ما هو أصل الكراهيّة والعداء الأمريكيّ للعرب والمسلمين؟ يظنّ كثيرون أنّ هذا الكره بدأ بسبب النّفط أو صراعات القرن 20 الميلاديّ (14 الهجريّ). لكنّ المشكلة الحقيقيّة أنّ هذا العداء ليس وليد الصّدفة أو الأحداث الحديثة، بل هو كرهٌ متجذّرٌ وممنهجٌ في العقل الأمريكيّ منذ وصول المستوطنين الأوائل في القرن 17 الميلاديّ (11 الهجريّ)، حتّى من قبل أن يدرك العرب وجود أميركيّين في هذا العالم، وبقرون عديدة.
كُتِبَ هذا المقال لكشف كيف صُنِعَت هذه الكراهيّة تاريخيّاً عبر الدّين، والأدب، والقوانين، ولبيان كيف تستمرّ هذه النّظرة العدائيّة في توجيه السّياسة الخارجيّة الأمريكيّة حتّى يومنا هذا، مختبئةً خلف التّحالفات والمصالح الاقتصاديّة.

مقدّمة
يتطلّب تتبّع الجذور التّاريخيّة للإدراك الأمريكيّ للعالم العربيّ والإسلاميّ أكثر من سردٍ للأحداث الدّبلوماسيّة والعسكريّة، بل يستوجب غوصاً إبستمولوجيّاً وتاريخيّاً عميقاً في التّكوين الفكريّ واللّاهوتيّ والقانونيّ للولايات المتّحدة الأمريكيّة. فلم تتشكّل النّظرة الأمريكيّة تجاه الشّرق الأوسط في فراغ، ولم تبدأ مع اكتشاف النّفط أو صراعات منتصف القرن 20، بل تضرب بجذورها في أعماق الحقبة المبكّرة للتّأسيس الأمريكيّ، بدءاً من المستوطنين الپيوريتانيّين (التّطهيريّين) الأوائل، مروراً بأولى أزمات السّيادة الوطنيّة المتمثّلة في حروب السّاحل البربريّ، ثمّ التّفاعلات المعقّدة للإرساليّات التّبشيريّة، وصولاً إلى بناء المخيّلة الشّعبيّة عبر الأدب ومعارض العالم.
ومع مطلع القرن 20، تحوّل هذا الإدراك الفكريّ إلى معارك قانونيّة وبيولوجيّة في أروقة المحاكم الأمريكيّة لتحديد الهويّة القوميّة للمهاجرين العرب وتصنيفهم ضمن ثنائيّة «البياض» و «الملوّنين». وفي الحقبة المعاصرة، خضع هذا الإدراك لعمليّة إعادة هيكلة جذريّة فرضتها ضرورات الجيوسياسة، والمنافسة الإمبرياليّة، وتأمين مصادر الطّاقة، ممّا أسّس للتّحالفات الاستراتيجيّة الحديثة الّتي لا تزال تحكم العلاقات الأمريكيّة العربيّة حتّى اليوم.
يقدّم هذا البحث تحليلاً استقصائيّاً مفصّلاً لهذه التّحوّلات، مع إعطاء الأولويّة القصوى للفترة المبكّرة وتفكيك آليّاتها، ثمّ ربطها عضويّاً بالسّياقات المعاصرة، لكشف الكيفيّة الّتي يتداخل بها اللّاهوت مع السّياسة، والقانون مع الاستشراق، في صياغة السّياسة الخارجيّة والوعي المجتمعيّ الأمريكيّ.

الجذور اللّاهوتيّة والتّأسيس الأيديولوجيّ: الإسلام في المخيّلة التّطهيريّة المبكّرة
يستدعي فهم البنية التّحتيّة للإدراك الأمريكيّ للعرب والمسلمين العودة إلى القرن 17، إذ حمل المهاجرون الإنگليز الأوائل من الپيوريتانيّين (التّطهيريّين) معهم إلى العالم الجديد حمولةً ثقيلةً من المخاوف والعداء تجاه الإمبراطوريّة العثمانيّة والإسلام عموماً.
صُدِّرَ هذا الخوف من الإسلام إلى أمريكا عبر موجات الهجرة المكثّفة، إذ كان رجال الدّين الپيوريتانيّون يلقّنون أتباعهم أنّ أعظم أعداء الله على وجه الأرض هما الكنيسة الكاثوليكيّة الرّومانيّة ومؤسّسات الدّين الإسلاميّ. ولم يكن هذا التّلقين موقفاً لاهوتيّاً تجريديّاً، بل كان أداةً سياسيّةً واجتماعيّةً حاسمةً لتوحيد المستوطنين الأوائل في بيئةٍ قاسيةٍ ومجهولةٍ.

صُوِّرَ المسلمون شكلاً ممنهجاً ومتعمّداً في الخطاب الدّينيّ المبكّر على أنّهم قوىً متوحّشةٌ غير بشريّةٍ تفترس المسيحيّين الأبرياء، وأُطِّرَ الإسلام على أنّه هرطقةٌ شديدة الْخَطَر وخدعةٌ كبرى. فوظّف الپيوريتانيّون هذه الصّور النّمطيّة ضمن إطار سرديّة الإسخاتولوجيا (علم مجيء الأيّام الأخيرة والتّكهّنات الرّؤيويّة). ففي هذا السّياق، فُسِّرَت نصوص سفر الرّؤيا لتنطبق على القوى الإسلاميّة؛ إذ عَدَّ الپيوريتانيّون أنّ الوحش المزدوج الصّاعد من الأرض المذكور في سفر الرّؤيا يمثّل إمبراطوريّة الإسلام المنبعثة من جديدٍ، والّتي تمتلك قوّةً خفيّةً يقودها المسيح الدّجّال. وأشار مفكّرون كبار في تلك الحقبة، مثل جوناثان إدواردز Jonathan Edwards وكوتون ماذر Cotton Mather، إلى الإسلام بوصفه المسيح الدّجّال، وربطوا الإمبراطوريّة العثمانيّة بالوحوش المروّعة في التّراث المروّع للدّيانة المسيحيّة.
ولم تبقَ هذه السّرديّات في بطون الكتب اللّاهوتيّة، بل وجدت طريقها إلى الواقع المَعِيش والمخيّلة اليوميّة للمستوطنين عبر قصص الأسر والاختطاف. ففي عام 1671 م / 1081 هـ، اختُطِفَ القبطان ويليام فوستر William Foster من مدينة روكسبيري بولاية ماساچوستس، واستُعبِدَ مع ابنه على يد القراصنة في المغرب العربي. وأدّت هذه الحادثة، وغيرها من حوادث الاختطاف اللّاحقة الّتي نفّذها قراصنةٌ من الجزائر وطرابلس، إلى انتشارٍ واسعٍ لقصص الأسر في المستعمرات الأمريكيّة. فنظر الكتّاب المسيحيّون الأمريكيّون في تلك الفترة إلى هؤلاء القراصنة ليس بوصفهم تهديداً أمنيّاً، بل تمثيلٍ حيٍّ وطاغٍ للاستبداد الإسلاميّ، والّذي استخدموه خلفيّةٍ متناقضةٍ لإظهار النّزاهة المدنيّة والأخلاقيّة الأمريكيّة.

كان هذا الاستخدام للآخر الإسلاميّ جوهريّاً في صياغة الهويّة الأمريكيّة المبكّرة. رأى الحجّاج الأوائل (الپيوريتانيّون) أنفسهم بمنزلة شعب الله المختار، الّذين قادتهم العناية الإلهيّة إلى أرض الميعاد في العالم الجديد. وتحت مظلّة الخطّة الإلهيّة والميثاق المقدّس، عَدّوا أنفسهم ورثةً لملكوت الله، ممّا ألقى على عاتقهم مسؤوليّةً جماعيّةً (وليس فرديّةً) لتنفيذ المهمّة الإلهيّة ومشاركة فوائد وضعهم المختار مع بقيّة العالم.
وفي هذا الإطار، كان الإسلام يمثّل النّقيض المظلم الّذي يجب التّغلّب عليه لإثبات أحقيّة المشروع الأمريكيّ بالسّيادة الأخلاقيّة على مستوى العالم. وشكّل هذا التّأسيس اللّاهوتيّ العميق العدسة الأوّليّة الّتي نظرت بواسطتها الولايات المتّحدة، الجمهوريّةٍ الوليدةٍ، إلى العالم العربيّ عندما اضطرّت للاحتكاك المباشر معه عسكريّاً ودبلوماسيّاً لأوّل مرّةٍ.

صدام السّيادة وتشكيل الهويّة العسكريّة: حروب السّاحل البربريّ (1784-1816 م / 1198-1231 هـ)
يبيّن الانتقال من الاحتكاك اللّاهوتيّ المتخيّل إلى الصّدام الجيوسياسيّ الفعليّ محطّةً حاسمةً في تاريخ الإدراك الأمريكيّ للعرب. فبمجرّد إعلان الولايات المتّحدة استقلالها عن بريطانيا العظمى، فقدت السّفن التّجاريّة الأمريكيّة الحماية القويّة الّتي وفّرتها البحريّة الملكيّة البريطانيّة. فسارع الدّبلوماسيّون البريطانيّون بانتهاز هذه الفرصة لإبلاغ ولايات السّاحل البربريّ (المغرب العربي) بأنّ السّفن الأمريكيّة المستقلّة حديثاً أصبحت مكشوفةً وعرضةً للهجوم، بهدف إضعاف المنافسة التّجاريّة الأمريكيّة في البحر الأبيض المتوسّط.
تكوّنت دول السّاحل البربريّ من المملكة المغربيّة المستقلّة، وإيالات الجزائر وتونس وطرابلس الّتي دانت بولاءٍ للإمبراطوريّة العثمانيّة. ومارست هذه الدّول القرصنة المدعومة من الدّولة أداةٍ اقتصاديّةٍ وسياسيّةٍ لفرض الجزية على القوى الأطلسيّة الأضعف (ما تفعله فرنسا والولايات المتّحدة اليوم). ولم تكن هذه الممارسة غريبةً تماماً في ذلك الوقت، إذ فوّضت الدّول الأوروپّيّة القراصنة وشاركت في تجارة العبيد عبر المحيط الأطلسيّ، بل إنّ قوّتين عظميين مثل بريطانيا وفرنسا وجدتا أنّه من الأنسب تشجيع سياسة السّاحل البربريّ ودفع الجزية لتأمين حصّتهما من تجارة البحر الأبيض المتوسّط.
في مواجهة هذا التّحدّي، وجدت الحكومة الأمريكيّة في عهد الكونفدراليّة (قبل الدّستور الحاليّ) نفسها في مأزقٍ ماليٍّ قاتلٍ؛ فلم تكن قادرةً على بناء أو تمويل بحريّةٍ عسكريّةٍ قادرةٍ على حماية مصالحها، ولا تمتلك الموارد الكافية لدفع الجزية الباهظة. وفي عام 1785 م / 1199 هـ، أعلن الدّاي محمّد في الجزائر الحرب على الولايات المتّحدة واستولى على عدّة سفنٍ أمريكيّةٍ، في حين سارت المفاوضات أفضل مع المملكة المغربية، إذ وُقِّعَت معاهدة سلامٍ وصداقةٍ في عام 1786 م / 1200 هـ مع السّلطان سيّدي محمّد بعد فترةٍ وجيزةٍ من احتجازه لسفينةٍ تجاريّةٍ أمريكيّةٍ رسالةٍ دبلوماسيّةٍ. وتُعَدّ هذه المعاهدة أقدم معاهدةٍ مستمرّةٍ للولايات المتّحدة.
مع تولّي الرّئيس جورج واشنطن George Washington مقاليد الحكم، اختار وزير الخارجيّة جون جاي John Jay حماية السّفن الأمريكيّة عبر مسار التّفاوض المباشر ودفع الإتاوات. ونتج عن ذلك سلسلةٌ من الاتّفاقيّات المكلّفة ماليّاً وسياسيّاً مع القوى المسلمة في المغرب العربي:
| الدّولة المعنيّة بالمعاهدة | سنة توقيع المعاهدة | المخرجات والشّروط الأساسيّة والتّبعات التّاريخيّة |
|---|---|---|
| المملكة المغربيّة | 1786 م / 1200 هـ | معاهدة سلامٍ وصداقةٍ، اتّسمت بالاستقرار النّسبيّ وأسّست لتجارةٍ سلميّةٍ لم تتطلّب لاحقاً حروباً دمويّةً. |
| إيالة الجزائر | 1795 و 1796 م / 1209 و 1210 هـ | تضمّنت دفع جزيةٍ باهظةٍ من الأموال والإمدادات والسّفن الحربيّة. وسمحت معاهدة 1796 م الّتي وقّعها تيموثي پيكرينگ Timothy Pickering شكلاً غريباً للقراصنة الجزائريّين باستعباد الأمريكيّين قانونيّاً إذا لم يحملوا جوازات سفرٍ رسميّةٍ. |
| إيالة طرابلس | 1796 م / 1210 هـ | اتّفاقيّة سلامٍ مقابل أموالٍ، لكنّها أخفقت في الحفاظ على الاستقرار وأدّت في النّهاية إلى اندلاع الحرب بسبب زيادة المطالب الماليّة. |
| إيالة تونس | 1797 م / 1211 هـ | معاهدةٌ لضمان أمن السّفن الأمريكيّة مقابل تنازلاتٍ ماليّةٍ وعينيّةٍ ثقيلةٍ. |
برغم هذه التّنازلات الباهظة، الّتي تضمّنت بناء فرقاطاتٍ للجزائر كما يتّضح من مذكّرات وزير الخارجيّة تيموثي پيكرينگ Timothy Pickering والمصمّم البحريّ جوشوا همفريز Joshua Humphreys، استمرّت أعمال احتجاز السّفن. شملت القائمة الطّويلة للسّفن الأمريكيّة الّتي استولي عليها: پيتسي، ديسپاچ، دوفين، هوپ، جين، جاي، ماريا، ماري، مينيرڤا، أوليڤ برانچ، أوسويگو، پولي، پريزيدنت، صوفيا، وتوماس وغيرها. وعُدَّت هذه السّفن وحمولاتها غنائم، في حين استُعبِدَ أطقمها وجُرِّدوا من ملابسهم وقُيِّدوا بالسّلاسل وأُذِلّوا، ممّا خلق حالةً من الغضب الشّعبيّ العارم في الولايات المتّحدة.
بلغ الاستنزاف الماليّ حدّاً لا يُطاق. وفور تنصيبه رئيساً للولايات المتّحدة في عام 1801 م / 1215 هـ، واجه توماس جيفرسون Thomas Jefferson مطلباً جديداً من يوسف القرمانليّ، باشا طرابلس، بدفع جزيةٍ ضخمةٍ (تعادل حوالي 3.3 مليون دولارٍ بمعايير عام 2017 م / 1438 هـ). وأدرك جيفرسون أنّ نظام الرّشوة هذا يشكّل استنزافاً اقتصاديّاً شديد الْخَطَر وإهانةً لسيادة الدّولة الشّابّة، فرفض الدّفع. ردّاً على ذلك، قطع القرمانليّ سارية العلم الّتي تحمل العلم الأمريكيّ أمام القنصليّة في طرابلس، وهو الإجراء الّذي كان يمثّل إعلاناً عرفيّاً للحرب في التّقاليد العربيّة والعثمانية.
أشعل هذا الحدث الحرب البربريّة الأولى (1801-1805 م / 1215-1220 هـ)، والّتي تبعتها لاحقاً الحرب البربريّة الثانية ضدّ الجزائر (1815-1816 م / 1230-1231 هـ). من النّاحية الجيوسياسيّة، كانت هذه الحروب بمنزلة شهادة ميلاد الولايات المتّحدة قوّةٍ دوليّةٍ قادرةٍ على فرض إرادتها بالقوّة العسكريّة خارج حدودها الغربيّة، وهو سعيٌ مبكّرٌ للهيمنة الدّوليّة. انتهت الحرب الأولى بانتصارٍ أمريكيٍّ وتوقيع القرمانليّ على معاهدةٍ تنهي الحرب في عام 1805 م / 1220 هـ.
أمّا من النّاحية السّوسيولوجيّة والاجتماعيّة، فشكّل تفاعل الرّأي العامّ الأمريكيّ مع حروب السّاحل البربريّ نقطة تحوّلٍ حقيقيّةٍ. ففي حين كانت النّظرة الپيوريتانيّة القديمة دينيّةً بالأساس، حوّلت هذه المعارك دول شمال أفريقيا والعرب إلى عدوٍّ شرّيرٍ من منظورٍ قوميٍّ، ومجّدت أمريكا قوّةٍ خيّرةٍ تكافح ضدّ طغيان العالم الإسلاميّ. وخُلِّدَت هذه الانتصارات في التّراث العسكريّ شكلاً عميقاً؛ فالنّشيد الرّسميّ لمشاة البحريّة الأمريكيّة (المارينز) يبدأ بعبارة {من قاعات مونتيزوما إلى شواطئ طرابلس} From the halls of Montezuma, to the shores of Tripoli تخليداً لهذا التّدخّل العسكريّ المبكّر، الّذي أسّس لتواجدٍ عسكريٍّ أمريكيٍّ طويل الأمد في المنطقة واهتمامٍ شعبيٍّ متزايدٍ بالعالم الإسلاميّ الأوسع.

الغزو النّاعم ومدفعيّة السّماء: الإرساليّات الأمريكيّة في الشّام وحلب ومفارقة النّهضة
في حين حاولت الدّولة فرض السّيادة الخشنة في شمال أفريقيا، ظهرت في القرن 19 حركة تدخّلٍ أمريكيّةٍ ذات طبيعةٍ ناعمةٍ، لكنّها أيديولوجيّةٌ بامتيازٍ؛ ألا وهي حركة الإرساليّات التّبشيريّة. وقاد هذه الحركة المجلس الأمريكيّ للمفوّضين للبعثات الأجنبيّة، وهي مؤسّسةٌ تبشيريّةٌ بروتستانتيّةٌ تأثّرت بشدّةٍ بقالب التّجربة التّطهيريّة مع الهنود الحمر (الأميركيّين الأصليّين) في نيو إنگلاند.
يحلّل المؤرّخ أسامة مقدسي في كتابه المعنون {مدفعيّة السّماء: المبشّرون الأمريكيّون والفشل في تحويل الشّرق الأوسط}، هذه الظّاهرة عبر تقديم تأريخٍ دقيقٍ للصّدام الفكريّ الّذي وقع في الشّام. إذ انطلق هؤلاء المبشّرون، مثل إسحاق بيرد Isaac Bird، وهم محمّلون برؤيةٍ طوباويّةٍ ألفيّةٍ تؤمن بحتميّة الزّحف المسيحيّ وتدمير الخصوم والأديان الوثنيّة وتحويلهم إلى الإنجيل.
استهدف المبشّرون نظريّاً تحويل المسلمين في المقام الأوّل، محمّلين بصورٍ نمطيّةٍ عن الإسلام وعن المنطقة ككلٍّ، ولكن سرعان ما اصطدموا بالحقائق الصّلبة المتمثّلة في قوانين الإمبراطوريّة العثمانيّة الصّارمة والشريعة الّتي حظرت ارتداد المسلمين وفرضت عقوباتٍ قاسيةً على ذلك.
أمام هذا الجدار المنيع، وجد المبشّرون الأمريكيّون أنفسهم مضطرّين لتغيير تكتيكاتهم، فوجّهوا جهودهم نحو الطّوائف المسيحيّة الشّرقيّة ذات الجذور القديمة، وعلى رأسهم المجتمع المارونيّ والأرثوذكس الشّرقيّون والأقباط في مصر. وهنا تجلّى صدامٌ فكريٌّ ولاهوتيٌّ من نوعٍ آخر. ففي حين كان التّفكير الپروتستانتيّ الأمريكيّ (كما يمثّله كوتون ماذر سابقاً) يركّز على التّحويل الحتميّ والتّوسّع العقائديّ، كان العقل المسيحيّ الشّرقيّ (كما جسّده البطريرك المارونيّ إسطفان الدّويهيّ) يركّز على البقاء تحت الحكم العثمانيّ، والحفاظ على التّعايش، والإخلاص لروما، دون السّعي وراء تبشير الآخرين أو تقويض التّوازن الاجتماعيّ المعقّد.
من منظور التّحويل الدّينيّ البحت، يُجمِع الباحثون على أنّ المشروع التّبشيريّ الأمريكيّ في الشّام والشّرق الأوسط عموماً كان فاشلاً. فلم يتحوّل إلى الپروتستانتيّة في القرن 19 سوى أعدادٍ ضئيلةٍ من الشاميّين والمصريّين (على سبيل المثال، لم يتجاوز عدد المعمّدين المشيخيّين في مصر 7000 شخصٍ بحلول عام 1900 م / 1317 هـ من أصل مجتمعٍ قبطيٍّ ضخمٍ). حتّى المسلمون بقوا بمنأىً كاملٍ عن هذه التّحوّلات، ممّا أدّى بالبعض إلى إطلاق مصطلح «الفتح الفاشل للشّرق الأوسط» على هذه الحقبة.
إلّا أنّ هذا الفشل الدّينيّ أنتج نجاحاً علمانيّاً ومعرفيّاً غير متوقّعٍ. أدرك المبشّرون الأمريكيّون، وكذلك الأنجليكان، استحالة الاختراق الدّينيّ المباشر، فقرّروا التّركيز على التّعليم وبناء المؤسّسات، وتلبية المطالب المحلّيّة للحصول على تعليمٍ علمانيٍّ حديثٍ. وبحلول القرن 19، أصبحت شبكة المدارس التّبشيريّة الپروتستانتيّة الأمريكيّة أكبر نظامٍ مدرسيٍّ أجنبيٍّ في الإمبراطوريّة العثمانيّة.
أدّى هذا التّحوّل التّكتيكيّ إلى ظهور ظاهرة التّكيّف الانتقائيّ والتّهجين المعرفيّ. فبدلاً من أن يخلق المبشّرون طائفةً بروتستانتيّةً منعزلةً، أسهموا شكلاً غير مباشرٍ في إطلاق شرارة ما عُرِفَ لاحقاً بـ «النّهضة العربيّة». يرى مقدسي في شخصيّاتٍ مثل المعلّم بطرس البستانيّ مخلوقاً هجيناً حقيقيّاً أنتجه الصّدام بين المعرفة الأمريكيّة والواقع العثمانيّ؛ إذ استفاد البستانيّ من الإمكانات التّعليميّة الأمريكيّة، ولكنّه طوّعها لخدمة رؤيةٍ وطنيّةٍ تدعو إلى تعليمٍ متسامحٍ لمختلف الجماعات الدّينيّة في سوريا، والتّعايش مواطنين متساوين في إطار مجتمعٍ سياسيٍّ لا طائفيٍّ.
اللّافت للاهتمام أيضاً هو كيف قوّض هذا الاحتكاك النّظرة الاستشراقيّة الأحاديّة حتّى داخل المؤسّسات التّبشيريّة. إذ أثبتت الدّراسات، مثلما ظهر في كتابات النّساء الپروتستانتيّات السّوريّات اللّاتي نشرن في مطبعة الإرساليّة الأمريكيّة في أواخر القرن 19، وجود تقديرٍ عميقٍ للتّقاليد الإسلاميّة.
تحدّت هؤلاء النّساء النّظرة الغربيّة السّلبية النّمطيّة لمعاملة النّساء في الشّرق الأوسط، وعَدَدنَ العصر الذّهبيّ للعلوم والفلسفة الإسلاميّة في بغداد خلال العصور الوسطى جزءاً لا يتجزّأ من تراثهنّ الخاصّ ومحفّزاً لعملهنّ الأدبيّ. على سبيل المثال، ألقت المعلّمة والصّحفيّة الپروتستانتيّة روجينا شكري خطاب تخرّجٍ في عام 1888 م / 1305 هـ في بيروت أمام جمهورٍ من العائلات المسيحيّة والمسلمة واليهوديّة، مؤكّدةً على هذا التّراث المشترك. وعليه، أفرز الفشل التّبشيريّ حراكاً ناعماً تجاوز حدود التّبشير ليضع اللّبنات الأولى للوعي القوميّ المدنيّ في الشّام وحلب.

الاستشراق الأدبيّ وصناعة المخيّلة الجماهيريّة: من مارك توين إلى معرض شيكاگو الكولومبيّ
في حين كانت المدافع الأمريكيّة تدوّي في طرابلس، والمطابع التّبشيريّة تدور في بيروت، كانت ساحةٌ أخرى لا تقلّ أهميّةً تؤدّي دوراً محوريّاً في صياغة الإدراك الأمريكيّ للعرب: ساحة الأدب والوعي الشّعبيّ الجماهيريّ. ويُعَدّ مفهوم الاستشراق، كما نظّر له المفكّر إدوارد سعيد في كتابه التّأسيسيّ عام 1978 م / 1398 هـ، مفهوماً نقديّاً يصف كيفيّة تصوير العالم الغربيّ للشّرق بشكّلٍ يحطّ من قدره ويهدف إلى السّيطرة عليه وتبرير الهيمنة الإمبرياليّة.
تأثّرت الولايات المتّحدة بعمقٍ بالاستشراق الرّومانسيّ البريطانيّ (مثل أعمال روبرت سوثي Robert Southey واللّورد بايرون Lord Byron) والاستشراق الفيكتوريّ (مثل أعمال ماثيو أرنولد Matthew Arnold وجورج إليوت George Eliot)، إذ استخدم الكتّاب الشّرق مطيّةٍ للخلاص الذّاتيّ، وتجديد الشّباب الفكريّ والسّياسيّ للغرب، أو أداةٍ لمواجهة المشاكل المحلّيّة الغربيّة.
في السّياق الأمريكيّ البحت، ظهر الاستشراق الأدبيّ في القرن 19 عبر كتابات رالف والدو إيمرسون Ralph Waldo Emerson، هيرمان ملڤيل Herman Melville، والأكثر تأثيراً وشهرةً، مارك توين Mark Twain. يُعَدّ كتاب مارك توين {الأبرياء في الخارج} الصّادر عام 1869 م / 1286 هـ، والّذي يسجّل رحلته ضمن مجموعةٍ من السّيّاح الأمريكيّين المتديّنين إلى أوروپّا والشّرق الأوسط، وثيقةً مهمّةً توضّح التّشابكات والتّحيّزات العميقة في النّظرة الغربيّة للمنطقة.
اعتمد توين في أسلوبه على المبالغة، والاستهزاء، وعدم التّسامح شكلاً خاصّاً عند وصفه لشعوب الشّرق الأوسط مقارنةً بمعاملته الأخفّ حدّةً للأوروپّيّين، برغم أنّه سخر من الفقر المتفشّي في إيطاليا وانتقد تسخير الطّاقات لبناء الكاتدرائيّات على حساب إطعام الفقراء. عندما زار توين طنجة في المغرب، عبّر عن انبهاره الغرائبيّ قائلاً: «هنا لا يوجد أيّ شيءٍ رأيناه من قبل إلّا في الصّور… طنجة أرضٌ أجنبيّةٌ بكلّ ما تحمله الكلمة من معنىً، والرّوح الحقيقيّة لها لا يمكن العثور عليها إلّا في كتاب ألف ليلة وليلة». جرّد هذا الرّبط المباشر بين الواقع والأسطورة المنطقة من تعقيدها السّوسيولوجيّ وحوّلها إلى مسرحٍ ثابتٍ للأخيلة الغربيّة.
أمّا في فلسطين، فاتّخذت أوصاف توين طابعاً سياسيّاً شديد الْخَطَر لاحقاً. وصف توين العرب بأنّهم كسالى، ووصف مساحاتٍ واسعةً من فلسطين بأنّها خرابٌ… «لم نرَ إنساناً واحداً على طول الطّريق… بالكاد توجد شجرةٌ أو شجيرةٌ. حتّى شجرة الزّيتون والصّبار، أصدقاء تلك التّربة العديمة القيمة، هجروا البلاد تقريباً». اقتُطِعَ هذا الاقتباس، وتداوله النّاس لاحقاً على نطاقٍ واسعٍ في الكتب المدرسيّة ووسائل الإعلام الإسرائيليّة والمجتمعات الصّهيونيّة لإثبات الادّعاء بأنّ فلسطين كانت أرضاً قاحلةً خاليةً من السّكّان قبل المشروع الاستيطانيّ اليهوديّ، الّذي حوّل الصّحراء إلى جنّةٍ. وتجاهل هذا التّوظيف الانتقائيّ التّناقض الدّاخليّ في كتاب توين نفسه، إذ أشار في صفحاتٍ أخرى من نفس الكتاب إلى الخصوبة العالية والأراضي المزروعة بكثافةٍ عندما اقترب من مدنٍ مثل نابلس «التّربة سوداءٌ وخصبةٌ للغاية» ويافا «بساتين برتقالٍ نبيلةٍ».

بالتّوازي مع هذا الاستشراق الأدبيّ النّخبويّ، كانت المخيّلة الشّعبيّة الأمريكيّة الجماهيريّة تُصاغ عبر وسيطٍ حديثٍ ومؤثّرٍ: {معارض العالم}. شكّل معرض شيكاگو الكولومبيّ عام 1893 م / 1310 هـ نقطة ارتكازٍ محوريّةٍ في عرض الآخر الشّرقيّ للجمهور الأمريكيّ العريض احتفالاً بالذّكرى 400 لاكتشاف أمريكا.
تضمّن المعرض، في القسم التّرفيهيّ المعروف باسم ميدواي پليزانس Midway Plaisance، قسماً كاملاً يسمّى شارع القاهرة. صمّم المهندس المعماريّ المجريّ ماكس هيرتز Max Herz هذا الشّارع شكلاً يوضّح العمارة المملوكيّة للقاهرة، إذ تضمّن 26 مبنىً شملت مسجداً، ومنازل، ومتاجر، وقصر جمال الدّين الذّهبيّ، وسبيل كتّاب عبد الرّحمن كتخدا.
وبرغم هذا التّصميم المعماريّ الدّقيق، إلّا أنّ الغلبة كانت للاستعراض التّجاريّ والغرائبيّ الّذي أداره المنظّم سول بلوم Sol Bloom. جلب بلوم مجموعةً من الرّاقصين والفنّانين من مصر والجزائر وسوريا، وقدّم للجمهور الأمريكيّ لأوّل مرّةٍ ما أسماه بـ {رقصة البطن} Belly dance. واجتذب هذا المعرض أكثر من 21.5 مليون زائرٍ، وشهد أداء راقصاتٍ شهيراتٍ مثل الرّاقصة الّتي عُرِفَت باسم {مصر الصّغيرة}، بالإضافة إلى فنّانين آخرين مثل {موسى البعيد} الّذي عُرِفَ مرشدٍ سياحيٍّ لمارك توين وعمل في قريةٍ تركيّةٍ في المعرض، وفنّانين من جنوب السّودان.
أثار هذا العرض زوبعةً من الانتقادات الأخلاقيّة؛ إذ شنّت لجنة المديرات في المعرض حملةً لمنع عرض {مصر الصّغيرة}، معلّلةً ذلك بأنّ عضلات البطن تُعرَض لخدمة أحطّ الاستخدامات. وفي محاولةٍ لترشيد هذه الغرائبيّة، أُخضِعَت الرّاقصة لخطابٍ طبّيٍّ وعلميٍّ عنصريٍّ، يوازي ما تعرّضت له شخصيّاتٌ أفريقيّةٌ سابقاً، إذ صُوِّرَ هذا الأداء شذوذٍ عن المعايير الحضاريّة الأمريكيّة.
ومع تكرار هذه التّجربة في معرض سانت لويس العالميّ عام 1904 م / 1322 هـ، ترسّخت صورةٌ استهلاكيّةٌ مبسّطةٌ ومسطّحةٌ عن الشّرق الأوسط. وأسهمت هذه المعارض في تسليع الجسد والتّراث العربيّ، وتحويلهما إلى أداةٍ ترفيهيّةٍ استشراقيّةٍ، ممّا حجب الفهم العميق للواقع الجيوسياسيّ والاجتماعيّ المَلآن بالتّعقيدات في المنطقة العربيّة.
لفهم الأثر العميق الّذي تركته هذه المعارض في الوجدان الأمريكيّ خلال أواخر القرن 19 وأوائل القرن 20، تجب الإشارة إلى طبيعة المجتمع الأميركي الأبيض في تلك الحقبة، الّذي كان مجتمعاً متديّناً ومحافظاً لدرجة بعيدة. إذ سادت القيم البروتستانتيّة الصّارمة الّتي حكمت السّلوك العامّ وفرضت قيوداً واضحةً على التّرفيه والتّعبير.
وفي ظلّ هذا الانضباط الأخلاقيّ، شكّلت مشاهد «الشّرق المتخيّل» في معرض شيكاگو مساحةً استثنائيّةً منحت الجمهور متنفّساً غير مألوف. فرأى الزّوّار في تلك الأجنحة فرصةً لاختبار الغرائبيّة والتّحرّر من قيودهم اليوميّة تحت غطاء التّعرّف على أمم بعيدة، الأمر الّذي ضاعف من سحر الصّورة الاستشراقيّة ورسّخها في المخيّلة الجماهيريّة بصفة عالم يتّصف بالغموض والجاذبيّة المغايرة لواقعهم. هذه الصورة هي التي ساقت لاحقاً إلى نشوء أنماط ملاهي لاس فيگاس واستعراضات التعرّي باسم الرقص.
| آليّة التّنميط الاستشراقيّ | المنصّة / الأداة الرئيسة | الخصائص والنّتائج التّاريخيّة وتأثيرها الممتدّ |
|---|---|---|
| الاستشراق الأدبيّ والنّخبويّ | كتاب الأبرياء في الخارج لمارك توين (1869 م / 1286 هـ) | تصوير شمال العربية أرضٍ قاحلةٍ وسكّانها كسالى. جرّد المنطقة من إنسانيّتها ومثّل الأساس النّصّيّ الّذي استندت إليه السّرديّات الصّهيونيّة اللّاحقة لتبرير الاستيطان، متجاهلاً تنوّع المشهد الزّراعيّ والدّيموغرافيّ. |
| الاستشراق الشّعبيّ والاستهلاكيّ | معارض العالم (شيكاگو 1893 م / 1310 هـ، سانت لويس 1904 م / 1322 هـ) – مساحة شارع القاهرة | تسليع التّراث عبر التّركيز على رقصة البطن. أدّى إلى حصر تمثيل العرب في إطار الشّهوانيّة، والغرائبيّة المفرطة، والخطر الأخلاقيّ، ممّا خلق ذاكرةً جماعيّةً أمريكيّةً مقاومةً للفهم الجادّ للشّرق. |

المعارك القانونيّة والبيولوجيّة: تصنيف المهاجرين العرب ومحنة الرّجل الأبيض
مع انتقالنا من أواخر القرن 19 إلى أوائل القرن 20، بدأ تدفّق المهاجرين العرب الفعليّين إلى شواطئ الولايات المتّحدة، وأغلبهم من منطقة الشّام (سوريا ولبنان وفلسطين) الواقعة تحت الحكم العثمانيّ. نقل هذا الانتقال الدّيموغرافيّ المعركة حول صورة العرب من المجال اللّاهوتيّ والأدبيّ إلى ساحة المحاكم والقوانين، إذ تحوّل الإدراك إلى تصنيفٍ قانونيٍّ صارمٍ يحدّد الوصول إلى الحقوق الأساسيّة وتحديداً الحقّ في اكتساب الجنسيّة الأمريكيّة.
كان المشهد القانونيّ الأمريكيّ في عصر التّجنيس مقيّداً بقانون التّجنيس لعام 1870 م / 1287 هـ، الّذي حدّد الأهلية للمواطنة بأنّها مقتصرةٌ فقط على الأشخاص البيض الأحرار والأشخاص من أصولٍ أو ولادةٍ أفريقيّةٍ. أجبر هذا القيد العنصريّ الصّارم المحاكم الأمريكيّة على الخوض في قضايا إبستمولوجيّةٍ معقّدةٍ لتعريف البياض: أهو تصنيفٌ بيولوجيٌّ، أم جغرافيٌّ، أم اجتماعيٌّ، أم لغويٌّ؟
في سلسلةٍ من القضايا المبكّرة المتعلّقة بالهجرة السّوريّة، مثل قضيّة نجور (1909 م / 1327 هـ)، ومضري (1910 م / 1328 هـ)، وإليس (1910 م / 1328 هـ)، وشهيد (1913 م / 1331 هـ)، كان هناك تضاربٌ حول كيفيّة تصنيف السّوريّين. ومع تزايد الشّعور بالإهانة بين الجالية السّوريّة من هذه التّساؤلات، برزت قضيّة داو ضدّ الولايات المتّحدة Dow v. United States في عامي 1914 و 1915 م / 1332 و 1333 هـ محطّةٍ فاصلةٍ.
رُفِضَ طلب جورج داو، وهو مهاجرٌ سوريٌّ مسيحيٌّ، الأوّليّ للتّجنيس من قبل القاضي هنري سميث Henry Smith في المحكمة الجزئيّة في كارولينا الجنوبيّة، بحجّة أنّ السّوريّ ذا الولادة الآسيويّة ليس شخصاً أبيضَ حرّاً بالمعنى المقصود في قانون التّجنيس، وأنّ القانون كان يقصد فقط الأجانب من ولادةٍ أو أصولٍ أوروپّيّةٍ. فاستُؤنِفَ الحكم أمام محكمة الاستئناف في الدّائرة 4. في 15 أيلول سبتمبر 1915 م (6 ذو القعدة 1333 هـ)، أصدر القاضي چارلز ألبرت وودز Charles Albert Woods حكماً نقض فيه القرار السّابق، وقرّر أنّ سكّان سوريا يُعَدّون من النّاحية القوميّة والقانونيّة بيضاً وبالتّالي مؤهّلين للحصول على الجنسيّة الأمريكيّة.
استند القاضي وودز في قراره المعقّد إلى حججٍ تاريخيّةٍ، وجغرافيّةٍ، ودينيّةٍ. وأشار القرار إلى أنّ السّوريّين ينتمون إلى الفرع السّاميّ من العرق القوقازيّ، ويمتلكون جذوراً مشتركةً، ويميزون أنفسهم جغرافيّاً واجتماعيّاً عن حكّامهم “المغول الأتراك العثمانيّين”. والأهمّ من ذلك، أدّت الهويّة المسيحيّة دوراً حاسماً في هذا التّوصيف. إذ عَدَّ القضاء الأمريكيّ في تلك الحقبة أنّ المسيحيّين السّوريّين شكّلوا أقليّةً مضطهدةً وسط بحرٍ إسلاميٍّ، وعَدَّ الحكم بمنزلة ملاذٍ آمنٍ ينقذ هؤلاء المسيحيّين من سياسات الإمبراطوريّة العثمانيّة الّتي كانت حينها تخوض غمار الحرب العالميّة الأولى ضدّ القوى الحليفة.
بهذا المعنى، كان قرار داو بمنزلة دمجٍ واستيعابٍ للمهاجرين العرب المسيحيّين في فئة البياض المتفوّقة والمقبولة سياسيّاً واجتماعيّاً في أمريكا. ولكن هذا الاعتراف كان استبعاديّاً بطبيعته؛ إذ لم يُطَبَّق هذا الحكم على العرب من خارج الشّام أو على المسلمين والعرب من المغرب العربي.
يتّضح هذا الاستبعاد الدّينيّ-الجغرافيّ الجذريّ شكلاً جليّاً في القضايا الّتي تلت ذلك، خاصّةً قضيّة أحمد حسن في عام 1942 م / 1361 هـ. إذ رفض قاضٍ في محكمةٍ جزئيّةٍ في ميشيگان طلب تجنيسٍ قدّمه أحمد حسن، وهو مهاجرٌ من اليمن بشبه الجزيرة العربيّة. واستند القاضي إلى حقيقة أنّ بشرة حسن كانت بنيّةً داكنةً بلا منازعٍ، وأنّ شبه الجزيرة العربيّة تقع بعيداً عن حدود أوروپّا ولا تطلّ حتّى على البحر الأبيض المتوسّط. وعلاوةً على ذلك، استخدم القاضي معياراً دينيّاً صارخاً عندما صنّف المهاجر جزءٍ من “العالم المحمّديّ” المرفوض، في تناقضٍ مع قبول المهاجرين الأرمن الّذين عَدَّهم القاضي شعباً مسيحيّاً اختلط بالأوروپّيّين لقرونٍ.
بالتّزامن مع هذه المعارك القضائيّة، كانت الولايات المتّحدة تمرّ بموجةٍ عارمةٍ من رهاب الأجانب (الزينوفوبيا) والنّزعات الانعزاليّة، والّتي تبلورت في قوانين الهجرة التّشريعيّة الأكثر تقييداً في تاريخ البلاد. ففي عام 1917 م / 1335 هـ، وتحت تأثير المخاوف الأمنيّة خلال الحرب العالميّة الأولى، أصدر الكونگرس قانوناً لفرض اختبارات القراءة والكتابة، وأنشأ ما عُرِفَ بـ «المنطقة الآسيويّة المحظورة»، والّتي امتدّت جغرافيّاً من الشّرق الأوسط إلى جنوب شرق آسيا، ومُنِعَ بموجبها دخول أيّ أشخاصٍ مولودين في هذه المناطق من الهجرة إلى الولايات المتّحدة.
ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل تُوِّجَ بقانون الهجرة لعام 1924 م / 1342 هـ (المعروف باسم قانون جونسون-ريد Immigration Act of 1924). كان مهندسو هذا القانون متأثّرين بشدّةٍ بنظريّات تحسين النّسل والخوف الدّيموغرافيّ من استبدال العرق الأنگلو-ساكسونيّ، وهو ما يُعرَف حديثاً بـ «نظريّة الاستبدال».
فرض هذا القانون نظام حصصٍ (كوتا) قوميّةٍ صارمةٍ، وحدّد تأشيرات الهجرة بنسبة 2% فقط من إجماليّ عدد الأشخاص من كلّ جنسيّةٍ كانوا متواجدين في الولايات المتّحدة وفقاً للتّعداد الوطنيّ لعام 1890 م / 1307 هـ. وكان اختيار عام 1890 م متعمّداً؛ لأنّه سبق الموجات الكبرى من الهجرة من جنوب وشرق أوروپّا والشّرق الأوسط، ممّا أدّى عمليّاً إلى إغلاق الباب تماماً أمام الهجرة من آسيا ومعظم المهاجرين غير الأوروپّيّين الغربيّين، وتجميد التّنوّع القومي في أمريكا لـ 4 عقودٍ قادمةٍ.
| السّابقة القانونيّة / التّشريع | السّنة | المحتوى والأثر على العرب والمسلمين |
|---|---|---|
| قضيّة داو ضدّ الولايات المتّحدة | 1915 م / 1333 هـ | عَدَّت المهاجرين السّوريّين (المسيحيّين) من العرق القوقازيّ ومؤهّلين للحصول على الجنسيّة، ممّا وفّر غطاءً قانونيّاً للاندماج لكنّه استبعد المسلمين والمغاربة والجزائريّين. |
| قانون الهجرة المنطقة الآسيويّة المحظورة | 1917 م / 1335 هـ | منعٌ فعليٌّ للهجرة من منطقةٍ تمتدّ من الشّرق الأوسط إلى جنوب شرق آسيا استناداً إلى الجغرافيا وليس الكفاءة. |
| قانون جونسون-ريد (نظام الحصص) | 1924 م / 1342 هـ | قلّص الهجرة بنسبة 80% بناءً على إحصاءٍ سكّانيٍّ لعام 1890 م. أداةٌ تشريعيّةٌ مدعومةٌ بعلم تحسين النّسل لإقصاء القوميّات غير المرغوب فيها ومنها العربيّة وشرق الآسيويّة. |
| قضيّة أحمد حسن | 1942 م / 1361 هـ | رفض تجنيس يمنيٍّ بحجّة أنّه مسلمٌ (عالم محمّديّ) ومن منطقةٍ بعيدةٍ عن أوروپّا، ممّا أثبت استمرار التّحيّز الدّينيّ والعرقيّ العميق في النّظام القضائيّ. |
| قضيّة محمّد محريز | 1944 م / 1363 هـ | قبول تجنيس مواطنٍ سعوديٍّ بعد تدخّل إدارة الهجرة وعَدِّ جميع العرب بيضاً، وهو تحوّلٌ ارتبط بالتّغيّرات الجيوسياسيّة النّاشئة والمصالح النّفطيّة في شبه الجزيرة العربيّة. |

الإقصاء الدّيموغرافيّ والمحو العمرانيّ
لم يقتصر أثر التّشريعات الإقصائيّة على أروقة المحاكم، بل امتدّ ليصيب صميم الوجود المادّيّ والنّفسيّ للمهاجرين العرب في أمريكا. إذ منعت الحكومة الأمريكيّة هجرة العرب إلى الولايات المتّحدة عبر تشريعين أساسيَّيْن صدرا في أوائل القرن 20 الميلاديّ؛ صدر التّشريع الأوّل عام 1917 م / 1335 هـ وعُرِفَ بقانون {المنطقة الآسيويّة المحظورة} ليوقف دخول المولودين في الشّرق الأوسط وجنوب شرق آسيا إلى الولايات المتّحدة. وتبعه تشريعٌ أكثر صرامةً عام 1924 م / 1342 هـ عُرِفَ بقانون {جونسون-ريد} أو نظام الحصص (الكوتا)، مغلِقاً أبواب الهجرة لدرجة المنع شبه الكامل بفرضه نسبة 2% فقط بناءً على إحصاءٍ سكّانيٍّ يعود لعام 1890 م / 1307 هـ.
تسبّب هذا المنع الصّارم في صدمةٍ عميقةٍ للشّوام، وثّق فصولها الأديب ميخائيل نعيمة في سيرته الذّاتيّة «سبعون»، واصفاً حالة العزلة والضّياع الّتي فُرِضَت على المغتربين. إذ دفع الخناق القانونيّ والسّياسيّ كثيراً من المهاجرين إلى محاولة الاندماج القسريّ وتغيير أسمائهم هرباً من النّظرة الدّونيّة والتّصنيفات الّتي جعلت منهم مجتمعاً منبوذاً.

ترافق التّهميش الدّيموغرافيّ مع محوٍ عمرانيٍّ ممنهجٍ طال القلب النّابض للوجود العربيّ المبكّر؛ حيّ «سوريا الصّغيرة» Little Syria في مانهاتن السّفلى في نيويورك. أسّس الوافدون الأوائل في هذا الحيّ وبشارعه الرئيس «واشنطن» Washington مركزاً مزدهراً، لكنّ مشاريع التّطوير الحضريّ سحقت معالمه سحقاً. صودرت أجزاءٌ واسعةٌ من الحيّ عام 1940 م وهُدِمَت مبانيه لشقّ نفق بروكلين-پاتري، واكتمل طمس ذاكرته المكانيّة في عقد 1960 م بإزالة ما تبقّى منه لإنشاء مركز التّجارة العالميّ.
نرى من التّزامن بين حظر الهجرة وتدمير المعالم العمرانيّة إصراراً على تفكيك الوجود العربيّ، ديموغرافيّاً ومكانيّاً، لمنعه من التّجذّر في المشهد الأمريكيّ، وفي نيويورك بالأخصّ.

التّحوّل الجيوسياسيّ المعاصر: من الاستشراق الأيديولوجيّ إلى براغماتيّة النّفط والأمن
كما يظهر في الجدول أعلاه، لم تدم المرجعيّة القائمة على الإقصاء الدّينيّ والبيولوجيّ الصّارم طويلاً أمام استحقاقات السّياسة الواقعيّة والمصالح الاقتصاديّة العليا الّتي فرضتها الحرب العالميّة الثانية ومخاض تشكيل نظامٍ عالميٍّ جديدٍ. ففي عام 1944 م / 1363 هـ، وفي تناقضٍ حادٍّ مع الحكم في قضيّة أحمد حسن قبلها بعامين فقط، أصدر القاضي في محكمة ماساچوستس الجزئيّة حكماً في قضيّة محمّد محريز، وهي قضيّة مواطنٍ مسلمٍ من المملكة العربيّة السّعوديّة. قرّرت المحكمة، بناءً على توصيةٍ وتدخّلٍ مباشرٍ من إدارة الهجرة والتّجنيس في واشنطن العاصمة، أنّ العرب، بمن فيهم القادمون من الجزيرة العربيّة والمسلمون، يتمتّعون بحقّ الأهليّة للحصول على الجنسيّة ويُعَدّون بيضاً بموجب القانون.
لم يكن هذا التّحوّل المفاجئ في الموقف القانونيّ للإدارة الأمريكيّة صحوةً أخلاقيّةً مفاجئةً، بل انعكاساً دقيقاً لتحوّلاتٍ عميقةٍ في الاستراتيجيّة الجيوسياسيّة الأمريكيّة تجاه منطقة الخليج العربيّ ومواردها الضّخمة المكتشفة حديثاً. ففي نفس العام (1944 م / 1363 هـ)، كانت التّقارير والمراسلات الدّبلوماسيّة الأمريكيّة تدقّ ناقوس الخطر بشأن تصاعد النّفوذ البريطانيّ في المملكة العربيّة السّعوديّة. وحذّرت وزارة الخارجيّة من أنّ الإمبراطوريّة البريطانيّة تعتزم في عام 1944 م تقديم إعاناتٍ ماليّةٍ تقارب 12 مليون دولارٍ للمملكة لشراء السّلع الاستهلاكيّة، وهو مبلغٌ يفوق بـ 6 مرّاتٍ ما كانت الولايات المتّحدة تخطّط لتقديمه إعاناتٍ ضمن برنامج الإعارة والتّأجير.
كانت الإدارة الأمريكيّة تخشى بشدّةٍ من أنّه إذا سُمِحَ للسّعوديّة بالاعتماد بشدّةٍ على البريطانيّين، فإنّ هؤلاء سيطالبون بمقابلٍ استراتيجيٍّ يتمثّل في السّيطرة على حقول النّفط السّعوديّة. وعلاوةً على ذلك، أفادت تقاريرٌ بأنّ السّفير البريطانيّ في جدّة كان يحاول إقناع الملك عبد العزيز آل سعود (ابن سعود) بإقالة مسؤولين سعوديّين معروفين بصداقتهم للولايات المتّحدة وتعيين مستشارٍ اقتصاديٍّ وربّما مستشارٍ نفطيٍّ بريطانيٍّ. واستجابةً لهذا الخطر، أوصت الدّبلوماسيّة الأمريكيّة بتقديم مساعدةٍ ماليّةٍ واقتصاديّةٍ شاملةٍ، ومقاسمة النّفوذ الاقتصاديّ مع البريطانيّين لضمان حماية المصالح الوطنيّة الأمريكيّة في موارد البترول الهائلة.
تُوِّجَ هذا التّوجّه البراغماتيّ الاستراتيجيّ باللّقاء التّاريخيّ غير المسبوق الّذي جرى في 14 شباط فبراير 1945 م (2 ربيع الأوّل 1364 هـ)، في أواخر الحرب العالميّة الثانية، بين الرّئيس الأمريكيّ فرانكلين ديلانو روزڤلت Franklin Delano Roosevelt والملك عبد العزيز آل سعود على متن طرّاد سفينة الولايات المتّحدة كوينسي الرّاسي في قناة السّويس.
كان هذا اللّقاء تتويجاً لسلسلةٍ من التّقاربات، منها إرسال الملك لنجليه، الأميرين فيصل وخالد، لزيارة الولايات المتّحدة عام 1943 م / 1362 هـ وإعجابهما بالقوّة الأمريكيّة. وبرغم أنّ الزّعيمين كانا على طرفي نقيضٍ في الخلفيّات (روزڤلت في ولايته الرابعة زعيماً لأقوى دولةٍ عصريّةٍ برغم مرضه الشّديد وضغط دمه المرتفع، وابن سعود الملك المحارب الّذي وحّد شبه الجزيرة العربيّة معتمداً على تحالفٍ صلبٍ مع رجال الدّين المتشدّدين)، إلّا أنّ اللّقاء أسّس لأطول وأهمّ علاقةٍ استراتيجيّةٍ للولايات المتّحدة مع دولةٍ عربيّةٍ.
شهد الاجتماع، الّذي حضره مترجم الرّئيس العقيد ويليام إدّي Colonel William Eddy، تبادلاً للهدايا ومراعاةً للتّقاليد الإسلاميّة من قبل روزڤلت الّذي امتنع عن التّدخين والمشروبات احتراماً للملك. لكنّ الأهمّ من البروتوكول كان صياغة ما يُعرَف اليوم بمعادلة النّفط مقابل الأمن: ضمان حصول الولايات المتّحدة المتعطّشة للطّاقة على تدفّقٍ موثوقٍ ومستقرٍّ من النّفط السّعوديّ، مقابل توفير الولايات المتّحدة مظلّة حمايةٍ أمنيّةٍ للمملكة ضدّ القوى العظمى والمنافسين الإقليميّين في حقبة ما بعد الحرب.
وعلى الرّغم من أنّ اللّقاء شهد خلافاً جوهريّاً وجذريّاً حول قضيّة هجرة اليهود ومستقبل فلسطين — إذ دافع روزڤلت وچرچل بشدّةٍ عن إنشاء دولةٍ يهوديّةٍ في فلسطين مقترحين تقسيماتٍ متنوّعةً تارةً وتهجيراً تارةً، في حين احتجّ ابن سعود بقوّةٍ معلّلاً بأنّ اليهود يجب أن يحصلوا على دولتهم في باڤاريا الألمانيّة حيث تعرّضوا للظّلم وليس في فلسطين العربيّة — إلّا أنّ هذا الاختلاف الفكريّ والسّياسيّ العميق لم يعق تشكيل التّحالف المصلحيّ الجيو-اقتصاديّ. وأثبتت هذه الحادثة أنّ السّياسة الأمريكيّة دخلت مرحلةً جديدةً، لم يعد فيها اللّاهوت أو التّحيّز العرقيّ هو المحرّك الأساسيّ للإجراءات الرّسميّة، بل المصلحة الكبرى والهيمنة الشّاملة.
غير أنّ هذا التّحوّل الجيوسياسيّ الفوقيّ لا يعني بأيّ حالٍ من الأحوال أنّ السّرديّات النّمطيّة القديمة تلاشت. فعندما ننتقل لتحليل الحقبة المعاصرة وتحديداً ما بعد هجمات 11 أيلول سبتمبر وما أعقبها من غزوٍ للعراق وحربٍ على الإرهاب، نجد أنّ الاستشراق القديم عاد ليطلّ برأسه في نسخةٍ معدّلةٍ ومحدّثةٍ تُعرَف بـ «الاستشراق الجديد».
الصّورة النّمطيّة السّائدة اليوم لدى قطاعٍ واسعٍ من الشّعب الأمريكيّ، والّتي تصوّر الإسلام دينٍ راديكاليٍّ وعنيفٍ، والّتي يعتقد الكثيرون أنّها نتجت فقط عن صدمة 11 أيلول سبتمبر والثّورة الإيرانيّة، هي في الواقع امتدادٌ مباشرٌ وتحديثٌ وظيفيٌّ لنفس البنى المعرفيّة الّتي شكّلها الپيوريتانيّون الأوائل، ورسّخها الأدباء مثل مارك توين، وعمّقها المشرّعون في قوانين المنع والإقصاء الآسيويّة عامي 1917 و 1924 م / 1335 و 1342 هـ.
في هذا السّياق المعاصر، تستمرّ أدبيّات المهاجرين العرب في أمريكا وبريطانيا، والّتي بدأت أداةٍ للوساطة الفكريّة بين المهاجرين والمجتمعات المضيفة وتصحيح المفاهيم الخاطئة منذ أوائل القرن 20، في معالجة القضايا الشّائكة المتعلّقة بالسّياسات العسكريّة الإمبرياليّة الأمريكيّة في الشّرق الأوسط، والمكانة المعقّدة للأقلّيّات العربية المسلمة في الغرب.
تطفو السّرديّات القديمة بشكل دوريّ ومقلق إلى السّطح في ساحات السّياسة المعاصرة؛ إذ يُعَدّ الجدل الّذي صاحب مقترحاتٍ سياسيّةٍ حديثةٍ مثل حظر المسلمين، والمخاوف الدّيموغرافيّة المتجدّدة المبنيّة على فرضيّة «الاستبدال الكبير» ، صدىً متجدّداً لسياسات تحسين النّسل وقوانين جونسون-ريد العنصريّة في عشرينيّات القرن 20.

تُعدّ فرضيّة «الاستبدال الكبير» The Great Replacement أيديولوجيّةً متطرّفةً تقوم على اعتقادٍ مؤامراتيٍّ مفاده وجود عمليّةٍ مخطّطٍ لها لاستبدال الشّعوب ذات الأصول الأوروپّيّة في الدّول الغربيّة بمهاجرين من ثقافاتٍ وأعراقٍ مختلفةٍ، وخاصّةً من البلدان العربية وتركيا وإيران.
أُسِّسَ هذا المفهوم على يد الكاتب الفرنسي رينو كامو Renaud Camus، وتستند هذه الأيديولوجيّة إلى افتراضاتٍ عنصريّةٍ تدّعي أنّ التّغيّرات الدّيموغرافيّة ليست نتيجةً لهجراتٍ طبيعيّةٍ أو عوامل اقتصاديّةٍ، بل هي نتيجةُ مؤامرةٍ تحيكها «نخبٌ» سياسيّةٌ وإعلاميّةٌ لإضعاف الهويّة الوطنيّة والثّقافيّة الغربيّة.
تتقاطع هذه الفرضيّة مع الممارسات التّاريخيّة الّتي حكمت الشعوب الأميركية، ونراها بوضوح في النقاط التّالية:
- الجذور في «تحسين النّسل» Eugenics: تتبنّى هذه الفرضيّة جوهر منطق قوانين الهجرة الأمريكيّة في عشرينيّات القرن 20 (قانون جونسون-ريد)، الّذي استند إلى نظريّات «تحسين النّسل» للحفاظ على التّركيبة العرقيّة الأنگلو-ساكسونيّة.
- الأداة التّشريعيّة: وكما استُخدِمَت قوانين الهجرة لعام 1917 و 1924 م / 1335 و 1342 هـ لإقصاء الأعراق غير المرغوب فيها، فإنّ أنصار هذه الفرضيّة يستخدمون اليوم لغة التهديد الدّيموغرافيّ للضّغط من أجل تبنّي سياسات هجرةٍ أكثر تشدّداً.
- الاستمراريّة الإقصائيّة: تُمثّل هذه الفرضيّة صدىً معاصراً للخطاب الإقصائيّ الّذي عانى منه المهاجرون العرب والمسلمون في المحاكم الأمريكيّة (مثل قضيّة أحمد حسن في عام 1942 م / 1361 هـ)، حيث كان يُنظَر للمسلم أو العربيّ بصفته الـ «آخر» الذي لا يمكنه الاندماج في نسيج «الأمّة البيضاء».
هذه الأيديولوجيّة لا تزال تؤجّج مشاعر العداء الممنهج وتُستخدَم غطاءٍ لتبرير سياسات التّهميش ومنع الهجرة، ممّا يؤكّد أنّ التّحيّزات التّاريخيّة الّتي فكّكها بحثنا لا تزال حيّةً وتتكيّف مع معطيات العصر السّياسيّة.

خاتمةٌ في جدليّة البراغماتيّة والتحيّز التّاريخيّ
يكشف الفحص المعمّق والمفصّل للمسار التّاريخيّ للإدراك الأمريكيّ للعرب والمسلمين عن علاقةٍ شديدة التّعقيد، تتأرجح باستمرارٍ بين الرّفض الأيديولوجيّ المتجذّر والقبول البراغماتيّ المفروض بالضّرورة. {قال شو جابرك ع المرّ غير اللّي أمرّ منّه!}. ويمكن استخلاص جملةٍ من الاستنتاجات الاستراتيجيّة والمعرفيّة من هذا التّحليل:
الاستخدام الوظيفيّ للإسلام في بناء الهويّة الذّاتيّة الأمريكيّة:
لم يكن الإسلام ولا العالم العربيّ كياناتٍ جغرافيّةً بعيدةً بالنّسبة للعقل الأمريكيّ المبكّر، بل استُخدِمَت وظيفيّاً بصفتها «آخر» متخيّلٍ ومظلمٍ تُعرّف الأمّة الأمريكيّة نفسها بالتّناقض معه. فمنذ السّرديّات الپيوريتانيّة الّتي شيطنت الإمبراطوريّة العثمانيّة وصنّفتها ضمن التّكهّنات الألفيّة المرعبة، مروراً بحروب السّاحل البربريّ الّتي كانت ميداناً لاختبار إرادة السّيادة الأمريكيّة واستعراض قوّتها النّاشئة أمام الطّغيان المزعوم، كان الشّرق بأغلبيّته العربية هو المرآة الّتي أثبتت فيها أمريكا نموذجها الدّيمقراطيّ والمسيحيّ الاستثنائيّ.
المخرجات غير المقصودة للمواجهات النّاعمة:
على الرّغم من أنّ الحملات التّبشيريّة الپروتستانتيّة في القرن 19 في الشّام مُنِيَت بفشلٍ ذريعٍ في تحقيق هدفها اللّاهوتيّ المتمثّل في تحويل المسلمين أو محو التّقاليد المسيحيّة الشّرقيّة، إلّا أنّ مرونتها وتوجّهها نحو نشر التّعليم العلمانيّ والتّدريب المؤسّسيّ أسهما شكلاً غير متوقّعٍ في غرس بذور التّحديث والنّهضة العربيّة المعاصرة وتشكيل وعيٍّ سياسيٍّ لا طائفيٍّ. ويؤكّد هذا أنّ التّدخّلات الفكريّة غالباً ما تنتج تفاعلاتٍ هجينةً وتغيّراتٍ بنيويّةً تفوق في أهميّتها الأهداف الأصليّة المعلنة.
تسليع “الشّرق” وأثره المدمّر في المخيّلة الجماهيريّة:
أدّت المعرفة الشّعبيّة والأدبيّة الغربيّة، كما تظهر في كتابات مارك توين ومعارض العالم مثل معرض شيكاگو الكولومبيّ عام 1893 م / 1310 هـ، دوراً حاسماً في إفراغ الإنسان العربيّ من محتواه الحضاريّ والمعرفيّ وتاريخه المعقّد. وعبر التّركيز على صور الغرائبيّة، والكسل المزعوم، وتسويق رقصة البطن عرضٍ جنسيٍّ مثيرٍ للانتباه والاشمئزاز الأخلاقيّ المفتعل في آنٍ واحدٍ، فرسّخ هذا الاستشراق الشّعبيّ بيئةً إدراكيّةً مسمّمةً مهيّأةً لتقبّل سياسات التّهميش والهيمنة اللّاحقة.
تطويع القانون البيولوجيّ لخدمة السّياسة والإقصاء:
أثبتت حقبة التّجنيس والهجرة في أوائل القرن 20 أنّ المفاهيم القانونيّة المتعلّقة بالأعراق مثل “الرّجل الأبيض” لم تكن سوى واجهاتٍ سياسيّةٍ مطّاطةٍ طُوِّعَت للتّحكّم في التّكوين الدّيموغرافيّ للبلاد. وتبيّن المواقف المتضاربة للمحاكم الفيدراليّة الّتي قبلت المهاجر السّوريّ المسيحيّ ومنحته البياض وحرمت اليمنيّ المسلم منه بناءً على اعتباراتٍ لاهوتيّةٍ وجغرافيّةٍ بحتةٍ، عنصريّةً مؤسّساتيّةً موجّهةً تُرجمت تشريعيّاً في قوانين الهجرة الإقصائيّة (1917 و 1924 م / 1335 و 1342 هـ) الّتي استخدمت أسس تحسين النّسل لإقفال الأبواب في وجه المهاجرين شّرق الأوسطيّين.
انتصار البراغماتيّة الجيوسياسيّة دون إلغاء التّحيّز:
مثّل انتقال الاهتمام الأمريكيّ في حقبة ما بعد الحرب العالميّة الثانية نحو تأمين موارد النّفط، وتجلّى ذلك في تحالف روزڤلت وابن سعود عام 1945 م / 1364 هـ، تحوّلاً جذريّاً نحو لغة المصالح والمنافسة الباردة بدلاً من لغة التّبشير والمواجهة الدّينيّة الّتي ميّزت القرون السّابقة. وبرغم ذلك، وكما أظهرت أحداث ما بعد 11 أيلول سبتمبر، فإنّ هذه البراغماتيّة السّياسيّة العُلويّة لم تستطع محو أو إخماد الصّور النّمطيّة التّطهيريّة والاستشراقيّة الغائرة في اللّاوعي الجمعيّ الأمريكيّ، والّتي تبقى جاهزةً دائماً للاستدعاء والتّعبئة لتبرير المواقف العدائيّة، أو التّهميش التّشريعيّ، أو التّوسّع الإمبرياليّ، متى دعت الحاجة السّياسيّة لذلك.
مراجع ومصادر
- Artillery of Heaven: American Missionaries and the Failed Conversion of the Middle East – Ussama Makdisi
- Between Arab and White: Race and Ethnicity in the Early Syrian American Diaspora – Sarah M. A. Gualtieri
- Orientalism – Edward W. Said . https://books.google.com/books?id=0Xn-EAAAQBAJ
- The Crescent Obscured: The United States and the Muslim World, 1776-1815 – Robert J. Allison. https://books.google.com/books?id=a6BqQgAACAAJ
- American Christians and Islam: Evangelical Culture and Muslims from the Colonial Period to the Age of Terrorism – Thomas S. Kidd. https://press.princeton.edu/books/paperback/9780691162307/american-christians-and-islam
- Displaying the Orient: Architecture of Islam at Nineteenth-Century World’s Fairs – Zeynep Çelik. https://publishing.cdlib.org/ucpressebooks/view?docId=ft8x0nb5pn
- White by Law: The Legal Construction of Race – Ian Haney López. https://nyupress.org/books/9780814736944
- Impossible Subjects: Illegal Aliens and the Making of Modern America – Mae M. Ngai. https://press.princeton.edu/books/paperback/9780691160822/impossible-subjects
- Power, Faith, and Fantasy: America in the Middle East: 1776 to the Present – Michael B. Oren. https://books.google.com/books?id=68E2-2_p_JMC
- F.D.R. Meets Ibn Saud – William A. Eddy. https://catalog.hathitrust.org/Record/001452906
- The Cultural Roots of American Islamicism – Timothy Marr. https://doi.org/10.1017/CBO9780511511530
- Epic Encounters: Culture, Media, and U.S. Interests in the Middle East – Melani McAlister
- American Orientalism: The United States and the Middle East since 1945 – Douglas Little. https://uncpress.org/book/9780807858981/american-orientalism/
- Whiteness of a Different Color: European Immigrants and the Alchemy of Race – Matthew Frye Jacobson. https://www.hup.harvard.edu/catalog.php?isbn=9780674951914
- Whitewashed: America’s Invisible Middle Eastern Minority – John Tehranian. https://nyupress.org/books/9780814783061
- American Islamophobia: Understanding the Roots and Rise of Fear – Khaled A. Beydoun. https://www.ucpress.edu/book/9780520299002/american-islamophobia
- Arab Detroit: From Margin to Mainstream – Nabeel Abraham, Andrew Shryock. https://www.wsupress.wayne.edu/books/detail/arab-detroit
- The Arab Americans: A History – Gregory Orfalea. https://books.google.com/books?id=V2mDAgAAQBAJ
- Arabs and Muslims in the Media: Race and Representation after 9/11 – Evelyn Alsultany. https://nyupress.org/books/9780814707326
- Reel Bad Arabs: How Hollywood Vilifies a People – Jack G. Shaheen. https://books.google.com/books?id=89q1BgAAQBAJ
- The Barbary Wars: American Independence in the Atlantic World – Frank Lambert. https://us.macmillan.com/books/9780809028115
- White Slaves, African Masters: An Anthology of American Barbary Captivity Narratives – Paul Baepler. https://press.uchicago.edu/ucp/books/book/chicago/W/bo3633887.html
- Faith Misplaced: The Broken Promise of U.S.-Arab Relations – Ussama Makdisi. https://www.publicaffairsbooks.com/titles/ussama-makdisi/faith-misplaced/9781586488567/
- Morocco Bound: Disorienting America’s Maghreb – Brian T. Edwards. https://www.dukeupress.edu/morocco-bound
- American Palestine: Melville, Twain, and the Holy Land Mania – Hilton Obenzinger. https://press.princeton.edu/books/hardcover/9780691007288/american-palestine
- Noble Dreams, Wicked Pleasures: Orientalism in America, 1870-1930 – Holly Edwards. https://press.princeton.edu/books/hardcover/9780691088928/noble-dreams-wicked-pleasures
- American Arabesque: Arabs, Islam, and the 19th-Century Imaginary – Jacob Rama Berman. https://nyupress.org/books/9780814787267
- Islam and Arabs in Early American Thought: The Roots of Orientalism in America – Fuad Sha’ban. https://books.google.com/books?id=z1_zAAAAMAAJ
- Sacred Interests: The United States and the Islamic World, 1821-1921 – Karine Walther. https://uncpress.org/book/9781469625391/sacred-interests/
- The Citizen and the Terrorist – Leti Volpp. https://doi.org/10.15779/Z386Q2J
- Rebel Music: Race, Empire, and the New Muslim Youth Culture – Hisham Aidi. https://www.penguinrandomhouse.com/books/216503/rebel-music-by-hisham-aidi/
- Arab America: Gender, Cultural Politics, and Activism – Nadine Naber. https://nyupress.org/books/9780814758588
- Homeland Insecurity: The Arab American and Muslim American Experience After 9/11 – Louise Cainkar. https://www.russellsage.org/publications/homeland-insecurity





اترك رد