في عالم اليوم، تتصاعد الادّعاءات حول الهويّات الثقافية والتاريخية، وتُستخدم اللّغات أدوات لترسيخ روايات قوميّة معيّنة. هذا المقال يسلّط الضوء على إحدى هذه حالات التزوير هذه، متناولاً الادّعاءات المتعلّقة بما يسمى “الحضارة الفارسية” وأصول اللّغة الفارسية. من طريق تحليل نقدي للمصادر التاريخية واللّغوية، يسعى هذا البحث إلى تفكيك بعض المفاهيم الشائعة وإعادة النظر في الروايات المتداولة حول تاريخ المنطقة وهوياتها اللغوية.
برأيي، ما يسمّى بالحضارة الفارسية القديمة هي أسطورة مزعومة وغير حقيقية.
أوّلاً، لا يوجد أدلّة من التاريخ تدعم فرضية قِدم الحضارة الفارسية. بل إنّ الدعاية القومية الفارسية المعاصرة تسرق تراث العراق والهضبة الإيرانية لصناعة تاريخ الأقدمية.
ثانياً، الحضارة الفارسية هي حضارة الهوية الفارسية، وهذه الأخيرة تكوّنت في القرن الرابع بعد الإسلام. ما يعني أنّها جزء من الحضارة الإسلامية وليست إلّا فرع عن الحضارة العربية.

من العبارات المنسوبة إلى صاحب أهمّ معجم فارسي، عبارة “اللّغة الفارسية تكاد تكون لهجة عربية”. وهذه العبارة المثيرة للجدل تُنسب إلى العالم اللّغوي الإيراني {علي أكبر دهخدا} (1879-1956). وهي في الواقع ليست اقتباس حرفي عنه، بل يُفهم من كتاباته وتدويناته ومن معجمه الشهير “لغتنامه” (قاموس اللّغة) أنّه كان يُلاحظ التأثير الكبير للّغة العربية على اللّغة الفارسية.
هناك العديد من الدراسات التي تناولت تأثير ما يُعرف باسم اللّغات السامية، وخصوصاً اللّغة العربية، على اللّغة الفارسية، إذ تشكّل الكلمات ذات الأصل العروبي نسبة كبيرة من مفردات الفارسية المعاصرة، تصل حوالي 60٪ من مفردات اللّغة الفارسية المعاصرة. تأثير اللّغات العروبيّة (السامية) الأخرى، مثل الآرامية أو العبرية، أقلّ بكثير من تأثير اللّغة العربية، ويتراوح بين 10-15٪… هذا يعني أنّ حوالي 75٪ من كلمات اللّغة الفارسية عروبية المنشأ.
في القرن 19 نشر الباحث الألماني {فون هومبولت} دراسة اشتُهرت عن جامعة گوتينگن الألمانية، اقترحت تصنيف اللّغة الفارسية على أنّها لهجة عربية. و{فون هومبولت} Wilhelm von Humboldt (1767-1835) لُغَوي وفيلسوف ألماني كان له تأثير كبير على الدراسات اللّغوية في القرن التاسع عشر.
في هذه الدراسة، عدّ فون هومبولت أنّ اللّغة الفارسية هي نتيجة تأثير آسيوي هندو-أوروپي على إحدى اللّهجات “السامية”، أدّت إلى تكوين الفارسية. ورأى أنّ التأثير العربي على اللّغة الفارسية عميق إلى درجة يمكن معها اعتبار الفارسية لهجة من لهجات العربية. لكن، داعمي فرضيّة “اللّغات السامية”، أمثال شلوتسير August Ludwig von Schlözer، رفضوا تماماً الأخذ بتحليل فون هومبولت.
في الواقع، تشير الأدبيّات التراثية إلى أنّ اللّغة الفارسية المعاصرة نشأت بعد القرن العاشر الميلادي، في ظلّ المملكة البويهيّة. حين مزج الديالمة البويهيّون لهجتهم الپهلوية بلغة مملكة شيراز العربية، فنشأت لغة جديدة هي الفارسية، ونالت اسمها لأنّ اسم تلك المملكة التي عصمتها شيراز كان {مملكة فارس} وكان على عرشها أسرة عبّاسية، قبل استيلاء البويهيّين على السلطة. وكانت لهجتها العربية قريبة جداً من لهجة البصرة القديمة.
ولا يغيب عن البال أنّ اللّغة الپهلوية ما كانت لغة رسمية في إيران إلا في فترة حكم الساسان فقط، ما بين القرنين الرابع والسابع. قبلها ما عرفت إيران لغة رسمية إلّا اللّغة الآرامية… مذ عمّمتها الإمبراطورية الآشورية الحديثة. وينبغي الانتباه إلى أنّ اللّغة الفارسية هي اللّغة الوحيدة التي لم تمتلك نظام كتابة خاص بها خلال التاريخ كلّه.
الإمبراطورية الأخمينية مثلاً، التي يدّعي قوميّوا الفرس أنّها فارسية، كانت عاصمتها السياسيّة والدينيّة مدينة بابل. بينما كان مقرّ المحكمة العليا في تخت جمشید. لغتها الرسميّة والدبلوماسيّة والدينيّة كانت الآرامية (البابلية)، ولغتي البلاط والأرشيف كانتا البابلية والآريّة القديمة. وديانة الطبقة الأرستقراطية كانت الزرادشتية بينما كانت الديانة البابلية هي مصدر للتشريع والقانون العام… فما هو الفارسي في هذه الدولة التي حافظت على ميراث الإمبراطورية الآرامية الأسورية ونشرته أكثر؟
اشتهرت الإمبراطورية الأخمينية في التراث الأوروپي القديم باسم إمبراطورية بابل العظيمة (باللاتينية {إمپيريُم بَبيلونِقُم} Imperium Babylonicum، وبالإغريقية {بَبيلونِكي أُتاقرَطاريه} Βαβυλωνιακὴ Αὐτοκρατορία، وبالپونيقية {ببل عهسيمت} 𐤁𐤁𐤋 𐤀𐤇𐤎𐤉𐤌𐤕) وكذلك باسم الإمبراطورية الأسورية (باللاتينية {إمپيريُم أسّيرِقُم} Imperium Assyriacum، وبالإغريقية {أسّورياقي أُتاقرَطاريه} Ἀσσυριακὴ Αὐτοκρατορία، وبالپونيقية {عشوريم} 𐤀𐤔𐤅𐤓𐤉𐤌). واشتهرت في الشرق باسم بلاد گورِش أو قورِش أو قوريش أو گُرشستان، وكذلك باسم “بابل العظيمة في الغرب” وأيضاً باسم سوريا. ولم يعرفها أحد باسم الأخمينية ولا الفارسية. أمّا اسمها المحلّي بلسان المملكة فكان {خشاچه} 𐎧𐏁𐏂𐎶 بالآرية القديمة، ويعني حرفيّاً {مملكة} من تكوين خا+شاه+ـچه=الملكيّة.
للمزيد اقرأ تدوينتي {الإمبراطورية الأخمينيّة، بابل العظيمة، خشاچه}

ومن مصائبنا المعاصرة تَرْجَمَة كلمة Persian بأشكالها المختلفة وحيثما وردت بكلمة فارسي. وهذه تَرْجَمَة خاطئة لمعنيّين متعارضين، تستعملها پروپاگندا القومية الفارسية لسرقة تراث المنطقة كلّه وتزوير التاريخ.
كلمة Persian الإنگليزيّة تشير في الواقع إلى الهضبة الإيرانيّة، ولا تعني الهويّة الفارسيّة كهويّة قوميّة. أصلها من الكلمة الإنگليزية القديمة percynne عن الفرنسية القديمة persien عن اللاتينيّة Persiānus عن الإغريقيّة Περσίς پيرسيس (والياء الأولى هنا هي ألف مائلة صوب الياء) المقتبسة عن اللّقب الذي منحه الملوك الأخمينيّين لأنفسهم: أسرة پارسه 𐎱𐎠𐎼𐎿. فهو في البداية اسم أسرة وقبيلة وليس اسم بلد. على سياق أسماء من مثل: السعوديّة، الهاشميّة، المتوكّليّة، العبّاسية، الأمويّة… وهكذا. لهذا، ينبغي أن تُترجم كلمة Persian حيثما وردت وبلغات أوروپا بالمختلفة، بكلمة إيراني، لا بكلمة فارسي. والهضبة الإيرانيّة متعدّدة الهويّات الإثنيّة.
اللّغة الآريّة التي تحدّث بها أمراء الأسرة الأخمينية لا ترتبط بأيّ صلة بالفارسية المعاصرة، ولا بالپهلوية القديمة. إنّما هي في الحقيقة لغة مملكة كانت على نهر المرغاب جنوب أفغانستان المعاصرة وكانت عاصمتها مدينة هرات (حيرات)، وكان اسمها آريا. وبقيت على هذا الاسم إلى العهد الأخير من حياة الإمبراطورية الساسانية حين تغيّر اسمها إلى خراسان.
أمّا اللّغة الپهلوية التي بدأت الانتشار لغة دينية عقب زوال المملكة السلوقية، فكانت لغة الپارثيين (الپارنيين). والپارثيّون ترك، وتقدّمهم المنشورات الأكاديميّة في كلّ لغات العالم بأنّهم ترك. إلا المنشورات العربيّة والفارسيّة التي تعتبرهم من الفرس لا من الترك. ثمّ تزيد التزييف بتسميهم فرثيّين، فقط ليسهل ربطهم بالفرس.
في النقوش الأخمينيّة ذكرت پارثيا على الدوام باسم {پرصَڤه}، ووُصف من ينتم إلى هذه المنطقة بأنّه پارثي. ولم تقل أنّ الپارسي من پرصَڤه، إنّما حدّدت وبشكل صريح موطن الپارسيّين في پارسه… هذان بلدان مختلفان: پارسه وپرصَڤه.

يقول {وِل ديورانت} في جـ3 فـ25 من كتابه {قصّة الحضارة}: “الپارثيّون استوطنوا ولقرون طويلة المنطقة جنوب بحر قزوين (البحر الطبري) كعمّال للأخمينيّين، ثم للملوك السلوقيّين. هم سكوثيّون-طوران (ساكا)، انتموا عرقيّاً إلى سكّان تركستان وجنوب روسيا المعاصرات. سنة 248 ق.م، رئيس هؤلاء السكوثيّين المعروف باسم {أسّاكه (آشَّك)} ثار على الحكم السلوقي واستقلّ بپارثيا، وأسّس السلالة الملكية الأشكانيّة (…) وفي نهاية القرن الثاني قبل الميلاد ابتلعت الإمبراطوريّة الأشكانيّة الجديدة كلّ العراق وإيران.”. انتهى الاقتباس.
التسمية {پارثَڤه 𐎱𐎼𐎰𐎺} (پارطڤه) أو {پارثَو 𐭐𐭓𐭕𐭅} بلغتها المحلّيّة، تعود إلى اسم قبيلة پارني الساكيّة التركية، التي سمّاها الإغريق قبيلة {أپارنوي Ἄπαρνοι} التي جاءت من ضفاف نهر الپنج Панҷ الموجود اليوم في طاجيكستان. ثمّ استوطنت ضفاف نهر آخر فتسبّبت بمنحه نهر الترك (أترك) الموجود اليوم ما بين إيران وتركمانستان. هذه القبيلة هي قبيلة سكوثيّة (ساكيّة) من الساكا المزارعين ولا تنتمي إلى ما يُعرف اليوم بالفرس. وعن هؤلاء الپارنيّين (الپارثيّين) خرجت اللّغة الپهلويّة التي سمّاها العرب كذلك باللّغة الفهلويّة.
في عهد الإمبراطورية الأشكانية الپارثية عاشت اللغة الپهلوية لغة دينية لا تخرج من المعابد الزرادشتية. في حين كانت الآرامية هي لغة الدولة الرسمية ولغة الجيش والعلم والأدب. ثمّ، بعد استيلاء الساسانيين على السلطة حاولوا فرض اللّغة الپهلوية لغة بديلة عن الآرامية وعن جميع اللّغات المحلّيّة في بلدان الإمبراطورية. لاحظ هنا أنّ الساسانيين سعوا إلى فرض لغة تركية ذات أصل تركي، في بدن الدولة. وهذا يتعارض مع فرضية فارسيّة الساسان.
أمّا الساسان فهم من مماليك الأشكان (الپارثيّين) وأخذوا الحكم من الأشكان كرجال دين. لكن، ما استعدونهم ولم يبيدنهم، بل تركوهم على معظم أملاكهم واندمجت العائلات الساسانية بالپارثية عن طريق المصاهرة. ويُعتقد أنّ عشيرة الساسان تعود في أصلها إلى مدينة {ٹيکسلا 𑀢𑀔𑀲𑀺𑀮𑀸} (تاكسيلا) الواقعة اليوم في الپُنجاب شمال پاكستان. بسبب العثور في هذه المدينة على نقود مختومة بكلمة ساسان وتعود إلى تاريخ أقدم من تاريخ الدولة الساسانية، كما أنّ الرمز المصكوك على النقود يماثل الرمز المصكوك على نقود {شابور الأول بن أردشير 𐭱𐭧𐭯𐭥𐭧𐭥𐭩} المؤسّس الفعلي للدولة الساسانية وثاني ملوكها.
للمزيد اقرأ تدوينتي {الدعاية الفارسية وسرقة تراث العرب والترك}

إنّ إعادة قراءة التاريخ وتحليل أصول اللّغات بعيداً عن الأيديولوجيات القومية المعاصرة يكشف عن صورة أكثر تعقيداً وثراءً للماضي. هذا البحث يدعونا إلى التفكير النقدي في الروايات التاريخية السائدة، وإلى فهم أعمق للتداخلات الثقافية واللّغوية في منطقة الشرق الأوسط. إنّ مثل هذه المراجعات التاريخية ليست مجرد تمارين أكاديمية، بل هي ضرورية لفهم الحاضر وبناء مستقبل يقوم على فهم متوازن ودقيق للماضي، بعيداً عن الادّعاءات السياسية المضلّلة والمبالغ فيها.
المراجع:
- Hoffmann, K. (1940), “Vedische Namen”, in Wörter und Sachen, volume 21, p. 142
- Curtis, Vesta Sarkhosh; Stewart, Sarah (2010-03-24). ~The Age of the Parthians~.
- Lecoq, Pierre (1987), ~“Aparna”~, Encyclopaedia Iranica, vol. 2, New York: Routledge & Kegan Paul p. 151
- Curtis, Vesta Sarkhosh; Stewart, Sarah, eds. (2007), The Age of the Parthians, Ideas of Iran, vol. 2, London: I. B. Tauris p. 7
- Lecoq, Pierre (1987), ~“Aparna”~, Encyclopaedia Iranica, vol. 2, New York: Routledge & Kegan Paul. p. 151
- 6 Ghodrat-Dizaji, Mehrdad (2016-08-30), ~“Remarks on the Location of the Province of Parthia in the Sasanian Period”~, The Parthian and Early Sasanian Empires, Oxbow Books, pp. 42–46,
- Apte, Vaman Shivaram (1957). ~“Revised and Enlarged Edition of Prin. V. S. Apte’s The Practical Sanskrit-English Dictionary”~.
- Bronkhorst, Johannes (2011), ~Buddhism in the Shadow of Brahmanism~, BRILL. p. 4
- Daryaee. “Ardaxšīr. and the Sasanian’s Rise to Power”. Studia Classica et Orientalia.
- Touraj Daryaee. Daryaee, T: Sasanian Persia: The Rise and Fall of an Empire (International Library of Iranian Studies, 8).
- Herodotus (1920). “3.102.1”. Histories. “4.44.2”. Histories (in Greek). With an English translation by A. D. Godley. “3.102.1”. Histories. “4.44.2”. Histories. Cambridge: Harvard University Press. At the Perseus Project.
- DNa inscription ~https://go.monis.net/Yjqosp~
- ~مؤنس بخاري. الإمبراطورية الأخمينيّة، بابل العظيمة، خشاچه.~
- NAQŠ-e ROSTAM ~https://go.monis.net/e3xnLo~
- Jürgen von Beckerath (1999), Handbuch der ägyptischen Königsnamen, Mainz am Rhein: von Zabern. pp. 220–221
- Schmitt, Rüdiger (2000). “Xerxes i. The Name”. Encyclopaedia Iranica. ~https://go.monis.net/6NfHHW~
- Marciak, Michał (2017). Sophene, Gordyene, and Adiabene: Three Regna Minora of Northern Mesopotamia Between East and West. BRILL. p. 80. ~https://go.monis.net/OlkkWZ~
- Schmitt, Rüdiger (2000). “Xerxes i. The Name”. Encyclopaedia Iranica. ~https://go.monis.net/6NfHHW~
- Yar-Shater, Ehsan (1982). Encyclopaedia Iranica. Routledge & Kegan Paul. p. 10.
- Susa, Statue of Darius. ~https://go.monis.net/DRjrIW~
- Muhammad A. Dandamaev, Vladimir G. Lukonin. The Culture and Social Institutions of Ancient Iran. ~https://go.monis.net/PpqorE~
- University of Michigan. Center for Chinese Studies; Freer Gallery of Art; University of Michigan. Department of the History of Art. Ars orientalis; the arts of Islam and the East. ~https://go.monis.net/Opfj4I~
- Tolman, Herbert Cushing (1893). ~A guide to the Old Persian inscriptions~. New York, Cincinnati [etc.] American book company. p. 146. ~https://go.monis.net/wf1QT6~
- DNa ~https://go.monis.net/gFgtKZ~
- Alcock, Susan E.; Alcock, John H. D’Arms Collegiate Professor of Classical Archaeology and Classics and Arthur F. Thurnau Professor Susan E.; D’Altroy, Terence N.; Morrison, Kathleen D.; Sinopoli, Carla M. (2001). ~Empires: Perspectives from Archaeology and History~. Cambridge University Press. p. 105. ~https://go.monis.net/xR1HBI~
- FLEMING, DAVID (1993). “Where was Achaemenid India?”. Bulletin of the Asia Institute. 7: 67–72.
- FLEMING, DAVID (1993). “Where was Achaemenid India?”. Bulletin of the Asia Institute. 7: 70.





اترك رد