رسمة أمس السبت رسمتها من ذكرياتي، لمشهد من الجولان كما أتذكره.

المسافة بين بيتي غرب دمشق والجولان كانت أقل من خمسين كيلومتر، أقل من عرض مدينة برلين بقليل، وأقل من نصف ساعة بالسيارة…. دون حواجز. وكثيراً ما كنت أخرج إلى الجولان لاستبدال الهواء في رئيتيّ وللاستماع إلى صمت الطبيعة الساحر في الشريط العازل المعزول بين الحدود.
الجولان جوَلانٌ من المعارك عبر التاريخ، وطيلة السنين الآلاف الماضية. وكم قليلة العقود التي عرفت فيها هذه الهضبة سلماً وأهلاً… لربّما هذا ما يفسّر قلّة عدد من استوطنوا فعلاً الجولان وأقاموا فيه.
يشير التاريخ إلى أنّ بركان هائلاً ضرب منطقة حوران كلها، ربما في الألف الثالث قبل الميلاد، لست أكيداً من التوقيت، لكنّ الأكيد أنّ هذا البركان أخلى المنطقة كلّها من السكان، من الجليل غرباً وحتى البادية السورية شرقاً… لاحقاً وصل الجولان مهاجرون من اليمن أسماهم البابليون “أمورو” بمعنى “المغربي”، لأنّهم أهل غرب الفرات والبلاد بكل بساطة… هذه التسمية حوّلها مجانين التعريب إلى “عمّوريين” باختراع عجيب في تزييف الكلمات وتشويهها.
المهم، اتخذ الأمورو، المغاربة، الجولان قاعدة لثقافتهم وحضارتهم وكانوا من الرعاة، ما أشعل صداماً فيما بعد بينهم وثقافة بابل الزراعية، صراع انتهى بسيطرة المورو على بابل ذاتها وإدارة حضارتها.
وبينما الأمورو في ذروة حضارتهم، تصل موجة ثانية من المهاجرين من اليمن، والتي استوطنت كذلك الجولان أولاً، لتخلق الثقافة والحضارة الآرامية التي تركت آثارها على كلّ حياتنا المعاصرة. تصادم الآراميون بالمورو، وتحوّلت بابل من جديد لتلبس هذه المرة الثياب الآرامية ولتصبح هذه الآرامية لغة العالم القديم وحضاراته… ومن جديد بعد التبرعم في الجولان.
خلال الفترة الهيلينية دارت على أرض الجولان رحى أهمّ المعارك التي قرّرت مصير سوريا، سلوقيّ أم بطلمي. معركة پانيوم التي اقتتل فيها على أرض مدينة بانياس جيشا السلوقي السوري انطيخوس الثالث والبطلمي المصري بطليموس الخامس حوالي سنة 200 ق.م.
خلال الفترة الرومانية وصلت موجة جديدة من المهاجرين من بني كلب من اليمن، لتتّخذ من الجولان؛ ومن جديد قاعدة لثقافتها وحضارتها وملكها تحت اسم الغساسنة، بني غسان، الذين نشروا المسيحية بين العرب.
وإلى الجولان وفد المسيح، كما تقول الروايات، حيث آمن به بطرس بعد أن التقى امرأة في كفر ناحوم وشفاها من نزيف، ولم يزل موقع المعجزة يزار إلى اليوم في كنيسة على تلّ يسمّى دير بانياس.
أهمّ المعارك العسكرية التي أعلنت خروج سوريا من سلطة الثقافة الرومانية – الرومية المسيحية؛ لتصبح إسلامية، كانت كذلك في الجولان، حين تصادم العرب بالروم في اليرموك، ليصبح الجولان فيم بعد من أهمّ مفاصل الحكم والثروة الأموية، سيّما وقد والى الغساسنة السريان؛ آل أمية ولم يعادوهم.
خلال العهد الإسلامي احتضنت الجولان واحدة من أهمّ المدن الإسلامية العربية، بأثرها الكبير على الثقافة الإسلامية فيما بعد، حين تجمّع العرب المتصوّفة في مدينة بانياس؛ فعمروها وأطلقوا منها مجرىً يدعوا المسلمين إلى التصوف، كنهر بانياس الجاري منها إلى دمشق.
بانياس الحولة، بانياس الجولان، التي نالت اسمها تكريماً لإله المراعي الإغريقي پان Πάν، رعاها ودعمها هيرودس الأول ملك القدس في العهد الروماني وأراد نقل عاصمة ملكه إلى بانياس، فنالت الاهتمام حتى من أولاده من بعده، وصارت منبتاً للمعابد الرومانية المختلفة، مع تبدّل الأباطرة كلّ مرّة.
بانياس الجولان الجميلة والمعروفة بجمال روح أهلها سقطت طوال قرنين تقريباً، كأيّامنا، وسط حدود التقاتل ما بين الممالك التركية الإسلامية على الشرق، والممالك الفرنسية الصليبية على الغرب، فحوّلها الفرنسيّون ثكنة عسكرية محاطة بالقواعد والقلاع وصارت ثغراً من ثغور الممالك الإسلامية يجب سترها واستردادها.
عادت وازدهرت مدينة بانياس خلال العهد العثماني، سيّما وقد أحيا بعض سلاطين العثمانية تقاليد الصوفيين وأطلقوا لهم حرية الدعوة، فعادت المدينة معمورة من جديد، ثمّ استقبلت الجولان سنة 1878 عشرات الآلاف من اللاجئين الشركس والتركمان واليوروك، فشهدت الهضبة نهضة اقتصادية تطوّرت معها مدينة القنيطرة وشجّعت بدو عرب المنطقة على الاستقرار والاشتغال في التجارة والصناعة، وصارت القنيطرة الواصلة التجارية ما بين دمشق والجليل.
سنة 1948 وفدت على الجولان موجة جديدة من اللاجئين إليها من فلسطين هذه المرة، وبالأخص من قرى الجليل الذين شكلوا نحو 15٪ من سكّان الهضبة، قبل ترحيلهم جميعاً مع باقي سكان الجولان نحو دمشق سنة 1967.
اليوم، يقيم على أرض الجولان أقل من خمسين ألف، نصفهم من السوريين ونصفهم من الإسرائيليين، أقل من خمسين ألفٍ كنت أقترب منهم كلّ يوم لأقل من خمسين كيلومتر، ثمّ أزور رباهم في أقل من نصف ساعة، ذات المدّة التي لزمتني لأنتهي من طباعة ذاكرتي في هذا الرسم.





اترك رد