دائماً ما أشعر أنّني شخص بينيّ، وأسبابي كثيرة سأسرد بعضها. لكن هل قرأت أو سمعت هذه الكلمة من قبل؟ بينيّ.
البينيّ كلمة يعرفها ويعرف معناها بوضوح كلّ من درس الفيزياء والكيمياء باللّغة العربية، سطح بينيّ، ووسط بينيّ، ووسيط بينيّ، وعتلة بينيّة… إلخ
في اللّغة الإنگليزية كثيراً ما تُستخدم في مقامها كلمة إنترفيٓشل Interfacial الناتجة من دمج كلمة وجه face بالبادئة اللاتينية inter-، وهذه الأخيرة تحمل أربع معانٍ معاً، أي أنها تحوّل الاسم إلى حالة تتضمّن الحالات الأربع معاً وفي آن واحد: من بين، وما بين، وتقريباً من اثنين، وفي خضم.
ليس غريباً اندماج هذه الحالات في المعنى معاً حين نعرف أنّ أوّل ظهور للمصطلح الإنگليزي كان في نصّ من علم الفيزياء يعرّف السطح البينيّ “سطح منبسط يُعتبر حدّ مشترك بين جسمين”. أي أنّه من الجسمين معاً لكنّه ليس من أحدهم، وفاصل بين الاثنين دون أن يفصل أحدهم عن الآخر.
في الإنگليزية، الكلمة ومعناها حديثان نسبياً، حيث أنّ كلمة بينيّ Interfacial ظهرت في اللّغة الإنگليزية أوّل مرّة سنة ١٨٧٤ وتبادلها الفيزيائيّون. ومع ذلك لم ينتشر استعمالها حتّى نهاية ستينيات القرن العشرين، حين صارت مألوفة مع حديث الإعلام عن برمجيات الكمپيوتر والشبكات والذكاء الصنعي.

أمّا أنا ومشاعري، فلطالما شعرت بأنّني شخص بينيّ، ذلك أنّني ابن زواج خليط، ناتج عن اندماج ثقافتين دون الانتماء لأيّ منهما. وهذه ليست خطيئتي.
أبي أصولاً من أوزبكستان وداغستان معاً، لكن وبينما أحاول الانتماء للأوزبك تواجهني حقيقة أنّ أسرة أبي أساساً من عرب أوزبكستان، أي من الأقلية العربية التي تقيم جنوب تلك البلاد، وهي أقلية صغيرة جداً لا تحتويها الأغلبية التركية، لافتخارها بأصولها العربية. أمام الأوزبك أنا عربي.
في دمشق حيث نشأت، أنا بخاري، من أقلية أصغر من صغيرة، ورغم انتماء والدتي إلى أسرة دمشقية من أعرق بيوت بلاد الشام لكن ذلك أبقاني مع اسمي غير دمشقي في عيون أهل المدينة، ولا سوريّ تماماً ولا عربي في باقي البلاد، إذ كثيراً ما سبقني سؤال التعارف “من وين؟” حتى في دمشق، بسبب شكلي ربما، ذات السؤال الذي يستقبلني في ألمانيا يومياً وكلّ مكان… وهذا يتبعه تنمّر بعض العرب “شكلك مغولي”!
كلّ طرف يراني بالكامل منتم للآخر، يصنّفني من طرفه جزء من الطرف الآخر . لأنّني فعلاً في الوسط فأنا صفر لمن يراني، طالما أنّه يفترض أنّني لست جزءاً منه، مع أنّه يفترض أنّ قيمتي ١٠٠ عند الآخر… إذا نظرت إلى الطرفين معاً فلن تراني، لأنّي في الوسط تماماً بعيد عن التصنيف. غير أنّني موجود فعلاً هناك في الوسط بين الاثنين.
وهكذا بقيت بينيّاً betwixt في الألمانية القديمة، من اثنين لا من كلّهما، ولا من أحدهما، جزء من بعض لا قسم من كل، أحبّ العرب وكذلك بعض من يكرههم العرب. وأحبّ الترك وكذلك بعض من يكرههم الترك. أحبّ المسلمين وكذلك من يكرههم ويدعوا عليهم المسلمون كلّ جمعة، فلا حقّ عندي لأيّ منهم عند آخر. كلّهم مذنبون بالانحياز الصارخ نحو الجدران وبطلب الفناء للآخر.
هذه الحالة البينيّة في قلبي حرمتني من متعة الكراهية، هذه المتعة التي تستمتع وتفاخر بها الشعوب حول العالم. أنا سطح بينيّ محروم من الانتماء إلى أغلبية. وجه يقبل الوجوه جميعاً ولا يرفضها. ولا أرى فضلاً لأحد على أحد، ولا ميزاً لأحد فوق أحد، كلّ الأرض شعوب متفوّقة وكلّها مظلومة. وهذه معتقدات عمّقتْها وحقّقتْها دراستي العميقة للتاريخ.
أنا البينيّ، بينكم على الدوام، في تلك المنطقة الضيّقة والرفيعة جدّاً بين حدودكم. أنقل من هذا إلى ذاك، وأترجم عن ذلك إلى هذا، وأقرأ الكلمات والمشاعر والأحاسيس كلّها وأفهمها فأنا محليّ هنا وهناك، وأجنبي هنا وهناك وأيم حللت في كلّ الأرض لا فرق. حياديّ بالمطلق، حتّى لو رغبت بالانحياز.





اترك رد