يطبخ العرب المشرقيّون الأرز بتقنيّة تعتمد معايرة مقدار الماء إلى الأرز وترك الأرز على حرارة منخفضة ليمتصّ الماء وينضج. هذه التقنية تايلاندية الأصل واسمها تقنية “تبخير الأرز” ولو أنّها لا تعتمد طبخ الأرز على البخار، لكنّها تعتمد على تعريق باطن الوعاء فيمتصّ الأرز الماء بشكل بخار بدلاً عن التشريب. ولهذه التقنية تقليدياً وعاء خاص.
عرفت الثقافة التايلاندية وعاءً تقليدياً لطبخ الأرز يسمى “مور دِن” หม้อดิน (أي الوعاء الأرضي، الطيني). ويصنع هذا الوعاء الفخّاري من الطين المحروق، ويمتاز بقاعدة مستديرة وجدران سميكة تساعد على توزيع الحرارة بشكل متساوٍ.
يرجع تاريخ استخدام هذا الوعاء إلى العصور القديمة في تايلاند، عندما طوّر التاي طرقاً مختلفة لطبخ الأرز. وتطوّر شكل الوعاء على مرّ القرون ليناسب احتياجات المطبخ التايلاندي التقليدي. سمّى التايلانديون هذا الوعاء باسم “مور دِن” نسبةً إلى مادة صنعه الأساسية، الطين.
تعرّف التاي إلى الدِن منذ العصر البرونزي قبل حوالي 5000-6000 سنة، واستعملوه بشكل أساسي لحفظ الماء وتخمير الأطعمة (مثل العرب). وتعرّف التاي إلى الأرز قبل حوالي 4000 سنة، وصعد إلى مكانة الغذاء الأساسي في قرون قليلة بعدها. ثمّ بدأ أهل تايلاند باستعمال المور دِن لطبخ الأرز قبل حوالي 3500 سنة، نظراً لقدرتها على توزيع الحرارة بشكل متساوٍ وحفظها لفترات طويلة، ممّا جعلها مثاليّة للطبخ وتوفير استعمال الطاقة (الحطب) في نفس الوقت.

تختلف أحجام وأشكال الوعاء حسب استخداماته. يأتي الوعاء المنزلي بحجم متوسّط يكفي لطبخ كمية من الأرز تناسب العائلة الصغيرة. أمّا النموذج التجاري فيصل حجمه إلى ضعف حجم النموذج المنزلي. وتتميّز النماذج التجارية بسماكة أكبر في الجدران لتتحمل الاستخدام المتكرر.
يتميز الوعاء بخصائص فريدة تجعله مثالياً لطبخ الأرز. تساعد مسامية الفخار على امتصاص الرطوبة الزائدة، ممّا يؤدّي إلى طبخ متجانس للأرز. وتضفي مادة الطين نكهة خاصّة للأرز المطبوخ، وتحافظ على درجة حرارة الطعام لفترة طويلة بعد رفعه عن النار.
انتقلت تقنية تبخير الأرز التايلاندية هذه إلى العرب مع الوعاء الخاص (الدِن) مع بداية تعرّف العرب بالأرز قبل حوالي 2700 سنة، في سلطنة عُمان واليمن والعراق. غير أنّ وفرة الأوعية المعدنية في أسواق عرب المشرق وخفّة وزنها وسهولة معاملتها طغت على شعبية الدِن التايلاندي هذا. في حين فضّل عرب المغرب تقنية التصعيد لطبخ الأرز بالبخار مباشرة بدلاً عن التطجين.
يُستخدم الوعاء في عدة تقنيات للطبخ، منها الطبخ المباشر على النار الخفيفة، والطبخ بالتسبيك، وطبخ المَرَق، وطبخ الأرز المتبل. يصلح الوعاء أيضاً لطبخ الحبوب الأخرى كالدخن والشعير. يمكن استخدامه لتحضير أطباق الأرز المختلطة بالخضراوات واللّحوم.
تشمل الأسماء الشائعة للوعاء في المناطق المختلفة من تايلند: “نوي دِن” في الشمال، و”كراك دِن” في الشرق، و”تاو دِن” في الجنوب. وتختلف هذه النماذج في تفاصيل التصميم والحجم حسب العادات المحلّية لكلّ منطقة.

يمتاز النموذج المنزلي التقليدي بارتفاع يتراوح بين 20 و25 سنتيمتراً، وقطر فوهة يصل إلى 18 سنتيمتراً. تأتي النماذج التجارية بأحجام أكبر تصل إلى 40 سنتيمتراً ارتفاعاً و30 سنتيمتراً قطراً. تتميز النماذج الحديثة بإضافة طبقة زجاجية داخلية تسهل عملية التنظيف وتمنع التصاق الأرز.
يتطلّب استخدام الوعاء عناية خاصّة للحفاظ على جودته. تشمل طرق العناية: تجنب التغيرات المفاجئة في درجات الحرارة، وتنظيف الوعاء بالماء الفاتر فقط، وتجفيف الوعاء جيّداً قبل التخزين، وتخزين الوعاء في مكان جاف وجيّد التهوية.
تختلف طريقة استخدام الوعاء عن أوعية الطبخ الحديثة. ويحتاج الطبّاخ إلى فهم خصائص الوعاء الفخّاري وكيفية التحكّم في درجة الحرارة. وتتطلّب عملية الطبخ مراقبة مستمرة ومعرفة بالوقت المناسب لخفض درجة الحرارة أو رفع الوعاء عن النار.
على الهامش، في الشام، الدِنُّ هو الجرّة الكبيرة السميكة المخصّصة لحفظ السوائل. وفي اللّغة العربية عموماً الدَنُّ: الضخم من الأوعية والآنية للخمر ونحوها. والكلمة قديمة من العهد الأگّدي، كان شكلها دَنُّ 𒂁𒆗𒉡 بمعنى خابية كبيرة من الحجر أو الفخّار لتخزين السوائل، وبالأخصّ البيرة والنبيذ. وصارت في العهد البابلي דַּנָּא دَنّاء وعنها في العهد السرياني بنفس اللّفظ ܕܰܢܳܐ.




اترك رد