قبل اختراع الثلاجات، اعتمدت المجتمعات القديمة طرقاً متنوّعة لحفظ المنتجات التي تحتاج للبرودة، مثل الحليب، فوضع فيها الروس والفنلانديّون الضفادع!
قبل قرون عديدة، تروي الأسطورة أنّ روسيّة دخلت المطبخ لتجد ضفدعة تسبح مسترخية في دن الحليب! فزعت المرأة وصرخت فخافت الضفدعة وفزعت وقفزت هاربة من الدن… غير أنّ الروسية خافت على خسارة الحليب أكثر فاحتفظت به لاستهلاك أهل البيت. ولاحظت أنّ الحليب بقي على حاله ولم يتغيّر طعمه فترة أطول من المعتاد… فصارت عادتها بعد كلّ حلبة أن تلتقط ضفدعة من جانب البركة فترميها في الحليب إلى حين وصولها البيت. وصارت بعدها بين الروس عادة!

قدّرت أغلب الشعوب القديمة الضفادع واستبشرت بحضورها ورؤيتها، خصوصاً قدامى العرب أمثال الفنيقيّين والسومريّين الذين اعتبروا وجود الضفادع دليل على خصوبة المكان وصلاحيّته للحياة، ثمّ صارت عند بعض عباد عشتار من رموز الحبّ والوصال. وذهب المصريّون القدامى إلى مدى أبعد بتقديس الضفادع باعتبارها تجسيد للربّة حتحور (هيكت) ربّة الحور العين، التي رمزت للخصوبة والولادة، واعتقد قدامى أهل النيل أنّ الربّة الضفدعة هذه تحمي الأمّهات في أثناء الولادة وتساعد في عملية الخلق، فصارت رمزاً للتجدّد.
كذلك آمنت غيرها من شعوب العالم بخصائص مميّزة للضفدعة، ساكنة الأنهار والبحيرات والمستنقعات المتواضعة. سمّاها الروس مثلاً أميرة وحامية للمنزل، ورمزت في الشرق للثراء والازدهار. فما سبب منح الضفدعة كل هذا التقدير؟ هل صدّق الناس سابقاً امتلاكها قوى سحرية؟ في الواقع، تجاوزت الحقيقة السحر، فالضفدعة العادية أفادت عمليّاً في حفظ الحليب من الفساد، والحليب من أهمّ الأغذية عند قدامى الشعوب، كما هو اليوم.

ظهرت الثلّاجة في نهاية القرن التاسع عشر مع شيوع الكهرباء، ودخلت الاستخدام الشعبي بعد خمس عقود. وسهّل هذا الجهاز مشكلة حفظ الطعام. لكنّ الشعوب قبلها عرفت تقنيّات عديدة لحفظ الأطعمة لا تحتاج إلى التبريد. وفي حين استعمل العرب التجفيف والتخليل والتخمير كصناعة الأجبان والألبان، استعمل شرق الأوروپيّون مفرزات الحيوانات. وتطلّب حفظ الطعام جهداً كبيراً قبل انتشار الأجهزة المنزلية. فاحتاجت الناس قبواً أو مهارات طهي خاصة لإطالة صلاحية المؤن كالتمليح والتجفيف والتدخين والتخليل.
مثّل الحليب الطازج أسرع المواد فساداً. فصنع الناس منه الجبن ومنتجات الألبان أو فصلوا عنه دهونه باستخلاص الزبدة للحفظ طويلاً، لكن فضّلوا الحليب الطازج. السبب؟ ندرت الحلويّات والسكّر آنذاك، واحتوى الحليب على سكّر اللاكتوز. فبحثوا عن طرق لإطالة حفظ هذا المنتج الثمين اللّذيذ.

حافظت الضفادع على الحليب من التحمّض
نقع الروس ضفادع حيّة في الحليب لحفظه طازجاً أطول فترة. وسبحت هذه البرمائيات في الحليب، ثم أطلقوها وقد تركت منها أشياء في الحليب، ثمّ وضعوه في الأقبية الباردة، فبقي صالحاً مدّة تفوق عمره الطبيعي خمس إلى عشر مرات.
في العصر الحديث، أكّدت مجموعة باحثين برئاسة العالم الكيميائي الروسي أ. ت. لبيديف Лебедев هذه النتيجة علمياً. أفرز جلد الضفدع ببتيدات خاصّة، وهي بروتينات قصيرة تنقل معلومات للخلايا، كالببتيد العصبي براديكينين، والببتيدات المضادّة للبكتيريا بريڤنن وإسكيولنتين.
اكتشف علماء الكيمياء في جامعة موسكو عام ٢٠١٢ أنّ جلد الضفادع يفرز مواد تساعدها على محاربة الميكروبات في بيئتها الطبيعية. إذ يتميّز جلد البرمائيات برقّته ونعومته، لكنّ الطبيعة منحته حماية تتمثّل في عشرات المواد المضادّة للميكروبات، بعضها يؤثر في بكتيريا السالمونيلا والمكوّرات العنقودية.
في الطبيعة تعمل الببتيدات على جلد الضفدعة وفي فتحات الجسم ضدّ البكتيريا والفطريات، فتحمي الضفدع في بيئة رطبة مليئة بالبكتيريا والكائنات المسبّبة للأمراض. وخاصّة في فترة السبات، فتمنحها الببتيدات هذه الحماية القويّة. وحين تنحلّ هذه الببتيدات في الحليب الطازج تمنع تكاثر البكتيريا الضارّة فترة من الزمن.

أثبتت دراسة علمية أجريت عام ٢٠١٣ نجاح هذه الطريقة. كشفت أن البروتينات مثل بريڤنن 1Tb Brevinin المستخلصة من جلود الضفادع (والبرمائيات الأخرى) حدّت من عمر بعض البكتيريا. اكتشف الروس والفنلانديون عبر المحاولة والخطأ إمكانية مكافحة البكتيريا بإضافة البروتينات المنتجة من جلود الضفادع إلى الحليب. والدراسة منشورة على ACS بعنوان Frog-in-bucket-of-milk folklore leads to potential new antibiotics.
الببتيدات بروتينات قصيرة جداً. بلغ حجمها 1 نانومتر فقط، لذا صُنفت بحقّ ضمن عالم النانو. وتركّبت البروتينات، كما نعرف، من أحماض أمينية، مثل السلسلة المكونة من حلقات، وتنوّعت في طولها: الطويلة؛ احتوت على عشرات الأحماض الأمينية، والقصيرة، ضمّت حلقتين أو ثلاث فقط. وعملت الببتيدات في الجسم كـ”سعاة معلومات”، نقلت المعلومات من خلية إلى أخرى لضمان أداء كل وظائف الجسم في وقتها وبشكل جيد.
طوّر كل مجتمع قديماً طريقته الخاصة في الحفظ. وتميّز المجتمعان الروسي والفنلاندي بابتكار حلّ رائع وذكي لحفظ الحليب: نقع الضفادع البنّية الأوروپية الشائعة Rana temporaria في الحليب… طهّرت الضفادع الحليب بهذه الطريقة من البكتيريا المسبّبة للتخمّر والتحمّض. ولاحظ الناس هذا التأثير بالتجربة واستفادوا منه.

التطبيقات المعاصرة
اليوم، هناك استعمالات معاصرة للببتيدات المستخلصة من جلود الضفادع في مجال حفظ الأطعمة، وذلك نتيجة لخصائصها المضادة للبكتيريا والفطريات. أصبحت هذه الببتيدات موضوع بحث في علم تكنولوجيا الغذاء لإنتاج مواد حافظة طبيعية بدلاً من المواد الكيميائية التقليدية.
إحدى الاتجاهات البحثية الحديثة تهدف إلى استخراج هذه الببتيدات وتطويرها كمكونات طبيعية تضيف للأطعمة خصائص مضادة للميكروبات لزيادة مدة صلاحيتها دون التأثير على جودتها أو سلامتها. قد تستخدم هذه الببتيدات في تغليف الأطعمة، أو كإضافات في منتجات الألبان واللحوم والخضروات لوقف نمو البكتيريا الضارة وإطالة عمر المنتجات الغذائية بشكل صحي وآمن.
علاوة على ذلك، هناك اهتمام بالاستفادة من الببتيدات النشطة بيولوجياً كعوامل مضادة للتسمم الغذائي، حيث تُجرى بحوث لإدخال هذه المواد في تطبيقات عملية لتحسين سلامة الأغذية.
استخلاص الببتيدات من جلود الضفادع يتطلّب خطوات دقيقة وممارسات مختبرية متقدّمة لضمان الحصول على ببتيدات نقيّة وفعالة. وتبدأ بجمع الضفادع حيث تنتقى أنواع معيّنة من الضفادع المعروفة بإفراز ببتيدات ذات خصائص مضادّة للبكتيريا، مثل الضفدع البنّي Rana temporaria أو أنواع أخرى مناسبة.

ثمّ تُحفَّز الضفادع على إفراز المواد المخاطيّة التي تحتوي على الببتيدات عن طريق تدليك الجلد أو تعريضه لتيار كهربائي خفيف جدّاً لا يؤذي الضفدع، ممّا يدفعه لإطلاق الإفرازات كآلية دفاعية. فتُجمع الإفرازات بعناية باستخدام أداة مناسبة مثل ملعقة صغيرة أو قطعة قماش مبلّلة، مع الحرص على عدم تلويث العيّنة بمواد خارجية.
تُخضع الإفرازات لعمليّات ترشيح وفصل باستخدام تقنيات مثل الكروماتوگرافيا السائلة عالية الأداء HPLC، لفصل الببتيدات المختلفة عن باقي المواد العضوية والشوائب. وتحلّل الببتيدات باستخدام تقنيات مثل مطياف الكتلة لتحديد تركيبها الكيميائي والتأكّد من نقاوتها وخصائصها. ثمّ تُجرى اختبارات بيولوجية لتحديد فعالية الببتيدات المستخلصة ضدّ أنواع مختلفة من البكتيريا والفطريات، وضمان أمانها للاستخدام في تطبيقات حفظ الأطعمة.

في الأدب الشعبي الروسي
كيف انعكس الارتباط التاريخي بين الضفادع والحليب في التراث الشعبي الروسي؟ تذكرّنا قصة ل. بانتيليف Пантелеев عن ضفدعين سقطا في وعاء الحليب. غرق الضفدع الكسول واستسلم، أمّا الضفدع النشيط فلم يستسلم: حرّك قدميه بجدّ، فخضّ الحليب إلى زبدة وخرج.
صاغ المؤلّف قصّته على ارتباط راسخ في الوعي الشعبي منذ قرون: الضفدع + الحليب. ويظهر هذا الارتباط كثيراً في التراث الشعبي، ليس فقط بسبب فائدته العملية. تضمنت الحكاية الشعبية “اذهب إلى هناك – لا أعرف أين، وأحضر – لا أعرف ماذا” Поди туда-не знаю куда, принеси то-не знаю что مشهداً أظهر قوّة الضفدع السحرية ورغبته في مساعدة البطل، لكنه طلب الحليب! “أجاب الضفدع: سأرشده، لكنّني عجوز جداً، ولا أستطيع القفز إلى هناك. إذا حملني صهرك في حليب دافئ إلى النهر الناري، سأخبره.”
آمن الروس بأنّ المرض يصيب الإنسان بسبب دخول ضفدع في جسمه. ولإخراجه، “يجب وضع مرآة وطبق حليب وضفدعة أنثى أمام فم المريض المفتوح لوقت طويل.”… ظنّ الروس أنّ الساحرات تتحوّل إلى ضفادع لتمتصّ حليب البقر، فتضرّ بالمزارع. وسادت أسطورة تحكي أنّ أوّل ضفدع كان روح طفل لعنته أمه.
سرى في شمال روسيا اعتقاد بضرورة ابتلاع ضفدع عند التحوّل إلى ساحر: “يأخذك الساحر إلى الحمّام في الفجر، يطلب منك ابتلاع الضفدع النافز عندما يخرج.”. وتمتدّ جذور هذه الرموز عميقاً.

علاقة الضفادع بخلق العالم:
آمن الناس في عصور عبادة الحيوانات بأنّ كل عشيرة تنحدر من حيوان، فأصبح الضفدع أحد هذه الحيوانات. استمر تقديس الضفدع في تراث الروس. ربط الناس بينه وفكرة خلق العالم.
الزبدة التي يخضّها الضفدع في وعاء الحليب تمثل عملية المخض. يرمز المخض للخلق. وتتضمّن الأساطير الهندية قصّة خلق تسمى “مخض محيط الحليب”. ويذكر تراث الروس الشعبي لغزاً عن الحمل: “تحت الأرضية، تحت الأرضية، يوجد وعاء جبن” Под полом, полом стоит кринка с творогом. تشترك كلمتا “جبن” творог و”خلق” творить في الأصل.
لذا وكأحد الخالقين ارتبط الضفدع بالحليب الذي يخلق به الحياة رمزياً في وعي أجدادنا.

الضفدع في التطريز:
تطرّقت حكاية الأميرة الضفدع وبراعتها في صنع الخبز ونسج القماش إلى فكرة خلق العالم بالطريقة “الحِرفية”. ويحمل الضفدع في التراث الشعبي معانٍ سلبية تطورت لاحقاً.

سبقت المجتمعات القديمة عصرها باكتشاف خصائص الببتيدات الطبيعية، فأدركت فوائد الضفادع عبر الملاحظة والتجربة العملية. وتطوّرت هذه المعرفة البسيطة اليوم إلى بحوث علمية معقّدة تستهدف استخلاص المواد الفعالة من البرمائيات لتطوير مضاّدات حيوية جديدة. وأثمرت التجارب المخبرية الحديثة عن اكتشاف أكثر من ٧٠٠ نوع من الببتيدات المضادّة للميكروبات في جلود الضفادع.
تفتح هذه الاكتشافات آفاقاً واعدة لتطوير علاجات طبيعية تكافح البكتيريا المقاومة للمضادّات الحيوية التقليدية. وتجمع هذه القصّة العلمية بين حكمة الأجداد والتقدّم العلمي الحديث، فتذكّرنا دائماً بأهمّية دراسة التراث القديم باستخدام الأدوات العلمية المعاصرة. تمثّل قصّة الضفدع في دن الحليب شاهداً على ذكاء الشعوب في ابتكار حلول عمليّة لمشكلات الحياة اليومية، فأسّست بذلك لتطوّرات علميّة مستقبليّة لم تخطر على بال أحد.
مراجع
- Conlon, J. M., & Mechkarska, M. (2014). Host-defense peptides with therapeutic potential from skin secretions of frogs from the family Pipidae. Pharmaceuticals, 7(1), 58-77.
- Lebedev, A. T., Artemenko, K. A., Gusev, A. I., & Samgina, T. Y. (2014). Skin peptides from Russian brown frogs: Isolation and sequence determination by electrospray ionization mass spectrometry. Analytical Chemistry, 86(14), 7142-7150.
- Mechkarska, M., Prajeep, M., Coquet, L., Leprince, J., Jouenne, T., Vaudry, H., King, J. D., & Conlon, J. M. (2012). The hymenochirins: A family of host-defense peptides from the Congo dwarf clawed frog Hymenochirus boettgeri (Pipidae). Peptides, 35(1), 1-10.
- Rollins-Smith, L. A. (2009). The role of amphibian antimicrobial peptides in protection of amphibians from pathogens linked to global amphibian declines. Biochimica et Biophysica Acta (BBA)-Biomembranes, 1788(8), 1593-1599.
- Wang, G., Li, X., & Wang, Z. (2016). APD3: the antimicrobial peptide database as a tool for research and education. Nucleic acids research, 44(D1), D1087-D1093.
- Xu, X., & Lai, R. (2015). The chemistry and biological activities of peptides from amphibian skin secretions. Chemical reviews, 115(4), 1760-1846.
- Zasloff, M. (2002). Antimicrobial peptides of multicellular organisms. Nature, 415(6870), 389-395.
- Zhang, S. K., Song, J. W., Gong, F., Li, S. B., Chang, H. Y., Xie, H. M., Gao, H. W., Tan, Y. X., & Ji, S. P. (2016). Design of an α-helical antimicrobial peptide with improved cell-selective and potent anti-biofilm activity. Scientific reports, 6(1), 1-13.





اترك رد