قراءة في كتاب بروس ماستز: “عرب السلطنة العثمانية 1516-1918: تاريخ المجتمع والتراث”. والعنوان الأصلي للكتاب: The Arabs of the Ottoman Empire, 1516-1918 A Social and Cultural History by Bruce Masters, Cambridge University Press 2013.
أنهيت أمس قراءة كتاب “عرب السلطنة العثمانية” الصادر عن جامعة كامبردج. وهذا الكتاب مهمّ جداً، برأيي. فهو يكشف الكتاب تاريخ أربع قرون غيّرت مجتمعاتنا العربية. ويصحّح نظرتنا المشوّهة لتاريخنا العثماني، ويعترف بدور فرنسا وبريطانيا في تشويه نظرة العرب للعثمانيين وكذلك نظرة أتراك الأناضول للعرب. فعلاقة أجدادنا بالسلطنة العثمانية كانت أعمق من مجرّد علاقة احتلال بشعب محتل. وعاش أسلافنا في نظام اجتماعي متكامل، وشارك علماؤنا وأعياننا في إدارة شؤون مدننا.
يفنّد الكتاب سردية “المؤرّخين” القوميّين التي صوّرت العرب ضحايا للأتراك. ويستخدم المؤلّف وثائق المحاكم الشرعية والأرشيف العثماني ليظهر تعقيد العلاقة بين العرب والعثمانيّين. ويوضح دور العلماء المسلمين في منح الشرعية للسلطنة، ودور الأعيان في الوساطة بين السلطة المركزية والمجتمعات المحلية.
يوضح ماستز كيف أنّ العرب هم من منح الأسرة العثمانية قاعدتها الشعبية وشرعيّتها للحكم في البلاد العربية وكذلك في البلاد المسلمة غير العربية، ولا سيّما التركية، التي كانت من أراضي الإمبراطورية العثمانية. وهذا يعاكس الپروپاگاندا القوميّة السائدة التي تصوّر السلطنة العثمانية حكم تركي للعرب.
يبيّن الكتاب كيف حافظ العرب على تراثهم وتقاليدهم في ظلّ الحكم العثماني. في حين تميّز موقفهم عن بقية شعوب السلطنة بسبب تراثهم المتطوّر في الأدب والسياسة والدين. ويشرح الكتاب أسباب تدهور العلاقة في أواخر عهد السلطنة، وظهور القوميّة التركيّة، وتأثير سياسات المركزيّة على المجتمعات العربية.
يساعدنا فهم هذه الحقبة على فهم واقعنا المعاصر. فالكثير من مؤسّساتنا الاجتماعية والتراثية والقانونية تشكّلت في العهد العثماني. وتتيح دراسة هذه الفترة فهماً أفضل لتطوّر مجتمعاتنا وعلاقاتنا بتركيا والعالم.

تلخيص
يتناول كتاب بروس ماسترز فترة مهمّة من تاريخ العرب تحت الحكم العثماني. والنقاط الرئيسية التي يغطّيها الكتاب تشمل:
- التغيّرات الاجتماعية والثقافية التي طرأت على المجتمعات العربية خلال الحكم العثماني.
- العلاقة بين السلطة العثمانية والمجتمعات العربية المحلّية.
- تطوّر الهويّات المحلّية والإقليمية خلال هذه الفترة.
- التحوّلات الاقتصادية وتأثيرها على البنية الاجتماعية.
- دور المؤسّسات الدينية والتعليمية في المجتمع.
- تأثير الإصلاحات العثمانية (التنظيمات) على المجتمعات العربية.
يميّز الكتاب نفسه بتركيزه على الجوانب الاجتماعية والثقافية بدلاً من التركيز فقط على الأحداث السياسية والعسكرية.
القراءة
يتناول الكتاب أحوال العرب تحت الحكم العثماني من عام 1516 إلى 1918. ويستعرض المؤلّف العلاقة المعقّدة بين السلطنة العثمانية والعرب، ويوضح تجاوز هذه العلاقة مجرّد علاقة حاكم بمحكوم. إذ ساهم العلماء العرب المسلمون السنة والأعيان العرب في ترسيخ الحكم العثماني. وشرّع العلماء العرب شرعية السلطنة كحكم إسلامي، وبرز الأعيان العرب كطبقة سياسية واقتصادية مؤثّرة في المدن العربية عبر علاقاتهم بالدولة.
تفاعل العرب مع الدولة العثمانية بطريقة مختلفة عن بقية الشعوب الخاضعة لها، فالمسلمون السنة من العرب رأوا في السلطان العثماني حاكماً شرعياً. واحتفظ العرب بتراثهم المتميّز وتقاليدهم الخاصّة، ممّا أعطاهم منظوراً متعدّد الأبعاد تجاه حكامهم. وأقرّ العرب بحقّ السلطنة في ولائهم السياسي، وحافظوا على ثقتهم بدورهم كحماة لتراث يساوي أو يفوق تراث السلطان وبلاطه في القسطنطينية.
سادت هذه النظرة حتى أواخر القرن التاسع عشر، عندما توقّفت السلطنة (تحت الإدارة الفرنسية-البريطانية) عن تمثيل الأمن والاستقرار، وظهرت هويّات سياسية جديدة قائمة على الإثنية. وانتهت العلاقة بين السلطنة والعرب ليس بسبب تشكيك العرب في علاقتهم التاريخية بالسلطنة، بل لأنّ السلطنة نفسها غيّرت توقّعاتها منهم، خاصّة بعد تبنّي القومية التركية وسياسة المركزية بعد انقلاب عام 1908.

يبدأ المؤلّف كتابه بحادثتين تظهران نظرة العرب المتناقضة للإمبراطورية العثمانية في القرن الحادي والعشرين. إذ هدمت المملكة العربية السعودية عام 2002 قلعة أجياد العثمانية في مكّة المكرمة، فأثار ذلك غضب الأتراك وطالبوا بإدانة دولية للفعل. أمّا الحادثة الثانية فتمثّلت في هجوم إسرائيل على سفينة مرمرة التركية عام 2010، فتعاطف العرب مع تركيا ورأى بعض المعلّقين العرب عودة العلاقات التركية العربية إلى سابق عهدها.
سيطرت السلطنة العثمانية على معظم المناطق العربية أربع قرون. وأظهرت الدراسات التاريخية الحديثة تعقيد العلاقة بين العرب والعثمانيّين. فسّر المؤلّف استمرار الحكم العثماني بعوامل عديدة، فازدهرت طبقة التجار في القرن الأول بعد الفتح، وكسب ملّاك الأراضي في القرنين التاسع عشر والعشرين ثروات وسلطة. وشكّل الولاء الديني عاملاً مهمّاً في قبول العرب السنّة للحكم العثماني، فربط علماؤهم مصير الإسلام بمصير السلطنة.
اختلف وضع العرب عن بقية شعوب السلطنة، فورثوا تراثاً متطوّراً في الأدب والسياسة والدين. وتعلّم قلّة منهم اللّغة التركية في القرون الثلاثة الأولى للحكم العثماني. ونظر العلماء السنّة العرب إلى السلاطين كمسلمين مثلهم، لكنّهم فهموا التراث الديني المشترك بطريقة مختلفة.

تغيّرت العلاقة في القرن التاسع عشر مع ظهور القومية التركية وسياسات المركزية بتأثير من الصراع الروسي-البريطاني (الفرنسي) على ممتلكات السلطنة. وشعر المفكّرون العرب المسلمون بتهميشهم وإخضاعهم للطموحات القوميّة التركيّة. وانتهت السلطنة في المناطق العربية عام 1918 بانسحاب الجيش العثماني. فترك هذا الانسحاب فراغاً سياسياً صعب الملء، فلم يتخيّل معظم العرب مستقبلاً خارج السلطنة.
يظهر الكتاب عجز المؤرّخين القوميّين العرب في القرن العشرين عن فهم علاقة أسلافهم بالعثمانيّين. إذ صوّروا العرب ضحايا للحكم التركي، وربطوا بين الاحتلال العثماني والاستعمار الأوروپي. وخلقوا سردية تاريخية بدأت بتدمير المغول لبغداد عام 1258 واستمرّت حتى ثورة جمال عبد الناصر.
أرشد بحث المؤرّخين في سجلات المحاكم الإسلامية والوثائق العثمانية إلى فهم جديد لتلك الحقبة. وصوّرت المصادر العربية المعاصرة للفتح العثماني السلاطين كغرباء غير أجانب. وقاد السلطان سليم الصلاة في مساجد حلب ودمشق والقاهرة بعد فتحها، فسجّل المؤرّخون العرب استحسانهم لهذا الفعل. واستبدل الفتح العثماني سلطاناً بآخر دون تغيير جذري في النظام الاجتماعي.

برز دور طبقتين اجتماعيّتين من العرب في ترسيخ الحكم العثماني: العلماء السنة والأعيان. منح العلماء شرعية دينية للحكم، وتولّى الأعيان الوساطة بين السلطة المركزية ومصالح سكّان المدن. وساعد قبول الطبقتين بحقّ آل عثمان في الحكم على سيطرة السلطنة على مناطق شاسعة.
ميّز العثمانيّون العرب عن غيرهم من رعاياهم. وخاطب العلماء السنة العرب السلطنة بلغة سياسية مختلفة عن المسلمين غير العرب أو جيرانهم غير المسلمين. فرأى المؤرّخون العرب أنفسهم حماة للتراث العربي وتقاليده، وعدّوه مساوياً لتراث السلطان وبلاطه أو متفوقاً عليه.
استخدم المؤلّفون العرب مصطلح “الروم” للإشارة إلى العثمانيّين، وأطلقوه على المسلمين الناطقين بالتركية في الأناضول وعلى موظّفي السلطان من البلقان والقوقاز. وشاع استخدام مصطلح “العثماني” في القرن الثامن عشر، وعاد مصطلح “الترك” في القرن التاسع عشر مع صعود الهويّات العرقيّة.
رسّخت أربع قرون من الحكم العثماني تأثيرات سياسية وتقاليد راسخة في المناطق العربية. واختلفت نظرة العثمانيّين إلى العرب فلم يقطعوا بتحديد هويّتهم. وأطلق العثمانيّون (رسميّاً) لفظ “عرب” على البدو وسكّان الجزيرة العربية والأفارقة المستعبدين. وعبّر الرحالة العثماني أوليا چلبي عن دهشته من تحدّث المسيحيّين الروم في صيدا باللّغة العربية. إذ كانت النظرة السائدة أنّ لغة “الروم” هي التركية.
سمّى العثمانيّون المناطق العربية “بلاد العرب” (عربستان) لكن حدودها ظلّت غامضة في تصوّرهم الجغرافي. وشملت شبه الجزيرة العربية والهلال الخصيب والموصل. ومنحوا العراق ومصر واليمن والمغرب العربي تسميات جغرافية خاصّة دون ربطها بهويّة عرقية.

أدرك الموظّفون العثمانيّون في الولايات العربية بعدهم عن القسطنطينية. وتحدّثوا التركية في قصور وولايات الأناضول والبلقان، لكنّهم احتاجوا مترجمين في المناطق العربية. فشكّلت اللّغة حاجزاً بين الطرفين برغم وحدتهم في الإسلام السنّي.
واجهت النخب المسلمة في دمشق والقاهرة وبغداد تحدّياً مع وصول الجيوش العثمانية. فقدوا احتكارهم للقضاء والأدب أمام سلطة تتحدّث لغة مختلفة وتفسّر الشريعة بطريقة مغايرة. واحتلّ العلماء العرب موقعاً متناقضاً في السلطنة، فالدولة إسلامية لكنّها تدار بلغة يجهلنها. فاقتصر دورهم على ولاياتهم، فبدوا محلّيّين في نظر القادمين من القسطنطينية.
لم ينتفض سكّان المدن العربية ضدّ الحكم العثماني. على العكس، بادروا بأنفسهم إلى قمع أي حركة تعارض السلطة العثمانية، وهي في نظرهم حركة تعارض الإسلام نفسه. وتركّز استخدام القوّة العسكرية على مواجهة غارات القبائل الراحلة وتمرّدات المناطق الجبلية. وانحصرت الاضطرابات في المدن في تمرّد الإنكشارية المكلّفين بحفظ النظام، وهم القوّات العثمانية. ورأى التجّار وملاك الأراضي مصلحتهم في استمرار النظام القائم الذي منحهم الثروة والمكانة.
يحلّل المؤلّف علاقة العرب بالسلطة العثمانية استناداً إلى مصادر عربية معاصرة. وكتب هذه المصادر سكّان المدن الفخورون بتاريخ مدنهم، والمدركون لمكانة السلاطين العثمانيّين في سلسلة الحكّام المسلمين. وتعاطف المؤلّفون مع الطبقة الاجتماعية العليا، ونظروا إلى جيرانهم الفقراء كعامّة لا تختلف عن القبائل الرعوية والفلّاحين.
نادراً ما تحدّث المؤلّفون الذكور عن النساء وعن غير المسلمين شركاءهم في المدن. وشكّلت كتاباتهم برغم محدوديّتها مصدراً مهمّاً لفهم نظرة العرب إلى العثمانيّين، فلم تتوفّر مصادر بديلة تجيب عن هذا السؤال.
يركّز الكتاب على تجربة المسلمين السنّة في الولايات العربية العثمانية. إذ استخدم المؤلّفون الدين في خطابهم السياسي. وسهّل هذا الخطاب حكم المناطق العربية للسلطان، فمنحه شرعية في مجتمع يؤمن بالتراتب الاجتماعي المقدّر من الله. وشكل الدين رابطاً مهمّاً بين العلماء العرب والدولة، مع احتمال نيل رعاية ماليّة وسياسيّة.
استمرّ النظام العثماني في المناطق العربية بفضل التعاون وليس القوّة. وعبّر المؤلّفون العرب السنّة عن التزامهم الديني الشخصي في كتاباتهم. وساعد هذا الالتزام على فهم رؤيتهم السياسية التي شكّلت أساس علاقتهم بحكّامهم.
![خريطة الإمبراطورية العثمانية من وجهة نظر عثمانية. [OSMAN] SAFVET [GEYLANGIL], (1887-1944), Matbaa-yi Âmîre, Istanbul, [AH 1332] = 1916. Yeni resimli ve haritali cografya-yi Osmanî. Mekâtîb-i Ibtidâiyye Devre-i Aliye birinci sinifa mahsus](https://i0.wp.com/albukhari.com/wp-content/uploads/2024/11/ottoman-empire.jpeg?resize=1772%2C1248&ssl=1)
نتيجة
وبهذا نرى أنّ:
- من بداية تأسيس السلطنة العثمانية وحتّى القرن 19 كانت العرب تنظر إلى العثمانيّين إلى أنّهم روم، ولغتهم التركية لغة الروم، وسلطانهم سلطان الروم. ولم يظهر توصيفهم كأتراك قبل القرن 19.
- العلاقة بين العرب والعثمانيّين كانت أعمق من مجرّد علاقة احتلال، بل إنّ السلطان اكتسب شرعيّة الحكم في بلاده بدعم من العرب.
- الرواية القومية التي صوّرت العرب كضحايا للأتراك غير دقيقة تاريخياً.
- فرنسا وبريطانيا وروسيا أدّوا دوراً في تشويه النظرة المتبادلة بين العرب والأتراك والعثمانيّين.
- النخب العربية شاركت بفعّالية في إدارة شؤون مدنهم، واحتفظ العرب بتراثهم وتقاليدهم المتميّزة خلال الحكم العثماني.
- التعاون وليس القوّة كان أساس استمرار النظام الحاكم في الإمبراطورية العثمانية.
عكس كتاب بروس ماستز مركزيّة العرب في تاريخ الدولة العثمانية وتجاوز السرد التقليدي الذي يرسم صورة سطحية لأربعة قرون من التاريخ المشترك. سعى المؤرّخون الأوروپيّون خلال القرنين التاسع عشر والعشرين إلى ترسيخ فكرة العداء بين العرب والأتراك، فنجحت پروپاگاندا الاستعمار البريطاني والفرنسي في تشويه صورة العلاقة العربية العثمانية.
شكّل العلماء العرب عماداً أساسيّاً للدولة العثمانية طوال حكمها للمناطق العربية، فأضفوا الشرعية الدينية على السلطنة العثمانية. وأدّى الأعيان العرب دوراً محوريّاً في إدارة المدن العربية، فربطوا المجتمعات المحلّية بالسلطة المركزية في القسطنطينية. ونشأت علاقات متوازنة بين الطرفين، فاستفاد التجّار وأصحاب الأراضي من استقرار النظام العثماني.
تطوّرت العلاقات العربية العثمانية على أسس متينة، فحافظ العرب على تراثهم وتقاليدهم المتميّزة. وبرز دورهم في تأسيس الشرعية الدينية للسلطنة في العالم الإسلامي. وساهمت النخب العربية في صياغة النظام الإداري والقانوني، فأسّست لتقاليد استمرّت بعد انتهاء الحكم العثماني.
ضربت التحوّلات السياسية في أواخر القرن التاسع عشر أسس العلاقة العربية العثمانية، فظهرت القوميّة التركيّة وسياسات المركزة. وأدّى الصراع الروسي البريطاني الفرنسي على أملاك السلطنة إلى تمزيق النسيج الاجتماعي والسياسي الذي بناه العرب والأتراك معاً. وترك انسحاب العثمانيّين فراغاً سياسيّاً كبيراً، فعجزت المجتمعات العربية عن تصوّر مستقبلها خارج الإطار العثماني. ويبدو أنّ هذا هو سبب التخبّط الذي تعانيه البلدان العربية حتّى اليوم.





اترك رد