العروبية الأولى: خمسمئة لغة ولهجة في مواجهة وهم النقاء اللّغوي
تمهيد: في استعادة النظر إلى الذات
منذ أن وطئت أقدام المستشرقين أرض المعرفة العربية، ونحن نرى أنفسنا بعيونهم، ونصنّف تراثنا بمصطلحاتهم، ونفهم تاريخنا وفق منظورهم. صار “السامي” اسماً لعائلتنا اللّغوية، وصارت “الفصحى” هي “الأصل النقي” الذي “فسدت” عنه “العامّيّات”، وصار التنوّع اللّغوي عيباً ينبغي إصلاحه بدل أن يكون ثروة ينبغي حفظها. بل صرنا نستحي من لهجاتنا المحلّية، ونعدّها “انحرافاً” عن المعيار، ونسعى جاهدين لمحوها من ألسنة أبنائنا، وهي الهوية.
هذه الدراسة – التي استغرق إعدادها ستّ سنوات من البحث والتحقيق – محاولة لاستعادة النظر العربي الأصيل إلى تراثه اللّغوي، بعيداً عن المنظور الاستشراقي ومصطلحاته المستمدّة من التوراة والكتاب المقدس. هي دعوة لإعادة رسم الخريطة اللّغوية لما يُسمّى “اللّغات السامية”، وتسميتها باسم أدقّ وأصدق: اللّغات العروبية، نسبة إلى مَنشئها الجغرافي – الجزيرة العربية ومنها الهلال الخصيب – لا إلى شخصية توراتية أسطورية.
ماذا في هذه الدراسة؟
تقدّم هذه الدراسة تصنيفاً شاملاً للّغات العروبية يضمّ أكثر من خمسمئة لغة ولهجة، حيّة ومنقرضة، موزّعة على فرعين رئيسين: العروبية الشرقية (الأگَّدية والإبلاوية في بلاد النهرين)، والعروبية الغربية التي تشمل أربع مجموعات كبرى: الإثيوسيمية (لغات الحبشة)، العربية الجنوبية الحديثة (المهرية والسقطرية)، العربية الوسطية (العربية بكلّ تنوّعاتها)، والعروبية الشمالية (الآرامية والعبرية والكنعانية).
الاكتشافات الرئيسة
١. تصحيح موقع الفصحى في الشجرة اللّغوية
أهمّ ما تكشفه الدراسة أنّ العربية الفصحى ليست “الأمّ” التي تفرّعت منها اللّهجات العربية المعاصرة، بل هي نتاج تاريخي محدّد: ثمرة زواج لهجتين؛ الكنانية الجنوبية (لهجة قريش) بلغة الشعر العربي (اللّغة الأدبية المشتركة في الجاهلية). هذا يعني أنّ اللّهجات العربية المعاصرة ليست “فساداً” للفصحى، بل هي فروع مستقلّة تطوّرت في مسارات موازية، بعضها أقدم من الفصحى نفسها.
٢. توثيق المضرية وموجات انتشارها التاريخية
توثّق الدراسة أربع موجات كبرى لانتشار اللّهجات المضرية (التي تشمل معظم لهجات المشرق اليوم) عبر التاريخ، بدءاً من العهد الأشوري (القرن السابع قبل الميلاد) مروراً بالعهدين الأخميني والروماني، وصولاً إلى الفتوحات الإسلامية. هذا يكشف أنّ التاريخ العربي في المشرق ومصر أعمق بكثير ممّا نتصوّر، وأنّ الإسلام لم يكن “بداية” هذا التاريخ بل فصلاً مهمّاً في سياق طويل.
٣. فضح خرافة العبرية الحديثة
تُظهر الدراسة أنّ “العبرية الحديثة” ليست استمراراً طبيعيّاً للعبرية القديمة، بل لغة اصطناعية أُعيد “اختراعها” نهاية القرن التاسع عشر على يد إليعيزر بن يهودا اللّيتواني الروسي، الذي قرأ النصوص العبرية بلكنته الروسية ولم يتعلّم العربية قط، فخرجت لغة مشوّهة صوتيّاً تختلف جوهريّاً عن العبرية التاريخية.
٤. كشف تنوّع مذهل في اللّهجات القحطانية
توثّق الدراسة بتفصيل غير مسبوق اللّهجات اليمانية والأزدية وامتداداتها في الخليج والمحيط الهندي (العربية الفارسية، العربية الهندية السواحلية)، مبرزة ثراء التراث اللّغوي العربي الذي طالما أُهمل لمصلحة التركيز على الفصحى والعدنانية.
في الجزء الثاني: الدلالات الحضارية والهويّاتية
لا تكتفي الدراسة بالتصنيف اللّغوي العلمي، بل تمضي لتحليل دلالات هذا التصنيف على الهوية العربية المعاصرة وعلى فهمنا للتاريخ. تُناقش كيف أنّ قبول المصطلح “سامي” يعني التسليم بمنظور استشراقي توراتي، وكيف أنّ وهم “النقاء اللّغوي” وازدراء اللّهجات قد أضرّ بالوعي العربي أكثر ممّا نفعه، وكيف أنّ التنوّع اللّغوي ينبغي أن يُرى ثروة لا عيباً.
كما تُسلّط الدراسة الضوء على اللّغات المهدّدة بالانقراض – مثل المهرية والسقطرية والآرامية واللّهجات اليهودية العربية – وتدعو إلى جهد جماعي لتوثيقها وحفظها قبل أن يفوت الأوان. وتُطالب بسياسات لغوية أكثر عدلاً ومرونة، تعترف بمشروعية الثنائية اللّغوية بين الفصحى والدارجات، وتحترم التنوّع بدل قمعه.
لمن هذه الدراسة؟
هذا العمل موجّه إلى:
- الباحثين اللّغويّين الذين يبحثون عن تصنيف أدقّ وأشمل للّغات العروبية
- المؤرّخين الراغبين في فهم أعمق لتاريخ الجزيرة العربية والهلال الخصيب
- المثقّفين العرب المهتمّين لقضايا الهوية واللّغة والتراث
- صنّاع السياسات المعنيّين بالتخطيط اللّغوي والتعليمي
- كل عربي يريد أن يفهم جذور لغته ولهجته الحقيقية
والهدف الأسمى هو تحرير العقل العربي من الأوهام الموروثة، واستعادة النظر الأصيل إلى التراث، وبناء وعي لغوي جديد يحتفي بالتنوّع ويحفظ الذاكرة ويحترم الهوية بكلّ تعقيداتها.
إعادة تسمية الفصيلة اللّغوية
تقدّم هذه الدراسة تصنيفاً شاملاً لما اصطُلح على تسميته “اللّغات السامية”، مقترحةً مصطلح “اللّغات العروبية” بديلاً أكثر دقة وحيادية. ليس هذا التحوّل المصطلحي مجّرد تفضيل لغوي، بل يظهر إعادة نظر جذرية في التصنيف اللّغوي التقليدي الذي نشأ في سياق استشراقي أوروپي في القرن التاسع عشر. المصطلح التقليدي “سامي” مشتقّ من التصنيفات التوراتية لأبناء نوح، وهو تصنيف ديني-عرقي لا يعكس الواقع اللّغوي العلمي. في المقابل، يستند مصطلح “العروبية” إلى الجذر اللّغوي المشترك والانتماء الجغرافي-الثقافي لهذه اللّغات في الجزيرة العربية.
البنية التصنيفية الكبرى
هذه شجرة كامل اللّغات العروبية أو ما يسمّى اليوم اللّغات السامية، وتتضمّن كذلك في أفرعها مجموعة اللّغات العربية وصولاً إلى الفصحى. وتتضمّن اللّغات الحيّة والمنقرضة. بالإضافة إلى أغلب اللّهجات العربية الحيّة… الصورة أعلاه هي للجزء المختصّ بفروع العربية الوسطية الشمالية فقط، أمّا الشجرة كاملة فهي هنا أدناه.
العروبية الشرقية: اللّغات النهرينية
تمثل العروبية الشرقية الفرع الأقدم توثيقاً في هذه العائلة اللّغوية، وتضم:
- الأگَّدية (الأقّدية) بفرعيها الأشوري والبابلي، التي تعدّ أوّل لغة عروبية مكتوبة بنظام مسماري، وازدهرت في بلاد النهرين منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد. تركت الأگَّدية إرثاً لغويّاً ضخماً في النصوص القانونية (شريعة حمورابي)، والأدبية (ملحمة گلگاميش)، والإدارية.
- الإبلاوية المكتشفة في تل مرديخ (إبلا القديمة) في سوريا، التي قدّمت معلومات ثمينة عن المرحلة المبكّرة من تطوّر اللّغات العروبية، وأظهرت علاقات تجارية ودبلوماسية واسعة في الشرق الأدنى القديم.
العروبية الغربية: التنوّع والانتشار
تشكّل العروبية الغربية الجزء الأكبر والأكثر تنوّعاً من العائلة اللّغوية، وتنقسم إلى أربع مجموعات رئيسة:
1. الإثيوسيمية: لغات القرن الأفريقي
تمثّل هذه المجموعة امتداد اللّغات العروبية عبر البحر الأحمر إلى الحبشة، وتضمّ لغات حيّة ذات أهمّية حضارية كبيرة. الجعزية (الجأزية)، اللّغة الكلاسيكية للحضارة الأكسومية، تركت إرثاً أدبيّاً ودينيّاً غنيّاً، وما زالت لغة شعائرية في الكنيسة الإثيوپية الأرثوذكسية. من أحفادها الأحياء: الأمهرية (اللّغة الرسمية لإثيوپيا مع أكثر من 25 مليون متحدّث)، والتغرينية (لغة إريتريا وشمال إثيوپيا)، إضافة إلى لغات أصغر مثل السيلتية والهررية.
ما يميّز الإثيوسيمية تأثّرها العميق بالركيزة الكُشّية (لغات شرق أفريقيا الأصلية)، ممّا أنتج نظاماً صوتيّاً فريداً يتضمّن أصواتاً غير موجودة اليوم في باقي اللّغات العروبية، ونظاماً نحويّاً معقّداً يختلف بشكل ملحوظ عن الأنماط العروبية التقليدية.
2. العربية الجنوبية الحديثة: بقايا حضارات اليمن القديم
تضمّ هذه المجموعة ستّ لغات حيّة تُنطق اليوم في جنوب الجزيرة العربية: المهرية (بفرعيها الشرقي والغربي في ظفار وحضرموت)، الشحرية، السقطرية (في جزيرة سقطرى اليمنية)، الحرسوسية، البطحرية، والهوبيوتية. ليست هذه اللّغات لهجات للعربية الفصحى أو الدارجات، بل لغات مستقلّة تماماً بأنظمة صوتية ونحوية مختلفة.
تمثّل هذه اللّغات استمرارية مباشرة للغات اليمن القديم (السبئية، الحميرية، القتبانية، المعينية) التي توثّقها النقوش المسندية. برغم قلّة عدد متحدّثيها (مجتمعين لا يتجاوزون 300 ألف)، فإنّها تحتفظ بخصائص آثارية لغوية بالغة الأهمّية لفهم تطوّر العربية نفسها. المهرية، على سبيل المثال، تحتفظ بأصوات غاطسة وانفجارية لم تعد موجودة في العربية، وبنظام عددي وصرفي يظهر مراحل تطور أقدم.
3. العربية الوسطية: قلب التنوّع العربي
تمثّل العربية الوسطية المجموعة الأكبر والأكثر تعقيداً، وتنقسم إلى فرعين رئيسين:
أ. القحطانية (اليمانية)
تضمّ اللّغات واللّهجات التي نشأت في جنوب الجزيرة العربية وتفرّعت منها. وتنقسم ظعنها إلى:
- اليمانية القديمة: السبئية بمراحلها الثلاث (القديمة، الوسطى، المتأخرة)، القتبانية، المعينية، الحضرمية القديمة، الأوسانية. هذه اللّغات موثقة بنقوش المسند الفخمة التي تحكي عن ممالك البخور والتجارة.
- القحطانية الحديثة: وتشمل طيفاً واسعاً من اللّهجات الحيّة اليوم، من الأزدية بفروعها المتعدّدة (العُمانية، البحرية في الخليج وسواحل الهند، اليمنية)، إلى الحضرمية الحديثة، إلى اللّهجات التهامية والجبلية. واللّافت هنا هو التوثيق الدقيق للّهجات العربية الفارسية (الشيرازية، البندرية، اللّارية) والهندية (المليبارية، الكونكانية) التي تمثل امتداد التجارة البحرية الأزدية عبر المحيط الهندي. هذه لهجات عربية لا علاقة لأسمائها باللّغات الفارسية والهندية المعاصرة، بل ترتبط بجغرافيا العرب الساكنين في هذه المناطق.
ب. العدنانية (المضرية والقيسية)
تمثّل لهجات شمال ووسط الجزيرة العربية التي انتشرت بشكل واسع مع الفتوحات الإسلامية. وتتفرّع إلى:
- التميمية: لهجات شرق الجزيرة والخليج العربي (البحرانية (البحرينية)، النجدية الشرقية، جنوب العراقية).
- المضرية: المجموعة الأوسع انتشاراً اليوم، وتضمّ اللّهجات الحضرية (القلتو والگلتو) الممتدّة من العراق إلى مصر، واللّهجات الفراتية في سوريا والعراق.
- القيسية العيلانية: اللّهجات الظعنية والحضرية في نجد، الحجاز، الشام، وامتداداتها في ليبيا.
4. العروبية الشمالية: اللّغات الكنعانية والآرامية
تضمّ هذه المجموعة اللّغات التي ازدهرت في الهلال الخصيب والمشرق:
- الكنعانية (القنّانية): العبرية (التوراتية، الميشناوية، الحديثة)، الفينيقية وامتدادها البونيقي في قرطاج، المؤابية، العمّونية، الإدومية. ارتبطت هذه اللّغات بحضارات المدن الساحلية والممالك القديمة.
- الآرامية: اللّغة التي صارت لغة التجارة والدبلوماسية في الشرق الأدنى القديم، وتطوّرت عبر مراحل: الآرامية القديمة، الإمبراطورية (لغة الإدارة الأشورية ثمّ الإخمينية)، الوسطية (السريانية التقليدية، المندائية)، والحديثة (الآشورية الحديثة، السريانية الحديثة، المعلولية في القلمون). تركت الآرامية أثراً عميقاً في كلّ اللّغات العروبية المجاورة، وما زالت بعض لهجاتها حيّة في معلولا ومناطق من العراق وسوريا وتركيا. وهي في معلولا بالأساس نتيجة استقرار مهاجرين من العراق.
- الأُگاريتية: اللّغة المكتشفة في رأس شمرا، التي قدّمت أقدم نظام أبجدي مسماري، وتركت نصوصاً أدبية ودينية بالغة الأهمّية لفهم الميثولوجيا الكنعانية.
الفصحى: جينيالوجيا لغة أدبية
النشأة والموقع التصنيفي
واحدة من أهمّ مساهمات هذا التصنيف هي إعادة تحديد موقع العربية الفصحى في الشجرة اللّغوية. ليست الفصحى “اللّغة الأم” التي تفرّعت منها الدارجات، بل هي نتاج تاريخ محدّد: الكنانية الجنوبية (لهجة قريش وقبائل الحجاز) متزاوجة مع لغة الشعر العربي (اللّغة الأدبية المشتركة بين قبائل الجزيرة في العصر الجاهلي).
المسار الجينيالوجي للفصحى: العروبية الغربية ← العربية الوسطية ← العربية الوسطية الشمالية ← العربية الحديثة ← العدنانية ← العدنانية الجنوبية ← الكنانية الجنوبية ← القرشية الجنوبية.
لغة الشعر العربي: اللّغة الأدبية المشتركة
قبل الإسلام، طوّر شعراء العرب لغة أدبية مشتركة تجاوزت الفوارق اللّهجية المحلّية، سُميت اليوم “لغة الشعر العربي” أو “اللّغة الأدبية المشتركة”. كانت هذه اللّغة حصيلة توافق بين العدنانية الشمالية والقحطانية الجنوبية، أي “لهجة بيضاء” وسطية تمكّن الشعراء من مختلف القبائل من التواصل والتنافس في أسواق عكاظ وذي المجاز ومجنة.
لكن الفصحى القرآنية لم تكن استمراراً مباشراً للغة الشعر، بل تمثّل تطويراً لها من طريق مزجها بالكنانية الجنوبية (القرشية). و أنتج هذا التزاوج لغة جديدة اكتسبت قدسية دينية مع نزول القرآن، ثم تطوّرت لتصبح لغة الإدارة والعلوم في العصر العبّاسي (فصحى التراث) ، وفصحى الفاطميّين في المغرب التي صارت فصحى الخلافة العبّاسية في القاهرة وراثة عن الدولة الأيّوبية عن الفاطمية. ثم لغة الصحافة الحديثة (فصحى الصحافة المصرية) حين صار مزاجها ترجمة حرفية عن الفرنسية والإنگليزية.
الفصحى والدارجات: علاقة غير مباشرة
خلافاً للاعتقاد الشائع، ليست الفصحى أمّاً مباشرة لأيّ من اللّهجات العربية المعاصرة (باستثناء لغة الإعلام الحديثة). تطوّرت اللّهجات العربية المعاصرة من فروع عربية قديمة موازية للكنانية، أو حتى سابقة لتبلور الفصحى. و يفسّر هذا الفروقات الصوتية والنحوية العميقة بين الفصحى والدارجات، وليس مجرّد “فساد” أو “تحريف” كما افترضت النظرة التقليدية.
على سبيل المثال، المضرية (جدّ كثير من اللّهجات المشرقية) تطوّرت في مسار مستقلّ منذ الألفية الثانية قبل الميلاد، وانتشرت في موجات متعاقبة مع الإمبراطوريات القديمة (الأشورية، الإخمينية، الپطلمية، الرومانية) قبل الإسلام بقرون. حين جاء الإسلام، تداخلت المضرية مع اللّهجات القحطانية والكنانية، لكنّها حافظت على خصائصها الأساسية.

المضرية: نموذج للتحليل اللّهجي العميق
التعريف والخصائص الصوتية
تمثّل المضرية مجموعة لهجية واسعة تنتمي تصنيفيّاً إلى العدنانية الشمالية (القيسية)، وتتميّز بظاهرة الإمالة سمة محورية. الإمالة تعني ميل الألف نحو الياء، بدرجات متفاوتة: من إمالة خفيفة (نطق الألف بين الألف والياء) إلى إمالة شديدة تقلب الألف ياءً تامّة (مثل نطق “دجاج” “دجيج” أو “باب” “بيب”).
ليست هذه الظاهرة الصوتية عشوائية، بل تظهر تطوّراً منتظماً في النظام الصوتي تأثّر بعوامل جغرافية وتاريخية، وربّما بركائز لغوية سابقة (لغات ما قبل العروبية في المناطق التي استقرّت فيها المضرية).
المسار التاريخي والانتشار الجغرافي
بدأت المضرية بالتشكّل في الألفية الثانية قبل الميلاد، وانتشرت في أربع موجات كبرى:
- الموجة الأولى (القرن السابع قبل الميلاد): مع فتوحات الملك الأشوري أشُّر بانِي أپلِ 𒀸𒋩𒆕𒀀 (أشُّر صانع الخَلَف \ خليفة أشُّر) (668-627 ق.م) الذي استعمل القبائل المضرية في فتح مصر، ومنحهم حكم مصر السفلى. هذا يفسر الحضور المضري القديم في الدلتا.
- الموجة الثانية (القرن السادس قبل الميلاد): في العهد الإخميني، وخاصّة مع قمبيز الثاني الذي زاد الاعتماد على المضريّين في تأمين مصر وطرق التجارة. وفي القرن الرابع قبل الميلاد استمرّ الپطالمة في هذا التحالف، مكلّفين المضريّين بحماية التجارة المصرية الخارجية.
- الموجة الثالثة (العهد الپارثي-الروماني): استخدم الأشكانيّون (الپارثيّون) المضريّين لحكم الخليج العربي، فانتشروا مع القواعد البحرية في بحر العرب والمحيط الهندي والبحر المتوسط. وظعنهم اعتمد الرومان عليهم بشكل كبير في تأمين حدود مصر الشرقية وحماية القوافل التجارية.
- الموجة الرابعة (القرن السابع الميلادي): مع الفتوحات الإسلامية، وخاصّة بعد معاهدة تغلب التي عقدها الخليفة عمر بن الخطاب مع قبائل ربيعة وتغلب، التي أدّت إلى انتشار واسع للمضريّة في العراق والشام ومصر وما بعدها صوب الغرب.
- الموجة الخامسة (القرن الحادي عشر الميلادي): معروفة بـ “التغريبة الهلالية”، وهي موجة هجرة كبرى لقبائل قيسية-مضرية نحو المغرب. شملت بنو هلال وبنو سليم وبنو معقل وقبائل قيسية أخرى، وانتشرت عبر مصر إلى برقة والمغرب العربي حتى موريتانيا. أدخلت هذه الموجة لهجات قيسية-مضرية ظعنية تراكبت مع اللّهجات العربية الحضرية الموجودة منذ الفتوحات الأولى وما قبلها، فأنتجت طبقات لغوية جديدة ساهمت بشكل حاسم في تشكيل بعض اللّهجات المغاربية المعاصرة.
التنوّع الداخلي: القلتو والگلتو
تنقسم المضرية الحضرية إلى مجموعتين رئيستين بناءً على نطق الأفعال:
- القلتو (من “قلت” في المتكلّم): وتنتشر في المناطق الريفية والظعنية وفي شمال العراق وشرقه، وتمتدّ شرقاً إلى خراسان وآسيا الوسطى (البخارية، القشقدارية، الطاجيكية)، وتشمل اللّهجات اليهودية العربية. هذه لهجات عربية لا علاقة لأسمائها باللّغات التركية والفارسية المعاصرة، بل ترتبط بجغرافيا العرب الساكنين في هذه المناطق.
- الگلتو (من “گلت”، مع تحويل القاف إلى گاف\گيم): وتنتشر في المدن الكبرى في العراق (بغداد، البصرة) وفي الأهواز.
يظهر هذا التمييز طبقات تاريخية مختلفة من الاستيطان المضري، وتأثّرات متباينة باللّغات المحلّية، خاصة الآرامية والپهلوية والتركية.
الديراسية: المضرية القريبة من الفصحى
من أهمّ الملاحظات أنّ المضرية الديراسية (نسبة إلى كلمة “دير”) تمثل الفرع الأقرب إلى الفصحى من بين كلّ اللّهجات المضرية، برغم انتمائها لفرع مختلف تصنيفيّاً. تنتشر الديراسية في المناطق الريفية وبوادي نجد والأحساء، وتتميّز بحفاظها على خصائص صوتية ونحوية أقدم. برغم أنّ تسميتها تشير إلى أنّها في الأساس لهجة سكّان المدن تمييزاً عن سكّان غير المدن.
التسمية “ديراسية” مأخوذة من ملاحظة أنّ أغلب أسماء القرى والمدن في هذا النطاق تبدأ بكلمة “دير” أو “ديرة” أو “دارة” أو “دورة”، وتظهر نمطاً استيطانيّاً قديماً على طول الفرات وحول الخليج العربي.
اللّهجات الشامية: تراكب تاريخي
تمثل اللّهجات الشامية المعاصرة حالة معقّدة من التراكب اللّغوي. تصنيفيّاً، تنتمي إلى الحضرية القلتية الوسطى والشمالية، وهي حاصل مزاج بين المضرية والتهامية (موطن مضر في جبال تهامة). ويفسر هذا المزاج التاريخي بعض الخصائص الفريدة:
- نطق القاف نبرة في كثير من المناطق (قلب > ألب)
- استخدام “بـ” فعل مساعد للمضارع (بيكتب، بيروح، بيمشي)
- احتفاظها ببعض الإمالة في مناطق معيّنة
تنتشر اللّهجات الشامية اليوم في غرب الشام (لبنان، سوريا الساحلية والوسطى، فلسطين)، القاهرة، شمال المغرب، وشمال غرب الجزائر. ويظهر هذا الانتشار الهجرات والفتوحات المتعاقبة، وكذلك التأثير الثقافي للمراكز الحضرية الشامية (دمشق، حلب، القدس، القاهرة) في المحيط العربي.
اللّهجات العربية اليهودية: انغلاق وحفظ
تمثّل اللّهجات المضرية اليهودية ظاهرة لغوية-اجتماعية مهمّة. تكوّنت بانغلاق الجماعات اليهودية المضرية على نفسها منذ استيلاء طيايا ميسان (حلفاء السلوقيّين) على بابل في القرن الثالث قبل الميلاد. أدّى هذا الانغلاق الطويل إلى:
- حفظ خصائص قديمة: احتفظت هذه اللّهجات بظواهر صوتية ومفردات اندثرت من لهجات المسلمين والمسيحيّين المجاورة.
- التأثر الآرامي: امتزجت بالآرامية البابلية الحديثة، لغة التلمود البابلي والثقافة اليهودية المحلّية.
- التأثر العبري: دخلتها مفردات وتراكيب عبرية من النصوص الدينية.
أهمّ اللّهجات اليهودية العراقية: البغدادية اليهودية، الموصلية اليهودية، العمادية اليهودية. وكادت هذه اللّهجات تنقرض بعد هجرة يهود العراق إلى فلسطين في خمسينيّات القرن العشرين، لكن بعضها ما زال محفوظاً لدى الجيل الأكبر سناً.
العبرية الحديثة: إحياء أم اختراع؟
من أهمّ الملاحظات النقدية في هذه الدراسة التعامل مع العبرية الحديثة. يوضح التصنيف أنّ العبرية الحديثة ليست استمراراً طبيعيّاً للعبرية القديمة، بل لغة أُعيد إحياؤها على يد اللّيتواني إليعيزر بن يهودا (إليعيزر بيرلمان Eliezer Yitzhak Perlman، 1858-1922) نهاية القرن التاسع عشر.
بن يهودا، وهو ليتواني-روسي، بدأ جهوده لتحويل العبرية من لغة مقتصرة على النصوص الدينية إلى لغة يومية محكية. واجهته مشكلة أساسية إذ لم يكن هناك متحدّثون أصليّون للعبرية منذ القرن الثاني الميلادي، ولم تكن العبرية مستخدمة في الحياة اليومية منذ قرابة 1800 عام.
لم يتعلّم بن يهودا العربية ولا أي لغة عروبية في حياته، وقرأ النصوص العبرية القديمة بلكنته الروسية. فأدى هذا إلى:
- نظام صوتي مشوّه: إدخال مد طويل لكلّ الأصوات على الطريقة السلاڤية، في حين أنّ العبرية القديمة (كمثل باقي اللّغات العروبية) لها نظام مدّ محدّد وحركات صوتية قصيرة.
- فقدان التمييزات الصوتية: اختفت الفروقات بين الأصوات الحلقية والحنجرية المميّزة للغات العروبية (ع/ع، ح/خ، وغيرها).
- تأثير أوروپي: دخلت مفردات وتراكيب أوروپية (خاصّة روسية وألمانية ويديشية) بكثافة.
- اصطناع معجمي: اضطر المُحيون لاختراع آلاف المفردات الجديدة للحياة الحديثة، باستخدام جذور عبرية قديمة لكن بطرق لم تكن موجودة في العبرية التاريخية.
النتيجة: لغة تحمل اسم “عبرية” لكنّها تختلف جوهريّاً عن العبرية التوراتية أو الميشناوية، وهي الحالة الوحيدة في تاريخ اللّغات لإحياء لغة ميتة بهذا الشكل.
المنهجية: ستّ سنوات من البحث
استغرق إعداد هذا التصنيف ستّ سنوات من البحث المكثّف، اعتمد على:
- مراجعة الأدبيات اللّغوية: دراسة التصنيفات الاستشراقية التقليدية Bergsträsser، Hetzron، Faber، والدراسات العربية المعاصرة.
- النقوش والنصوص القديمة: فحص النقوش المسندية، والأگَّدية، والآرامية، والأُگاريتية، والعبرية القديمة.
- الدراسة الميدانية: الاعتماد على دراسات ميدانية للّهجات الحيّة في الجزيرة العربية، المشرق، والمغرب. وشملت هذه الدراسة الميدانية على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي “وام” وبالأخصّ مجموعات فيٓسبوك التي أتاحت التواصل مع متحدّثي اللّهجات الأحياء الأصليّين، بمئات الآلاف.
- المقارنة الصوتية والنحوية: تتبّع التطورات الصوتية والتحوّلات النحوية عبر العصور.
- التحليل الجغرافي-التاريخي: ربط الانتشار اللّغوي بالهجرات القبلية والفتوحات العسكرية والشبكات التجارية.
الدلالات النظرية والمنهجية
تجاوز النموذج الشجري البسيط
هذا التصنيف لا يقدّم “شجرة” بالمعنى البيولوجي الصارم، بل يعترف بتعقيد العلاقات اللّغوية: التداخل، الاستعارة، التأثّر المتبادل، التواصل اللّغوي Sprachbund، والثنائية اللّغوية التاريخية. اللّغات لا تتطوّر في عزلة، بل في تفاعل مستمر.
إعادة مركزة المنظور
يعيد التصنيف المنظور من الإطار التوراتي-الاستشراقي إلى الإطار الجغرافي-التاريخي: الجزيرة العربية مركز، ومنها الهلال الخصيب منطقة تفاعل، والانتشار الحضاري عبر التجارة والهجرة والفتح.
التعامل مع الحيّ والميت
يميز التصنيف بوضوح بين اللّغات الحيّة (المنطوقة لغة أم اليوم) والمنقرضة (المعروفة فقط من نصوص تاريخية). هذا التمييز مهم للحفاظ اللّغوي: اللّغات الحيّة المهدّدة (مثل المهرية والسقطرية) تحتاج جهود توثيق وحماية عاجلة.
خلاصة الدراسة: إعادة رسم الخريطة اللّغوية
تقدّم هذه الدراسة مساهمة أساسية في فهمنا للّغات العروبية من طريق:
- إعادة التسمية: من “سامي” إلى “عروبي”، تحرّراً من الإطار التوراتي الألماني.
- إعادة التموضع: العربية الفصحى ليست “الأم” بل نتاج تاريخي محدّد.
- إعادة الاعتبار: للّهجات المهمشة (مثل المهرية والشحرية) لغات مستقلّة، وللّهجات اليهودية بصفتها حافظة للتاريخ اللّغوي.
- إعادة البناء التاريخي: تتبّع الهجرات والتأثيرات عبر الألفيات.
- النقد المنهجي: للمسلّمات الاستشراقية، ولخرافة “النقاء اللّغوي”.
إنّ فهم هذا التعقيد والتنوّع ليس مجرّد اهتمام أكاديمي، بل ضرورة لحماية التراث اللّغوي الحي، ولبناء سياسات لغوية عادلة تحترم التنوّع، ولتجاوز الأيديولوجيات القومية الضيّقة التي ترى في اللّهجات “فساداً” بدل أن تراها ثروة حضارية.
في عالم يشهد انقراض لغة كل أسبوعين تقريباً، يذكّرنا هذا التصنيف بأنّ كلّ لغة ولهجة تحمل تاريخاً، وذاكرة، وطريقة فريدة لفهم العالم. حماية هذا التنوع اللّغوي العروبي هو حماية لجزء أساسي من الذاكرة الإنسانية. وعلينا الإيمان أنّ العرب عرفت لغات عربية، لا لغة عربية واحدة. لذا، فالاختلافات بين أنماط اللّغات العروبية لا يعني تعدّد الأمم، بل أمّة واحدة تنوّعت شعوباً وقبائل.
من العلم إلى الدلالة
ليس هذا التصنيف الذي استعرضناه مجرّد خريطة لغوية أكاديمية تُحفظ في أدراج المكتبات، بل هو وثيقة تاريخية وحضارية تحمل دلالات عميقة على فهمنا لأنفسنا، ولهويّتنا، ولتاريخنا. إنّ إعادة تسمية “السامية” بـ”العروبية”، وإعادة تموضع الفصحى في الشجرة اللّغوية، وكشف التنوّع المذهل في اللّهجات العربية، كلّ هذا يطرح أسئلة جوهرية: من نحن؟ وكيف نفهم تاريخنا؟ وما علاقتنا بلغتنا الفصحى وبلهجاتنا المحلّية؟ وما واجبنا تجاه التراث اللّغوي المهدّد بالضياع؟
ليست هذه الأسئلة ترفاً فكريّاً، بل هي في صميم الأزمة الحضارية التي تعيشها الأمة العربية اليوم. منذ أكثر من قرن ونحن نتخبّط بين دعوات متطرّفة: من يريد فرض الفصحى في كلّ مجالات الحياة وإلغاء الدارجات، ومن يريد العكس تماماً. من يرى في اللّهجات المحلّية “فساداً” ينبغي القضاء عليه، ومن يرى فيها “هوية” ينبغي الاعتزاز بها ضدّ “الفصحى المفروضة”. والحقيقة أن كلا الطرفين ينطلق من فهم خاطئ للتاريخ اللّغوي، ومن أوهام رسّخها الاستشراق والقومية الضيقة.
ما يلي هو محاولة لاستكشاف دلالات هذا التصنيف على الهوية العربية المعاصرة، وتصحيح فهمنا للتاريخ، وبناء وعي لغوي جديد يحترم التنوّع ويحفظ التراث ويُحرّر العقل من الأوهام. سننتقل من “ما هي اللّغات العروبية؟” إلى “ماذا تعني لنا؟”، ومن الخريطة اللّغوية إلى الخريطة الحضارية، ومن التصنيف العلمي إلى التحليل الثقافي.
وسنرى كيف أنّ هذه الدراسة – برغم طابعها اللّغوي التقني – تحمل في طيّاتها إجابات عن أعمق أسئلة الهوية والانتماء، وكيف أنّ فهم جذورنا اللّغوية هو الخطوة الأولى نحو فهم أنفسنا.
في تأثير دراسة العروبية على الهوية والتاريخ
مقدّمة: في استعادة النظر إلى الذات اللّغوية
منذ أن علا صوت المستشرقين في ميدان المعرفة، صرنا ننظر إلى أنفسنا بعيونهم، ونصنّف تراثنا بمصطلحاتهم، ونفهم تاريخنا وفق منظورهم. صار “السامي” اسماً لعائلتنا اللّغوية، وصارت “الفصحى” هي “الأصل النقي” الذي “فسدت” عنه “العامّيّات”، وصار التنوّع اللّغوي عيباً ينبغي إصلاحه بدل أن يكون ثروة ينبغي حفظها. بل صرنا نستحي من لهجاتنا المحلية، ونعدّها “انحرافاً” عن المعيار، ونسعى جاهدين لمحوها من ألسنة أبنائنا.
هذه الدراسة محاولة لاستعادة النظر العربي الأصيل إلى تراثه اللّغوي، بعيداً عن المنظور الاستشراقي ومصطلحاته المستمدّة من الأساطير التوراتية. هي دعوة لإعادة رسم الخريطة اللّغوية لما يُسمّى “اللّغات السامية”، وتسميتها باسم أدقّ وأصدق: اللّغات العروبية، نسبة إلى منشئها الجغرافي – الجزيرة العربية – لا إلى شخصية أسطورية من منظور ديني محدّد ومحدود.
في ضرورة تصحيح المفاهيم
قال الحكماء: تبدأ المعرفة بتسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية. فمن أعظم ما ابتُليت به الأمّة في عصرها الحديث انفصالها عن تاريخها اللّغوي الحقيقي، واتّباعها تصنيفات القوم الذين استعمروها وقمعوها، فصارت تنظر إلى نفسها بعيون غيرهم، وتصف لغاتها بمصطلحات دخيلة لا تُحيط بحقيقة الأمر ولا تُنصف التراث.
هذه الدراسة التي بين أيدينا – وقد استغرق إعدادها ستّ سنوات من التحقيق والتمحيص – تُمثّل محاولة جادّة لاستعادة النظر الصحيح إلى اللّغات التي تكلّمت بها الأمم العروبية عبر الدهور، وتصحيح ما علق بالأذهان من أوهام وأباطيل صارت تُعدّ من المسلّمات التي لا تُناقش.
في بطلان المصطلح القديم وصواب البديل
المصطلح “سامي” الذي درج الناس على استعماله إنّما هو من وضع المستشرقين الألمان في القرن الثامن عشر، واستمدّوه من سِفر التكوين في التوراة حيث قُسّمت الشعوب حَسَبَ أبناء نوح الثلاثة: سام وحام ويافث. وهذا تقسيم ديني-أسطوري لا علاقة له بالتصنيف اللّغوي العلمي، بل هو محض تخريف لا يصمد أمام البحث والتحقيق.
أوّل من صاغ هذا المصطلح كان المؤرّخ الألماني لودڤيگ شلوتسير Ludwig von Schlözer في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، حين استعمل لفظة Semitisch (زيميتيش) في حديثه عن اللّغات ذات القرابة بالعبرية. ثمّ تبعه المستعرب الألماني يوهَن گوتفريد أيكهورن Johann Gottfried Eichhorn سنة 1781 حين نشر في لايپتسيگ كتابه “مرجع في الأدب التوراتي والشرقي”، فأورد المصطلح نقلاً عن شلوتسير. وهؤلاء المستشرقون جميعاً كانوا من الطائفة الإنجيليّة، يحاولون تسمية الأشياء المشرقية بأسماء ورثوها عن معتقداتهم المستمدّة من الكتاب المقدّس، دون خبرة محلّيّة في تراث الجزيرة العربيّة، وبتجاهل تام لكلّ ما يتعارض مع الرواية الدينية الإنجيليّة.
ظلّ المصطلح محصوراً في الأدبيات الألمانية حتى سنة 1838، حين ورد في مجلّة “السيّد” الإنگليزية The Gentleman’s Magazine – وهي أوّل مجلّة في العالم – في مقالة لكاتب آيرلندي يستعمل اسماً مستعاراً هو Fior Ghael (الآيرلندي الأصيل). ثمّ اختفى المصطلح ثلاثين سنة ليعود سنة 1870 في “دورية الجمعية الملكية الآسيوية لبريطانيا العظمى وآيرلاند”، على يد المستشرق الألماني كارل إدوارد زاخَو Carl Eduard Sachau – وهو كذلك من الطائفة الإنجيليّة – فانتقل المصطلح من هناك إلى الأدبيات الإنگليزية والأميركية، ثمّ إلى الجامعات الأميركية في المشرق (بيروت والقاهرة والقدس)، التي نقلته إلى اللّغة العربية في أوائل القرن العشرين.
والعجب أنّ أبناء العربية قبلوا هذا المصطلح وداروا في فلكه، حتّى صار في جامعاتهم ومعجماتهم وكتبهم، من غير أن يتفطّنوا إلى أنّهم بذلك يُسلّمون بمنظور ديني توراتي يجعل من لغاتهم تابعاً لتصنيف لا يمتّ إلى الواقع اللّغوي بصلة. أفيُعقل أن نُسمّي عائلة لغوية كبرى بنسبة إلى شخصية أسطورية من معتقد ديني قائم على الإيمان، يمثّل واحدة من ديانات الشرق الأوسط … وبتحويرات غربية كذلك.

في صواب المصطلح البديل: العروبية
أمّا المصطلح “عروبية” فهو مستمدّ من الواقع الجغرافي والتاريخي: من المنطقة العربية التي حدّدها المؤرّخ اليوناني هيرودوت بأنّها المساحة الجغرافية المحصورة ما بين أرمينيا ودجلة والخليج العربيّ وبحر العرب والبحر الأحمر مروراً بالساحل الشرقي للبحر المتوسط حتى هضبة الأناضول. هذه المنطقة هي مهد هذه اللّغات ومنبعها الأوّل.
والعروبة في اللّسان العربي الأصيل لا تعني الفصاحة اللّغوية كما قد يُتوَهّم، بل تعني التمدّن والاستقرار في المدن والقرى. يقول ابن منظور في لسان العرب، ناقلاً عن الأزهري، أنّ العربيّ هو من كان نسبه معروفاً وواضحاً ولو كان في لسانه عجمة (أي ولو لم يكن فصيحاً). في حين يُقال للرجل الفصيح الذي يتحدّث بغير عجمة “معرب” وإن كان عجميّ النسب.
ويخلص ابن منظور من بحثه إلى أنّ “من نزل بلاد الريف واستوطن مدن وقرى العرب فهم عرب، وإن لم يكونوا فصحاء”. أمّا من نزل البادية (الأرض المكشوفة غير المعمورة والمزروعة) فهم أعراب لا عرب، “فمن نزل البادية، أو جاور البادين وظعن بظعنهم، وانتوى بانتوائهم: فهم أعراب”.
المعيار التاريخي للعروبة إذاً هو التمدّن والاستقرار، لا النسب ولا اللّغة. فإعراب الأرض تخطيطها وفتحها، وتعريب الأرض بناءها وتعميرها، والاستعراب الإقامة في المدن، والعرب هم المتمدّنون. وأهل اليمن الأوائل كانوا أهل مدن واستقرار وزراعة وتجارة، فخرج عنهم مفهوم “العرب” أي سكّان المدن والنازعين إلى الاستقرار عن الترحال. وكما كان أوائل أهل اليمن أهل مدن، فكذلك كانت نينوى – عاصمة الحضارة الآشورية – عاصمة شمالية للعرب. فبعد سقوطها على يد بابل والميديّين صار اسمها “باعربايا” منذ القرن السابع قبل الميلاد، وهو اسم عربي صريح يعني “بيت العرب” أو “أرض العرب”.
واسم الموصل الحديث آتٍ من التسمية العربية للقسم الغربي من المدينة غرب دجلة، إذ قالت العرب أوّلاً “الموصل إلى باعربايا” و”خولان الموصل إلى عربايا”، ثمّ صارت المدينة حصنين: نينوى “الحصن الشرقي” والموصل “الحصن الغربي”، فصارت خولان هي الحصن الموصل إلى الحصن الشرقي، ومع الزمن سقطت البقية وبقي الاسم “الموصل”. هذا يؤكد أن التمدّن العربي لم يكن مقتصراً على الجنوب، بل امتدّ في عمق شبه الجزيرة العربية شمالاً حتى أعالي دجلة.
وإذا كانت الجزيرة العربية وبالأخص الهلال الخصيب هي المنشأ الجغرافي الذي انطلقت منه هذه اللّغات – سواء شرقاً إلى العراق أو شمالاً إلى الشام أو غرباً إلى الحبشة – وكانت هذه اللّغات لغات الحضارات المستقرّة والممالك القديمة (السبئية، الحِميريّة، الأگَّدية، الآرامية، الكنعانية)، فإنّ نسبتها إلى هذا المنشأ الحضاري أولى وأحقّ من نسبتها إلى خرافة توراتية. ثمّ إنّ في هذه التسمية تحريراً للعقل من الوصاية الاستشراقية، واستعادة للنظر العربي الأصيل إلى تراثه اللغوي.
في الأصل الجنوبي للّغات العروبية
تنتشر في جنوب شبه الجزيرة العربية سبع لغات قديمة ومهدّدة بالانقراض: الحِميريّة والمهريّة والسُقطريّة والشحريّة (الجِباليّة) والهوبيوت والباثاريّة (البطحرية) والحرسوسيّة. هذه اللّغات السبع أقدم من أغلب اللّغات العروبية، وتُصنّف علميّاً ضمن فرع اللّغات العروبية الشرقيّة مع الأگَّدية والإبلية، برغم وقوع مواطنها في الجنوب العربيّ. وسبب هذا التصنيف هو قرابة قواعد هذه اللّغات السبع القديمة مع الإبلية والأگَّدية.
ولأنّ هذه اللّغات كانت ولم تزل منطوقة فقط ولم توثّق بكتابة، فنحن لا نعلم على وجه اليقين تاريخها ولا ماضي تطوّرها. وقد افترض المستشرقون أنّ الأگَّدية هي الأصل وأنّ هذه اللّغات السبع لا بدّ أن تكون أفرعاً ولهجات عن الأگَّدية، هاجرت جنوباً من العراق.
لكنّ هذا الافتراض يخالف المنطق والحقائق الجغرافية والجيولوجية. فبينما كانت الأقوام الجنوبيّة تُنشئ معابدها وترفع أوابدها في الجنوب العربيّ، كان أغلب العراق لم يزل مغموراً بالماء. ما يعني أنّ مواطن الأگَّدية كانت لم تزل ماءً بغير فرصة لسكن الإنسان، في زمن عاشت فيه شعوب الجنوب العربيّ في مدن وتحدّثت بلغاتها.
يُرجّح بالتالي أنّ هذه اللّغات السبع أقدم في أصولها من اللّغة الأگَّدية، وأنّ هذه الأخيرة هي الفرع المتطوّر عن أصل جنوبيّ لا العكس. وهذا يدعم تسمية مجموعة اللّغات العروبية بهذا الاسم نسبة إلى شبه الجزيرة العربيّة، موطن هذه اللّغات الأصلي.
في تصحيح فهم الفصحى: تحرير من الوهم
وهم الأمومة المطلقة
من أعظم ما رسخ في أذهان الناس – علماؤهم وعوامّهم – أنّ العربية الفصحى هي “أمّ” اللّهجات العربية المعاصرة، وأنّ هذه اللّهجات إنّما هي “فساد” لحق بالفصحى عبر القرون، وأنّه لو أردنا العودة إلى “الأصل النقي” لوجب علينا نبذ “العامّيّات” والتمسّك بالفصحى وحدها. وهذا وهم كبير قد يكون أضرّ بالأمّة من نفعه.
الحقيقة التي تكشفها هذه الدراسة أنّ الفصحى ليست أمّاً لشيء، بل هي أخت للّهجات العربية، أو لنقل بدقّة أكثر: هي بنت الكنانية الجنوبية (لهجة قريش) من زواجها بلغة الشعر العربي (اللّغة الأدبية المشتركة التي تواضع عليها شعراء الجاهلية). وهذا يعني أنّ الفصحى نفسها نتاج تاريخي، لغة صُنعت في زمن محدّد ولسياق محدّد، ثمّ اكتسبت قدسية دينية بنزول القرآن الكريم بها، ثمّ تطوّرت إلى لغة العلم والإدارة في العهود اللّاحقة.
وليس هذا الوهم بريئاً ولا عفويّاً، بل هو جزء من مشروع استشراقي ممنهج لحصر بداية الحضارة العربية في نقطة زمنية محدّدة: إمّا نزول القرآن الكريم، وإمّا بداية العصر العبّاسي حين ازدهرت الفصحى لغة علم وأدب. الغاية من هذا الحصر واضحة: إقناع العرب والعالم بأنّ العرب أمّة مستحدثة لا أصيلة، وأنّهم كانوا قبل الإسلام “بدواً رحّلاً” لا حضارة لهم ولا تاريخ، وأنّ ما بنَوه من حضارة إنّما هو “مستعار” من الفرس والروم والهنود.
يخدم هذا التشويه روايتين متكاملتين: الرواية الاستشراقية التي تريد تقزيم الدور الحضاري العربي وحصره في “نقل” علوم الآخرين لا إبداعها، والرواية الصهيونية التي تريد إثبات أنّ “الساميّين الحقيقيّين” هم بنو إسرائيل أصحاب الحضارة القديمة (بابل وآشور وكنعان)، أمّا العرب فمجرّد “طارئين” على التاريخ جاؤوا بعد الإسلام ليحتلّوا أرض “الساميّين الأصليّين”.
والحقّ أنّ التاريخ العربي في الجزيرة العربية يمتدّ آلاف السنين قبل الإسلام، وأنّ الحضارات الكبرى التي قامت في هذه المنطقة – من الأگَّدية والبابلية في العراق، إلى السبئية والحِميَرية في اليمن، إلى النبيطة في الشام والعراق – كانت كلّها حضارات عروبية اللّسان والانتماء. وهذه الدراسة، حين تُثبت أنّ اللّهجات العربية المعاصرة ليست متحدّرة من الفصحى بل هي موازية لها أو سابقة عليها، إنّما تضرب هذه الرواية المشوّهة في الصميم، وتُعيد للأمّة العربية عمقها التاريخي الحقيقي.
اللّهجات: أصول لا فروع
أمّا اللّهجات العربية المعاصرة – كمثل المضرية والقحطانية واليمانية وغيرها – فهي ليست “انحرافاً” عن الفصحى ولا “تحريفاً” لها، بل هي أصول مستقلّة تطوّرت في مسارات موازية. المضرية مثلاً، التي تشمل كثيراً من لهجات المشرق اليوم، كانت موجودة ومنتشرة قبل الإسلام بقرون، بل قبل ميلاد الفصحى نفسها! فكيف يكون الأقدم فرعاً عن الأحدث؟
هذا يُبطل كلّ تلك الأقاويل التي تزدري اللّهجات وتعدّها “عامّية فاسدة”، وتدعو إلى “تفصيح” الناس قسراً. اللّهجات ليست فساداً، بل هي استمرار طبيعي لمسارات لغوية قديمة، فيها من الغنى والتعبير ما يُضاهي الفصحى، بل قد يفوقها في بعض المجالات. واللّهجة التي يتكلّمها الفلّاح المصري اليوم مثلاً تحمل في طيّاتها ذاكرة ألفي سنة من التطوّر اللّغوي، وفيها من الحكمة والتعبير ما لا يُستهان به.
الفصحى: اختيار تاريخي لا حتمية لغوية
ينبغي أن نفهم أنّ اتّخاذ العرب للفصحى لغة مشتركة في عصر صدر الإسلام لم يكن الخيار الوحيد الممكن، بل كان اختياراً تاريخيّاً محدّداً تمّ في سياق محدّد. كان يمكن – نظرياً – أن تكون اليمانية أو المضرية أو غيرها هي اللّغة المشتركة، لكنّ الظروف التاريخية (نزول القرآن بلسان قريش، ومكانة قريش في الجزيرة، وسيطرة المسلمين من مكّة والمدينة) جعلت الفصحى هي التي سادت.
وهذا لا يُنقص من شأن الفصحى شيئاً – فهي لغة القرآن الكريم، وحافظة التراث، ولسان العلم والأدب – لكنّه يُحرّرنا من وهم “النقاء اللّغوي” ومن ادّعاء أنّ الفصحى هي “اللّغة الطبيعية الأصلية” وأنّ ما عداها انحراف. كلّ اللّغات واللّهجات العربية أصيلة بأصالة أهلها، وكلّها تستحقّ الاحترام والدراسة والحفظ.
في تصحيح النظرة إلى التاريخ
العرب قبل الإسلام: تنوّع لا وحدة
من الأوهام الشائعة أنّ العرب قبل الإسلام كانوا يتكلّمون لغة واحدة هي “العربية الفصيحة”، وأنّ الإسلام جاء فوجدهم على هذه الحال من الوحدة اللّغوية. والحقّ أنّ بلاد العرب قبل الإسلام كانت تموج بالتنوّع اللّغوي واللّهجي، وأنّ الشعوب والقبائل كانت تتكلّم لهجات متباينة أحياناً إلى حدّ صعوبة التفاهم.
لم تكن هناك “عربية فصيحة” يتكلّم بها الناس في بيوتهم وأسواقهم، بل كانت هناك لهجات قبلية: التميمية، والأزدية، والحجازية، والقحطانية، وغيرها. أمّا “لغة الشعر العربي” فكانت لغة أدبية مصطنعة تواضع عليها الشعراء لغة وسط للتفاهم والتنافس في المحافل، وهي بمنزلة “لهجة بيضاء” وسطى بين اللّهجات المختلفة، يفهمها المتأدّبون لكنّها لم تكن لغة الحياة اليومية.
لم “يوحّد” الإسلام لغة العرب بقدر ما اختار إحدى اللّهجات (القرشية الممزوجة بلغة الشعر) وجعلها لغة الدين والدولة، ثمّ انتشرت هذه اللّغة مع الفتوحات. لكنّ اللّهجات الأخرى لم تمت، بل استمرّت وتطوّرت، وهي اليوم حيّة في أفواه الناس.
ومن أعجب الشواهد على هذا التنوّع اللّهجي القديم ما نجده اليوم في الصين، حيث يحتفظ مسلمو الخُوِي (الهوي) – وخاصّة أتباع مذهب گَديمو (قَديم) الإسلامي – بلهجة عربية وصلت إليهم مع الموجات الأولى من التجّار والدعاة العرب في القرن السابع الميلادي، قبل أن تتبلور الفصحى بشكلها النهائي في العصر العباسي.
هذه اللّهجة – التي يسمّيها أتباعها “العربية الصحيحة” ويعتقدون أنّ الفصحى الحالية انحرفت عنها – تحمل خصائص صوتية ونحوية تشبه اللّهجات الظعنية الشامية القديمة:
- نون الجمع بدل الميم الساكنة: يقولون “عليكُن” بدلاً من “عليكُم”
- الواو بدل التنوين: “قَيْبُلُو” بدلاً من “قَبُولٌ”
- الگاف\الگيم بدل القاف: كما في اللّهجات المضرية الحضرية
- الهمزة بدل أل التعريف: كما في بعض اللّهجات الظعنية والحسّانية
- الإمالة: نطق الألف مائلة نحو الياء، “سَيْلِيمُ” بدلاً من “سَلامُ”
والمفارقة المذهلة أنّ هذه اللّهجة تجمّدت في الصين لأنّ مسلمي گَديمو حفظوها في مساجدهم ومدارسهم الدينية (نظام چينگتانگ چياوهو – تعليم قاعة الكتب المقدّسة) وتوارثوها جيلاً بعد جيل دون تغيير كبير، في حين أنّ نفس اللّهجة تطوّرت وتغيّرت في موطنها الأصلي في الشام والحجاز! فصارت اللّهجة الصينية اليوم أقرب إلى العربية الأموية من اللّهجات الشامية المعاصرة نفسها.
يكشف لنا هذا المثال حقيقة مهمّة: التنوّع اللّهجي ليس “فساداً” حديثاً طرأ على الفصحى، بل هو الحالة الطبيعية للعربية منذ القدم. والفصحى نفسها لم تكن لغة الحديث اليومي قط، بل كانت – ولا تزال – لغة أدبية ودينية وإدارية. أمّا الناس في بيوتهم وأسواقهم فكانوا يتكلّمون لهجاتهم المحلّية، سواء في مكّة القرن السابع أو في گوانگتشو اليوم.
الفتوحات والهجرات: تعقيد لا تبسيط
من الأخطاء الشائعة تصوّر أنّ الفتوحات الإسلامية “نشرت العربية الفصحى” في الأمصار المفتوحة، وأنّ اللّهجات الحالية في الشام ومصر والعراق والمغرب كلّها متحدّرة من الفصحى التي جاء بها الفاتحون. والحقيقة أعقد من ذلك بكثير.
لم يكن الفاتحون أنفسهم يتكلّمون “فصحى”، بل كان كلّ فريق منهم يتكلّم لهجته الشعبية والقبلية: فأهل نجد جاؤوا بالتميمية، وأهل اليمن بالقحطانية، وأهل الحجاز بالكنانية، وهكذا. ثمّ إنّ هذه اللّهجات اختلطت بعضها ببعض، واختلطت باللّغات المحلّية الموجودة (الآرامية في الشام والعراق، القبطية في مصر، الفينيقية في المغرب)، فنتج عن ذلك مزاج لغوي معقّد هو ما نسمّيه اليوم “اللّهجات العربية”.
واللّافت في هذه الدراسة أنّها توثّق موجات الهجرة المضرية قبل الإسلام بقرون، فتُثبت أنّ كثيراً من “اللّهجات العربية” الحالية في المشرق ومصر إنّما هي استمرار لهجرات قديمة جدّاً، بعضها يعود إلى العهد الأشوري (القرن السابع قبل الميلاد) أو الإخميني (القرن السادس قبل الميلاد). فاللّغة التي يتكلّمها أهل الدلتا اليوم مثلاً لها جذور تمتدّ إلى العصر الأشوري حين استعمل حاكم نينوى القبائل المضرية لفتح مصر!
هذا يعني أنّ التاريخ اللّغوي للمشرق العربي أعمق بكثير ممّا نتصوّر، وأنّ الإسلام لم يكن “بداية” التاريخ العربي في هذه الأصقاع، بل كان فصلاً مهمّاً في تاريخ طويل ومعقّد.
في الهوية العربية المعاصرة: تحرير من التضييق
من “النقاء” إلى “التنوّع”
إحدى أخطر الأفكار التي سمّمت الوعي العربي المعاصر هي فكرة “النقاء اللّغوي”، التي تزعم أنّ هناك “عربية صحيحة” واحدة هي الفصحى، وأنّ ما عداها “فساد” و”لحن” ينبغي القضاء عليه. وقد أدّت هذه الفكرة إلى ازدراء اللّهجات المحلّية، ومحاولة فرض الفصحى في كلّ مجالات الحياة، بل وإلى شعور كثير من العرب بالدونية تجاه لغتهم اليومية، فضُربت الهوية العربية في الصميم حين صار كلّ عربيّ ينظر إلى نفسه أنّه خطأ يحتاج إلى تصويب.
هذه الدراسة تُحرّرنا من هذا الوهم، وتُرينا أنّ التنوّع اللّغوي هو الأصل، وأنّه ليس عيباً بل ثروة. ليست اللّهجات العربية المتنوّعة “فساداً” بل هي أوعية ثقافية حيّة، كلّ منها يحمل تاريخاً وذاكرة وطريقة فريدة في رؤية العالم. حين يتكلّم اليمني بالمهرية أو السقطرية، فهو لا يتكلّم “عربية فاسدة”، بل يتكلّم لغة مستقلّة لها تاريخ يمتدّ آلاف السنين، وفيها من الخصائص اللّغوية ما لا نجده في الفصحى.
وحين يتكلّم الشامي أو المصري أو المغربي بلهجته، فهو يستعمل أداة تواصل طبيعية تطوّرت عبر قرون، ولها قواعدها الخاصّة ومعجمها الخاصّ وجماليّاتها الخاصّة. ليست اللّهجة “عربية ناقصة”، بل هي لسان كامل له وظائفه واستعمالاته.
الفصحى والعامّية: تكامل لا صراع
المشكلة الكبرى في الخطاب العربي المعاصر أنّه يضع الفصحى والدارجات في موضع الصراع: إمّا هذه أو تلك، إمّا الفصحى “النقية” أو “الانحدار” إلى “العامّية”. وهذا تصوّر خاطئ يقوم على وهم النقاء اللّغوي وعلى عدم فهم وظائف اللّغة.
الواقع أنّ الفصحى والدارجات تتكامل، ولكلّ منهما مجاله: الفصحى للكتابة الرسمية، والأدب الراقي، والخطاب الديني، والتواصل بين أبناء الأقطار المختلفة. والدارجات للحياة اليومية، والتعبير العفوي، والإبداع الشعبي، والتواصل الحميم. وكثير من العرب اليوم يعيشون في ثنائية لغوية طبيعية وصحّية، يتنقّلون بين الفصحى والدارجة حَسَبَ السياق، من غير أن يشعروا بتناقض.
المشكلة تبدأ حين نحاول فرض إحداهما على حساب الأخرى. حين نفرض الفصحى في مجالات لا تصلح لها (كمثل الترفيه والحوار اليومي)، أو حين نحاول القضاء على الدارجات ومنع استعمالها. يؤدّي هذا القسر إلى نفور الناس من الفصحى (لأنّها تبدو لهم مفروضة ومصطنعة)، وإلى شعورهم بالدونية تجاه لغتهم الأمّ (لأنّها محتقرة رسميّاً) ويمتدّ هذا الشعور إلى الدونية اتّجاه هويّتهم برمّتها.
الحلّ هو الاعتراف بمشروعية الاثنتين، وبأنّ لكلّ منهما دورها ووظيفتها. الفصحى لغة الثقافة الرسمية والتواصل العربي العامّ، والدارجات لغة الحياة والهوية المحلّية. وهذا العيش المشترك ليس ضعفاً بل قوّة، وليس مشكلة بل حلّ.
في اللّغات المهدّدة: واجب الحفظ
السقطرية والمهرية: كنوز على حافّة الانقراض
من أخطر ما تكشفه هذه الدراسة أنّ كثيراً من اللّغات العروبية على وشك الانقراض، ولا أحد يُعير ذلك اهتماماً. العربية الجنوبية الحديثة – المهرية والسقطرية والشحرية وأخواتها – يتكلّمها اليوم أقلّ من ثلاثمائة ألف نسمة، والعدد في تناقص مستمرّ. الأجيال الجديدة تترك لغات آبائها وتتحوّل إلى العربية الفصحى أو إلى اللّهجات الحضرية، ظنّاً منها أنّ لغات الآباء “متخلّفة” أو “غير نافعة”.
هذا خطأ فادح وخسارة لا تُعوّض. ليست هذه اللّغات مجرّد “لهجات محلّية”، بل هي لغات مستقلّة ذات أنظمة نحوية وصوتية فريدة، وهي حافظة لتاريخ لغوي يمتدّ آلاف السنين. حين تموت المهرية، لا نخسر “لهجة” بل نخسر نافذة على مرحلة قديمة جدّاً من تطوّر اللّغات العروبية. تحتفظ المهرية بأصوات وتراكيب اندثرت من كلّ اللغات العروبية الأخرى، وهي بهذا المعنى “أحفورة لغوية حيّة”.
والسقطرية – لغة جزيرة سقطرى اليمنية – تمثّل حالة فريدة من العزلة الجغرافية التي حفظت لها خصائص أركيولوجية بالغة الأهمّية. لكنّ الجزيرة اليوم تشهد تحوّلات سريعة، والأجيال الشابّة تترك السقطرية لصالح العربية، وإذا لم تتمّ جهود التوثيق والحفظ عاجلاً، فإنّ هذه اللّغة ستموت في غضون جيل أو جيلين.
الآرامية: آخر الناطقين
من اللّغات العروبية الشمالية، لم يبق حيّاً إلّا الآرامية في بعض جيوبها المتناثرة: معلولا وجوارها في جبال القلمون بسوريا (حيث تقع الأكاديمية الآرامية الوحيدة في الشرق الأوسط)، وقرى في العراق وتركيا. تمثّل هذه الجيوب الصغيرة آخر ما تبقّى من لغة كانت يوماً لغة التجارة والدبلوماسية في كلّ الشرق الأدنى، ولغة المسيح، ولغة التلمود والترجوم.
لكنّ هذه اللّغة تشهد اليوم انحساراً متسارعاً. فمعظم الناطقين بالآرامية هم من كبار السنّ، والأجيال الجديدة تتحوّل إلى اللّغات واللّهجات الأوسع انتشاراً (العربية الفصحى واللّهجات الحضرية). وهذا التحوّل طبيعي في مجتمعات صغيرة معزولة: حين يكون عدد المتحدّثين محدوداً جدّاً، يصعب على اللّغة الاستمرار في مواجهة ضغوط التعليم والعمل والزواج المختلط والهجرة الداخلية. تواجه الآرامية أيضاً ضغوطاً من جهات إقليمية معيّنة تسعى لتهميشها (كمثل الأكراد والفرس). ويشبه هذا الوضع تماماً ما تعانيه المهرية والسقطرية جنوب الجزيرة العربية.
حين يموت آخر متكلّم للآرامية، ستموت معه ألفا سنة من التاريخ والذاكرة. ستموت لغة المسيح، ولغة التلمود، ولغة نصف تراث الشرق القديم. وهذه خسارة للبشرية جمعاء، لا للعرب وحدهم.
### اللّهجات اليهودية العربية: ذاكرة منقطعة
اللّهجات العربية اليهودية – كمثل اليهودية البغدادية واليهودية الموصلية واليهودية العمادية – كانت تمثّل ثروة لغوية فريدة، لأنّها حفظت خصائص قديمة اندثرت من اللّهجات المجاورة. كان اليهود العراقيون والشاميّون والمغاربة يتكلّمون لهجات عربية خاصّة بهم، فيها مزاج من العربية والآرامية والعبرية الأصلية، وفيها من الأصالة والعراقة ما يفوق كثيراً من اللّهجات الحضرية.
لكنّ هذه اللّهجات شبه منقرضة اليوم. بعد هجرة اليهود من البلاد العربية في منتصف القرن العشرين، انقطعت هذه اللّهجات عن بيئتها الطبيعية. والأجيال الجديدة في فلسطين لا تتعلّمها، بل تتكلّم العبرية الحديثة. ولم تُبذل جهود جادّة لتوثيق هذه اللّهجات قبل موت آخر ناطقيها.
هذا يعني أنّ جزءاً من الذاكرة اللّغوية العربية قد ضاع إلى الأبد، وأنّنا خسرنا مصدراً ثميناً لفهم تطوّر العربية. لو كانت هناك جهود منظّمة لتوثيق هذه اللّهجات في الأربعينيّات والخمسينيّات، لكان لدينا اليوم كنز من المعلومات اللّغوية. لكنّ الفرصة ضاعت، واللّه المستعان.
في واجب الأمّة: حفظ التراث اللّغوي
التوثيق: أولى الواجبات
أوّل ما ينبغي فعله هو التوثيق الشامل لكلّ اللغات واللّهجات العربية الحيّة، قبل أن يفوت الأوان. ينبغي إرسال باحثين إلى كلّ منطقة، لتسجيل اللّهجات المحلّية، وجمع المفردات، وتوثيق القواعد النحوية، وحفظ الأمثال والأغاني والحكايات. لا يحتمل هذا العمل التأجيل، لأنّ كلّ يوم يموت فيه ناطق بلغة مهدّدة يعني ضياع جزء من الذاكرة إلى الأبد.
وينبغي أن يكون التوثيق علميّاً ومنهجيّاً، لا مجرّد جمع عشوائي للمفردات. ينبغي دراسة الأنظمة الصوتية والنحوية والصرفية، ومقارنة اللّهجات بعضها ببعض، وتتبّع التطوّرات التاريخية. وينبغي استخدام التقنيات الحديثة في التسجيل والتحليل والحفظ.
التعليم: حفظ اللّغات الحيّة
لا يكفي التوثيق، بل لا بدّ من الحفاظ على اللّغات الحيّة من طريق التعليم. ينبغي إنشاء برامج لتعليم اللّغات المهدّدة للأطفال، وإدخالها في المناهج المدرسية في مناطقها، وتشجيع استعمالها في الإعلام والثقافة. يجب أن يشعر الناطقون بهذه اللّغات بالفخر بلغاتهم، لا بالخجل منها.
في اليمن مثلاً، ينبغي أن تُدرّس المهرية والسقطرية في المدارس المحلّية في مناطق المهرية والسقطرية، وأن تُستخدم في الإذاعات والتليفزيونات المحلّية، وأن تُكتب بها الكتب والقصص. وينبغي أن يشعر المهري بأنّ لغته جزء من هويّته الوطنية، وأنّها مقبولة مجتمعيّاً وليست عائقاً بل ميزة.
وفي تركيا وسوريا والعراق، ينبغي دعم الناطقين بالآرامية، وتوفير البرامج التعليمية لهم، وحمايتهم من الاضطهاد والتهجير. الآرامية ليست “لغة أقلّية”، بل هي واحدة من لغات العرب العظمى، وهي جزء من التراث الإنساني العامّ، وحفظها واجب على الجميع.
السياسات اللّغوية: عدالة ومرونة
ينبغي على الدول العربية أن تتبنّى سياسات لغوية أكثر عدلاً ومرونة، تعترف بالتنوّع اللّغوي وتحترمه. لا يمكن أن نستمرّ في سياسة “الفصحى أو لا شيء”، التي تهمّش اللّهجات المحلّية وتعدّها “فساداً”. أثبتت هذه السياسة فشلها، وأدّت إلى نفور الناس من الفصحى ومن اللّغة العربية عموماً.
السياسة الصحيحة هي الاعتراف بأنّ الفصحى لغة التواصل العامّ والثقافة الرسمية، وأنّ اللّهجات المحلّية لغة الحياة اليومية والهوية الخاصّة، وأنّ الاثنتين تتكامل ولا تتناقض. ينبغي السماح باستعمال اللّهجات في المجالات التي تصلح لها (مثل الترفيه والإعلان والأدب الشعبي)، مع الحفاظ على الفصحى في المجالات التي تحتاج إليها (كمثل التعليم العادي والعالي والإدارة والتواصل بين الأقطار).
وينبغي تخصيص موارد كافية لحفظ اللّغات المهدّدة، من طريق مراكز البحث، والبرامج التعليمية، والمنح الدراسية، والمشاريع الثقافية. هذا استثمار في الهوية والذاكرة، وهو أجدى من كثير من الاستثمارات المادّية.
في معنى الهوية: تنوّع لا أحادية
الهوية العربية: طيف لا نقطة
من أخطر ما أصاب الوعي العربي المعاصر هو اختزال الهوية العربية في “نموذج” واحد: العربي الناطق بالفصحى، المنتمي إلى قريش (أو إلى الجزيرة عموماً)، “البدوي”، المتديّن بالإسلام. وكلّ من خرج عن هذا النموذج عُدّ “أقلّ عروبة” أو “منحرفاً” أو “مُستعرَباً” (وكأنّ الاستعراب عيب!).
تُحرّرنا هذه الدراسة من هذا الاختزال، وتُرينا أنّ الهوية العربية طيف واسع لا نقطة واحدة. العروبة ليست حكراً على من يتكلّم الفصحى، ولا على من ينتسب إلى قريش، ولا على من يدين بالإسلام. العروبة انتماء حضاري ولغوي واسع، يشمل كلّ من تكلّم بلغة عروبية – سواء كانت فصحى أو دارجة أو مهرية أو سقطرية أو آرامية – ويعتزّ بهذا الانتماء.
المهري في ظفار عربيّ، حتّى لو لم يتكلّم الفصحى بطلاقة. والآشوري في العراق عربيّ (إن أراد)، حتّى لو كان يتكلّم الآرامية ويدين بالمسيحية. والبربري في المغرب عربيّ (إن أراد)، حتّى لو كان يتكلّم البربرية. العروبة ليست عرقاً ولا دماً، بل هي حضارة وانتماء واختيار.
في ضرورة التواضع المعرفي
تُعلّمنا هذه الدراسة درساً مهمّاً في التواضع المعرفي: أن نعترف بأنّ ما لا نعرفه عن تاريخنا اللّغوي أكثر بكثير ممّا نعرفه، وأنّ كثيراً ممّا ظننّاه “حقائق مسلّمة” إنّما هو أوهام ورثناها من الاستشراق أو من التبسيط الأيديولوجي.
كنّا نظنّ أنّ “السامية” مصطلح علمي محايد، فإذا به من وضع الاستشراق التوراتي. كنّا نظنّ أنّ الفصحى “أمّ” العاميّات، فإذا بها أخت لها أو ابنة عمّ. وكنّا نظنّ أنّ اللّهجات “فساد”، فإذا بها أصول مستقلّة. كنّا نظنّ أنّ العروبة بدأت مع الإسلام، فإذا بها تمتدّ آلاف السنين قبله.
هذا التواضع المعرفي ضروري لكي نتحرّر من الأوهام، ولكي نفتح عقولنا لما قد يأتي من دراسات جديدة تُصحّح فهمنا. فليس العلم جامداً، بل هو في تطوّر مستمرّ، وما نعرفه اليوم قد يتغيّر غداً. المهمّ أن نبقى منفتحين، وألّا نتعصّب لآراء موروثة لمجرّد أنّها موروثة.
خاتمة: نحو وعي لغوي جديد
ليست هذه الدراسة مجرّد “تصنيف لغوي”، بل هي دعوة إلى ثورة في الوعي اللّغوي العربي. دعوة إلى التحرّر من الاستشراق، ومن وهم النقاء اللّغوي، ومن احتقار اللّهجات، ومن اختزال الهوية. دعوة إلى فهم أعمق وأشمل لتاريخنا اللّغوي، وإلى احترام التنوّع، وإلى حفظ التراث المهدّد.
لن تكون الأمّة العربية قويّة ومتماسكة بقمع التنوّع اللّغوي، بل بالاحتفاء به. لن تكون هويّتنا أقوى بفرض الفصحى في كلّ مجال، بل بإيجاد التوازن الصحيح بين الفصحى والدارجات. لن نحفظ تراثنا بالتمسّك بالأوهام، بل بمواجهة الحقائق التاريخية بشجاعة وأمانة.
والله تعالى يقول: “وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ” (الروم: ٢٢). فاختلاف الألسنة آية من آيات الله، ورحمة للعالمين، وليس عيباً ولا نقصاً. ولعلّ في هذه الدراسة ما يُعيننا على فهم هذه الآية حقّ الفهم، وعلى التعامل مع تنوّعنا اللّغوي بوصفه نعمة لا نقمة، وثروة لا عبئاً.
المراجع والمصادر
- Hetzron, Robert (ed.). 1997. The Semitic Languages. Routledge Language Family Descriptions. London & New York: Routledge. المرجع الأساسي لتصنيف اللغات السامية الذي اعتمد عليه التصنيف الحديث
- Faber, Alice. 1997. “Genetic Subgrouping of the Semitic Languages”. In: Robert Hetzron (ed.), The Semitic Languages, pp. 3-15. London & New York: Routledge.
- Huehnergard, John & Aaron D. Rubin. 2011. “Phyla and Waves: Models of Classification of the Semitic Languages”. In: Stefan Weninger, Geoffrey Khan, Michael P. Streck, Janet C. E. Watson (eds.), The Semitic Languages: An International Handbook, pp. 259-278. Berlin: De Gruyter Mouton.
- Kitchen, Andrew, Christopher Ehret, Shiferaw Assefa & Connie J. Mulligan. 2009. “Bayesian Phylogenetic Analysis of Semitic Languages Identifies an Early Bronze Age Origin of Semitic in the Near East”. Proceedings of the Royal Society B: Biological Sciences 276(1668): 2703-2710. https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC2839953/
- Weninger, Stefan, Geoffrey Khan, Michael P. Streck & Janet C. E. Watson (eds.). 2011. The Semitic Languages: An International Handbook. Berlin: De Gruyter Mouton.
- Versteegh, Kees (ed.). 2006-2009. Encyclopedia of Arabic Language and Linguistics. 5 volumes. Leiden: Brill.. يتضمن مدخل “Qəltu Arabic” المذكور في النص
- Holes, Clive. 2004. Modern Arabic: Structures, Functions, and Varieties. Revised Edition. Washington, D.C.: Georgetown University Press.
- Watson, Janet C. E.. 2002. The Phonology and Morphology of Arabic. Oxford: Oxford University Press.
- Owens, Jonathan (ed.). 2013. The Oxford Handbook of Arabic Linguistics. Oxford: Oxford University Press.
- Zaidan, Omar F. & Chris Callison-Burch. 2014. “Arabic Dialect Identification”. Computational Linguistics 40(1): 171-202. https://direct.mit.edu/coli/article/40/1/171/1458/
- Ben-Yehuda, Eliezer. 1908-1959. A Complete Dictionary of Ancient and Modern Hebrew (מילון הלשון העברית הישנה והחדשה). 17 volumes. Jerusalem & Tel Aviv.
- Fellman, Jack. 1973. The Revival of a Classical Tongue: Eliezer Ben Yehuda and the Modern Hebrew Language. The Hague: Mouton.
- Zuckermann, Ghil’ad. 2003. Language Contact and Lexical Enrichment in Israeli Hebrew. Houndmills: Palgrave Macmillan.
- St. John, Robert. 1952. Tongue of the Prophets: The Life Story of Eliezer Ben Yehuda. Garden City, NY: Doubleday.
- Sáenz-Badillos, Angel. 1993. A History of the Hebrew Language. Cambridge: Cambridge University Press.
- Grayson, A. Kirk. 1991. “Assyria: Ashur-dan II to Ashur-nirari V (934-745 BC)”. In: John Boardman et al. (eds.), The Cambridge Ancient History, Vol. III, Part 1: The Prehistory of the Balkans, the Middle East and the Aegean World, Tenth to Eighth Centuries B.C., 2nd edition, pp. 238-281. Cambridge: Cambridge University Press.
- Wiseman, D. J.. 1993. “Assyria and Babylonia c. 1200-1000 BC”. In: John Boardman et al. (eds.), The Cambridge Ancient History, Vol. III, Part 2, 2nd edition, pp. 443-481. Cambridge: Cambridge University Press.
- Younger, K. Lawson Jr.. 2016. A Political History of the Arameans: From Their Origins to the End of Their Polities. Atlanta: SBL Press.
- Moscati, Sabatino (ed.). 1964. An Introduction to the Comparative Grammar of the Semitic Languages: Phonology and Morphology. Wiesbaden: Otto Harrassowitz.
- Brockelmann, Carl. 1908-1913. Grundriss der vergleichenden Grammatik der semitischen Sprachen. 2 volumes. Berlin: Reuther & Reichard.
- Lipínski, Edward. 2001. Semitic Languages: Outline of a Comparative Grammar. 2nd edition. Leuven: Peeters.
- Al-Jallad, Ahmad. 2015. An Outline of the Grammar of the Safaitic Inscriptions. Leiden: Brill.
- Blau, Joshua. 2010. Phonology and Morphology of Biblical Hebrew: An Introduction. Winona Lake: Eisenbrauns.
- Ethnologue: Languages of the World. SIL International. https://www.ethnologue.com
- Encyclopedia of Arabic Language and Linguistics Online. Brill. https://referenceworks.brillonline.com/browse/encyclopedia-of-arabic-language-and-linguistics





اترك رد