الأرز إحدى أعمدة الأمن الغذائي للبشرية، إذ يعتمد عليه أكثر من نصف سكّان المعمورة قوتاً رئيساً. غير أنّ قصّة هذه الحبّة الصغيرة تتجاوز كونها مجرّد طعام، فهي سجلّ حيّ لتاريخ الحضارات وتنقّلاتها، وشاهد على تبادل المعارف بين الأمم، ودليل على كيفية تشكيل السياسات والحروب لمصائر الشعوب الاقتصادية.
في هذا المقال نتتبّع مسيرة الأرز منذ بداياته البرّية على ضفاف الأنهار العظيمة، مروراً بازدهاره في العصور الإسلامية، وصولاً إلى تدميره المنهجي على أيدي الغزاة المغول، وما خلّفه ذلك من آثار لا تزال ماثلة حتّى يومنا هذا.

من ضفاف نهر چَنگ ژيَنگ إلى موائد العالم
ينبع نهر چَنگ ژيَنگ العظيم من جبال التيبت، ويشقّ طريقه عبر بدن الصين متعرّجاً شرقاً حتّى يصبّ في بحر الصين الشرقي عند مدينة شنگهاي. هذا النهر، الذي يُعدّ أطول أنهار آسيا ورافد حضارتها الأوّل، شهدت ضفافه قبل نحو أربعة عشر ألف سنة ميلاد أولى زراعات الأرز التجارية في العالم. منذ ذلك الحين انتشر الأرز عبر القارّات ليصبح عماداً اقتصاديّاً لدول بِرُمَّتها، وليتفرّع إلى نحو أربعين ألف نوع نعرفها اليوم.
لكنّ هذه الرحلة الحضارية لم تخلُ من منعطفات مأساوية، إذ شهدت المنطقة العربية والإسلامية ازدهاراً عظيماً في زراعة الأرز نشرته الدول الإسلامية غرباً وشرقاً، قبل أن يأتي الغزو المغولي في القرن الثالث عشر الميلادي ليدمّر هذه الزراعة تدميراً ممنهجاً، تاركاً المنطقة تعاني تبعات ذلك التدمير حتّى عصرنا الحاضر.

البدايات: من الحصاد البرّي إلى الثورة الزراعية
استهلك الإنسان الأرز البرّي منذ أزمان سحيقة، إذ انتشر حصاد هذه العشبة واستهلاكها على طرفي المحيط الهادئ في شرق آسيا وأميركا الشمالية على السواء. غير أنّ الانتقال من الحصاد البرّي إلى الزراعة المنظّمة استغرق آلاف السنين من المحاولات والتجارب. في الصين بدأت محاولات زراعة الأرز على نطاق ضيّق، إلى أن شهدت المنطقة قبل نحو ثمانية آلاف ومئتي سنة ثورة زراعية حقيقية، طوّرت نوعية جديدة نسمّيها الأرز الآسيوي الأمّ، الذي انتشر في الصين وصار عماداً اقتصادياً لدولها، ثمّ خرج منها لينتشر في أصقاع المعمورة.
يُصنّف علماء النبات الأنواع الأمّ من الأرز ضمن ستّة تصنيفات رئيسة، لكلّ منها قصّة تطوّر فريدة ترتبط بحضارة من الحضارات البشرية. فالأرز الأحمر البرّي، المعروف باللاتينية باسم Oryza rufipogon، انتشر عشبة برّية في مختلف أنحاء شرق آسيا وأميركا، واعتاش عليه الإنسان لآلاف السنين. بدأت زراعته المنظّمة قبل نحو ثلاثة عشر ألفاً وخمسمئة سنة على ضفاف نهر چَنگ ژيَنگ، ليتطوّر عنه خلال خمسة آلاف وثلاثمئة سنة الأرز الآسيوي الذي نعرفه اليوم.
أمّا الأرز البرّي الأميركي، المعروف بالأميركية الأصلية باسم مَنومِن، فقد انتشر كذلك عشبة برّية في شمال أميركا وفي منشوريا شرق الصين، وهو شقيق الأرز الأحمر البرّي. اعتاد الأميركيّون الأصليّون أكل نبتته كاملة دون الاكتفاء بحبّات الأرز وحدها، ونشروه في جميع بحيرات القارّة طريقة زراعة بدائية تساعد على انتشار العشبة البرّية، لينجح بعضها فيحصدوه. لاحقاً بدأت عمليّات زراعته المنظّمة في أميركا الشمالية والجنوبية قبل نحو ألفين وخمسمئة سنة.
يأتي الأرز الآسيوي، المعروف باللّاتينية باسم Oryza sativa أي الأرز المحصود، في صدارة الأنواع الأمّ من حيث الأهمّية الاقتصادية والانتشار العالمي. بدأ حصاد هذا النوع قبل نحو تسعة آلاف وستّمئة سنة على ضفاف نهر چَنگ ژيَنگ، وتفرّع عنه منذ القديم عدّة أنواع، أهمّها اليوم الأرز الدبق قصير الحبّة المسمّى سِنِقة أو يابونيقة japonica، وأرز الحبّة الطويلة هندِيقة indica الذي انتشر في جنوب آسيا وصار أساس الزراعات في شبه القارّة الهندية.

الأرز الأفريقي: مسار موازٍ للتطوّر الزراعي
شهدت القارّة الأفريقية مساراً موازياً ومستقلّاً لتطوّر زراعة الأرز، يشهد على عبقرية الإنسان الأفريقي وقدرته على تطويع البيئة المحيطة به. انتشر الأرز الأفريقي البرّي، المعروف باللّاتينية باسم Oryza barthii، عشبة برّية في عموم القارّة قبل تصحّر الصحراء الكبرى، ثمّ انحسر إلى جنوب الساحل وابتعد عن جنوب أفريقيا مع التغيّرات المناخية الكبرى. اعتاد الأفريقيّون حصاده برّياً لآلاف السنين، ثمّ نثروه بين بحيرات المنطقة على غرار ما فعل الأميركيّون، لينمو بشكل طبيعي ثمّ يُحصد، إلى أن تطوّر عنه الأرز الأفريقي المستأنس.
هذا الأرز الأفريقي، المعروف باللاتينية باسم Oryza glaberrima، بدأ حصاده المنظّم قبل نحو خمسة آلاف سنة على ضفاف نهر النيجر، لا سيّما في مالي، وانتشر منها عبر غرب أفريقيا حتّى وصل زنجبار على الساحل الشرقي قبل نحو ثلاثة آلاف سنة. في العهد الإسلامي أضحى الأرز الأفريقي إحدى أهمّ صادرات الدول الإسلامية في شرق وجنوب أفريقيا، قادماً من منطقة البحيرات الكبرى والساحل، ليربط بذلك التجارة الإسلامية بين شرق القارّة وغربها.
أمّا الأرز الأمازوني، المعروف باللاتينية باسم Oryza sp، فهو صنف متفرّع عن الأرز الأفريقي glaberrima، بدأت زراعته وحصاده في منطقة الأمازون بالبرازيل قبل نحو أربعة آلاف سنة. ويُشكّل هذا النوع دليلاً مهمّاً على وجود تواصل قديم بين غرب أفريقيا وأميركا الجنوبية، ممّا يفتح آفاقاً جديدة لفهم حركة الشعوب والحضارات قبل العصور الحديثة.

وصول الأرز إلى الديار العربية: طريق التجارة والزراعة
دخل الأرز إلى المنطقة العربية عبر طريقين رئيسين، شرقي وغربي، يظهر كلّ منهما شبكة من العلاقات التجارية والحضارية المعقّدة.
في العهد الأسّوري، أي قبل نحو ثلاثة آلاف ومئتي سنة، بدأت زراعة الأرز في جنوب العراق إلى جانب جبال اليمن، مستعملة البذرة الآسيويّة الطويلة القادمة من جنوب شرق آسيا عبر ما يُعرف بطريق الأرز، الذي مرّ من كاشغر عبر پاكستان إلى عُمان ثمّ اليمن. في الوقت نفسه بدأت زراعة الأرز في جنوب مصر والسودان مستعيرة البذرة الأفريقية التي تطوّرت على ضفاف النيجر، ممّا يدلّ على تبادل معرفي وتجاري نشيطٌ بين وادي النيل والساحل الأفريقي.
تُشير الآثار التاريخية القديمة كذلك إلى وجود زراعة قديمة للأرز، الآسيوي غالباً، في واحة الأحساء شرق السعودية المعاصرة، ممّا يدلّ على انتشار هذه الزراعة في المناطق الخصبة والغنيّة بالمياه في شبه الجزيرة العربية.

العصر العبّاسي: الثورة الزراعية ونشر الأرز غرباً
شهد العصر العبّاسي ثورة زراعية حقيقية في مجال زراعة الأرز، إذ أدركت الدولة العبّاسية الأهمّية الاقتصادية والغذائية لهذا المحصول، فشرعت في مشروع حكومي طموح لنقل زراعة الأرز العراقي إلى مناطق جديدة. وبدأ المشروع بنقل الزراعة إلى منطقة نصيبين في الشمال، ومع نجاحه الباهر كرّرته الدولة على سواحل البحر الطبري فيما كان يُعرف بولاية طبرستان، وهي منطقة البُرز في گيلان الحالية. لم تكن هذه المشاريع الحكومية عشوائية، بل كانت مدروسة بعناية، تأخذ في الحسبان الظروف المناخية وتوفّر المياه والتربة الملائمة.
لم تتوقّف جهود نشر زراعة الأرز عند هذا الحدّ، فقد تداولت الدول الإسلامية المتعاقبة هذا المشروع الحضاري، ونشرت زراعة الأرز العراقي في مختلف أنحاء غرب آسيا، حتّى وصلت إلى وادي الڤولگا عبر استثمار عبّاسي في الدولة القازانية، التي زارتها السفارة الشهيرة لأحمد بن فضلان. كان الأرز في هذه الفترة سلعة استراتيجية، وكانت معرفة زراعته تُنقل بين الأقاليم الإسلامية المختلفة جزء من التبادل المعرفي والحضاري الذي ميّز العصر الذهبي للحضارة الإسلامية.

المشروع الزراعي العبّاسي
شهد العصر العبّاسي تحوّلاً جذرياً في السياسة الزراعية للدولة الإسلامية، إذ أدركت الخلافة العبّاسية أنّ القوّة الاقتصادية والاستقرار السياسي يرتكزان على أساس زراعي متين ومتنوّع. في هذا الإطار، انطلق مشروع حكومي طموح لنشر زراعة الأرز، تلك الحبّة التي كانت معروفة في جنوب العراق منذ العصر الأسّوري، لكنّها ظلّت محدودة الانتشار حتّى جاءت الدولة العبّاسية لتحوّلها إلى مشروع قومي يمتدّ من بلاد الرافدين إلى أقاصي الشرق الأوروپي.

العراق: مهد المشروع العبّاسي
كان العراق في العهد السّاساني يشهد زراعة محدودة للأرز في المناطق المرويّة جنوب بلاد الرافدين، وخاصّة في منطقة الأهواز وخوزستان. تُشير النصوص الآشورية الحديثة من القرنين الثامن والسابع قبل الميلاد إلى أنّ زراعة الأرز، المعروف بالأگّدية باسم “كُرانگُ” kurângu، كانت راسخة في المناطق المرويّة بكثافة في قلب بلاد الجزيرة العليا (شمال العراق وسوريا)، وإن لم تكن منافسة للشعير أو أصناف القمح المتنوّعة التي ظلّت عماد الزراعة السورية النهرينية. غير أنّ الأرز ظلّ محصولاً هامشيّاً، لا يحظى بالاهتمام الحكومي الكافي، ولا تُوجّه إليه الاستثمارات الضرورية لتوسيع نطاق زراعته.
مع قيام الخلافة العبّاسية وتأسيس بغداد عاصمة للدولة سنة 762 ميلادية، تغيّر الوضع تماماً. أدرك الخلفاء العبّاسيون أنّ النموّ الحضري المتسارع لبغداد، التي سرعان ما أضحت أكبر مدن العالم، يتطلّب تنويعاً في الإنتاج الزراعي لتلبية احتياجات السكّان المتزايدة. ولم يكن الأرز مجرّد محصول غذائي، بل رمزاً للرفاه والتحضّر، إذ ارتبط استهلاكه بالطبقات الحضرية والنخب الحاكمة. في هذا السياق، ازدهرت زراعة الأرز في العراق العبّاسي، مستفيدة من شبكة الريّ العظيمة التي ورثتها الدولة عن الأمويّين والساسانيّين والأشكان من قبلهم، وطوّرتها بشكل أكبر.
يُعلّق المؤرّخون على أنّ زراعة الأرز والمحاصيل الاستوائية الأخرى مثل القطن وقصب السكّر والحمضيّات والتوت ازدهرت في بلاد إيران والعراق استجابة للنموّ الحضري والطلب المتزايد في ظلّ الخلفاء الأول. كانت هذه المحاصيل تُزرع في مناطق محدّدة ذات ظروف مناخية وهيدرولوجية مناسبة، وكانت تتطلّب استثمارات ضخمة في البنية التحتية للريّ، ممّا جعلها مشاريع تُشرف عليها الدولة مباشرة أو المؤسّسات الكبرى مثل المعابد والأوقاف الدينية.

التوسّع الشمالي: من نصيبين إلى سواحل قزوين
في خطوة استراتيجية مدروسة، شرعت الدولة العبّاسية في نقل زراعة الأرز إلى مناطق جديدة. كان المشروع الأوّل يستهدف منطقة نصيبين في شمال بلاد النهرين (الجزيرة العليا)، وهي منطقة ذات موارد مائية جيّدة وتربة خصبة. اختيار نصيبين لم يكن عشوائياً، فالمنطقة كانت تُمثّل نقطة التقاء بين العراق والشام والأناضول، ممّا يجعلها مركزاً مثاليّاً لنشر هذه الزراعة الجديدة. ونجح المشروع نجاحاً باهراً، إذ تكيّف الأرز العراقي مع الظروف المناخية في الشمال، وأصبحت نصيبين منتجاً مهمّاً لهذا المحصول.
شجّع هذا النجاح الدولة العبّاسية على تكرار التجربة في مناطق أبعد. كان الهدف التالي هو سواحل بحر قزوين، سيّما في المناطق المعروفة بولاية طبرستان، وهي تُقابل اليوم مناطق گيلان ومازندران في شمال إيران. كانت هذه المناطق تتمتّع بمناخ رطب استثنائي بالمقارنة مع بقيّة الهضبة الإيرانية، إذ تحجب جبال البُرز الرياح الجافّة القادمة من الداخل، وتُبقي على الرطوبة القادمة من بحر قزوين، ممّا يخلق بيئة مثالية لزراعة الأرز.
تُشير المصادر إلى أنّ زراعة الأرز في المناطق القزوينية من إيران ازدهرت بشكل خاصّ خلال الفترة الإسلامية المبكّرة. المصطلح الفارسي “برنج” نفسه، المشتقّ من السنسكريتية “ڤريهي”، يدلّ على أنّ الأرز وصل إلى بلاد إيران من جنوب شرق آسيا وشبه القارّة الهندية عبر طرق التجارة القديمة. لكنّ الدولة العبّاسية لم تكتفِ باستيراد البذور، بل نظّمت عمليّة نقل المعرفة الزراعية، إذ أُرسل المزارعون العراقيون الخبراء إلى المناطق الجديدة لتعليم السكّان المحليّين تقنيات زراعة الأرز وإدارة حقول الأرز المغمورة بالمياه، وهي تقنية معقّدة تتطلّب خبرة متراكمة.
بحلول القرن التاسع الميلادي، أضحت گيلان ومازندران من أهمّ مناطق إنتاج الأرز في العالم الإسلامي. تُذكر المصادر التاريخية من القرن الثالث عشر، أي في العهد الإلخاني، أنّ الأرز كان يُزرع في أذربايجان وفارس وخوزستان والأقاليم القزوينية، وهي ذات المناطق التي لا تزال حتّى اليوم المناطق الرئيسة لإنتاج الأرز في إيران. يشهد هذا الاستمرار عبر القرون على عمق الجذور التي ضربتها هذه الزراعة في تلك المناطق منذ العصر العبّاسي.

الامتداد غرباً وشمالاً: الأرز يصل إلى قازان
لم تتوقّف الدولة العبّاسية عند حدود إيران، بل واصلت مشروعها التوسّعي ليشمل مناطق أبعد شمالاً وغرباً. كانت الدولة القازانية، الواقعة على نهر الڤولگا، هدفاً استراتيجيّاً للدولة العبّاسية. في سنة 921-922 ميلادية، أرسل الخليفة العبّاسي المقتدر بالله سفارة رسمية إلى ألمُش، ملك الدولة القازانية (الڤولگا بُلغار)، برئاسة أحمد بن فضلان. كانت هذه السفارة تحمل أهدافاً متعدّدة: نشر الإسلام، تقديم المساعدة العسكرية والهندسية لبناء حصن يحمي الدولة من هجمات الخزر، وأخيراً نقل المعارف الزراعية والتقنيات الحضرية.
زار ابن فضلان عاصمة الدولة القازانية “بُلغار”، الواقعة على بُعد 160 كيلومتراً جنوب قازان الحديثة، ودوّن ملاحظات دقيقة عن المجتمع القازاني. يصف ابن فضلان مجتمعاً يعتمد بشكل كبير على الزراعة والتجارة، إذ كان للدولة القازانية إنتاج زراعي كبير يُصدّر بعضه إلى الخارج. يُذكر المؤرّخون أنّ المجتمع القازاني في زمن ابن فضلان لم يكن إقطاعياً، فالخان لم يكن له نصيب في الإنتاج الزراعي الذي كان ملكاً كاملاً للفلّاحين، بل كانت مصادر دخله الضرائب على التجارة والأعراس والفراء والغنائم الحربية.
في هذا السياق، نقلت السفارة العبّاسية معارف زراعة الأرز إلى المنطقة. كانت التجربة جريئة، إذ إنّ المناخ في منطقة الڤولگا أبرد بكثير من العراق أو حتّى من گيلان، ممّا يتطلّب تكييف تقنيات الزراعة وانتقاء الأصناف الأكثر تحمّلاً للبرد. نجحت التجربة في المناطق المحيطة بنهر الڤولگا وروافده، خاصّة في المناطق المنخفضة ذات التربة الغنيّة والرطوبة الكافية. غير أنّ زراعة الأرز في هذه المناطق ظلّت محدودة النطاق بالمقارنة مع المناطق الجنوبية، ولم تُصبح محصولاً رئيساً، بل كانت تُزرع في مناطق محدّدة وتُستهلك أساساً من قبل النخب الحاكمة والتجّار الأثرياء.
تطوّرت الدولة القازانية لتُصبح مركزاً تجاريّاً مهمّاً يربط أوروپا بالعالم الإسلامي. كانت بُلغار تستقبل التجّار من الڤايكنگ في الشمال، ومن بجارمالاند ويوگرا والننتس في أقصى الشمال، ومن بغداد والقسطنطينية في الجنوب، ومن أوروپا الغربية إلى الصين في الشرق. سهّلت هذه الشبكة التجارية الواسعة انتشار المعارف الزراعية، إذ إنّ التجّار لم يكونوا ينقلون البضائع فحسب، بل كانوا ينقلون كذلك الأفكار والتقنيات والبذور.
الاستثمار العبّاسي والدعم المؤسّسي
لم يكن نشر زراعة الأرز مجرّد مبادرة عفوية، بل كان مشروعاً حكوميّاً منظّماً تدعمه الدولة بكلّ إمكاناتها. شمل الدعم الحكومي عدّة جوانب:
- أوّلاً، الاستثمار المباشر في بناء البنية التحتية للريّ، إذ إنّ زراعة الأرز تتطلّب كميّات كبيرة من المياه وشبكة معقّدة من القنوات والسدود.
- ثانياً، إرسال الخبراء الزراعيّين لتدريب المزارعين المحليّين.
- ثالثاً، تقديم الحوافز الاقتصادية للمزارعين الذين يتبنّون الزراعة الجديدة، سواء عبر إعفاءات ضريبية مؤقّتة أو عبر توفير البذور والمعدّات بأسعار مدعومة.
شاركت المؤسّسات الدينية، وخاصّة الأوقاف الإسلامية، في هذا المشروع. كانت الأوقاف تمتلك مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، وكان لها دور محوري في تطوير الزراعة وإدخال محاصيل جديدة. وتُظهر الدراسات أنّ انتشار زراعة الأرز في بعض المناطق، مثل البلقان العثماني لاحقاً، كان مرتبطاً بشكل وثيق بزيادة وقف أراضي الدولة للمؤسّسات الخيرية الإسلامية، التي كانت تستثمر في تطوير هذه الأراضي وإدخال محاصيل مربحة كالأرز.

الأدب الزراعي العربي وتدوين المعرفة
رافق هذا التوسّع الزراعي ازدهار غير مسبوق في الأدب الزراعي العربي. في القرن العاشر، وصل إلى الأندلس أوّل كتاب عربي في الزراعة، وهو “الفلاحة النبطية” لابن وحشيّة، القادم من العراق (منطقة الكوفة). تلاه مؤلّفون أندلسيّون مثل الزهراوي من قرطبة حوالي سنة 1000 ميلادية، الذي ألّف “مختصر كتاب الفلاحة”. في القرن الحادي عشر، كتب ابن بصّال الطليطلي “ديوان الفلاحة”، واصفاً 177 نوعاً من النباتات بعد أن سافر على نطاق واسع عبر العالم الإسلامي وعاد بمعرفة مفصّلة بعلم الزراعة. في القرن الثاني عشر، كتب ابن العوّام “كتاب الفلاحة”، الذي يُعدّ من أشمل الكتب الزراعية في التراث الإسلامي.
لم تكن هذه الكتب نظرية فحسب، بل كانت دلائل عملية تشرح بالتفصيل كيفية زراعة مختلف المحاصيل، بما فيها الأرز، وكيفية إدارة الريّ، ومعالجة الأمراض، والحصاد، والتخزين. كان هذا التدوين للمعرفة الزراعية عاملاً حاسماً في نجاح المشروع التوسّعي، إذ سهّل نقل المعرفة عبر المسافات الشاسعة وضمن استمراريّة الممارسات الزراعية الجيّدة حتّى بعد رحيل الخبراء الأوائل.
التحدّيات والقيود
برغم النجاحات الكبيرة، واجه مشروع نشر زراعة الأرز تحدّيات جمّة. أهمّ هذه التحدّيات كان المتطلّبات المائية الهائلة للأرز، إذ إنّ زراعته في المناطق القاحلة من غرب آسيا تتطلّب عملاً مكثّفاً وإدارة دقيقة للموارد المائية. كما أنّ زراعة الأرز في المياه الراكدة يمكن أن تؤدّي إلى تملّح التربة، وهي مشكلة شديدة الْخَطَر في العراق وإيران. تطلّبت معالجة هذه المشكلة دورات منتظمة من تصريف المياه وإعادة الريّ، وهو ما كان معروفاً في المصادر التاريخية من أفغانستان وسوريا، إذ كانت حقول الأرز تُبقى صغيرة وتُترك بوراً لفترات ثلاث سنوات.
بالإضافة إلى ذلك، كان هناك تحدٍّ ثقافي، إذ إنّ الشعير والقمح ظلّا المحاصيل المهيمنة على النظام الغذائي في معظم أنحاء العالم الإسلامي. استهلاك الأرز كان مرتبطاً في البداية بالنخب الحضرية والمناسبات الخاصّة، ولم يتحوّل إلى غذاء يومي للعموم إلّا تدريجيّاً وفي مناطق محدّدة. ويفسّر هذا لماذا ظلّ الأرز، برغم انتشار زراعته، محصولاً ثانوياً بالمقارنة مع الحبوب التقليدية في معظم المناطق الإسلامية حتّى العصور الحديثة.
الإرث العبّاسي الدائم
نجح المشروع العبّاسي في تأسيس تقليد زراعي متين للأرز في مناطق واسعة من غرب آسيا وشرق أوروپا. وصمد هذا التقليد قروناً طويلة، وأصبح الأرز جزءاً لا يتجزّأ من النظام الغذائي والهويّة الحضارية لهذه المناطق. الپْلَو (الپِلاف) بأشكاله المختلفة، من أوزبكستان إلى المغرب، من إيران إلى الأندلس، يشهد على هذا الإرث. كلّ هذه الأطباق تعود جذورها إلى ذلك المشروع الزراعي الطموح الذي انطلق من بغداد في القرن الثامن الميلادي.
غير أنّ هذا الإرث العظيم كان سيواجه أكبر تحدٍّ في تاريخه مع قدوم الغزو المغولي في القرن الثالث عشر، الذي سيدمّر بشكل منهجي البنية التحتية الزراعية التي استغرق بناؤها قروناً، ويترك المنطقة تعاني من تبعات هذا التدمير حتّى عصرنا الحاضر.

الاجتياح المغولي: تدمير ممنهج للاقتصاد الزراعي
جاء الاجتياح المغولي لمنطقة غرب آسيا في القرن الثالث عشر الميلادي ليُشكّل منعطفاً مأساوياً في تاريخ زراعة الأرز في المنطقة. بعد تأسيس الدولة الإلخانية الفارسية، اتّبع المغول سياسة اقتصادية عدائية تجاه دولة مماليك مصر، فقطعوا تصدير الأرز العراقي إلى الغرب جزء من القطيعة الاقتصادية التي سادت علاقات البلدين لنحو قرن من الزمن. دفع هذا الحصار الاقتصادي دولة مماليك مصر إلى البحث عن بدائل، فدعمت تطوير زراعة الأرز الڤولگاري القصير في منطقة دلتا مصر وفلسطين، خاصّة في وادي الأردن، وهكذا نشأ الأرز المصري الذي أضحى اليوم شهيراً في العالم العربي والمتوسّطي وأستراليا.
لكنّ الأمر لم يقتصر على الحصار الاقتصادي، فقد مارست الدولة الإلخانية سياسة تدميرية ممنهجة ضدّ الاقتصاد العراقي. منتصف القرن الثالث عشر، وابتداءً من سنة 1258، دمّر إلخانات الدولة الإلخانية زراعة الأرز العراقي في البلاد الواقعة تحت سلطتهم تدميراً شاملاً. وكان الهدف واضحاً: تدمير اقتصاد عرب المنطقة، أسوة بتدمير مدن منطقة الجزيرة العليا الفراتية وتشتيت سكّانها، بغرض خلق فراغ عازل بين إلخانية فارس ودولة مماليك مصر. زاد الأمر سوءاً استمرار معارضة سكّان المنطقة للحكم المغولي على العراق، ممّا جعل المغول يرون في تدمير الاقتصاد الزراعي وسيلة لإخضاع السكّان.
من جهة أخرى، أرادت الدولة الإلخانية دعم استيراد الأرز الصيني من القسم الشرقي للخانية المغولية “يىكى مونگيول أُلُس”، لتُصبح المنطقة عالة على خانيّة المغول واقتصادهم، وتفقد استقلالها الغذائي الذي كانت تتمتّع به منذ قرون. كانت هذه السياسة جزءاً من استراتيجية أوسع لإخضاع المنطقة اقتصاديّاً وسياسيّاً، وربطها بالإمبراطورية المغولية الشرقية.

اليمن: ازدهار وتراجع
شهدت اليمن في ذات الفترة مساراً مختلفاً، إذ ازدهرت زراعة الأرز فيها من جديد في أيّام الدولة الرسولية، التي حكمت اليمن من القرن الثالث عشر حتّى القرن الخامس عشر الميلادي. استفادت الدولة الرسولية من موقع اليمن الاستراتيجي على طرق التجارة البحرية، وشجّعت الزراعة في المرتفعات الجبلية الخصبة. لكنّ هذه النهضة الزراعية لم تدُم طويلاً، فبعد زوال الدولة الرسولية تراجعت زراعة الأرز في اليمن تدريجيّاً، نتيجة عوامل سياسية واقتصادية معقّدة، لتُصبح اليمن في العصور اللّاحقة معتمدة على استيراد الأرز بدلاً من إنتاجه محلّياً.
الإرث الدائم: آثار التدمير المغولي حتّى اليوم
في حين ازدهر تصدير الأرز المصري والأفريقي في القرون اللّاحقة، تراجعت زراعاته في منطقة غرب آسيا عموماً تراجعاً لم تُشفَ منه المنطقة حتّى يومنا هذا. أضحى الأرز أهمّ مستوردات المنطقة، إذ يستورد كلّ من إيران والعراق والسعودية واليمن أغلب استهلاكهم من الأرز من الهند، بالإضافة إلى نسب قليلة تُستورد من تايلاند وپاكستان وجنوب كوريا.
تُهيمن الهند اليوم على السوق العالمية للأرز بحصّة تبلغ ثمانية وعشرين في المئة من السوق العالمية، تليها تايلاند بثمانية عشر في المئة، ثمّ ڤييتنام بعشرة في المئة، ثمّ پاكستان بتسعة في المئة، ثمّ الولايات المتّحدة الأميركية بثمانية في المئة. أمّا الصين، على الرغم من كميّة إنتاجها الهائلة من الأرز، فلا تملك من السوق العالمية سوى خمسة في المئة فقط، إذ تستهلك أغلب إنتاجها محلّياً، بل تستورد ما قيمته ستّة في المئة من الإنتاج العالمي.
يُلفت النظر أنّ حجم استيراد الصين للأرز يوازي حصّة السعودية تماماً، وكذلك إيران، إذ تستورد كلّ منهنّ لوحدها نحو ستّة في المئة من الإنتاج العالمي للأرز. يكشف هذا الرقم حجم الاعتماد على الاستيراد في هذه الدول، ويُظهر بجلاء الآثار طويلة المدى للتدمير المغولي لزراعة الأرز في المنطقة. فالعراق، الذي كان مركزاً لإنتاج وتصدير الأرز في العصر العبّاسي، وإيران التي كانت تُصدّر الأرز إلى مختلف الأقاليم المجاورة، أضحتا اليوم مستوردتين رئيستين لهذه السلعة الاستراتيجية.

خاتمة
تُمثّل قصّة الأرز في المنطقة العربية والإسلامية نموذجاً واضحاً لكيفية تأثير الأحداث السياسية والعسكرية الكبرى على البنية الاقتصادية والزراعية للمجتمعات. فمن ازدهار زراعي عظيم في العصر العبّاسي، نشر الأرز في مختلف الأصقاع، إلى تدمير ممنهج على أيدي الغزاة المغول، وصولاً إلى الاعتماد شبه الكامل على الاستيراد في العصر الحديث، تُظهر هذه الرحلة كيف يُمكن لسياسة واحدة، ولحدث تاريخي واحد، أن يُخلّف آثاراً تمتدّ لقرون طويلة. لعلّ في فهم هذا التاريخ درساً لأهمّية الأمن الغذائي والاستقلال الزراعي، ولضرورة حماية المكتسبات الحضارية من عبث الغزاة والطامعين.
المراجع والمصادر
- He, K., Lu, H., Zhang, J., Wang, C., & Huan, X. (2017). Prehistoric evolution of the dualistic structure mixed rice and millet farming in China. The Holocene, 27(12), 1885-1898. https://doi.org/10.1177/0959683617708455 [الخارطة المذكورة حول تطوّر زراعات الأرز والدخن في الصين]
- Muthukumaran, S. (2014). Between Archaeology and Text: The Origins of Rice Consumption and Cultivation in the Middle East and the Mediterranean. Papers from the Institute of Archaeology, 24(1), Article 14. https://doi.org/10.5334/pia.465
- Fuller, D.Q., Sato, Y.I., Castillo, C., Qin, L., Weisskopf, A.R., Kingwell-Banham, E.J., … & Allaby, R.G. (2010). Consilience of genetics and archaeobotany in the entangled history of rice. Archaeological and Anthropological Sciences, 2(2), 115-131.
- Gross, B.L., & Zhao, Z. (2014). Archaeological and genetic insights into the origins of domesticated rice. Proceedings of the National Academy of Sciences, 111(17), 6190-6197. https://doi.org/10.1073/pnas.1308942110
- Fuller, D.Q. (2011). Pathways to Asian Civilizations: Tracing the Origins and Spread of Rice and Rice Cultures. Rice, 4, 78-92. https://doi.org/10.1007/s12284-011-9078-7
- Castillo, C., Fuller, D.Q., Piper, P.J., Bellwood, P., & Oxenham, M. (2022). A Journey to the West: The Ancient Dispersal of Rice Out of East Asia. Rice, 15(1), 1-31. https://doi.org/10.1186/s12284-021-00518-4
- Wang, M., Yu, Y., Haberer, G., Marri, P.R., Fan, C., Goicoechea, J.L., … & Wing, R.A. (2014). The genome sequence of African rice (Oryza glaberrima) and evidence for independent domestication. Nature Genetics, 46(9), 982-988. https://doi.org/10.1038/ng.3044
- Linares, O.F. (2002). African rice (Oryza glaberrima): History and future potential. Proceedings of the National Academy of Sciences, 99(25), 16360-16365. https://doi.org/10.1073/pnas.252604599
- Cubry, P., Tranchant-Dubreuil, C., Thuillet, A.C., Monat, C., Ndjiondjop, M.N., Labadie, K., … & Sabot, F. (2018). The complex geography of domestication of the African rice Oryza glaberrima. PLOS Genetics, 14(3), e1007414. https://doi.org/10.1371/journal.pgen.1007414
- Veltman, M.A., Flowers, J.M., Van Andel, T.R., & Schranz, M.E. (2019). Origins and geographic diversification of African rice (Oryza glaberrima). PLOS ONE, 14(3), e0203508. https://doi.org/10.1371/journal.pone.0203508
- Neumann, K., Fahmy, A., Lespez, L., Ballouche, A., & Huysecom, E. (2009). The Early Holocene palaeoenvironment of Ounjougou (Mali): Phytoliths in a multiproxy context. Palaeogeography, Palaeoclimatology, Palaeoecology, 276(1-4), 87-106.
- Wambugu, P., Ndjiondjop, M.N., & Henry, R. (2021). Genetics and Genomics of African Rice (Oryza glaberrima Steud) Domestication. Rice, 14(1), 6. https://doi.org/10.1186/s12284-020-00449-6
- Watson, A.M. (1983). Agricultural Innovation in the Early Islamic World: The Diffusion of Crops and Farming Techniques, 700-1100. Cambridge: Cambridge University Press.
- Watson, A.M. (1974). The Arab agricultural revolution and its diffusion, 700-1100. The Journal of Economic History, 34(1), 8-35.
- Decker, M. (2009). Plants and Progress: Rethinking the Islamic Agricultural Revolution. Journal of World History, 20(2), 187-206. https://doi.org/10.1353/jwh.0.0058
- Fuks, D., Melamed, Y., Langgut, D., Erickson-Gini, T., Tepper, Y., Bar-Oz, G., & Weiss, E. (2023). Unprecedented yet gradual nature of first millennium CE intercontinental crop plant dispersal revealed in ancient Negev desert refuse. eLife, 12, e82319.
- Morgan, D. (1986). The Mongols and the Islamic world: From conquest to conversion. In The Legacy of Genghis Khan (pp. 151-171). Leiden: Brill.
- Jackson, P. (2017). The Mongols and the Islamic World: From Conquest to Conversion. New Haven: Yale University Press.
- Boyle, J.A. (Trans.). (1958). The History of the World-Conqueror by Ala-ad-Din Ata-Malik Juvaini. Cambridge, MA: Harvard University Press.
- Campopiano, M. (2012). State, Land Tax and Agriculture in Iraq from the Arab Conquest to the Crisis of the Abbasid Caliphate (Seventh-Tenth Centuries). Studia Islamica, 107(1-2), 1-37.
- Smith, J.M., Jr. (1970). Mongol and Nomadic Taxation. Harvard Journal of Asiatic Studies, 30, 46-85.
- Observatory of Economic Complexity (OEC). (2024). Rice Trade Data. https://oec.world/ [مصدر الأرقام الإحصائية المذكورة في النص حول تجارة الأرز العالمية]
- FAOSTAT. (2024). Rice Production and Trade Statistics. Food and Agriculture Organization of the United Nations. https://www.fao.org/faostat/
- Deng, Z., Qin, L., Gao, Y., Weisskopf, A.R., Zhang, C., & Fuller, D.Q. (2015). From Early Domesticated Rice of the Middle Yangtze Basin to Millet, Rice and Wheat Agriculture: Archaeobotanical Macro-Remains from Baligang, Nanyang Basin, Central China (6700–500 BC). PLOS ONE, 10(10), e0139885.
- Huan, X., Lu, H., Jiang, L., Zuo, X., He, K., & Zhang, J. (2021). Spatial and temporal pattern of rice domestication during the early Holocene in the lower Yangtze region, China. The Holocene, 31(7), 1366-1375. https://doi.org/10.1177/09596836211019090
- Zhao, Z. (2011). New archaeobotanic data for the study of the origins of agriculture in China. Current Anthropology, 52(S4), S295-S306.
- Spengler, R.N., Frachetti, M., Doumani, P., Rouse, L., Cerasetti, B., Bullion, E., & Mar’yashev, A. (2014). Early agriculture and crop transmission among Bronze Age mobile pastoralists of Central Eurasia. Proceedings of the Royal Society B: Biological Sciences, 281(1783), 20133382.





اترك رد