شهدت سوريا في الخامس من تشرين أوّل أكتوبر 2025 حدثاً فارقاً في تاريخها السياسي الحديث، إذ جرت أوّل انتخابات برلمانية بعد سقوط نظام السفّاح بشار الأسد في كانون أوّل ديسمبر 2024. هذه الانتخابات، برغم طابعها الانتقالي وآليّاتها غير المألوفة، تمثّل خطوة نحو ملء الفراغ الدستوري وإعادة بناء المؤسّسات التشريعية في بلد خرج لتوّه من عقود من الحكم الأحادي.
تحمل الأرقام والبيانات المتعلّقة بهذه العملية دلالات عميقة حول طبيعة المرحلة الانتقالية وتحدّياتها، وتكشف عن الخيارات الصعبة التي واجهتها الحكومة الجديدة بين المثالية الديمقراطية والواقعية السياسية.

انتهت انتخابات مجلس الشعب السوري بانتخاب 119 عضواً من أصل 140 مقعداً مخصّصاً للانتخاب، فيما أُجّلت الانتخابات في 21 دائرة لأسباب أمنية وسياسية. سيضاف إلى هؤلاء 70 عضواً يعينهم الرئيس أحمد الشرع مباشرة، ليكتمل المجلس بـ 210 أعضاء يمارسون مهامهم التشريعية والرقابية 30 شهراً قابلة للتجديد. اعتمدت العملية الانتخابية على نظام غير مباشر استثنائي، اقتصر فيه حقّ التصويت على ستّة آلاف عضو من هيئات نخبوية منتخبة أصولاً، وليس على عموم المواطنين، في تحوّل جذري عن النمط الانتخابي السابق برغم كل عيوبه.

توزيع المقاعد: خريطة البرلمان الجديد
يتألّف مجلس الشعب الجديد من 210 مقاعد موزّعة على ثلاث فئات متباينة في آليّات شغلها. الفئة الأولى تضم 119 مقعداً منتخباً فعليّاً، تمثل 56.67% من إجمالي المجلس، وهي المقاعد التي شهدت منافسة حقيقية بين 1578 مرشّحاً في 49 دائرة انتخابية عبر 11 محافظة. أمّا الفئة الثانية فتشمل 70 مقعداً معيّناً، تشكّل 33.33% من المجلس، وسيختارها الرئيس مباشرة لسدّ الثغرات في التمثيل وضمان التنوّع، خاصّة بعد الانتقادات الموجهة لضعف تمثيل المرأة والأقلّيّات الدينية في المقاعد المنتخبة. وتبقى الفئة الثالثة، وهي 21 مقعداً مؤجّلاً تمثّل 10% من المجلس، معلّقة في انتظار تحسّن الأوضاع الأمنية والسياسية في محافظات الرقة والحسكة والسويداء.

يكشف هذا التوزيع الثلاثي عن طبيعة المرحلة الانتقالية وتعقيداتها، فالمقاعد المنتخبة تمنح شرعية شعبية نسبية للمجلس، في حين تتيح المقاعد المعيّنة للسلطة التنفيذية تصحيح اختلالات التمثيل، فيما تظهر المقاعد المؤجلة استمرار الانقسامات الجغرافية والسياسية التي لم تحسمها نهاية نظام الأسد.
التوزيع الجغرافي: صورة سوريا الانتخابية
تتفاوت المحافظات السورية الأربع عشرة تفاوتاً كبيراً في مشاركتها الانتخابية وحصصها من المقاعد. استحوذت حلب، أكبر محافظات سوريا سكّاناً، على النصيب الأكبر بـ 32 مقعداً، تليها دمشق بـ 18 مقعداً، ثم ريف دمشق بـ 15 مقعداً (دمشق وريفها 33 مقعد). هذا التوزيع استند إلى بيانات سكّانية قديمة تعود لعام 2011، نظراً لغياب إحصاءات دقيقة حديثة بعد سنوات الحرب والنزوح. حمص حصلت على 12 مقعداً، وحماة على 10 مقاعد، واللّاذقية على 8 مقاعد، وكذلك إدلب، في حين نالت طرطوس 6 مقاعد، ودرعا 5 مقاعد، ودير الزور 3 مقاعد، والقنيطرة مقعدين فقط.

نجحت 11 محافظة في إكمال عمليّاتها الانتخابية بنجاح، وهو ما يمثّل 78.6% من المحافظات السورية، فيما شهدت محافظتان – الرقّة والحسكة – تأجيلاً جزئياً في بعض دوائرهما الانتخابية، خاصّة في المناطق الخاضعة لاحتلال قوّات قسد الإرهابي مثل معدان ورأس العين وتل أبيض. أمّا السويداء فشهدت تأجيلاً كلّيّاً لجميع دوائرها الانتخابية نتيجة اعتراضات محلّية محميّة إسرائيليّاً على آلية الانتخاب وغياب التوافق السياسي. هذا الواقع الجغرافي المتشظّي يعني أنّ 85% من المقاعد المنتخبة جاءت من محافظات تمثّل جزءاً فقط من الخريطة السورية، في حين بقيت مساحات واسعة خارج العملية الانتخابية، ممّا يطرح تساؤلات حول تمثيلية المجلس الجديد.

يظهر توزيع المقاعد البرلمانية تفاوتاً كبيراً في قوّة التمثيل بين مناطق سوريا نتيجة الاختلافات الطبيعية في الكثافة السكّانية. حيث تستحوذ خمس محافظات كبرى (حلب وحمص وحماة وإدلب وريف دمشق) مجتمعة على أكثر من نصف المقاعد المنتخبة بواقع 80 مقعداً من أصل 119، في حين تحصل محافظات متوسطة مثل دمشق ودير الزور على تمثيل أقل. وتتدرّج المحافظات الأصغر سكّاناً مثل اللاذقية ودرعا وطرطوس والقنيطرة نحو الأسفل بما يتناسب مع أحجامها السكّانية. غير أنّ التحدّي الأكبر يبقى في حرمان ثلاث محافظات (السويداء والرقّة والحسكة) من العملية الانتخابية بسبب ظروف أمنية وسياسية خارجة عن إرادة اللّجنة العليا، ممّا أدّى إلى غياب التمثيل المباشر لملايين السوريّين وتعميق التحدّيات التي تواجهها المرحلة الانتقالية في بناء مؤسّسات تمثيلية شاملة في بلد يخرج من عقود من الاستبداد وسنوات من الانقسام.
المرشّحون: لمحة إلى التركيبة
تنافس 1578 مرشّحاً على 140 مقعداً مخصّصاً للانتخاب، بمعدّل 11 مرشّحاً لكلّ مقعد تقريباً، وهي نسبة تنافسية معقولة برغم محدودية العملية الانتخابية. لكنّ اللّافت للنظر هو التمثيل الضعيف للمرأة، إذ لم تتجاوز نسبة المرشّحات 14% فقط، أي 221 امرأة مقابل 1357 رجلاً.

انعكس هذا الخلّل الجندري بدوره على النتائج النهائية، فلم تفز سوى نسبة ضئيلة من النساء بمقاعد في المجلس، وهو ما دفع المتحدث باسم اللّجنة العليا للانتخابات إلى وصف تمثيل المرأة بأنّه “غير مرضٍ” ولا يتناسب مع دورها في المجتمع السوري.
من الجوانب اللّافتة أيضاً ترشح السوري الأمريكي هنري حمرا، نجل آخر حاخام يهودي غادر سوريا في التسعينيات، ليصبح أوّل مرشّح من الطائفة اليهودية منذ نحو سبع عقود، في إشارة رمزية إلى التنوّع الديني والانفتاح المأمول. غير أنّ التنوّع الديني في النتائج النهائية جاء محدوداً، فلم يفز سوى مرشّحَين مسيحيَّين فقط، وهو ما وُصف بالتمثيل “الضعيف” بالنظر إلى نسبة المسيحيّين في سوريا.
التكوين المستهدف: برلمان الخبراء
صُمّم النظام الانتخابي الانتقالي ليُنتج مجلساً ذا طابع تقني ومهني أكثر منه سياسيّاً وحزبيّاً. لم يكن المعيار المحوري في اختيار الأعضاء الانتماء السياسي أو الشعبية الجماهيرية، بل الكفاءة العلمية والخبرة المهنية. لذلك خُصّص 70% من المقاعد المنتخبة للأكاديميّين والخبراء، أي نحو 83 مقعداً من أصل 119 منتخباً فعليّاً، فيما خُصّصت نسبة الـ 30% المتبقّية لأعيان وشخصيّات مجتمعية بارزة، أي نحو 36 مقعداً، مع تفضيل من يحملون مؤهّلات أكاديمية أيضاً.

يظهر هذا التوجّه رؤية الحكومة الانتقالية في بناء مؤسّسة تشريعية قادرة على صياغة قوانين معقّدة ومراجعة التشريعات القديمة والإشراف على إعادة بناء مؤسّسات الدولة، مهام تتطلّب خبرات قانونية واقتصادية وإدارية متخصّصة. لكنّ هذا النهج النخبوي يثير تساؤلات حول الفجوة بين المجلس والمواطن العادي، وحول قدرة برلمان الخبراء على التعبير عن تطلّعات شرائح المجتمع المختلفة، خاصّة الفئات الشعبية والفقيرة التي قد لا تجد لها صوتاً قويّاً في مجلس يهيمن عليه الأكاديميّون ورجال الأعمال.
الجدول الزمني: سباق مع الوقت
بدأت الرحلة في الثامن من كانون أوّل ديسمبر 2024، حين سقط نظام الأسد بعد 53 عاماً من حكم الأسرة و61 عاماً من حكم حزب البعث. بعد 52 يوماً فقط، في 29 كانون ثاني يناير 2025، أصدر الرئيس أحمد الشرع قراراً بحلّ مجلس الشعب القديم المنتخب في تمّوز يوليو 2024، إيذاناً ببدء المرحلة الانتقالية رسميّاً. ثمّ جاءت أطول فترة في المسار الانتخابي، وهي الأشهر السبعة بين حلّ المجلس وتحديد الدوائر الانتخابية في 26 آب أغسطس 2025، فترة استُغلّت في التشاورات والتخطيط وإعداد اللّجان الانتخابية وتشكيل الهيئات المحلية.
بعد تحديد الدوائر الانتخابية، تسارعت الأحداث بشكل ملحوظ. فُتح باب الترشّح وأُغلق بعد 33 يوماً في 28 أيلول سبتمبر، وانطلقت الحملة الدعائية في اليوم التالي مباشرة واستمرّت ستّة أيّام فقط حتى الرابع من تشرين أوّل أكتوبر، وهو يوم الصمت الانتخابي. ثمّ جاء يوم الانتخابات في الخامس من تشرين أوّل أكتوبر، وفي اليوم التالي مباشرة، السادس من تشرين أوّل أكتوبر، أُعلنت النتائج النهائية غير القابلة للطعن.
هذا التسلسل الزمني يكشف عن إصرار الحكومة الانتقالية على إنجاز العملية الانتخابية بسرعة نسبية، فخلال عشرة أشهر فقط من سقوط نظام الأسد، نجحت سوريا في تشكيل مجلس تشريعي جديد، برغم كلّ التحدّيات الأمنية والإدارية. لكنّ هذه السرعة لها ثمنها، فالفترة القصيرة للحملة الدعائية والاعتماد على هيئات نخبوية بدلاً من الانتخاب الشعبي المباشر يطرحان تساؤلات حول عمق المشاركة الشعبية ونضج العملية الانتخابية.

المقارنة بين النظامين: انقطاع أم استمرار؟
انخفض عدد مقاعد مجلس الشعب من 250 مقعداً في عهد الأسد إلى 210 مقاعد في النظام الانتقالي، بانخفاض نسبته 16%، لكنّ الفرق الحقيقي لا يكمن في الأرقام بل في الآليات والمضامين. في عهد الأسد، كانت الانتخابات مباشرة وشعبية شكليّاً، إذ بلغ عدد من لهم حقّ الاقتراع 19.2 مليون مواطن، صوّت منهم 7.3 مليون بنسبة مشاركة 38% في انتخابات 2024. لكن برغم هذا الحجم الكبير من الناخبين، كانت السيطرة السياسية مُحكمة، فحزب البعث وحده حصد 170 مقعداً من أصل 250، أي 68%، وحلفاؤه في الجبهة الوطنية التقدمية رفعوا الحصّة إلى 184 مقعداً، أي 73.6%، تاركين للمستقلّين 66 مقعداً فقط، وهم مستقلّون بالاسم لا بالممارسة في معظم الحالات.

في المقابل، اعتمد النظام الانتقالي على انتخاب غير مباشر يقتصر على 6000 عضو من هيئات نخبوية منتخبة، أي 0.03% فقط من السكّان. هذا التحوّل الجذري من 19 مليون ناخب محتمل إلى 6000 ناخب فعلي يمثّل انحساراً هائلاً في المشاركة الشعبية المباشرة، برغم أنّ النظام السابق لم يكن ديمقراطيّاً حقيقيّاً. لكنّ النظام الجديد ألغى السيطرة الحزبية الأحادية، فلا مقاعد لحزب البعث أو أي حزب آخر، بل حُظرت الأحزاب مؤقّتاً في هذه المرحلة، واستُبدلت بنظام تعيين رئاسي لـ 70 مقعداً، تمثل 33.3% من المجلس، وهي نسبة أقل من هيمنة البعث السابقة لكنّها تمنح الرئيس نفوذاً كبيراً في تشكيل البرلمان.
التعدّدية السياسية في النظام القديم كانت محدودة ومقيدة بالجبهة الوطنية التقدمية فقط، أمّا في النظام الجديد فالوضع غير واضح، فالمرحلة الانتقالية تفترض الانفتاح والتنوّع، لكن غياب الأحزاب وهيمنة التعيين الرئاسي على ثلث المجلس تخلق غموضاً حول مستقبل التعدّدية. مدّة الولاية أيضاً تغيّرت من 4 سنوات إلى 30 شهراً قابلة للتجديد، ما يظهر الطابع المؤقت لهذا المجلس الذي يُفترض أن يمهّد لدستور دائم وانتخابات حقيقية.

خاتمة
تحمل أرقام انتخابات مجلس الشعب السوري 2025 دلالات متناقضة. فمن جهة، تمثّل خطوة إيجابية نحو ملء الفراغ الدستوري وإعادة بناء المؤسّسات بعد عقود من الاستبداد، ومن جهة أخرى، تكشف عن قيود المرحلة الانتقالية وتحدّياتها.
الانتخاب غير المباشر، برغم مبرراته العملية، يُبعد الجمهور العريض عن المشاركة السياسية المباشرة. وضعف تمثيل المرأة والأقلّيّات يظهر استمرار أنماط تقليدية في التفكير السياسي. كذلك، التأجيل في ثلاث محافظات يُظهر استمرار الانقسامات الجغرافية والسياسية. لكنّ السرعة النسبية في إنجاز العملية، والتنوّع في المرشّحين، والنهج النخبوي الذي يُفضّل الكفاءة على الولاء الحزبي، كلّها عناصر تُشير إلى رغبة في التغيير، وإن كانت الطريق لا تزال طويلة وشاقّة نحو ديمقراطية حقيقية ومشاركة شعبية واسعة.





اترك رد