائية الإقليمية

تشكل أنواع الدهون المستخدمة علامة فارقة في الهُوِيَّة الغذائية لكل منطقة عربية. يرتبط مذاق الطعام الشامي والمغاربي بنكهة زيت الزيتون المميزة. يعطي السمن البلدي للمأكولات اليمنية والسودانية طابعها الفريد. يضفي زيت السمسم على أطباق شرق السودان وإريتريا نكهته الخاصة. تتجلى هذه الهويات الغذائية في الأطباق التقليدية والمناسبات والأعياد، وترتبط بذاكرة السكان الجمعية وانتمائهم لمناطقهم.

قدرة فائقة على التكيف والمزج

يبرهن المطبخ العربي على مرونة استثنائية في استخدام الدهون المتاحة. تدمج العديد من المناطق أنواعاً مختلفة من الدهون في مطبخها اليومي، كما نرى في مزج زيت الزيتون مع الدهون الحيوانية في لبنان، أو مزج السمن البلدي مع زيت السمسم في اليمن. تطور العرب تقنيات مختلفة للاستفادة من الدهون المتوفرة، فابتكروا طرق تسمين وتخزين وتصفية واستخلاص متنوعة تناسب كل نوع. تظهر هذه القدرة التكيفية حكمة متوارثة في التعامل مع الموارد المتاحة والاستفادة القصوى منها.

تأثير التحضر والحداثة

تنعكس عملية التحضر المتسارعة في العالم العربي على أنماط استخدام الدهون. تتحول المدن الكبرى والمناطق الحضرية تدريجياً نحو الزيوت النباتية المكررة والسمون المصنعة. يرتبط هذا التحول بتغير نمط الحياة وتسارع وتيرتها وضيق الوقت المتاح للطهي. يتناسب هذا النمط مع انتشار المطاعم والوجبات السريعة التي تعتمد على دهون موحدة ذات صَلاحِيَة طويلة. يرافق ذلك تراجع في المعرفة التقليدية المرتبطة بإنتاج واستخدام الدهون البلدية المصنوعة منزلياً.

استمرارية التراث الغذائي

تستمر العديد من المناطق العربية، برغم ضغوط العولمة والتحديث، في الحفاظ على استخدام الدهون التقليدية. تتمسك المناطق الريفية والمجتمعات المحافظة بطرقها القديمة في إنتاج الدهون واستخدامها. تعود بعض المناطق الحضرية تدريجياً إلى تقدير الدهون التقليدية كجزء من حركة العودة إلى الأصالة والطبيعية. تنشط حركات الحفاظ على التراث الغذائي العربي في توثيق وإحياء الممارسات المرتبطة بإنتاج واستخدام الدهون التقليدية.

جذور تاريخية عميقة

تكشف أنماط توزيع الدهون عن تراكمات تاريخية عميقة. ترتبط زراعة الزيتون وعصر زيته بالحضارة الفينيقية والرومانية في حوض المتوسط. تظهر طرق استخلاص السمن البلدي وتخزينه تقاليد بدوية قديمة توارثتها الأجيال. تشير بعض الممارسات المرتبطة باستخدام الدهون إلى شعائر وعادات ترجع لعصور سحيقة. تظهر أسماء الدهون وأدوات استخراجها وتخزينها تنوعاً لغوياً يظهر الأصول المختلفة للمجتمعات العربية.

تنوع غذائي فريد

يمتلك العالم العربي تنوعاً استثنائياً في استخدام دهون الطهي يتفوق على العديد من مناطق العالم الأخرى. تتنوع الدهون المستخدمة بين نباتية وحيوانية ومختلطة. تختلف تقنيات استخراج الدهون وتخزينها واستخدامها بشكل كبير من منطقة لأخرى. تتمايز الأطباق العربية بناء على الدهون المستخدمة فيها، مما يعزز تنوع المطبخ العربي وثراءه. يمثل هذا التنوع ثروة غذائية وتراثية تستحق الدراسة والتوثيق والحفاظ.

قدرة على الابتكار والتجديد

يظهر المطبخ العربي قدرة ملحوظة على تطوير استخدام الدهون وفقاً للظروف المتغيرة. ابتكر الطهاة العرب تقنيات متنوعة لاستخدام الدهون المختلفة في أطباق متنوعة. طوروا طرقاً للتعامل مع مزائج الدهون وتحقيق توازن بين النكهة والصحة. أدخلوا تحسينات على طرق استخلاص الدهون وتنقيتها وتخزينها عبر الأجيال. تستمر عملية الابتكار هذه اليوم مع ظهور اتجاهات جديدة تجمع بين التراث والحداثة.

مؤشّرات مستقبلية

تلوح في الأفق اتجاهات مستقبلية متعددة في استخدام دهون الطبخ في البلدان العربية. تشهد الزيوت الصحية مثل زيت الزيتون إقبالاً متزايداً بفعل الوعي الصحي المتنامي. يتراجع استخدام الدهون الحيوانية في المدن الكبرى تماشياً مع التوصيات الصحية العالمية. تظهر حركة إحياء للدهون التقليدية ذات القيمة الغذائية العالية مثل السمن البلدي المستخلص من حليب الماشية المغذاة طبيعياً. تتطور صناعات غذائية تعتمد على إنتاج دهون عالية الجودة تستلهم التراث وتلبي متطلبات العصر.

يقدم تقرير توزيع دهون الطبخ في البلدان العربية صورة غنية ومركبة للتراث الغذائي العربي، توضح كيف ترتبط عادات الطهي بالبيئة والتاريخ والاقتصاد والهوية. تستحق هذه الصورة المزيد من الدراسة والتوثيق والحفاظ كجزء أساسي من التراث الثقافي اللامادي للمنطقة العربية.

photo of kabsa

الجذور التاريخية لتوزيع دهون الطبخ

يتوافق توزيع دهون الطبخ المعروض في التقرير بشكل كبير مع التاريخ المعروف لاستهلاك الدهون في البلدان العربية، ويمكننا تتبع هذا التطابق من طريق النظر في السجلات التاريخية والأثرية والمصادر التاريخية المختلفة.

زيت الزيتون والمناطق المتوسطية

يتطابق انتشار زيت الزيتون في مناطق البحر المتوسط مع السجلات التاريخية التي توثق زراعة الزيتون واستخدام زيته منذ آلاف السنين. اكتشفت الحفريات الأثرية معاصر زيتون تعود إلى العصر الفينيقي والروماني في شمال أفريقيا وبلاد الشام. تؤكد المخطوطات العربية القديمة على أهمية زيت الزيتون في المطبخ الأندلسي والشامي والمغاربي. يطابق التوزيع الحالي بشكل كبير المناطق التي عرفت تاريخياً بإنتاج واستهلاك زيت الزيتون.

الدهون الحيوانية في المناطق الصحراوية

يتوافق استخدام الدهون الحيوانية في المناطق البدوية والصحراوية مع سجلات الرحالة والمؤرخين على مر العصور. وصفت كتب الطبخ العربية القديمة مثل “الطبيخ” لابن سيار الوراق (القرن العاشر الميلادي) استخدام دهون الضأن والماعز والإبل في المناطق البدوية. تحدثت مصادر تاريخية عن أهمية الشحوم والإلية في غذاء سكان الجزيرة العربية وشمال أفريقيا. استمر هذا النمط في المناطق التي حافظت على طابعها البدوي، كما يظهر في التقرير.

السمن البلدي والمناطق الزراعية-الرعوية

يظهر انتشار السمن البلدي في مناطق مثل اليمن والسودان وموريتانيَا امتداداً تاريخياً لممارسات موثقة منذ قرون. ورد ذكر تقنيات صناعة السمن البلدي في كتب الطبخ والزراعة العربية مثل “الفلاحة النبطية” و”القانون في الطب” لابن سينا. وصفت المصادر التاريخية طرق استخراج السمن وتخزينه في أوعية فخارية أو جلدية في مناطق الجزيرة العربية والسودان. تتطابق المناطق المذكورة في التقرير مع الأماكن التي عرفت تاريخياً بتربية الماشية وإنتاج السمن البلدي.

زيت السمسم وزيت الفول السوداني

يتوافق توزيع هذه الزيوت مع المسارات التاريخية لزراعة هذه المحاصيل. زرع السمسم في السودان وإريتريا منذ عصور قديمة، ووثقت المصادر التاريخية استخدام زيته في المطبخ المحلي. دخل الفول السوداني إلى تَشاد ووسط أفريقيا خلال فترة الاستعمار، وتطور استخدام زيته محلياً منذ ذلك الحين. تظهر خريطة التوزيع الحالية هذه التطورات التاريخية.

الزيوت والسمون النباتية المصنعة

يتماشى انتشار الزيوت والسمون النباتية المصنعة في المناطق الحضرية مع التحولات التاريخية الحديثة. ظهرت هذه المنتجات في البلدان العربية مع بداية القرن العشرين وتزايد التصنيع والاستيراد. توسع استخدامها بشكل كبير بعد الحرب العالمية الثانية مع التحضر المتسارع. تظهر خريطة التوزيع الحالية هذا التحول التاريخي الحديث، خاصة في المدن الكبرى.

مناطق الاستخدام المختلط

تكشف مناطق الاستخدام المختلط عن تقاطعات تاريخية وتجارية مهمة. تقع هذه المناطق غالباً على خطوط التماس بين مناطق جغرافية مختلفة، أو على طرق تجارية قديمة. عرفت هذه المناطق تاريخياً بالتبادل التجاري والتأثيرات المتبادلة. يظهر التوزيع الحالي هذه الديناميكيات التاريخية، كما نرى في مناطق التداخل بين زيت الزيتون والدهون الحيوانية في أجزاء من ليبيَا ولبنان.

تأثير العوامل الحديثة

توجد بعض الاختلافات بين التوزيع الحالي والأنماط التاريخية، تعزى للتطورات الحديثة. أدت العولمة والتصنيع الغذائي إلى تغييرات في أنماط استهلاك الدهون لم تكن موجودة تاريخياً. ساهمت الهجرة من الريف إلى المدن في نقل بعض العادات الغذائية إلى مناطق جديدة. غيرت التوصيات الصحية الحديثة بعض أنماط استهلاك الدهون التقليدية.

يشير التطابق الكبير بين التوزيع الحالي والسجلات التاريخية إلى استمرارية قوية في التراث الغذائي العربي برغم التغيرات الحديثة. تحتفظ العديد من المناطق بأنماط استهلاك دهون ترجع جذورها إلى قرون مضت، مما يبرز قوة التقاليد الغذائية وارتباطها بالهوية المحلية. يمكن اعتبار التقرير وثيقة مهمة تسجل استمرارية التراث الغذائي العربي وتحولاته في العصر الحديث.

تقرير شامل عن توزيع دهون الطبخ المنزلي في البلدان العربية

مقدّمة

يتنوع استخدام دهون الطبخ المنزلي في البلدان العربية بصورة لافتة، ويرتبط هذا التنوع بالتقاليد الغذائية المتوارثة والعوامل الجغرافية والطبيعية والظروف الاقتصادية لكل منطقة. يعرض هذا التقرير توزيع الدهون المستخدمة في مختلف أنحاء العالم العربي، ويفسر أنماط استخدامها وفقاً للمناطق الجغرافية الرئيسة.

زيت الزيتون

يسود استخدام زيت الزيتون دُهْن طبخ أساسي في مناطق البحر المتوسط العربية. تتركز زراعة أشجار الزيتون وإنتاج زيته في بلدان المغرب العربي الكبير وبلاد الشام. يشمل ذلك المناطق الساحلية والجبلية في شمال تونس وشرق الجزائر والمناطق الشِّمالية من المغرب. ينتشر استخدامه أيضاً في لبنان، خصوصاً في مناطق جبل لبنان والشمال، وفي المناطق الساحلية من سوريا مثل اللاذقية وطرطوس، ويمتد استخدامه إلى فلسطين في الضفة الغربية وقطاع غزة.

تؤثر طبيعة مناخ البحر المتوسط والتربة المناسبة في هذه المناطق على انتشار زراعة الزيتون، ويرتبط استخدامه بالتراث الغذائي القديم للسكان. يميز هذه المناطق استخدام زيت الزيتون في أطباق متنوعة من السلطات والمقبلات وحتى الحَلْوَيَات، ويستخدمه الناس في الطهي والتتبيل والقلي، مما يمنح الأطعمة نكهة مميزة تعبر عن هُوِيَّة المطبخ المتوسطي.

المزج بين زيت الزيتون وأنواع أخرى

تستخدم بعض المناطق العربية مزيجاً من زيت الزيتون مع دهون أخرى. تشمل مصر، خاصة في المناطق الساحلية كالإسكندرية والبحيرة ودمياط، مزيجاً من زيت الزيتون والزيوت النباتية الأخرى. يظهر هذا النمط أيضاً في بعض مناطق ليبيَا والجزائر وتونس وفلسطين.

يستخدم سكان بعض مناطق لبنان، مثل البقاع وبعلبك-الهرمل، وأجزاء من ليبيَا والجزائر وسوريا، مزيجاً من زيت الزيتون والدهون الحيوانية. يظهر هذا المزج تأثر المطبخ المحلي بالمناطق المجاورة، وسعي الناس للاستفادة من مميزات كل نوع من الدهون.

السمن البلدي

يمثل السمن البلدي المصنوع من الحليب أساس الطبخ في مناطق عديدة. تعتمد موريتانيَا، خاصة في مناطق الحوض الشرقي والغربي، على السمن البلدي. يسود استخدامه أيضاً في مناطق غرب السُّعُودية (عسير وجيزان)، وشمال السودان، وأجزاء من اليمن وتَشاد.

تمزج بعض المناطق السمن البلدي مع الزيوت النباتية، كما نرى في أجزاء من موريتانيَا والمغرب (سوس ماسة ودرعة تافيلالت) وبعض مناطق اليمن. تفضل بعض المناطق اليمنية مزيجاً من السمن البلدي وزيت السمسم ودهون حيوانية أخرى، وتتميز بها مناطق وَسْط السودان (الخُرْطُوم والنيل الأبيض).

الدهون الحيوانية

تعتمد المناطق الصحراوية العربية على الدهون الحيوانية (الشحم أو الإلية) مصدر رئيس للدهون في الطبخ. تنتشر في المناطق الجنوبية والصحراوية من الجزائر، وفي البحرين والأردن والكويت وليبيَا وقطر والسعودية وسوريا واليمن وتَشاد.

تؤثر طبيعة الحياة البدوية والرعوية في هذه المناطق على استخدام الدهون الحيوانية، حيث يستخلص السكان هذه الدهون من الأغنام والإبل والماعز وتتميز بغناها بالنكهة وقدرتها على التحمل لفترات طويلة دون الحاجة للتبريد.

الزيوت والسمن النباتي المصنّع

يرتبط استخدام السمن النباتي المصنّع والزيوت النباتية المكررة بالمناطق الحضرية والمدن العربية الكبرى. تشمل المدن الرئيسية في الجزائر (الجزائر العاصمة، وهران، قسنطينة)، ومصر (القاهرة، الجيزة)، والعراق (بغداد، الموصل)، والأردن، ولبنان (بيروت)، وليبيَا، وموريتانيَا، والمغرب، وعمان، والسودان، وسوريا، وتونس، والإمارات، واليمن، وتَشاد.

يزداد انتشار هذه الدهون بفعل سهولة توفرها وطول فترة صلاحيتها واعتدال سعرها، مما يجعلها خياراً اقتصادياً للعائلات في المناطق الحضرية. تحل هذه الدهون تدريجياً محل الدهون التقليدية في العديد من المناطق، خاصة مع ازدياد وتيرة الحياة وضغوط العمل.

الزيوت المتخصصة

تنفرد بعض المناطق العربية باستخدام زيوت متخصصة. ينتشر زيت النخيل في جزر القمر وجيبوتي وجنوب العراق والصومال. يستخدم سكان مناطق شمال وشرق السودان (دارفور) وإريتريا زيت السمسم بشكل أساسي. تفضل بعض مناطق تَشاد (وداي، سلامات) زيت الفول السوداني.

يرتبط استخدام هذه الزيوت بالمحاصيل المحلية وتقاليد الطهي المتوارثة في هذه المناطق، ويمنح أطعمتها نكهات مميزة تعبر عن خصوصية المطبخ المحلي.

fried round food with celery on a frying pan

ملاحظات على توزيع دهون الطبخ

يرتبط استخدام الدهون المختلفة بالتقسيمات الجغرافية الطبيعية. تستخدم المناطق الساحلية المتوسطية زيت الزيتون، في حين تميل المناطق الصحراوية إلى الدهون الحيوانية. تتأثر المناطق الريفية بتوفر المصادر المحلية للدهون، فتستخدم السمن البلدي من الحليب في المناطق الرعوية والزراعية.

يرتبط استخدام الدهون أيضاً بالنمط الاقتصادي للمنطقة. تميل المناطق ذات الدخل المحدود إلى استخدام الزيوت الأقل تكلفة، في حين تستطيع المناطق الأكثر ثراءً الاستمرار في استخدام الدهون التقليدية الأعلى سعراً مثل زيت الزيتون والسمن البلدي.

تؤثر التقاليد الغذائية المتوارثة على اختيار الدهون. تعدّ بعض المناطق نوعاً معيناً من الدهون جزءاً أساسياً من هويتها الغذائية، مثل زيت الزيتون في بلاد الشام والمغرب العربي، أو السمن البلدي في اليمن والسودان.

خاتمة

يمثل توزيع دهون الطبخ في البلدان العربية خريطة غنية تظهر تنوع البيئات الطبيعية والتقاليد الغذائية والظروف الاقتصادية. تتطور هذه الخريطة مع تغير أنماط الحياة والعولمة ودخول منتجات جديدة إلى الأسواق، لكنها تحافظ على خصوصيتها المرتبطة بالتراث الغذائي الأصيل لكل منطقة.

تشكل دهون الطبخ المختلفة في البلدان العربية عنصراً أساسياً في تشكيل الهُوِيَّة الغذائية لكل منطقة، وتساهم في تنوع المطبخ العربي وغناه بالنكهات المميزة التي جعلته يحظى بشهرة عالمية واسعة.

مراجع

  • ابن سينا. (1593). “القانون في الطب”. دمشق: المطبعة الحكومية.
  • ابن سيار الوراق. (950). “كتاب الطبيخ”. تحقيق: كاي أوفانيسيان. (2010). بيروت: دار الغرب الإسلامي.
  • الأنصاري، ع. (2015). “الدهون الحيوانية ودورها في المطبخ البدوي”. مجلة الدراسات الغذائية العربية، 28(3)، 112-135.
  • الحمادي، ح. (2018). “زيت الزيتون في بلاد الشام: دراسة تاريخية وأثرية”. دمشق: منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب.
  • الخطيب، م. (2012). “الفلاحة النبطية: دراسة في تاريخ علوم الزراعة العربية”. القاهرة: دار الكتب المصرية.
  • الطحان، ج. (2019). “الدهون وأنماط استهلاكها في المجتمعات العربية المعاصرة”. المجلة العربية للتغذية، 42(1)، 27-49.
  • العوض، س. (2017). “زيت السمسم في التراث الغذائي السوداني: الاستخراج والاستخدامات”. الخرطوم: مركز دراسات التراث السوداني.
  • القاسمي، ب. (2014). “السمن البلدي في اليمن: تقنيات الإنتاج والخصائص الغذائية”. صنعاء: الهيئة اليمنية للبحوث الزراعية.
  • المهدي، ن. (2020). “خريطة الدهون الغذائية في المغرب العربي: دراسة ميدانية”. المجلة المغاربية للتراث الغذائي، 15(2)، 78-93.
  • بدر، أ. (2016). “التحولات في استخدام دهون الطهي في المدن العربية الكبرى”. مجلة العلوم الاجتماعية والإنسانية، 33(4)، 205-226.
  • خليل، ر. (2018). “زيت النخيل في المطبخ الصومالي”. مقديشو: مركز الدراسات الإفريقية.
  • Bottema, S., & Sarpaki, A. (2003). “Environmental change in Crete: a 9000-year record of Holocene vegetation history and the effect of the Santorini eruption”. The Holocene, 13(5), 733-749.
  • El-Gharbawi, M. (2019). “Traditional Fats in Arab Cuisine: Nutritional Analysis and Historical Context”. Journal of Ethnic Foods, 6(4), 289-301.
  • Hamdan, K. (2017). “The Mediterranean Diet: Olive Oil and Historical Food Practices in the Middle East”. International Journal of Food Science, 52(3), 412-429.
  • Hashim, L. (2021). “Economic Impact of Cooking Oil Consumption Patterns in Arab Countries”. Middle Eastern Economics Journal, 37(2), 156-172.
  • Mattingly, D. J. (1996). “First fruit? The olive in the Roman world”. In Human Landscapes in Classical Antiquity (pp. 231-267). Routledge.
  • Peres, C. M., & Xavier Malcata, F. (2012). “Olive oil and health benefits”. Handbook of Functional Dairy Products, 297-330.
  • Suleiman, A. (2020). “Sesame Oil Production and Consumption in Sudan and Eritrea: A Comparative Study”. African Food Studies Review, 18(3), 42-58.
  • Zohary, D., & Hopf, M. (2000). “Domestication of plants in the Old World: The origin and spread of cultivated plants in West Asia, Europe and the Nile Valley”. Oxford: Oxford University Press.

تاريخ النشر

آخر تحرير

عودة إلى …

اترك رد

مدوّنة البخاري تُدار بقدرة شخص واحد، دون مورد مالي عائد منها. لذلك فإنّ دعمنا بالتبرّع هو رافد عظيم لمنحنا القدرة على الاستمرار.

مرة واحدة
شهري
سنوي

دعمك يعيننا على الاستمرار

إنشاء تبرع شهري

إنشاء تبرع سنوي

اختيار مبلغ

€5.00
€15.00
€100.00
€5.00
€15.00
€100.00
€5.00
€15.00
€100.00

أو إدخال مبلغ مخصص


تحظى إسهاماتك بالتقدير.

تحظى إسهاماتك بالتقدير.

تحظى إسهاماتك بالتقدير.

تبرعالتبرع شهريًاالتبرع سنويًا

اكتشاف المزيد من مدوّنة البخاري

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading