رسمة أمس السبت رسمت فيها وجه إحدى شخصيات مسلسل أرطغرل، وتخيّلتها نظرة الملكة تومريس خاتون الساكا في أثناء ممارستها القنص.

قديماً كان من عادات بنات التُرك إتقان فنّ الرماية واحترافه في الثقافة السكوثية، وهي ثقافة التُرك الرعاة التي عاشت جنوب غرب آسيا ما بين الهند والقوقاز طوال الأعوام الألف التي سبقت المملكة الساسانية… تمرّست بنات الترك بالرماية لممارسة الصيد، إذ كانت ثقافة ترك سكوثيا تفترض تخصّص الشباب بالخروج بالحيوانات إلى المراعي، في حين تمارس البنات الصيد لتأمين قوت الأطفال والكبار ريثما يعود الرجال من رحلات سياحة الظعن؛ التي قد تمتدّ أسابيع وأشهراً أحياناً.
هكذا، وبينما تمرّست بنات الترك مع صبيانهم على ركوب الخيل منذ الصغر، تميّزت الفتيات بحمل قوس الرماية في الوقت الذي تُرك فيه السيف للصبيان، ولطالما تمرّدت البنات طالبات حمل السيف كالصبيان، في حين يسخر الناس من صبيّ إذا حمل قوس النشّاب تخصّص البنات.
تومريس كانت ملكة شعب سمّى نفسه الماساگت (ماساژت) خلال القرن السادس قبل الميلاد، وكانت مملكتهم ساكا بمنزلة قازاقستان المعاصرة، تحتلّ مساحة في غرب تركستان تمتدّ ما بين بحر قزوين وحدود الصين المعاصرة. إذ توزّعت أراضيها على أقسام ممّا نعرفه اليوم باسم تركمنستان وأفغانستان وغرب أوزبكستان وجنوب قازاقستان.
وصلتنا شُهرة هذه المملكة بعد 2500 سنة لأنّ هيرودوت ذكرها في سيرة أهمّ الحروب التي خاضها قوريش العظيم في آسيا، ثمّ لم يقدر على ضمّ تلك البلاد لأنّ الملكة تومريس هزمت قوريش وقتلته سنة 530 ق.م. وسجّل التاريخ أن جيشاً من المقاتلات النساء الشديدات هزم جيش قوريش العظيم، وهو الجيش التي صارت سيرته لاحقاً أسطورة المقاتلات الأمازونيات في الثقافة الإغريقية.
في الواقع كان جيش تومريس من أبناء وبنات شعبها الماساگت، تولّت فيه البنات مهام القنص والرماية والفروسية في حين نزل الصبيان بسيوفهم وعرباتهم المدرّعة يقطفون رؤوس مشاة قوريش. وهكذا نجت مملكة ساكا عن دخولها بوتقة الإمبراطورية الأخمينية على الرغْم من دخولها المجال الاقتصادي الإمبراطوري لاحقاً خلال عهد دارا بن قوريش.
قبل وقوع الحرب ما بين الأخمينية وساكا تقدّم قوريش بعرض زواج للملكة تومريس، وبينما قبلت الملكة بداية بالعرض تراجعت لاحقاً وقد شعرت بالخبث في عرض قوريش، ثمّ فقدت ثقتها بالأخمينيّين حين قاموا بتجنيد اللاجئين الماساگت وتسليحهم ضدّ بني جلدتهم في ساكا. بعد رفض العرض توتّرت العلاقات بين المملكتين وأرسل قوريش من يغتال الخاتون تومريس، لكنّ المحاولة فشلت وانتهت بقتل ابنها وقائد جيوشها اسپَرگَپِش. وشاع أنّ قوريش أمر باغتيال تومريس غاضباً تحت وطأة الخمر، بينما يذكر هيرودت أن اسپَرگَپِش هو الذي كان مخموراً في خيمته حين اغتاله رجال قوريش.
حزنت الخاتون لمقتل ابنها الحبيب اسپَرگَپِش، وهو ذراعها اليمنى وقائد جيوشها، وتوعّدت بقتل قوريش وشرب دمائه كما كان يشرب النبيذ ساعة أمره بقتل اسپَرگَپِش، أو كما كان يشرب اسپَرگَپِش حين قُتل. وبالفعل، بعد مقتل قوريش سيق برأسه إلى الخاتون تومريس مع كبده، فوضعت الرأس في حوض منقوعاً بدماء قوريش المخلوطة بخمرة الماساگت الساكي. ثمّ شربت منه لأيّام عديدة تأمل بإرواء مشاعر رغبتها بالانتقام.
تُعرف الخاتون تومريس بأسماء عديدة باختلاف اللّغات التي دوّنت سيرتها وأسطورتها، فهي توميرِس وتومورِس وثوميرِس وطومرِس وطومِرِده وتومِرِ وتومِرِه وتماره… وبينما صار اسمها بالفارسية تَهمرَییش يعني الشجاعة، يُشتقّ اسمها في التركية حقيقة من اسم الحديد تُمير temir ودُمير demir.
عموماً، في العصر الهيليني شكّل ترك الماساگت خاقانية كيماك (کیمک خاقانلیغی) التي أسّست لخانية القازاق بعد الإسلام. ونتج عن سرايا خاقانية كيماك في القوقاز شعب القفجاق (القبجاك) إحدى الشعوب التي كوّنت مملكة شركيسيا (شركاسيا) التي أنهى وجودها وأبادها الروس أخيراً. ويُعرف القفجاق كذلك بالكِپچاك والقِپچاك والپولوڤتسيان. ومن فروعهم كذلك الأوزبك متفرّعين عن تزاوج القفجاك بالقبيلة الذهبية المونگولية.





اترك رد