في عمق المطبخ العربي العريق، تكمن أسرار نكهات فريدة تروي قصص حضارة وتاريخ. ومن بين هذه الكنوز الخفية، يبرز إدام التمرهندي والخل شاهد حيّ على إبداع الطهاة العرب وبراعتهم في مزج النكهات. هذا الإدام، الذي يجمع بين حموضة التمرهندي المنعشة ولذعة الخلّ الماتعة تحفة كولينارية تحمل في طيّاتها قروناً من التطوّر والتكيّف.
لنبدأ رحلة شيّقة في عالم إدام التمرهندي والخلّ، مستكشفين معاً كيف يمكن لمزيج بسيط من المكوّنات أن يحمل في ثناياه عبق الماضي وإبداع الحاضر، ويفتح آفاقاً جديدة لمستقبل الطهي العربي الأصيل.
طبق كفتة داوُد باشا أو كباب داوُد باشا اسمه في الأصل كباب هندي … ولا علاقة له بالهند، فهو كباب عربي. واسمه “كباب هندي” يعود إلى إدامه الأحمر الذي كان يُصنع من التمرهندي والخل.
ما بين سنوات 1820 و 1831 تغيّر اسم الطبق إلى “كفتة داوُد باشا” لاشتهار محبّة والي بغداد للطبق، في وقت كان لم يزل يُطبخ بالتمرهندي. ثمّ، استبدلت الناس التمرهندي بالطماطم نهاية القرن 19 أو مطلع القرن 20.

لنصنع إدام التمرهندي
إدام التمرهندي القديم كان من مزاج الثوم والبصل المقلو في زيت الزيتون ومعجون التمرهندي والخلّ الأبيض والسكّر والكمّون وبزر الكزبرة والفلفل الأسود والملح. يطبخ المزاج على حرار خفيفة (قديما في الجمر المطفأ) إلى أن يتجانس، ويعاير قوامه بالماء. ويستغرق طبخه ما بين 10 إلى 30 دقيقة حسب الذائقة.
حساب مزاج الإدام: معجون تمرهندي: 14.87%. خل: 11.15%. بصل: 37.17%. ثوم: 3.72%. زيت زيتون: 11.15%. سكّر: 1.49%. كمّون: 0.37%. كزبرة: 0.37%. فلفل أسود: 0.37%. ملح: 0.74%. ماء: 18.59%.

التمرهندي هو الحُومَر، الحَمشَاد، العرديب، الصُبَار. الحرام… وتسمية حُومَر هي أقدم أسمائه العروبية.
وصفة الإدام الذي كان يُصنع من الخل والتمر الهندي هي جزء من التراث القديم لبعض الأطباق العربية، ويمتاز بنكهة حامضة ومنعشة. يمكن تقديم هذا الإدام مع أنواع مختلفة من اللّحوم المشوية مثل الكباب.
المكوّنات:
- 2 ملعقة كبيرة من معجون التمر الهندي (يمكن نقع التمر الهندي اليابس في الماء الدافئ وتصفيته للحصول على المعجون). ≈ 40 غرام
- 2 ملعقة كبيرة من الخل الأبيض أو خل التفاح. ≈ 30 غرام
- 1 بصلة متوسطة الحجم مفرومة ناعماً. 100 غرام
- 3 فصوص ثوم مفرومة. 10 غرامات
- 2 ملعقة كبيرة زيت زيتون. 30 غرام
- 1 ملعقة صغيرة من السكر (حسب الرغبة). 4 غرامات
- نصف ملعقة صغيرة من الكمّون المطحون. 1 غرام
- نصف ملعقة صغيرة من الكزبرة المطحونة. 1 غرام
- نصف ملعقة صغيرة من الفلفل الأسود. 1 غرام
- ملح حسب الرغبة. 2 غرام
- ماء (لتخفيف المعجون حسب الحاجة). 50 غرام
طريقة التحضير:
- تحضير معجون التمر الهندي: إذا كنت تستخدم التمر الهندي المجفّف، انقعه في ماء دافئ مدة 30 دقيقة، ثم صفّه للحصول على المعجون.
- تحمير البصل والثوم: في مقلاة، سخن زيت الزيتون وأضف البصل المفروم وقلبه حتى يذبل ويصبح لونه ذهبيًا. أضف الثوم المفروم وقلّب لبضع دقائق حتى تظهر رائحته.
- إضافة التوابل: أضف الكمون والكزبرة والفلفل الأسود إلى البصل والثوم وحرك المزيج حتى تتوزع التوابل.
- إضافة معجون التمر الهندي والخل: أضف معجون التمر الهندي والخل إلى المقلاة وقلّب جيدًا. يمكن إضافة القليل من الماء إذا كان الخليط كثيفًا جدًا.
- الطهي: اترك الإدام يغلي على نار هادئة مدة 10-15 دقيقة حتى تمتزج النكهات. أضف الملح والسكر حسب الحاجة لتعديل النكهة.

من ناحية الحلاوة كيميائياً، نسبتها في هذا الإدام حوالي 7.81% على اعتبار أنّ مجموع مقادير هذه الوصفة = 269 غرام. وهي منخفضة نسبيّاً بالمقارنة مع الأطعمة الحلوة التقليدية، ممّا يعني أنّ الإدام هنا لن يكون حلواً بشكل واضح، بل سيبقى الطعم الحامض واللاذع أكثر بروزاً نظراً لوجود التمر الهندي والخل.
يحتوي البصل، وخاصّة عند طبيخه، على السكّريّات الطبيعية (مثل الفركتوز والگلوكوز) التي تتكرمل وتمنح حلاوة عند التحميص أو الطبخ البطيء. هذه السكّريّات يمكن أن تضيف حلاوة خفيفة إلى الإدام. وإذا افترضنا أنّ البصل يحتوي على حوالي 5% من وزنه سكّراً طبيعيّاً (بعد الطبخ)، فإنّ 100 غرام من البصل ستحتوي على 5 غرامات من السكر.
والرغم من أنّ التمرهندي يعدّ مكوّناً حامضاً، إلّا أنّه يحتوي أيضاً على سكّر طبيعي (حوالي 30-40% سكّر في تركيبه الطبيعي). هذه السكّريّات تعطي حلاوة مدمجة مع الحموضة، ممّا يخفّف من اللّذعة الشديدة للتمرهندي. إذا افترضنا أنّ معجون التمرهندي يحتوي على 30% سكّر طبيعي، فإن 40 غراماً من معجون التمرهندي ستحتوي على 12 غراماً من السكّر.
ورغم أنّ زيت الزيتون لا يضيف حلاوة بحدّ ذاته، إلّا أنّه يساعد في تخفيف الحموضة الحادّة ويعطي قواماً أغنى، ممّا يمكن أن يعزّز الشعور بالحلاوة من المكونات الأخرى. وفي هذه الوصفة، الحلاوة الخفيفة من السكّر تُستخدم لتحقيق توازن الحموضة العالية الناتجة عن التمر الهندي والخل.

يوجد لهذا النوع من الأُدُم التي تحتوي على التمر الهندي والخل نظائر في مطابخ بعض الشعوب غير العربية، وخاصّة في المناطق التي عرفت استخدام التمرهندي كتوابل حامضة منذ القديم.
المطبخ الإيراني يستخدم أيضاً التمرهندي في بعض الأطباق الحامضة والحلوة الموروثة عن تراث عرب الخليج العربي، مثل أطباق السمك أو الحساء (الشوربات). وفي المأكولات التايلاندية والڤييتنامية، يُستخدم التمرهندي لإضافة نكهة حامضة إلى الأُدُم، مثل صلصة “باد تاي” التايلاندية.
في الهند يُستخدم التمرهندي بشكل شائع في الكاري، الشاتني، والأُدُم الحامضة. وتوجد أُدُم هندية تحتوي على التمرهندي مع مكوّنات مثل الخلّ أو السكّر لإعطاء طعم حلو-حامض، مشابهة إلى حد ما للإدام العربي القديم.
يمكن القول إنّ الإدام القائم على التمرهندي والخلّ ذو امتداد أو نظائر في مطابخ أخرى، خاصّة في المناطق التي تأثّرت بالتوابل والمواد الغذائية التي كانت تنتقل عبر التجارة في العصور الوسطى. ومع ذلك، فإنّ طريقة استخدام التمرهندي في هذه الإدام في المطبخ العربي تظلّ فريدة وتعكس تأثيرات تاريخية مختلفة.
وهكذا، نرى كيف أنّ طبق كفتة داوُد باشا يمثل أكثر من مجرّد وجبة لذيذة؛ لأنّه يجسّد قصة حيّة لتطوّر الذائقة العربية وتأثّرها بالتغيّرات التاريخية والاجتماعية. من التمرهندي إلى الطماطم، ومن اسم “كباب هندي” إلى “كفتة داوُد باشا”، يظلّ هذا الطبق شاهداً على قدرة المطبخ العربي على التكيّف والابتكار، مع الحفاظ على جوهره الأصيل.
كل مرّة نتذوّق فيها هذا الطبق، نستحضر ذكريات الماضي ونكهات الحاضر في آن واحد. لأنّه يذكّرنا بأنّ الطعام ليس مجرّد وسيلة لإشباع الجوع، بل هو وسيلة للتواصل مع تراثنا وهويّتنا. فلنحتفي بهذا الإرث الغنيّ، ولنستمرّ في نقل قصص أطباقنا التقليدية للأجيال القادمة، حتّى تظلّ حيّة في قلوبنا وعلى موائدنا سنوات طويلة قادمة.
مراجع
- زكي، أحمد كمال (1987). “موسوعة مدينة القاهرة في ألف عام”. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة.
- الأنطاكي، داود بن عمر (1998). “تذكرة أولي الألباب والجامع للعجب العجاب”. دار الفكر، بيروت.
- ابن سيار الوراق، أبو محمد المظفر بن نصر (1987). “كتاب الطبيخ”. تحقيق وترجمة: نوال نصرالله. دار الكتب العلمية، بيروت.
- الزيات، سوزان (2018). “الطبخ في بلاد الشام: التاريخ الاجتماعي والاقتصادي”. المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت.
- Zubaida, S., & Tapper, R. (Eds.). (2000). “A Taste of Thyme: Culinary Cultures of the Middle East”. I.B. Tauris, London & New York.
- Nasrallah, N. (2007). “Annals of the Caliphs’ Kitchens: Ibn Sayyār al-Warrāq’s Tenth-Century Baghdadi Cookbook”. Brill, Leiden.
- Heine, P. (2004). “Food Culture in the Near East, Middle East, and North Africa”. Greenwood Press, Westport, CT.
- Roden, C. (2000). “The New Book of Middle Eastern Food”. Alfred A. Knopf, New York.
- Perry, C. (2005). “A Baghdad Cookery Book: The Book of Dishes (Kitāb al-Ṭabīkh)”. Prospect Books, Totnes.
- Waines, D. (2003). “Patterns of Everyday Life: Food”. In J. Lassner & S. G. Bonner (Eds.), “Islam and Other Religions” (pp. 275-290). Ashgate Publishing, Aldershot.





اترك رد