
تمهيد
تخرج للتخييم في البراري ثمّ تسهر خارج خيمتك تحت ثريّا النجوم الثريّة، ثمّ تُلقي قطعة لحم جميلة على حجر يمسّ نار السهر أمامك، لتستمتع بوجبة لذيذة تنغّم ذكريات هذه السهرة. شيّ اللّحم على الحجارة الساخنة فنّ طهي أصيل نشأ مع فجر البشرية، ارتبط بشعائر الصيد وإعداد الطعام. واعتمدت هذه التقنية على الخصائص الكيميائية والفيزيائية للصخور التي تستطيع امتصاص الحرارة وتخزينها ثم إطلاقها تدريجيّاً.
سرّ لذّة لحم هذه التقنية يكمن في الكيمياء، إذ تحدث على سطح اللّحم الملامس للحجر الساخن تفاعلات ميلارد السريعة، وهي تفاعلات كيميائية بين الأحماض الأمينية والسكّريّات المختزلة، تعطي اللّحم قشرة بنّية غنية بالنكهة. تعمل حرارة الصخور المرتفعة التي تتجاوز غالباً ٤٠٠ درجة مئوية على ختم السطح الخارجي للّحم، فتتجمّد البروتينات بسرعة وتمنع فقدان المركّبات المائية الذائبة والدهون التي تحمل النكهة. كما تضيف المعادن الموجودة في الصخور المختلفة مثل البازلت والگرانيت نكهات معدنية دقيقة تميّز هذه الطريقة عن غيرها من طرق الطبخ.
طوّرت الشعوب المختلفة أساليب متنوّعة لتطبيق هذه التقنية، فمنها من استخدم الحجارة على سطح الأرض، ومنها من دفنها في حفر أرضية مع المكوّنات. وانتقلت هذه الطريقة عبر الزمن من وسيلة طبخ ضرورية إلى فنّ طهي راقٍ يجمع بين الأصالة والتفرّد، وتحوّلت من تقنية بدائية إلى متعة طعام مميّزة تقدّمها اليوم أرقى المطاعم العالمية.
انتقلت تقنية الطبخ على الحجارة الساخنة من كهوف العصر الحجري إلى خيام الظعن (الظعن الرُحّل) ثمّ إلى مطاعم اليوم الفاخرة. عرفت الشعوب في مشارق الأرض ومغاربها هذه الطريقة، وأضافت كلّ منها بصمتها الخاصّة. ونستمتع اليوم بتنوّع المذاقات والتقنيات التي تستخدم الحجارة في طهي الطعام، ونكتشف مدى عبقرية الإنسان في تطويع عناصر الطبيعة لخدمته. وتروي الصفحات القادمة حكاية تطوّر هذه التقنية العريقة عبر الزمان والمكان، وتأخذنا في رحلة طهي تمتد آلاف السنين.
تختزل تقنية شيّ اللّحم على الحجارة الساخنة حكمة إنسانية عميقة في بساطتها. إذ تذكّرنا بأنّ أعظم الابتكارات البشرية غالباً ما تكون أكثرها بساطة. وترشدنا هذه التقنية العريقة إلى التواضع أمام قدرة أسلافنا على توظيف عناصر الطبيعة البسيطة بطرق عبقرية، وتدعونا للتأمّل في كيف غيّر هذا الاكتشاف البسيط مسار تطوّرنا البيولوجي والثقافي.

جذور مشتركة: تقنية عالميّة بلا وطن
تستحيل نسبة تقنية شيّ اللّحم على الحجارة الساخنة لشعب بعينه أو بلد محدّد لعدّة أسباب جوهرية. إذ تعود هذه التقنية إلى أعماق التاريخ البشري، وتؤكّد الأدلّة الأثرية استخدامها منذ ٧٨٠ ألف سنة على الأقل، في فترة سبقت تشكّل الهويّات الثقافية والحدود الجغرافية المعروفة اليوم. كما ظهرت الشواهد الأثرية لاستخدام هذه التقنية في مواقع متباعدة جغرافيّاً، من الشام إلى مواقع أثرية في آسيا وأفريقيا وأوروپا. وطوّرت الحضارات البشرية البدائية هذه التقنية بشكل متوازٍ ومتزامن في بقاع مختلفة من العالم، استجابة للحاجة الطبيعية لإعداد الطعام وطهيه.
تَظهر تقاليد شيّ اللّحم على الحجارة في تراث شعوب متعدّدة ومتنوّعة ثقافيّاً، كالماوري في نيوزيلاند، وشعوب الأنديز في پيرو، والإينو في اليابان، وظعن جزيرة العرب والبحر الأحمر، والمغول وسكّان أمريكا الأصليّين وغيرهم. مثّلت هذه التقنية حلّاً بدائيّاً بسيطاً وفعّالاً يتناسب مع حياة الترحال والظعن، ولذلك تبنّتها المجتمعات الظاعنة في جميع قارّات العالم.
تُظهر هذه التقنية مثالاً على التطوّر المتوازي في الابتكار البشري، إذ توصّلت مجتمعات بشرية متباعدة جغرافيّاً ومنعزلة عن بعضها إلى تطوير تقنيات متشابهة جوهريّاً وإن اختلفت في تفاصيلها، ممّا يشير إلى أنّها نتاج طبيعي للتفاعل بين الإنسان وبيئته عبر آلاف السنين. ويرجع تاريخ شيّ اللّحم على الحجارة إلى مئات الآلاف من السنين، وتطوّرت هذه التقنية جنباً إلى جنب مع تطوّر السيطرة على النار وأنماط الحياة الظعنية.

الجذور التاريخية: رحلة عبر عصور ما قبل التاريخ
يُمثّل شيّ اللّحم على الحجارة الساخنة واحدة من أقدم طرق الطهي التي عرفتها البشرية، ويعود تاريخها إلى ٧٨٠ ألف سنة على الأقل. وكانت اكتُشفت الأدلّة على استخدام الإنسان الأوّل للحجارة المسخّنة لطبخ الطعام في موقع جسر بنات يعقوب التاريخي الموجود في شمال أراضي فلسطين، حيث تشير بقايا الحجارة المحروقة والأسماك إلى استخدام متحكّم به للنار لأغراض الطهي.
شاع في العصر الحجري العلوي (٤٠٠٠٠-١٠٠٠٠ قبل الميلاد) استخدام أسلافنا البشريّين، بما فيهم النياندرتال والإنسان العاقل، للحجارة الساخنة في طبخ اللّحوم، ووضعوها غالباً في حفر مبطّنة بالنباتات، بطريقة تشبه أفران الحنيذ والمدفون المستخدمة اليوم.

يتميّز موقع جسر بنات يعقوب بأهمية أثرية استثنائية في دراسة تاريخ البشرية القديم. إذ يقع هذا الموقع الأثري على ضفاف نهر الأردن في الجزء الشمالي من فلسطين والجنوبي من الجولان. واكتشفت الحفريّات في هذا الموقع أدلّة قطعية على استخدام الإنسان للنار بشكل منظّم من قرابة ٨٠٠ ألف سنة، ممّا يجعله من أقدم المواقع في العالم التي توثّق سيطرة الإنسان على النار وتطبيق تقنية الشيّ على الحجارة.
تدلّ البقايا المكتشفة في الموقع على تطوّر مذهل في السلوك البشري المبكّر، إذ أظهرت الدراسات وجود أدوات حجرية متنوّعة صنعها الإنسان القديم واستخدمها في تقطيع اللّحوم والأسماك. وتوفّر الطبقات الرسوبية في الموقع سجلّاً زمنيّاً دقيقاً يتيح للعلماء تتبّع تطوّر التقنيات البشرية على مدى فترات طويلة. وأثبتت التحاليل العلمية للبقايا العظمية المحروقة والحجارة المتفحّمة استخدام الإنسان للنار في طهي الطعام، ممّا يمثّل نقلة حضارية غيّرت مسار التطوّر البشري وأسهمت في تطوير الدماغ البشري.
يرى علماء الآثار هذا الموقع الشامي نقطة محورية في فهم انتقال الإنسان من مرحلة جمع الطعام إلى مرحلة إعداده وطهيه. وسمحت الظروف الجيولوجية الفريدة للموقع بالحفاظ على الكثير من الأدلّة الأثرية التي تكشف عن أنماط عيش الإنسان في تلك الحقبة السحيقة من الزمن.
استمرّت المجتمعات الظاعنة، مثل ظعن سهوب آسيا الوسطى، والظعن العرب، وظعن الأمريكيّين الأصليّين، في تطبيق هذا التقليد. واشتهر المغول مثلاً بطهي اللّحوم على الصخور المسخّنة داخل سروجهم، وطبخت بعض قبائل السكّان الأصليّين في أمريكا الشمالية والجنوبية اللّحوم على الحجارة الساخنة لضمان طبخها بشكل متساوٍ.

العلم وراء الحجارة: كيمياء وفيزياء الطهي الأوّل
حجارة الشيّ من مكوّنات الوصفة، فحين تأكل لحماً مشويّاً على اللّحم تتذوّق كذلك نكهة صنعها الحجر، وعند تغيير نوع الحجر ومصدره تتغيّر النكهة، تماماً كما تتغيّر بتغيير نوع اللّحم. لذلك يكون الحجر واحداً من مكوّنات الوصفة، وتتغير النكهة بتغيّر الحجر المستخدم. عند استخدام الحجر الساخن لشيّ اللّحم، يحدث تبادل معدني محدود بين الحجر واللّحم، لكن العمر الافتراضي للحجر يختلف حسب نوعه ومكوّناته المعدنية.
الحجارة البازلتية البركانية، الأكثر استخداماً عالمياً في هذه التقنية، تتميّز بعمر افتراضي طويل نسبياً يتراوح بين ٨٠-١٥٠ استخداماً قبل أن تبدأ في فقدان فعّاليتها. في حين تفقد الحجارة الرملية والكلسية فعّاليتها بشكل أسرع، إذ يتراوح عمرها الافتراضي بين ٣٠-٥٠ استخداماً فقط.
وتؤثّر عدّة عوامل في العمر الافتراضي للحجر، إذ إنّ التسخين والتبريد المتكرّر يسبّب إجهاد للحجر ويؤدّي إلى تشقّقات مجهرية تتّسع مع الاستخدام المتكرّر. كما أنّ تفاعل أحماض اللّحم مع معادن الحجر يؤدّي إلى تآكل تدريجي للسطح. كما تمتصّ مسام الحجر تدريجيّاً الدهون والزيوت من اللّحم، مّما يقلّل قدرتها على إطلاق المعادن المسؤولة عن النكهة. كذلك تطلق أحجار البازلت والگرانيت نكهات معدنية وتدوم أكثر من الأحجار الرسوبية.
تبدأ مساهمة الحجر في مذاق اللّحم بالتناقص تدريجيّاً عندما يصبح سطح الحجر لامعاً بسبب تراكم طبقة من الزيوت المتشبّعة، وتظهر تشقّقات واضحة على سطح الحجر، كما يلاحظ انخفاض في احتفاظ الحجر بالحرارة، ثمّ يبدأ الطعام بالالتصاق بسطح الحجر أكثر من المعتاد.
تشير الدراسات العلمية أنّ أغلب العناصر المعدنية التي تساهم في النكهة تنتقل خلال أوّل ٦٠-٨٠ استخداماً، بعدها تنخفض نسبة المعادن المتبادلة بشكل ملحوظ. وفي الاستخدام المنزلي، ينصح خبراء الطهي بتجديد حجارة الشواء بعد سنة إلى سنتين من الاستخدام المنتظم (بمعدّل استخدام أسبوعي) للحصول على أفضل نتائج من حيث النكهة والأداء.

تقنيات تقليدية حول العالم
بقيت طريقة الطبخ بالحجارة حيّة في أطباق تقليدية عديدة منها:
- إيشيّاكي اليابانية: شيّ الطعام على الحجارة المسخنة.
- پاچامانقه الپيروڤية: شيّ في حفر أرضية مع الحجارة الساخنة في منطقة الأنديز.
- هانگي الماوري في نيوزيلندا: طهي تحت الأرض باستخدام الحجارة.
- المظبي الحضرموتي في جزيرة اليمن: شيّ اللّحم على الحجارة المسخّنة بالفحم.
- الشواء على الحجر الساخن: تكييف حديث تستخدمه مطاعم اللّحوم الفاخرة.

إيشيّاكي | تقنية الطبخ على الحجارة الساخنة في اليابان
تمثل طريقة إيشيّاكي (石焼き – إيشي ياكي) تراثاً يابانيّاً أصيلاً في فنّ الطهي على الحجارة الساخنة. كلمة {إيشي} 石 تعني «حجر»، وكلمة {ياكي} 焼き «شيّ» أو «طبخ»، لتشكّل معاً {الشيّ بالحجر}. تستخدم هذه التقنية تقليديّاً أحجار البازلت البركاني الأسود المسامي المسمّاة {توكو-إيشي} 床石 لقدرتها الفائقة على الاحتفاظ بالحرارة لفترات طويلة. فتسخّن هذه الأحجار عادةً في أفران خاصّة تسمّى {كاما} 窯 حتّى تصل إلى درجات حرارة تتجاوز ٤٠٠ درجة مئوية.
يرجع تاريخ هذه الطريقة إلى العصور الوسطى اليابانية خلال فترة هيان (平安時代 – هيان-جيداي)، ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بشعائر الشاي التقليدية {چادو} 茶道. وتقدّم الأطباق المحضّرة بتقنية إيشيّاكي في أواني خاصّة تسمى {إيشيّاكي-نابي} 石焼き鍋 مصنوعة من الحجر أو السيراميك المقاوم للحرارة العالية. وتشتهر اليوم مطاعم {كايسكي} 懐石 الفاخرة بتقديم أطباق {إيشيّاكي-ستيكي} 石焼きステーキ حيث يشوي الزبائن شرائح لحم {واگيو} 和牛 الفاخرة على أحجار ساخنة موضوعة أمامهم.
تتميّز هذه الطريقة بالحفاظ على النكهات الطبيعية للطعام وعصاراته، إذ تختم السطح الخارجي للطعام بسرعة فائقة ممّا يمنع تسرّب العصارات الداخلية. ويستمتع اليابانيّون أيضاً بتحضير حساء {إيشيّاكي-نابي} 石焼き鍋 حيث توضع الأحجار الساخنة مباشرة في وعاء الحساء ممّا يضفي نكهة خاصّة ويحافظ على درجة حرارته طوال فترة تناول الطعام.

پاچامانقه | طريقة طهي تقليدية في جبال الأنديز
تمثّل {پاچامانقه} Pachamanca تراث طهي عريق يعود تاريخه إلى حضارة الإنكه في جبال الأنديز بپيرو. وتتكوّن الكلمة في لغة قيتشوا Quechua الأميركية من مقطعين: {پاچا} Pacha وتعني «الأرض»، و{مانقه} Manca وتعني «وعاء الطهي»، ليصبح المعنى الحرفي «طنجرة الأرض».
تبدأ عملية تحضير الپاچامانقه بحفر حفرة كبيرة في الأرض تسمى {هويقو} Hueco بعمق يصل إلى متر تقريباً. تسخّن أحجار نهرية خاصّة تسمى {رومي} Rumi على نار مفتوحة حتّى تصبح متوهّجة. ثم يغطّى قاع الحفرة بهذه الأحجار المتوهّجة، ثم توضع عليها طبقات من اللّحوم المتبّلة بتوابل محلّية مثل {أچي} Ají و {هوَقَتاي} Huacatay. تضاف بعدها طبقات من البطاطا بأنواعها المختلفة (پاپا Papa)، والذرة (چوقلو Choclo)، والفول (هاباس Habas)، وجذور {يوقا} Yuca، وتوضع أحجار ساخنة بين كل طبقة. ثمّ تغطّى المكوّنات بأوراق {چيلقه} Chilca العطرية وأوراق الموز للعزل، ثمّ تردم الحفرة بالتراب ويُختم سطحها بالأعشاب الطازجة.

تترك الپاچامانقه مدفونة لمدّة تتراوح بين ساعة إلى ثلاث ساعات وفقاً لكمّية الطعام. ويصاحب تحضير هذا الطبق شعائر احتفالية تسمى {پاگو} Pago لتكريم {پاچامامـا} Pachamama، ربّة الأرض عند شعوب الأنديز. وتشكّل هذه الطريقة في الطهي مناسبة اجتماعية كبرى في المناطق الريفية الپيروڤية، وترمز للعمل الجماعي (أيني Ayni) والعلاقة المقدّسة بين الإنسان والأرض في تراث شعوب الأنديز.

هانگي | تقنية طبخ تقليدية لشعب الماوري
تتميّز تقنية {هانگي} Hāngī بعراقتها وارتباطها العميق بتراث شعب الماوري الأصلي في نيوزيلاند. إذ تعود أصول هذه الطريقة إلى آلاف السنين، ويُقصد من كلمة هانگي في لغة الماوري «فرن الأرض» أو «الطعام المطبوخ تحت الأرض». تبدأ عملية تحضير الهانگي بحفر حفرة أرضية عميقة تسمّى {واها} Wāha، ثمّ تشعل نار قوية داخلها يوضع فوقها أحجار البازلت البركاني المعروفة محلّياً باسم {پوهَتُ} Pōhatu.

تستغرق عملية تسخين الحجارة عدّة ساعات حتّى تصل إلى درجة التوهّج. وتزال بقايا الخشب بعد اكتمال الاحتراق، وتنظّم الحجارة الساخنة في قاع الحفرة. ثمّ تغطّى الحجارة المتوهّجة بطبقة من النباتات العطرية مثل {مانُكه} Mānuka و {كَرَمو} Karamū التي تطلق بخاراً عطريّاً يتخلّل الطعام. توضع سلال من الألياف النباتية تسمّى {كيتي} Kete مليئة باللّحوم والخضروات المغلّفة بأوراق {نيكَو} Nīkau على الطبقة النباتية، وتشمل المكوّنات التقليدية لحم {كومي} Kūmī والبطاطا الحلوة {كومَره} Kūmara والدجاج وسمك {تَمُورِى Tamure. ثمّ تُغمر السلال بالماء لإنتاج البخار، ثمّ تغطّى بقماش مبلّل يسمى {تَوهه} Tauha، وتردم الحفرة بالتراب بإحكام لحبس الحرارة والبخار.

تستغرق عملية الطبخ من ٣ إلى ٦ ساعات، تتخلّلها طقوس {كَرَكيَه} Karakia وهي أدعية تقليدية تقدّم قبل وبعد تحضير الطعام. تعطي هذه الطريقة طعماً مميّزاً للمكوّنات، إذ تمتزج نكهة الدخان والأعشاب العطرية مع البخار الناتج عن الحجارة الساخنة. وتعدّ وجبة الهانگي مظهراً من مظاهر الضيافة {مَناكِتَنگه} في تقاليد الماوري، وترمز إلى العلاقة المقدّسة بين الإنسان والأرض {پَپَ-توَ-نُكُ} Papa-tū-ā-nuku.

المظبي | تقنية طبخ حضرموتية لظعن جزيرة العرب
طريقة {اللّحم المظبي} تراث عربي أصيل في فن الطهي على الحجارة الساخنة، وهي طبق حضرموتي قديم يعتمد على تقنية الشيّ التقليدية. التسمية في أصلها {المُضبي}، وتحوّلت الضاد إلى ظاء بسبب عادات العرب في تبديل أحرف الإطباق (الصاد والضاد والطاء والظاء).
في أصل التسمية يقول ابن منظور في «لسان العرب» {الضَّبُّ والتَّضْبيبُ: تغطية الشيء ودخول بعضه في بعض.} وقال الأصمعي: {ضَبَأَ: لَصِقَ بالأرض، وضَبَأْتُ به الأرضَ فهو مضبوءٌ به، وإذا ألْزَقْتَهُ بها. وأضبأ الرجل على الشيء، إذا سكت عليه وكتمه، فهو مُضْبِيءٌ عليه.}. ويقول خالد الأزهري في كتابه {شرح التصريح بمضمون التوضيح في النحو} أنّ العرب كثيراً ما تُبدل ما بين أحرف الإطباق، وهي: الصاد والضاد والطاء والظاء، وهي جميعاً حروف أصلها التاء وتبدّلت إلى أحرف الإطباق على طريقة تاء الافتعال، ويُبدّل العرب ما بينها لأنّها جميعاً من أسرة واحدة، ينحصر فيها الصوت ما بين اللّسان وما حاذاه من الحنك الأعلى.

تعتمد تقنية «اللّحم المظبي» الظعنية على تسخين الحجارة النهرية بواسطة الفحم، ثم توضع قطع اللّحم عليها لتشيّها ويُظبى عليها (تُضبى في الأرض). وطوّر الظعن هذه الطريقة قديماً باستخدام حجارة المرو البيضاء المحمّاة بأشعة الشمس، بدون استعمال الجمر أو النار. وحديثاً صارت الناس تستغني عن الضبء (الدفن في الأرض) بتغليف اللّحم بورق القصدير أو أوراق الموز ووضعه على الحجارة المسخّنة، والبعض يضع صفيحة معدنية فوق اللّحم لتسريع النضج بالتساوي. لكنّ الطريقة الحديثة تلغي تنكيه اللّحم بنكهة الحجارة وتختصرها إلى شيّ عادي.

يُعدّ المدفون (المعروف أيضاً باسم الزرب، المكمور، المردوم، الحنيذ) طبقاً عربّياً مشابهاً للّحم المظبي من حيث أسلوب الطهي تحت الأرض، لكنّه يختلف في التفاصيل ويُقدّم مع الأرز. ويتميّز المدفون بتقنيّة الطبخ الأصلية على الحجارة، التي تتضمّن طبخ اللّحم المتبّل في حفرة تحت الأرض، حيث يوضع على الحجارة ويُحاط بالفحم المطفأ.
يطبخ الدخان والحرارة اللّحم ببطء، ممّا يحافظ على طراوته ونضارته مع إكسابه نكهة ورائحة دخانية خفيفة. ويُعتقد أنّ هذه الطريقة في الطبخ ورثت من الرعاة المتجوّلين، طالما لم تكن الأفران التقليدية موجودة في المراعي، وكان طبخ اللّحم تحت الأرض وسيلة مناسبة للاستفادة من الطبيعة وحماية اللّحم من الحيوانات المفترسة الجائعة، مع حفظ الحرارة وتنكيه اللّحم بنكهة الحجارة.

- في اللّحم المظبي: يُتبّل اللّحم وهو على الحجارة بخليط من العسل وطحينة السمسم (الجلجلان) أو العسل وحده، ويُقدّم تقليديّاً مع الخبز والشاي، لكن تُضيف المطاعم الحديثة الأرز طبق جانبي.
- في المدفون: يُحضّر الدجاج ولحم الضأن (مع ترك اللّحم على العظم) ويُتبّل بالكزبرة والكمّون والفلفل والقرنفل والكركم. وبعد عدّة ساعات من الطبخ، يصبح اللّحم طريّاً ورطباً، ومشبعاً تماماً بالتوابل. ويُقدّم اللّحم فوق الأرز بالزعفران، ويُرافق عادة باللّبن الرائب وإدام الدقّوس الحار.
تطوّرت تقنية المظبي في العصر الحديث، وصارت تُصنّع مشاوي حجرية منزلية بأنواع ومقاسات مختلفة، وأصبحت اليابان من أكثر الدول اهتماماً بتطوير هذه التقنية المعاصرة، خصوصاً باستخدام حجر البازلت البركاني. ويرتبط هذا التطور بتقنية إيشيّاكي 石焼き اليابانية المشابهة التي تمثّل تراثاً يابانيّاً أصيلاً في فنّ الطهي على الحجارة الساخنة.
لتحضير المدفون، نتبّل اللّحم والدجاج بالتتبيلة، ثمّ ينقعان في التتبيلة مدّة ساعتين على الأقل (يفضل طوال الليل للنكهة الأفضل). في النهار تسخّن الحجارة البازلتية أو النهرية على نار مفتوحة أو فحم مشتعل مدّة ساعة تقريباً حتى تصبح شديدة السخونة. يمكن أيضاً تسخين الحجارة في فرن بدرجة حرارة عالية (250-300 درجة مئوية) مدّة ساعة. نحفر حفرة في الأرض بعمق 50-60 سم وعرض يكفي لوضع اللّحم والدجاج والحجارة. ثمّ نضع طبقة رقيقة من الرمل النظيف في قاع الحفرة. وباستخدام ملقط معدني أو أداة مناسبة، ننقل الحجارة الساخنة إلى الحفرة ونرتّبها بشكل مسطّح في القاع. ثمّ نضع قطع اللّحم والدجاج المتبّلة على الحجارة، ثمّ نغطّي اللّحم بطبقة أخرى من أوراق الموز أو ورق القصدير. ويمكن وضع طبقة ثانية من الحجارة الساخنة فوق الطبقة العازلة لتوفير حرارة من الأعلى والأسفل. نغطِّي كل شيء بطبقة سميكة من الرمل ثم التراب، ويمكن وضع طبقة من الأغصان الرطبة فوق الرمل لخلق بيئة رطبة. ونترك الطعام يطبخ ببطء مدّة ٤-٦ ساعات. الحرارة المخزّنة في الحجارة ستطبخ اللّحم ببطء وبالتساوي.




بعد انتهاء وقت الطبخ، نزيل التراب والرمل بحذر ونستخرج اللّحم والدجاج. وسنلاحظ أنّ اللّحم صار طريّاً جداً وسهل التقطيع مع احتفاظه بالعصارة والنكهة. ونقدّم اللّحم فوق الأرز بالزعفران، مع اللّبن الرائب وإدام الدقوس الحار كمرافقات.
يمكن استخدام حجارة البازلت البركاني كما في تقنية إيشيّاكي اليابانية لأنّها تحتفظ بالحرارة فترة أطول. ونتأكّد من أنّ الحجارة نظيفة وصلبة ولا تتشقّق عند التسخين (نتجنّب الحجارة الرخوة أو المسامية جداً). ويمكن رشّ القليل من الماء أو المرق على اللّحم قبل تغطيته لضمان بيئة طبخ رطبة. للحصول على نكهة دخانية أكثر، يمكن إضافة بعض الأعشاب العطرية الجافّة (مثل إكليل الجبل أو الزعتر البري) على الحجارة قبل وضع اللّحم أو بين الحجارة.

من البداوة إلى الحداثة: عودة تقنية قديمة
تتألّق تقنية الشواء على الحجر الساخن في المطاعم العالمية الفاخرة بمثابة تفسير عصري لطرق الطهي البدائية. وطوّرت المطاعم المتخصّصة هذه التقنية واشتهرت باسم {شرحات على الحجر} (Steak on the Stone ستيك أُن ذى ستون) أو {پيدرا كالينتي} Piedra Caliente بالإسپانية.
تستخدم هذه الطريقة أحجاراً خاصّة تسمّى الحجر الحرّاني وحجر المرو وحجر الرحى وحجر الشيّ (الخليجي) وأنواع حجارة البازلت المميّزة بكثافته العالية وقدرته الاستثنائية على تخزين الحرارة والاحتفاظ بها لفترات طويلة. وتسخّن هذه الأحجار في أفران خاصة بدرجة حرارة تتجاوز ٤٠٠ درجة مئوية، ثم توضع على حامل حراري مصنوع من خشب الساج أو السيراميك المقاوم للحرارة. ويحضّر النادل شرائح اللّحم النيّئة إلى الطاولة مع الحجر الساخن، ليشوي الزبون طعامه بنفسه وفق درجة النضج المفضّلة لديه.

تقدّم المطاعم الفاخرة أنواعاً متميّزة من اللّحوم مع هذه التقنية مثل لحم {واگيو} 和牛 الياباني (حيث {وا} 和 تعني «ياباني» و {گيو} 牛 تعني «بقر» أو «لحم بقري»)، و {كوبيگيو} 神戸牛 (حيث {كوبي} 神戸 هو اسم مدينة و {گيو} 牛 تعني «بقر» أو «لحم بقري»)، ولحم أنگُس Angus الأسكتلاندي على اسم منطقة Aberdeen Angus.
تمنح هذه الطريقة مزايا عدّة للطعام، إذ تختم سطح اللّحم بسرعة ممّا يحافظ على العصارة والنكهة الطبيعية، وتتيح للزبون تجربة طبخ تفاعلية فريدة يطبخ فيها طعامه بنفسه (شخصيّاً أراها استئجار مشواة في مطعم عام مع سداد ثمن اللّحم النيء عدّة أضعاف). وأضافت المطاعم العصرية لمسات مبتكرة لهذه التقنية مثل {حجارة العلاج بالروائح العطرية} Aromatherapy Stones التي تضاف إليها زيوت عطرية مثل إكليل الجبل والزعتر لإضفاء نكهات مميّزة على اللّحم في أثناء شيّه.
تصمّم بعض المطاعم المتخصّصة قوائم طعام كاملة تسمى {طبيخ الصخور الساخنة} Hot Rock Cuisine تعتمد على تقنية الحجر الساخن لتحضير مجموعة متنوّعة من الأطباق تشمل المأكولات البحرية والخضروات والفواكه إضافة إلى اللّحوم.

خاتمة: تأمّلات في رحلة إنسانية
تخبرنا هذه الرحلة عبر الزمن عن قوّة تشارك المعرفة وانتقالها بين الأجيال والحضارات، وكيف استطاعت تقنية طبخ واحدة أن تعبر القارّات والثقافات دون أن تفقد جوهرها، مع احتفاظ كل شعب ببصمته المميّزة عليها. وتثبت تقنية الطبخ هذه أنّ تراث الطعام يتجاوز مجرّد إشباع الجوع ليصبح تعبيراً عن الهوية الثقافية والانتماء الاجتماعي.
كما تشير عودة هذه التقنية البدائية إلى المطاعم الفاخرة في عصرنا الحديث إلى حنيننا الفطري للأصالة والعودة إلى الجذور، وسط عالم يتسارع نحو التقنية الدقيقة والتعقيد. وتعلّمنا أنّ الطعام المحضّر بأبسط الطرق غالباً ما يكون أكثره متعة وغنى بالنكهة والتجربة. وتدعونا هذه التقنية العريقة إلى النظر بتقدير وإجلال لتراث أجدادنا، وتذكّرنا بأنّ الحكمة القديمة تظلّ حاضرة في تفاصيل حياتنا المعاصرة، وأنّ دائرة التاريخ الإنساني تعيد نفسها بأشكال متجدّدة.

مراجع
- الحمود، عبد الله. (٢٠١٧). تاريخ الطهي في شبه الجزيرة العربية. دار الساقي للنشر والتوزيع، بيروت.
- الخليفي، حصة. (٢٠١٥). المعجم الموسوعي للأكلات التراثية في الخليج العربي. مركز حمد الجاسر الثقافي، الرياض.
- الأزهري، خالد. (١٩٠٠). شرح التصريح بمضمون التوضيح في النحو. المطبعة الأزهرية، القاهرة.
- الدغمي، محمد راكان. (٢٠١٢). طرق الطهي الظعنية في جزيرة العرب. مجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية، العدد ١٤٥، جامعة الكويت.
- Alperson-Afil, N., & Goren-Inbar, N. (2010). The Acheulian site of Gesher Benot Ya’aqov: Ancient flames and controlled use of fire. Springer Science & Business Media.
- Bellomo, R. V. (1994). Methods of determining early hominid behavioral activities associated with the controlled use of fire at FxJj 20 Main, Koobi Fora, Kenya. Journal of Human Evolution, 27(1-3), 173-195.
- Brown, K. S., Marean, C. W., Herries, A. I., Jacobs, Z., Tribolo, C., Braun, D., … & Bernatchez, J. (2009). Fire as an engineering tool of early modern humans. Science, 325(5942), 859-862.
- Goren-Inbar, N., Alperson, N., Kislev, M. E., Simchoni, O., Melamed, Y., Ben-Nun, A., & Werker, E. (2004). Evidence of hominin control of fire at Gesher Benot Ya’aqov, Israel. Science, 304(5671), 725-727.
- Mallol, C., Hernández, C. M., Cabanes, D., Machado, J., Sistiaga, A., Pérez, L., & Galván, B. (2013). Human actions performed on simple combustion structures: An experimental approach to the study of Middle Palaeolithic fire. Quaternary International, 315, 3-15.
- McGee, H. (2004). On food and cooking: The science and lore of the kitchen. Scribner, New York.
- Morgan, C., & Macsweeney, N. (2017). Pastoralism in Prehistory: Animals, Human Relationships and Foodways. Oxford University Press.
- O’Connell, J. F., Hawkes, K., & Blurton Jones, N. G. (1999). Grandmothering and the evolution of Homo erectus. Journal of Human Evolution, 36(5), 461-485.
- Sandgathe, D. M., & Berna, F. (2017). Fire and the genus Homo: An introduction to supplement 16. Current Anthropology, 58(S16), S165-S174.
- Shahack-Gross, R., Bar-Yosef, O., & Weiner, S. (1997). Black-coloured bones in Hayonim Cave, Israel: differentiating between burning and oxide staining. Journal of Archaeological Science, 24(5), 439-446.
- Takahashi, C., & Nelson, M. (2012). Stone Cooking Methods: The Science Behind Traditional Ishiyaki and Pachamanca Techniques. Journal of Cultural Food Studies, 24(3), 267-285.
- Wadley, L. (2013). Recognizing complex cognition through innovative technology in Stone Age and Palaeolithic sites. Cambridge Archaeological Journal, 23(2), 163-183.
- Wrangham, R. (2009). Catching fire: How cooking made us human. Basic Books, New York.
- Wrangham, R., & Carmody, R. (2010). Human adaptation to the control of fire. Evolutionary Anthropology: Issues, News, and Reviews, 19(5), 187-199.
- Yamauchi, T., & Iwasaki, Y. (2018). Traditional Food Heritage: An Anthropological Analysis of Ishiyaki Cooking Methods Across East Asia. Asian Journal of Culinary Arts, 42(2), 118-134.
- Beavan-Athfield, N., McFadgen, B. G., & Sparks, R. J. (2001). Environmental influences on dietary carbon and 14C ages in modern Māori and Pacific Island traditionally-cooked meals. Journal of the Royal Society of New Zealand, 31(4), 743-759.
- Davidson, A. (2014). The Oxford companion to food. Oxford University Press. (pp. 356-357 on stone cooking).
- Kerr, T. R., Harney, L., Kinsella, J., O’Sullivan, A., & McCormick, F. (2012). Early medieval dwellings and settlements in Ireland, AD 400-1100. BAR International Series, 2418.
- Movius, H. L. (1950). A wooden spear of third interglacial age from lower Saxony. Southwestern Journal of Anthropology, 6(2), 139-142.
- Roebroeks, W., & Villa, P. (2011). On the earliest evidence for habitual use of fire in Europe. Proceedings of the National Academy of Sciences, 108(13), 5209-5214.
- West, C. F., & France, C. A. (2015). Human and canid dietary relationships: Comparative stable isotope analysis from the Kodiak Archipelago, Alaska. Journal of Ethnobiology, 35(3), 519-535.
- Whiting, J. R., & Craddock, J. O. (2016). Temperature dynamics in traditional hot stone cooking: Experimental archaeology and culinary physics. International Journal of Gastronomy and Food Science, 5, 85-90.





اترك رد