لطالما ساءلت نفسي، كيف تساعدني نكهات الطعام اللّذيذة على الشعور بالسعادة؟ أفهم أنّ تناول الطعام اللّذيذ يعطيني فرحة استمتاع تعزّز السعادة وتدفعني تلقائيّاً للابتسام. لكن، ماذا يحدث فعلاً داخل الدماغ؟ ما الذي تصيبه هذه النكهات حتّى تتحفّز في داخلي المشاعر اللّذيذة؟ بحثت، وألخّص هنا ما وجدته من بحثي.
تشكّل العلاقة بين الطعام والعواطف والصحّة النفسية موضوعاً جذّاباً في مجال علم النفس العصبي والتغذية. فالنكهات اللّذيذة لا تقتصر على إمتاع حاسّة التذوّق فحسب، بل تمتدّ تأثيراتها لتشمل جوانب عديدة من الصحّة النفسيّة والعقليّة. في هذه التدوينة نستكشف الآليّات العصبيّة والكيميائيّة التي تربط بين تجربة تناول الطعام اللّذيذ والحالة النفسيّة، مع مقارنة مثيرة بين هذه التأثيرات وتلك الناتجة عن وصال الغرام. فنتعمّق في فهم كيف تؤثّر النكهات على الدماغ، وكيف يمكن للطعام أن يكون أداة قويّة للتأثير على مزاجنا وصحّتنا النفسيّة.

تؤثّر النكهات اللّذيذة تأثيراً كبيراً على النفسيّة والصحّة العقلية بسبب تأثيرها على أنظمة معيّنة في الدماغ، خاصّة تلك المرتبطة بالرضى والمتعة. فتساهم هذه النكهات في تحسين الحالة النفسية ودعم الدماغ عبر عدّة آليات.
الدوبامين والسيروتونين والأوكسيتوسين ومقاومة الكورتيزول، كلّها نتائج لتناول الطعام اللّذيذ.
يحفّز الطعام اللّذيذ إفراز الدوبامين، وهو ناقل عصبي مهمّ في نظام الرضى بالدماغ. عند تناول طعام شهي، يرتفع مستوى الدوبامين، ممّا يؤدّي إلى الشعور بالسعادة والراحة، ويقلّل التوتر ويحسّن المزاج.
تحفّز النكهات اللّذيذة أيضاً مناطق معيّنة في الدماغ مثل القشرة الحسّيّة الذوقيّة والمناطق المرتبطة بالشعور بالمتعة. وهذا يخلق تجربة حسّيّة مرضية تؤدّي إلى تحسين المزاج وتخفيف القلق.
بعض الأطعمة، مثل الشوكولاتة، غنيّة بمركّبات كالتربتوفان الذي يعزّز إنتاج السيروتونين، وهو ناقل عصبي مرتبط بالشعور بالسعادة والاسترخاء. لذلك، تناول الأطعمة التي تحفّز إنتاج السيروتونين يساعد في تخفيف الاكتئاب والقلق. والسيروتونين من هرمونات الانتماء.
يعزّز تناول الطعام اللّذيذ في مناسبات اجتماعيّة مع العائلة أو الأصدقاء الشعور بالانتماء والتواصل. وتعزّز هذه التجارب إفراز الأوكسيتوسين، وهو هرمون مرتبط بالشعور بالحبّ والارتباط، ممّا يدعم الراحة النفسية. والأوكسيتوسين من هرمونات شعور الفرد بأهميّة لحياته وغاية لوجوده.
ترتبط الأطعمة التي نستمتع بها غالباً بذكريات جميلة أو لحظات خاصّة، ممّا يخلق تحفيز عاطفي إيجابي عند تناولها. هذا التذكير يعزّز الشعر بالانتماء، وبوجود جماعة من الناس التي ننتمي لها. هذا الرابط بين الذاكرة والطعام يساعد في تحسين الحالة النفسية عموماً، ويعزّر الشعور بالطمأنينةّ.
الأطعمة الغنية بالنكهات المريحة، مثل الأطعمة الغنيّة بالكربوهيدرات أو الدهون الصحّية، تساعد في تقليل مستويات الكورتيزول، وهو هرمون يرتبط بالتوتر. الشعور بالامتلاء والراحة بعد تناول الطعام يساهم في تهدئة العقل. بالإضافة إلى أنّ توتّر العقل هو جهد عال تغذّيه المعدة بالطاقة. انشغال المعدة بهضم الكربوهيدرات والدهون يخفّف من كمّ الحمض فيها، وهذا يخفّف من إنتاجها للطاقة، بل ويحوّلها إلى مستهلك، ما يقلّل من الطاقة المرسلة إلى الدماغ لتغذية جهد التوتّر.
وهكذا نرى أنّ النكهات اللّذيذة لا تؤثر على الحواس فحسب، بل على الدماغ والعاطفة أيضاً، ممّا يساعد في تحسين الصحة النفسية العامّة وتعزيز حالة الراحة والرضا. وعلى الطرف المقابل، يؤدّي تناول الطعام غير اللّذيذ باستمرار إلى آثار سلبيّة على الصحّة النفسيّة والعقلية.
فالطعام الذي يفتقر إلى النكهات المستساغة لا يحفّز إفراز الدوبامين والسيروتونين بالقدر الكافي، ممّا يؤدّي إلى انخفاض مستويات السعادة والرضا. كما أنّ الاضطرار لتناول أطعمة غير مستساغة قد يزيد من مستويات التوتّر والإحباط، ويقلّل من متعة تناول الطعام، وهو ما يؤدّي إلى اضطرابات في الأكل على المدى الطويل.
بالإضافة إلى ذلك، فإنّ عدم الاستمتاع بالطعام يؤثّر سلباً على التفاعلات الاجتماعية المرتبطة بتناول الوجبات، ممّا يقلّل من فرص إفراز الأوكسيتوسين وتعزيز الروابط الاجتماعية. ويؤدّي هذا إلى زيادة مشاعر العزلة والوحدة. فالحرمان من متعة الطعام اللّذيذ يؤدّي إلى شعور عام بالحرمان وانخفاض جودة الحياة، ممّا يسهم في زيادة مخاطر الإصابة بالاكتئاب والقلق.

وصال الغرام، طعام
تتشابه الآليّات والمناطق الحسّية التي تؤثّر فيها كلّ من النكهات اللّذيذة ووصال الغرام على الدماغ، مع وجود اختلافات في التفاصيل والتأثيرات. ترتبط كلتا العمليّتين بنظام المكافأة والدوائر العصبيّة المرتبطة بالمتعة والرضا.
الدوبامين والسيروتونين والأوكسيتوسين ومقاومة الكورتيزول، كلّها نتائج لتناول شخص لذيذ.
مثل تناول الطعام اللّذيذ، يحفّز وصال الغرام مع شريك نحبّه إفراز الدوبامين في الدماغ. الدوبامين ناقل عصبي مرتبط بالمتعة والرضى، ويؤدّي دوراً أساسيّاً في تعزيز السلوكيّات الممتعة مثل الأكل ووصال الغرام. تعمل هذه الأنظمة على تحفيز الإنسان لتكرار السلوك للحصول على نفس المتعة في كلتا الحالتين.
ينشّط الطعام ووصال الغرام مناطق في الدماغ ترتبط بالإحساس والمتعة مثل القشرة الحسّية الذوقية بالنسبة للطعام والقشرة الحسية الجسدية لوصال الغرام. يفعّلان أيضاً النواة المتّكئة، وهي جزء من نظام الرضى المسؤول عن الشعور بالسعادة.
يرتفع السيروتونين، وهو ناقل عصبي آخر يرتبط بالشعور بالسعادة والاسترخاء، بعد وصال الغرام وبعد تناول أطعمة معيّنة مثل الكربوهيدرات أو الشوكولاتة. ويعزّز ارتفاع مستويات السيروتونين بعد وصال الغرام الشعور بالارتياح والاسترخاء العميق، وهذا نفسه التأثير الذي تقدّمه بعض الأطعمة اللّذيذة.
يحفّز وصال الغرام إفراز الأوكسيتوسين، المعروف بـ”هرمون الحبّ”، وهو هرمون يؤدّي دوراً في تعزيز الارتباط العاطفي والثقة بين الأفراد. فيساهم الأوكسيتوسين في الشعور بالدفء العاطفي والراحة بعد وصال الغرام. برغم أنّ الطعام لا يؤدّي إلى إفراز الأوكسيتوسين بنفس الطريقة، فإنّ التجارب الغذائية المشتركة (مثل تناول الطعام مع الأحبّاء) تساهم في تعزيز الروابط الاجتماعية والعاطفية.
يساعد كلّ من وصال الغرام وتناول الطعام اللّذيذ في تقليل مستويات الكورتيزول (هرمون التوتّر). إذ يشعر الشخص بالاسترخاء والهدوء النفسي بعد وصال الغرام، وهي حالة مشابهة للشعور بالراحة الذي يتبع تناول وجبة لذيذة.
يخلق وصال الغرام، خاصّة إذا كان مع شريك حبيب، ذكريات عاطفيّة قويّة مرتبطة بالمتعة والانتماء. ويخلق الطعام أيضاً ارتباطات عاطفية وذكريات جميلة، خاصّة عندما يرتبط بمواقف اجتماعيّة أو لحظات مهمّة، لا سيّما في فترة النموّ العقلي والعاطفي عبر مراحل العمر المختلفة.
يتضمّن وصال الغرام تفاعلات جسديّة وعاطفيّة أكثر تعقيداً مقارنة بالطعام، خاصّةً بسبب الأبعاد الجسديّة المتعلّقة باللّمس والإثارة. وينطوي وصال الغرام على تنشيط أكبر لمناطق الدماغ المرتبطة بالعواطف العميقة والارتباطات العاطفية (مثل اللّوزة الدماغية والمناطق المرتبطة بالشعور بالارتباط مع الشريك)، في حين يركّز الطعام أكثر على النواحي الحسّية المباشرة.
فممارسة وصال الغرام تنطوي على مساع لإسعاد الشريك وإمتاعه، وهذا لا يحدث مع استقبال النكهات اللّذيذة من الطعام. الوصال يضيف الشعور بالرضى من طريق منح الشعور بالرضى للآخر، أمّا في حالة الطعام فالممارسة باتّجاه واحد، هي منح الذات شعور بالرضى من طريق الاستمتاع بالنكهات اللّذيذة.
تشترك النكهات اللّذيذة ووصال الغرام في تحفيز نظام الرضى (بالمكافأة) في الدماغ وإفراز مواد كيميائية تعزّز المزاج والسعادة. وبرغم وجود أوجه تشابه كبيرة، تشمل تجربة وصال الغرام جوانب إضافيّة مثل الارتباط العاطفي والأوكسيتوسين الذي يعزّز الروابط الاجتماعية والعاطفية بشكل أعمق.

من المهمّ التأكيد على أنّ محور حديثنا هنا ليس كمّية الطعام أو نوعيّته من حيث القيمة الغذائية، بل يتركّز تحديداً على النكهات اللّذيذة وتأثيرها الفريد على هرمونات الدماغ.
متعة اللّذّة أهمّ لصحّة العقل والاستدامة من الكفاية بالكمّيّة ومن الارتباط الصحّي.
فالطعم اللّذيذ الممتع، بغضّ النظر عن حجم الوجبة أو محتواها الغذائي، هو العامل الرئيس في تحفيز إفراز الدوبامين والسيروتونين والأوكسيتوسين. فقد تكون وجبة صغيرة ولكن لذيذة أكثر فعّاليّة في تحسين المزاج وتعزيز الصحّة النفسية من وجبة كبيرة أو صحّية ولكنّها تفتقر إلى النكهة الشهيّة.
هذا لا يقلّل من أهمّية التغذية السليمة، ولكنّه يسلّط الضوء على الدور الحاسم الذي تلعبه النكهات في علاقتنا العاطفية والنفسية بالطعام. فهم هذه العلاقة يمكن أن يساعدنا في تحقيق توازن أفضل بين الاستمتاع بالطعام والحفاظ على الصحّة الجسدية والنفسية.
ونرى أوجه التشابه بين تأثير النكهات اللّذيذة ووصال الغرام بشكل لافت عند النّظر إلى أهمّيّة النوعيّة على حساب الكمّيّة في كلتا الحالتين. فكما أنّ النكهة اللّذيذة، وليس كمّيّة الطعام، هي ما يحفّز إفراز هرمونات السعادة في الدماغ، فإنّ جودة العلاقة العاطفية ونوعيّتها، وليس عدد اللّقاءات أو مدّتها، هي ما يؤثّر بشكل أساسي على الصحّة النفسية والعاطفية.
في وصال الغرام، قد تكون لحظة عميقة من التواصل العاطفي أو اللّمسة الحانية أكثر تأثيراً في إفراز الأوكسيتوسين والدوبامين من لقاء طويل يفتقر إلى العمق العاطفي. هذا التوازي يؤكّد أهمّيّة التركيز على جودة الخبرات، سواء في الطعام أو في العلاقات العاطفية، لتحقيق أقصى استفادة من تأثيراتها الإيجابية على الدماغ والصحّة النفسية. ففي كلتا الحالتين، يبدو أنّ اللّذة والمتعة الحقيقية تكمن في التفاصيل الدقيقة والتجارب النوعية، وليس في الكمّ أو التكرار المجرّد.
ففي حالة العلاقات العاطفية والارتباط والعشرة طويلة الأمد، تنخفض أهمّيّة “علاقة التوافق الظاهري” و “علاقة الالتزام الوظيفي” في “مقابل العلاقة الممتعة”، فتكون الأولويّة لتحقيق علاقة سعيدة هي في المتعة أوّلاً، ثمّ الخدمة، ثمّ التوافق.

إنّ فهم العلاقة المعقّدة بين الطعام والعواطف والدماغ يفتح آفاقاً جديدة في مجال الصحّة النفسيّة والتغذية. فالوعي بتأثير النكهات اللّذيذة على الدماغ يمكن أن يساعدنا في اتّخاذ خيارات غذائية أكثر ذكاءً لتحسين حالتنا النفسية.
كما أنّ المقارنة مع تأثيرات وصال الغرام تسلّط الضوء على أهمّيّة العلاقات الإنسانية والتواصل العاطفي في تحقيق الرضا والسعادة. في النهاية، يبدو أنّ السرّ يكمن في التوازن بين الاستمتاع بالطعام اللّذيذ وبناء علاقات عاطفية صحّية. فكلاهما يساهم في تعزيز الصحّة النفسيّة والجسديّة، ويضيف بعداً من المتعة والرضا إلى حياتنا اليومية.
مراجع
- Berthoud, H. R., & Morrison, C. (2008). The brain, appetite, and obesity. Annual Review of Psychology, 59, 55-92.
- Dallman, M. F. (2010). Stress-induced obesity and the emotional nervous system. Trends in Endocrinology & Metabolism, 21(3), 159-165.
- Egecioglu, E., Skibicka, K. P., Hansson, C., Alvarez-Crespo, M., Friberg, P. A., Jerlhag, E., … & Dickson, S. L. (2011). Hedonic and incentive signals for body weight control. Reviews in Endocrine and Metabolic Disorders, 12(3), 141-151.
- Fisher, H. E., Aron, A., & Brown, L. L. (2006). Romantic love: a mammalian brain system for mate choice. Philosophical Transactions of the Royal Society B: Biological Sciences, 361(1476), 2173-2186.
- Gibson, E. L. (2006). Emotional influences on food choice: sensory, physiological and psychological pathways. Physiology & Behavior, 89(1), 53-61.
- Kandel, E. R., Schwartz, J. H., Jessell, T. M., Siegelbaum, S. A., & Hudspeth, A. J. (2013). Principles of neural science (5th ed.). McGraw-Hill Education.
- Lutter, M., & Nestler, E. J. (2009). Homeostatic and hedonic signals interact in the regulation of food intake. The Journal of Nutrition, 139(3), 629-632.
- Singh, M. (2014). Mood, food, and obesity. Frontiers in Psychology, 5, 925.
- Volkow, N. D., Wang, G. J., & Baler, R. D. (2011). Reward, dopamine and the control of food intake: implications for obesity. Trends in Cognitive Sciences, 15(1), 37-46.
- Young, L. J., & Wang, Z. (2004). The neurobiology of pair bonding. Nature Neuroscience, 7(10), 1048-1054.





اترك رد