تعانق شجرة الزيتون أرض المتوسط منذ فجر التاريخ، فتمتدّ جذورها في عمق ثمانية آلاف سنة من الزمن. تروي سجلّات التاريخ قصّة نشأة زراعة الزيتون في سهول إدلب السورية. وكيف نشرها العرب حول سواحل المتوسّط.
مع الزمن صار زيت الزيتون روح المتوسط وعماد حياته. فباركت الكاهنات تماثيل آلهتهن بزيت الزيتون النقي. وأسّس العرب أكاديميّات زراعيّة طوّرت علوم الزيتون. ودخل زيت الزيتون كلّ تفاصيل الحياة، فصار يستقبل المولود ويودّع الراحل.
تفتح هذه التدوينة نافذة على تاريخ زيت الزيتون في حياة العرب. وتنتقل بين ضفاف المتوسّط مستكشفة علاقة العرب بشجرتهم المقدّسة. وتستعرض دور زيت الزيتون في المعابد والمطابخ والمشاغل. وتكشف عن معارف النساء المتوارثة في استخدام الزيت للعلاج والتجميل. وترصد تطوّر تجارة زيت الزيتون وتأثيرها في اقتصاد المتوسّط القديم. وتحكي عن فضل العرب بتقديم الزيتون وزيته للعالم المعاصر.

تمهيد
تألّق الزيتون وزيته في تراث المنطقة العربية شرق وجنوب المتوسّط القديم، فأضفى على المنطقة أبعاداً روحيّة وأدبيّة عميقة. حسب المعتقدات الأسوانية مثلاً؛ أهدت الربّة إيزيس شجرة الزيتون للبشرية في التراث المصري القديم، فتحوّل زيتها إلى عنصر أساسي في الشعائر الدينية وعمليّات التحنيط، ونقش المصريّون على جدران معابدهم أغصان الزيتون لترمز للسلام والخير.

تجذّرت في تراث بلاد الشام القديمة مكانة الزيتون المحورية عبر الأساطير الكنعانية، فصوّرت النصوص الأُگاريتية الزيتون شجرة مقدّسة متّصلة بالخصوبة والحياة. وآمن أسلافنا الكنعانيّون ببركة زيت الزيتون الإلهية، فاستخدموه في شعائر التتويج والتكريس. وسطع في التراث الفينيقي دور الزيتون الاقتصادي والثقافي على امتداد ساحل المتوسّط، فأبرزت النصوص التجارية الفينيقية أهمّية تجارة زيته، وظهر في قصائدهم رمزاً للثروة والازدهار، وزيّنت أغصانه سفنهم التجارية لتجلب الحماية والبركة.
تكرّرت في التراث العبري-البابلي القديم إشارات الزيتون في النصوص التوراتية، فعادت حمامة نوح بغصن زيتون في قصة الطوفان الشهيرة، وارتبط في الأدب العبري القديم بمعاني الحكمة والبركة الإلهية. وتجلّى في التراث المينوي بجزيرة كريت تأثير الزيتون على منطقة شرق المتوسط، فظهر في الرسوم الجدارية والأختام رمزاً للرخاء والازدهار، وسجّلت النصوص استخدام زيته في الشعائر الدينية والاحتفالات.

تواصل عبر العصور دور الزيتون كعنصر مشترك بين تراث شعوب المنطقة، فتشابهت رموزه ومعانيه في الآداب المختلفة، ممّا يؤكّد عمق التراث المشترك في حوض المتوسط.
واستمرّ؛ قبل العصر الروماني، ارتباط الزيتون بالفكر الفلسفي لهذه الحضارات، فرمز لمفاهيم الخلود والتجدّد بفضل طول عمر أشجاره التي تعيش قروناً، وتجسّد في الفكر الفلسفي العربي القديم رمزاً للصبر والثبات والتوازن والحكمة.

نشأة زراعة الزيتون وتجارته
برغم الكثير من الجدال الدائم حول أصل شجرة الزيتون برّيّاً، غير أنّ الثابت الموثّق بالأدلّة الأثرية أنّ زراعة نسختها المعاصرة بدأت في منطقة إدلب السوريّة منذ نحو ٨٠٠٠ سنة. وانتشرت منها خلال ألفي سنة تالية على طول الساحل شرق المتوسط، ثمّ نقلها العرب الفينيقيّون إلى غرب المتوسّط مبتدئين بتونس قبل حوالي ٣٠٠٠ سنة. وكان سبق النوع المعاصر أنواع أخرى زُرعت في تونس والمغرب وجزائر المتوسّط جميعاً، لكنّها انقرضت اليوم لمصلحة النوع الإدلبي المعاصر.
أسّست الحضارة المينوية في جزيرة قْريته (كريت) أوّل تجارة دولية للزيتون. واعتمد اقتصادها برمّته على الزيتون ومنتجاته.
برزت الحضارة المينوية على جزيرة قْريته منذ الألف الثالث قبل الميلاد، فارتبطت بشجرة الزيتون ارتباطاً عميقاً. إذ عثر علماء الآثار على أواني فخّارية ضخمة لتخزين زيت الزيتون في قصر قُنُسُ 𐀒𐀝𐀰 (كنوسوس Κνωσός)، ما يؤكّد أهمّيّته في الاقتصاد المينوي القديم. وزرع المينويّون أشجار الزيتون على المدرّجات الجبلية، فأنتجوا كمّيات وفيرة من الزيت استخدموها في الطبخ والإضاءة والتجميل والشعائر الدينية. وصدّروها بالطبع إلى كلّ دول المتوسّط.

على جدران القصور المينويّة تظهر رسومات لأشجار الزيتون وثمارها، ما يعكس قدسيّتها في تراثهم. وفي المعابد المينويّة استعملوا زيت الزيتون المعطّر بالأعشاب لتقديم القرابين للآلهة. ومن الأواني الفخارية المكتشفة نستدلّ على تطوّر صناعة زيت الزيتون عند المينويّين، فابتكروا طرقاً متقدّمة لعصر الثمار وتصفية الزيت وتخزينه.
نقلوا زيت الزيتون على السفن التجارية المينويّة إلى موانئ البحر المتوسّط جميعاً، ما جعله سلعة تجارية مهمّة في اقتصادهم. وباكتشاف النقوش الخطّيّة أ والخطّيّة ب تأكّدت مكانة زيت الزيتون في السجلّات الإدارية والتجارية للقصور المينوية، فسجّلت كمّيات الإنتاج والتوزيع بدقّة. ومن هذا التراث المينوي العريق ورثت قْريته (كريت) مكانتها كموطن لأجود أنواع زيت الزيتون في العالم القديم.

على الجهة الشرقية، وخلال حياة الممالك العربية (الكنعانية) اعتمدت تجارة العرب على تصدير زيت الزيتون من منطقة إدلب وفلسطين، فكانت جِرار أرمناز الزجاجية تُطوّر خصّيصاً في مصانع الزجاج الكنعاني ثمّ تنقل إلى مستودعات مدينة المعرّة لحمل زيت الزيتون والنبيذ والعطور. ثمّ تنطلق بعدها على السفن الكنعانية حول المتوسّط وعبر أنهار أوروپا، وكذلك حول بحر العرب والمحيط الهندي.
مع اعتماد سكّان شرق المتوسّط لحياتهم على اقتصاد زيت الزيتون صارت مكانته مقدّسة أكثر فأكثر، حتّى عدّته بعض الناس عرق الملائكة، فيه شفاء من كلّ داء، وانتشرت العادات والممارسات المجسّدة لهذا الاعتقاد.

في مصر القديمة ومناطقها شرق المتوسّط
قبل عهد الدولة الوسطى (٢٠٤٠-١٧٨٢ ق.م) وفي عهد الدولة القديمة (٢٦٨٦-٢١٨١ ق.م) كان زيت الزيتون مكوّناً أساسيّاً في كلّ تفاصل الحياة المصريّة. ولكي يصبح زيت الزيتون مكوّناً أساسيّاً في مصر، كان لا بدّ من توفّره بكمّيّات كبيرة وبشكل مستمرّ. وهذا يستبعد اتّكال كامل على الاستيراد.
هذا التوفّر المستمرّ يشير إلى وجود إنتاج محلّي مستقرّ، لأنّ الاعتماد الكامل على الاستيراد في تلك الفترة المبكّرة كان شبه مستحيل. كما أنّ زراعة الزيتون تحتاج إلى سنوات عديدة قبل أن تبدأ الأشجار في الإنتاج (٧-١٠ سنوات)، وسنوات أخرى قبل أن تصل إلى الإنتاج الكامل. لذا، فإنّ وجود زيت الزيتون كمكوّن أساسي في حياة الدولة المصرية القديمة يعني أنّ زراعة الزيتون كانت بدأت قبل ذلك بفترة كافية لتأسيس بساتين منتجة.
وعلى هذا، يمكننا أن نستنتج أنّ زراعة الزيتون ازدهرت في مصر، ولا سيّما في منطقة الدلتا. قبل نهاية العصر العتيق (قبل ٢٦٨٦ ق.م.)، وربّما إلى فترة ما قبل الأسرات (قبل ٣١٥٠ ق.م.). وسأتحدّث لاحقاً عن سبب تراجع زراعة الزيتون في مصر في تلك الحقبة.

دور زيت الزيتون في مصر القديمة
في مصر القديمة سكب الكهنة زيت الزيتون النقيّ على تماثيل الآلهة في المعابد المصرية القديمة. ومنحوها رونقاً مقدّساً في شعائر العبادة اليومية. ومع تكرار هذه الشعائر كل يوم، صارت رائحة زيت الزيتون هي ما يستقبل الداخل إلى المعبد. ومع تكرار هذه الشعائر في كلّ يوم صارت رائحة زيت الزيتون هي الرائحة التي تستقبل الداخل إلى المعبد… تخيّل نفسك تمشي صاعداً على درجات المعبد، ثمّ ما إن تصل عتباته حتّى تغمرك رائحة الزيتون مع مشاعر الرهبة والتبجيل. هذا الشعور نفسه صار يتكرّر في عواطف النفس، كلّما فتح الناس قارورة زيت زيتون في البيت.
كذلك، دهن المصريون القدماء موتاهم بزيت الزيتون المقدّس (إلى جانب الحنّاء والكمّون)، معتقدين بقدرته على حفظ الجسد وحماية الروح في رحلتها للعالم الآخر. وصوّرت النقوش على جدران المقابر مشاهد تقديم قرابين الزيتون وزيته للآلهة، مصحوبة بتراتيل وابتهالات خاصّة.

وصف قدامى المصريّين في نصوص البرديّات الطبّية زيت الزيتون كدواء مقدّس. وخلطوه بالأعشاب لعلاج الأمراض وتخفيف الآلام. وداوى قدامى أطبّاء المصريّين مرضاهم بزيت الزيتون المخلوط بالأعشاب الطبّية. وعالجوا به الحروق والجروح والالتهابات. كما صنع العطّارون على ضفاف النيل من زيت الزيتون مراهم وكمّادات لتسكين الآلام وتخفيف أوجاع المفاصل.
دهنت نساء الطبقة الراقية في مصر القديمة أجسادهنّ بزيت الزيتون المعطّر بالورود والياسمين. وأكسبهنّ رائحة زكيّة ونعومة فائقة، وهذه عادة ورثتها مناطق البحر الأحمر على الجانبين الشرقي والغربي وإلى اليوم. كذلك نظّفت النساء في المنازل المصرية القديمة الأواني النحاسية والفخّارية بزيت الزيتون. فأعاد إليها بريقها ولمعانها، وحفظها من البكتيريا الضارّة.

أضاءت مصابيح زيت الزيتون منازل المصريّين قبل آلاف السنين. وبدّدت ظلمة اللّيل وأنارت مجالس السمر والحكايات. ونشرت عطرة زيت الزيتون المحروق في أجواء المنازل ليلاً، ما أعاد في عواطفهم مشاعر رهبة قداسة المعابد… لانتشار هذه الرائحة في المعابد، كما أسلفت.

تراجع زيت الزيتون في مصر
بدأ تراجع استهلاك زيت الزيتون في مصر منذ عصر الدولة الوسطى، في الفترة ما بين عامي ٢٠٤٠ و ١٧٨٢ قبل الميلاد. على امتداد هذه الفترة تضاءل دور زيت الزيتون في المطبخ المصري القديم بعدما كان مكوّناً أساسيّاً في عصر الدولة القديمة. وفي الأطباق اليومية استُبدل زيت الزيتون تدريجياً بزيت السمسم وزيت الكتّان المحليّين.
شهدت المناطق الزراعية في دلتا النيل تحوّلاً كبيراً نحو زراعة محاصيل الحبوب والبقول على حساب أشجار الزيتون. ومع الوقت أصبح زيت الزيتون سلعة مستوردة باهظة الثمن، فاقتصر استخدامه على الطبقات الثرية والمعابد. وتشير الأدلّة الأثرية والتاريخية إلى دور التغيّرات المناخية في تراجع زراعة الزيتون في مصر القديمة.
تتزامن فترة تراجع الزيتون مع الأحداث الكونيّة المدمّرة التي ضربت منطقة شرق البحر المتوسط بالعموم. إذ يشير التاريخ إلى أنّ بركاناً هائلاً ضرب منطقة حوران كلّها، قبل نحو ٤٦٧٠ سنة، والأكيد أنّ هذا البركان أخلى المنطقة كلّها من السكّان، من الجليل غرباً وحتى البادية السورية شرقاً.

براكين حوران
يعتقد بعض العلماء أنّ البراكين انفجرت بسبب نيزك سقط في البحر الميت، إذ وجدت دراسة أجريت عام ٢٠٠٧ أنّ هناك طبقة من الطين في البحر الميت تحتوي على كمّية كبيرة من الحديد، والتي قد تكون قد تكونت نتيجة اصطدام نيزك. كما وجدت الدراسة أن هذه الطبقة من الطين تعود إلى نفس الفترة الزمنية التي ثارت فيها براكين حوران، وهي الثورة التي تسببّ بها النيزك.
بعد هذا الحدث الكارثي تأثّرت الزراعة في المنطقة بِرُمَّتها. إذ تدلّ السجلّات التاريخية على ارتفاع درجات الحرارة وتراجع معدّلات الأمطار في شمال مصر. ومع ارتفاع درجات الحرارة صعبت زراعة الزيتون في الأراضي المصرية. وتغيّرت خريطة المحاصيل الزراعية بالتدريج على مدار قرون تالية.

برز هذا التراجع بشكل واضح في النقوش والبرديّات التي تؤرّخ للحياة اليومية في مصر القديمة. ومن خلال هذه المصادر نستطيع تتبّع تناقص الإشارات إلى زيت الزيتون في وصفات الطعام وقوائم المؤن. في المقابل، ازداد ذكر الزيوت النباتية الأخرى التي أصبحت بديلاً شائعاً في المطبخ المصري القديم.
استمرّ هذا النمط في العصور اللّاحقة، فأصبح زيت الزيتون من السلع المستوردة النادرة في مصر. وعلى الرغم من محاولات إعادة زراعة الزيتون في فترات لاحقة (وخاصّة المسلمة)، لم يستعد زيت الزيتون مكانته السابقة في المطبخ المصري التقليدي. وتطوّرت في مصر صناعة الزيوت النباتية من محاصيل أخرى مثل السمسم والكتّان والقرطم. بفضل وفرة هذه المحاصيل وسهولة زراعتها في الأراضي المصرية، واستمرّ المصريّون في استخدام زيوتهم المحلّية للطبخ. وظلّ زيت الزيتون مستورداً باهظ الثمن.

في قرطاج ومناطقها غرب المتوسّط
في حدود تونس المعاصرة عرفت المنطقة أنواعاً من الزيتون البرّي الألفيّات السابقة لقرطاج. كما أنّ محاولات لزراعة أصناف قديمة من الزيتون سبقت القرن التاسع قبل الميلاد حقّقت نجاحاً ضعيفاً سجّله التاريخ. غير أنّ الأحوال تغيّرت سنة ٨١٤ ق.م حين استورد العرب الفينيقيّون شجرتهم الشرقية (الإدلبية)، ونجحوا بزراعتها في تونس، فازدهرت نجاحاً منقطع النظير.

نشوء اقتصاد زيت الزيتون القرطاجي
بعد قرنين جاءت مرحلة الثورة الزراعية النبطية، التي أضافت تطوّرات فارقة شملت تقنيات التطعيم والتقليم وطرق استخراج الزيت. هذا التحوّل دفع قرطاج في القرن السادس قبل الميلاد من رفع درجة الزيتون وزيته من مجرّد محصول زراعي إلى عمود أساسي في الاقتصاد الوطني. هذا التحوّل واكب توسّع قرطاج في تشكيل إمبراطورية شاسعة في المغرب العربي وجنوب أوروپا.
في البداية أدركت النخبة القرطاجية نجاح الزيتون المميّز الملائم لمناخ المنطقة. ثمّ رعت الحكومة تطوير أكاديمية زراعية، أنتجت موسوعة زراعة معروفة باسم مؤلّفها {ماجو القرطاجي} وكذلك باسمها {عن الزراعة}. وفي الخطوة الثالثة، نظّمت الحكومة القرطاجية عملية إنتاج وتصدير زيت الزيتون بقوانين صارمة. وأنشأت معاصر كبيرة ومصانع لخوابي الشحن الفخّارية؛ على نفقتها، وأتاحت استعمالها لكلّ تجّار الدولة.
ماجو القرطاجي מגו (مَگو) magon Μάγων
كتاب ماجو القرطاجي {في الزراعة} معروف باللاتينية باسم De agricultura أو Res rusticae هو أحد أهمّ الكتب الزراعية في العالم القديم. للأسف، لا نعرف عنوانه الأصلي باللّغة الپونيقية (اللّغة الفينيقية القرطاجية) لأنّ النص الأصلي فُقد. ما نعرفه عن الكتاب جاء من طريق الترجمة اللّاتينية التي أمر بها مجلس الشيوخ الروماني بعد تدمير قرطاج.
هذا الكتاب موسوعة زراعية شاملة في ٢٨ مجلداً، وهو أوّل عمل منهجي معروف في تاريخ العلوم الزراعية. وأهمية الكتاب كبيرة لدرجة أنّ الكاتب الروماني پلّيني الأكبر وصف ماجو بأنّه «أبو العلم الزراعي».
محتوى الكتاب غني ومتنوّع، تناول تقنيات اختيار الأراضي المناسبة للزراعة وكيفية تحليل جودة التربة، وشرح طرق زراعة مختلف المحاصيل، مع تركيز خاص على الزيتون والعنب. وقدّم تفاصيل دقيقة عن مواعيد الزراعة والحصاد ووصف طرق الري وإدارة المياه، وشرح كيفيّة تخزين المحاصيل وحفظها. وتناول تربية الحيوانات وإدارة المزارع، وقدّم نصائح عن إدارة العمالة الزراعية والعبيد. فهو كتاب أكاديمي منهجي.
ما يجعل كتاب ماجو مميزاً هو أنه جمع بين المعرفة النظرية والخبرة العملية. فعلى سبيل المثال، عندما تحدث عن زراعة الزيتون، لم يكتف بوصف كيفية غرس الأشجار، بل شرح أيضاً كيف تختار الموقع المناسب بناءً على اتجاه الرياح وطبيعة التربة، وكيف تنظم المسافات بين الأشجار لتحقيق أفضل إنتاجية.
أثر الكتاب امتد لقرون طويلة. إذ اعتمد عليه المؤلّفون الرومان مثل فارو وكولوميلا في كتاباتهم الزراعية. وحتّى في العصور الوسطى، استمرّت معرفة ماجو في التأثير على الممارسات الزراعية في حوض البحر المتوسط من طريق المؤلّفات التي اقتبست من موسوعته.
للأسف، فقدان النص الأصلي الپونيقي يعني أنّنا فقدنا أيضاً المصطلحات الزراعية الفينيقية التي كانت مستخدمة في ذلك الوقت. هذه المصطلحات كانت ستكون ذات قيمة كبيرة في فهم تطوّر اللّغة العربية الفينيقية وتأثيرها على لغات البحر المتوسط. لكن، برغم فقدان النص الأصلي، يظلّ كتاب ماجو شاهداً على المستوى المتقدّم الذي وصلت إليه الزراعة القرطاجية، وعلى الدور المهمّ الذي لعبه الفينيقيّون في تطوير العلوم الزراعية في العالم القديم.


لاحقاً، شجّعت الدولة القرطاجية المزارعين على التوسّع في زراعة الزيتون من طريق نظام ضريبي وقانوني خاص. هذا النظام منح امتيازات للمزارعين الذين يزرعون الزيتون، ممّا أدّى إلى انتشار بساتين الزيتون في كلّ المناطق الصالحة للزراعة.
بحلول القرن الرابع قبل الميلاد، صار زيت الزيتون القرطاجي منافساً قويّاً لزيت الزيتون الشامي واليوناني في أسواق البحر المتوسط. وعندما فتح الرومان قرطاج (١٤٦ ق.م.)، وجدوا نظاماً متكاملاً لإنتاج وتجارة زيت الزيتون، فاستمرّوا في تطويره حتى أصبحت المنطقة إحدى أهمّ مصادر زيت الزيتون للإمبراطورية الرومانية.


دور زيت الزيتون في التراث القرطاجي
على الصعيد الديني استخدم كهنة الأديان الفينيقية زيت الزيتون في مراسم تطهير المتعبّدين قبل أداء الشعائر الدينية. كما مسح كهنة قرطاج جباه المحاربين بزيت الزيتون المعطّر بالبخور والمرّ قبل خروجهم للمعارك، طلباً للبركة والنصر. ودهن الصيّادون قواربهم بزيت الزيتون، أو كسروا عليها جراراً تحتوي زيت الزيتون، متضرّعين للآلهة البحرية بموسم صيد وفير وبحماية للقوارب من الغرق.
في المناطق القرطاجية صنع العرب من ثمار الزيتون وأوراقه أكاليل زيّنوا بها رؤوس عرائسهم، رمزاً للخصب والنماء. وهذا مصدر نظرتنا المعاصرة لغصن الزيتون رمزاً للبركة والسلام. كما ورقص الفلّاحون في احتفالات الحصاد بين أشجار الزيتون، مردّدين أناشيد قديمة تمجّد بركة هذه الشجرة المقدّسة وتربطها برغبات الآلهة والشفعاء.

خلطت النساء في المنازل القرطاجية زيت الزيتون بالعسل والبزورات المطحونة لتقوية أجسام الأطفال وتعزيز مناعتهم. وحفظن المؤن مغطّاة بطبقة رقيقة من الزيت في جرار مدهونة بزيت الزيتون لحمايتها من التلف والعفن. وفرك المستحمّون في حمّامات قرطاج العامّة أجسادهم بزيت الزيتون المخلوط بالرمل الناعم لتنظيف البشرة وتنعيمها.
جميع هذه العادات مستمرّة إلى اليوم دون تغيير، ونرى دور زيت الزيتون في مختلف تفاصيل حياة عرب المغرب العربي، إلى جانب دول جنوب غرب أوروپا.

في الشام ومنطقة المشرق
عرفت المنطقة ما بين الفرات وسيناء زراعة الزيتون منذ ٨٠٠٠ سنة، كما أسلفت. وما كانت ازدهرت هذه الزراعة لو لا أنّ زيت الزيتون دخل كل تفاصيل الحياة اليومية لسكّان المنطقة، بلا استثناء. فيُستقبل المولود بزيت الزيتون، ويودّع المتوفّى بزيت الزيتون، وما بين النهايتين الكثير من استعمالات هذا الزيت المقدّس.

دور زيت الزيتون في التراث النسوي
مزج العرب على سواحل بلاد الشام زيت الزيتون بالأعشاب العطرية لصناعة زيوت التدليك المقدّسة، واستخدموها في شعائر الزواج والولادة. كما وضع الناس في المراسم الجنائزية أواني زيت الزيتون في القبور، ليرافق موتاهم في حياتهم الأخرى. كذلك، رشّ العرب زيت الزيتون على عتبات منازلهم في الاحتفالات الموسميّة، اعتقاداً بقدرته على طرد الأرواح الشريرة وجلب الخير والبركة، والأرواح الشرّيرة هنا هي الأمراض؛ التي كان يُعتقد، قبل اكتشاف البكتيريا والڤيروسات، أنّ مصدرها هو روح شرّيرة (ريح خبيثة).
كثيراً ما ارتبط زيت الزيتون بالمرأة في تفاصيل حياة المشرق، لسعة دور المرأة الريادي في مجتمعات الأحقاب ما قبل الرومانية.
طبخت النساء في الحقبة الفينيقية بزيت الزيتون النقي. فأضفى نكهة مميّزة على المخبوزات والمشويّات والأسماك. وسكبن زيت الزيتون الطازج فوق الشُربة الساخنة والمَرَق المتبّل بالأعشاب البرّية. وغمس الآكلون في موائد الطعام اليومية الخبز الرقيق في أوعية زيت الزيتون المعطّر بالثوم والزعتر البري.

في المجال الديني وشعائره، كانت المرأة تؤدّي دوراً محوريّاً في تقديم القرابين وشعائر زيت الزيتون. إذ استخدمت الكاهنات زيت الزيتون في المعابد الفينيقية للتطهير والمسح المقدّس. كما كانت النساء مسؤولات عن إعداد الزيت المخصّص للشعائر الدينية، إذ اعتُقد أنّ لمساتهن تضفي قدسيّة خاصّة على الزيت.
من الناحية الاقتصادية، شاركت النساء بشكل فعّال في إنتاج وتجارة زيت الزيتون. فكنّ يعملن في جني ثمار الزيتون وعصره واستخراج زيته في المعاصر المنزلية. وأظهرت النقوش والآثار المكتشفة في المنطقة أنّ بعض النساء كنّ يمتلكن بساتين الزيتون ويدرن تجارته، خاصّة في المجتمعات الفينيقية.

في مجال العناية بالجمال والصحّة، طوّرت النساء معرفة واسعة بالخصائص العلاجية والتجميلية لزيت الزيتون. إذ استخدمنه في تحضير المراهم والعطور وأدوات التجميل. كما كان يُستخدم في العناية بالبشرة والشعر، وفي علاج بعض الأمراض الجلدية. وتوارثت النساء هذه المعرفة عبر الأجيال. وغسلت النساء على شواطئ بلاد الشام شعورهنّ بزيت الزيتون الدافئ. فزاد لمعانها وطولها وكثافتها وعمق لونها، وهي عادة لم تزل ممارسة إلى اليوم.
في أثناء حياتي في سوريا، وكنت أعاني مشاكل شعر ناتجة عن وفرة الكلس في مياه الاستحمام. نصحتني امرأة بتطبيق القليل جداً من زيت الزيتون الحلو على بشرة الرأس، بعد الاستحمام مباشرة. وبقيت على هذه العادة عشر سنوات ما بين العشرين والثلاثين، فتغيّر لون شعري من الخرنوبي إلى الأسود، وتحسّنت طبيعة شعري منذ السنة الأولى لهذه المعالجة.

في الحياة المنزلية اليومية، كانت المرأة هي المسؤولة عن تخزين وحفظ زيت الزيتون في الجرار الفخارية الخاصّة، وتنظيم استخدامه في الطعام والإضاءة والتدفئة. وكان لديها دراية بأفضل طرق التخزين للحفاظ على جودة الزيت لأطول فترة ممكنة. فيمكن القول أنّها كانت معارف متوارثة في إطار النساء أكثر من الرجال، والأعراف أنّها معارف نسائية فقط، لا يهتمّ لها الرجال.
في المجال الاجتماعي والثقافي، ارتبط زيت الزيتون بشعائر نسائية خاصّة مثل مراسم الزواج، إذ كانت العروس تُدهن بزيت الزيتون المعطّر بالكمّون في اليوم السابق للدخلة كجزء من شعائر التحضير للزفاف. كما كان يُستخدم في شعائر الولادة والعناية بالمواليد الجدد. وهكذا، كانت مشاعر الوصال الأوّل مرتبطة بروائح الزيتون والكمّون، وكذلك كانت الرائحة المميّزة ليوم الولادة وأيّام النفساء.

من المثير للاهتمام أنّ هذه العلاقة الوثيقة بين المرأة وزيت الزيتون انعكست في الفنون والأساطير القديمة للمنطقة، حيث ظهرت آلهة مؤنّثة ارتبطت بشجرة الزيتون وزيته، مثل عشتار عند العرب الكنعانيّين، ممّا يدلّ على المكانة المقدّسة لهذه العلاقة في الوعي الجمعي القديم.
هذا التراث الغني من المعرفة والممارسات المرتبطة بزيت الزيتون شكل جزءاً أساسياً من الهوية الثقافية للمرأة فيما يُعرف اليوم ببلاد الشام، واستمرّ تأثيره حتى العصر الروماني وما بعده، حيث دُمج الكثير من هذه الممارسات في الثقافات اللاحقة.
وإلى جانب المرأة وهويّة المجتمع المؤنّثة، عرفت بعض المهن الذكورية ارتباطاً بزيت الزيتون. إذ دهن الصنّاع في مشاغل النجّارين الأخشاب بزيت الزيتون لحمايتها من التشقق والتسوس. وصارت رائحة الزيتون السمة المميّزة للمشتغلين في النجارة. كما عالج الحِرفيّون في ورش الدبّاغين الجلود بزيت الزيتون ما أكسبها ليونة ومتانة. فصارت هذه الحِرف أقرب إلى أجواء المتديّنين في مفاهيم تلك المجتمعات القديمة شرق المتوسّط.

استمرّت تلك القيم الروحية العالية لزيت الزيتون بعد العهد الروماني كذلك، وبقيت حيّة في مفاهيم الأديان العربية ما بعد الرومانية.
دور زيت الزيتون في الأعراف المعاصرة
عند ظهور المسيحيّة ارتبط زيت الزيتون بشعائر التعميد والمسح المقدّس. واستعمله القسّيسين والرهبان في تكريس الكنائس وتقديس الأواني اللّيتورچية. وأضاءت قناديل زيت الزيتون المحاريب والأيقونات داخل الكنائس البيزنطية والسريانية. فأضفت جوّاً روحانياً على الصلوات والقداديس.
مع انتشار التعاليم المسلمة استمرّ تقديس شجرة الزيتون وزيتها. إذ ورد ذكرها في القرآن الكريم بصفات البركة ستّ مرّات؛ في سورة الأنعام والنحل والنور وعبس والتين، إلى جانب الأحاديث النبوية؛ إذ ورد ذكر حوالي سبع أحاديث نبوية صحيحة، تتحدّث عن فوائده الغذائية والصحية وبركته.
وتصدّر زيت الزيتون والزيتون المحلّى موائد الإفطار في رمضان. كما ارتبط بالعبادة والتقوى. وأنارت مصابيح زيت الزيتون في مساجد المغرب العربي ساحات الصلاة وأروقة المدارس الدينية. فبقيت هكذا رائحة الزيتون السمة الأوضح لأماكن العبادة والدراسة الدينية. جرياً على نفس العادات القديمة شرق وجنوب المتوسط، طيلة الآلاف الخمس من السنوات الماضية.

تروي قصّة زيت الزيتون في حياة العرب حكاية تمتدّ لآلاف السنين. بدأت في ما يُعرف اليوم باسم سوريا، وانتقلت مع التجّار الفينيقيّين إلى تونس وغرب المتوسّط. وطوّر العرب على ضفاف المتوسّط معارف وممارسات متنوّعة مرتبطة بزيت الزيتون. فاستخدموه في الطبخ والعلاج والتجميل والإضاءة. ومنحوه قدسيّة خاصّة في شعائرهم الدينية وشعائرهم الاجتماعية. وابتكروا تقنيات متطوّرة لزراعة الزيتون واستخراج زيته وتخزينه. وأسّسوا تجارة دولية مزدهرة لزيت الزيتون، ونقلوا معارفهم إلى الشعوب المجاورة.
وتبقى شجرة الزيتون وزيتها المبارك جزءاً أساسيّاً من تراث العرب وهويّتهم. وتستمرّ اليوم ممارسات أسلافنا في استخدام زيت الزيتون، وتتناقل الأجيال معارفهم وتقاليدهم المرتبطة بهذه الشجرة المباركة.

المراجع
- Vossen, P. (2007). “Olive Oil: History, Production, and Characteristics of the World’s Classic Oils”. HortScience, 42(5), 1093-1100.
- Zohary, D., & Spiegel-Roy, P. (1975). “Beginnings of Fruit Growing in the Old World”. Science, 187(4174), 319-327.
- Terral, J.-F., et al. (2004). “Historical Biogeography of Olive Domestication in the Mediterranean Basin”. Journal of Archaeological Science, 31(1), 63-77.
- Mattingly, D. J. (1988). “Oil for Export? A Comparison of Libyan, Spanish and Tunisian Olive Oil Production in the Roman Empire”. Journal of Roman Archaeology, 1, 33-56.
- Greene, J. A. (1986). “The Carthaginian Port: A Perspective on the Organization of the Phoenician Commercial System”. World Archaeology, 18(2), 222-234.
- Serpico, M., & White, R. (2000). “Oil, Fat and Wax”. Ancient Egyptian Materials and Technology. Cambridge University Press, 390-429.
- Newton, C., et al. (2006). “Ancient Plants and People: Contemporary Trends in Archaeobotany”. University of Arizona Press.
- Bourdieu, P. (1977). “Outline of a Theory of Practice”. Cambridge University Press.
- Hamilakis, Y. (1999). “Food Technologies/Technologies of the Body: The Social Context of Wine and Oil Production in Bronze Age Crete”. World Archaeology, 31(1), 38-54.
- Meyers, C. (2003). “Women in Ancient Mediterranean Grain Processing and Stone Work”. Archaeological Papers of the American Anthropological Association, 13(1), 67-81.
- Margariti, E. (2004). “The Olive-press Rooms at Klazomenai: An Archaeobotanical Case Study”. Oxford Journal of Archaeology, 23(2), 123-138.
- Lancel, S. (1995). “Carthage: A History”. Wiley-Blackwell.
- White, K. D. (1970). “Roman Farming”. Cornell University Press.





اترك رد