رسمة أمس الجمعة لمشهد لجبال العلويّين على الساحل السوري من الجهة الشرقية، إذ رأيتها تحاول الاندماج في غيوم السماء في حين تجري من تحتها مهاد بساتين الزيتون وترابها الأحمر.

أقدم توثيق لهذا الجبل يذكره باسم جبل برْگه (برْقة) تماماً كاسم برقة الليبية. وبرقة اللّيبية أسّسها في الواقع مهاجرون كنعانيون من برگة السورية. والتوثيق الأقدم يرد في النصوص الرسمية المصرية خلال الألف الثالث قبل الميلاد، إذ كانت للمصريين من أهمّ مصادر الأخشاب.
قبل خمسة آلاف سنة على الأقل، أسّس المحلّيون في حضن الجبل مدينة أسموها ”بَرْگَه“ بمعنى ”الجبلية“ من كلمة ”بَرْگ“ التي كانت تعني الجبل، أو الأرض العالية… وصارت برْگة مملكة ثريّة ذات حضور على الساحل السوري وسيطرت على كامل سلسلة الجبال خلفها، وجاورت ممالك مهمّة في ذلك الزمن؛ هي مملكة قطْنا (حمص) على شرقها ومملكة يمحاض (حلب) على شمالها. وقبل وجود قطْنا ويمحاض، عاشت هذه المملكة الصغيرة برْگة كأحد ولايات الإمبراطورية الإبلاوية، كما استمرّت كمملكة تابعة للحيثيّين.
حافظت جبال برگة على شخصيتها واسمها حتى خلال العهد الهيليني، إذ استمرّت الجبال تحمل اسم مملكة برْگة لأكثر من ثلاث آلاف سنة. وورد ذكرها في التدوينات الهيلينية بصيغة ”برگيلُس“ Όρος Μπάργυλος كما ذكرها پليني الأكبر. وكذلك ذكرتها التدوينات البيزنطية باسم Bargylus mons Domini وترد في التدوينات الأوروپية القديمة باسم Domaine de Bargylus. وترد كذلك باسم بارسيلُس وبرثيلون وبرشيلُ.
خلال الفترة الهيلينية أطلق العرب على الجبل اسم بارجيلوس تحويراً للتسمية الإغريقية، ثمّ صار اسمه خلال الفترة البيزنطية ومنذ نهاية القرن السادس ”جبل بهراء“ مع امتداد سيطرة أمارة بهراء العربية على كامل الجبل من الرصافة. وكانت بهراء من أكثر الإمارات المسيحية تديّناً وتشدّداً للمسيحية الرومية، تحالفت مع الغساسنة سياسياً ثمّ انقلبت عليهم مع انحياز الكنيسة السريانية إلى صفّ الدولة الإسلامية الجديدة. فقاومت الإسلام وحاربت المسلمين العرب في صفوف الجيش البيزنطي ما بين سنتي 629 حتى 634، حين تحوّلت بهراء كاملة إلى الإسلام مع سيطرة الدولة الإسلامية على سوريا.
استمرّ العرب باستعمال اسم جبل بهراء حتّى نهاية القرن 13، حين تحوّل عرب بهراء إلى الطائفة النصيرية (الأنصارية) فصار اسمه ”جبل النصيرية“ نسبة إلى ”محمد بن نصير النميري“. إذ كان مركز النصيرية قد انتقل من حلب إلى اللاذقية بداية القرن الحادي عشر مع نزوح الفيلسوف أبو سعيد الميمون سرور بن قاسم الطبراني عن حلب إلى اللاذقية… وعلى الهامش: يشيع أنّ أبو سعيد الطبراني أصولاً من مدينة طبريا الفلسطينية، لكنّ الحقيقة أنّه من مواليد طبرستان على بحر قزوين سنة 969، وانتقل إلى حلب في طلب العلم سنة 987.
ومن القرن 13 حتّى القرن 19 استمرّت تسمية جبل النصيرية تُستعمل بشكل رسمي في الخرائط الحكومية وشائعة بين الناس، ثمّ رغبت الناس بتغييرها، فصارت مرّة تطلب اسم جبل الخصيبية نسبة إلى الحسين بن حمدان الخصيبي والطائفة الخصيبية، وتارة تطلب اسم جبل الفلّاحين، ذلك أنّ البعض من العلويّين رغبوا باسم ”طائفة الفلاحين“ بديلاً عن النصيرية كما يقول بطرس البستاني. لكن، ومع الاحتلال الفرنسي لسوريا، ثبّتت الإدارة الفرنسية تسمية ”جبل العلويّين“ بتأسيس “مقاطعة العلويين” سنة 1920 ثمّ دولة العلويّين سنة 1922، التي انتهت سنة 1936 بانضمامها إلى دولة حلب، ومن ثمّ إلى الاتّحاد السوري، الذي صار الجمهورية السورية.
عموماً، جبل العلويّين من أجمل المناطق السورية طبيعياً، تملأه غابات السنديان والصنوبر ومدرّجات الزيتون والتفّاح، وتعيش فيه أعداد كبيرة من الذئاب والثعالب والضباع والخنازير البرية والأرانب والسناجب والقنافذ والخلدان. ومن طيورها الشحرور وأبو لحن والدوري والغراب والباشق والنسر والبوم وغيرها.





اترك رد