تكشف لنا صفحات التاريخ المنسيّة عن عالم مختلف تماماً عمّا نعرفه اليوم في وسط آسيا. فقبل ألفيّ عام، سادت في هذه المنطقة ثقافة أنثويّة قويّة، جعلت من النساء محور الحياة العسكريّة والسياسيّة. كانت الملكات يحكمن، والمحاربات يقدن الجيوش، في مجتمع يقدّر القوّة والشجاعة بغضّ النظر عن الجنس. هذا العصر الذهبي للمرأة في تركستان وخراسان استمرّ لقرون طويلة، تاركاً إرثاً غنيّاً من التقاليد والأساطير التي ما زالت تتردّد أصداؤها حتّى يومنا هذا.
في التراث الأوزبكي والقازاقي كان الرجل ينادي زوجته بكلمة “هتون” بمعنى السيّدة. و{هتون} هذه هي التي صارت في بعض اللّغات خاتون. لكنّ بعض العرب استعملت هتون اسم علم. وأصلها الكلمة خاتٌ (هآت) بمعنى صخرة البيت، حجر الأساس. وهي بنفس المعنى في المصريّة القديمة وفي الأگّديّة. وأقدم تسجيل لها يعود إلى النقوش الأورخونية، لكنّنا نعلم تداولها من قبل ذلك بكثير.
في الأگّدية:
خَتُّ 𒄩𒌅 تعني استقرار
بيتُ 𒂍 تعني بيت.
وكان يقال {خَتُّ بِتُّ بيتِم} بمعنى حجر البيت.
في المصرية القديمة:
حت 𓉗 تعني بيت. وكان يقال مثلاً حت-حر (حتحور) بمعنى بيت الحور، آلهة الحبّ والجمال.
خت 𓎛 تعني حجر الثبات، حجر أساس. واستُعملت كذلك تسمية للأنصاب والتماثيل المقدّسة دلال على أساسيّتها في الحياة الروحية.
في الأورخونية:
في النقوش الأورخونية وردت بشكل 𐰴𐰆𐱃𐰆𐰣 وتُقرأ بعدّة أشكال، منها: قاتان، قاتون، خوتون، خوتان، هاتون، هوتان…

الفارسة الهتون
كان من وجبات الهتون الخروج للصيد وتأمين قوت البيت، في حين يخرج الرجال لمسافات بعيدة لرعي الحيوانات وجمع الثمار والأعشاب البرّيّة. لذلك كانت تدرَّب البنات من الصغر على الرماية، وضُربت الأمثال في مهارة النساء في ضرب الرمح واستعمال القوس.
في أقاليم وسط آسيا، تشكّلت علاقة عميقة بين النساء وفنون الصيد والرماية، وأخذت هذه المهارات بُعداً يتجاوز الضرورة اليوميّة إلى أن أصبحت جزءاً من هويّة المجتمع. عاش البدو في بيئة قاسية تطلّبَت إتقان أفرادها مهارات متنوّعة لضمان البقاء. ومع انشغال الرجال برحلات طويلة للتنقّل بين المراعي الموسمية، كان على النساء تحمّل مسؤوليّات كبيرة، ليس فقط داخل البيت، بل خارجه أيضاً.
تعلّمت الفتيات الرماية منذ الصغر كجزء من التربية الأساسيّة، وتلقين تدريبات مكثّفة على استخدام القوس والرمح. المهارة في التصويب لم تكن مجرّد حاجة عمليّة، بل رمزاً للفخر والتقدير. تحوّلت المسابقات في الرماية والصيد إلى مناسبات اجتماعيّة تُبرز فيها النساء مواهبهن، واكتسبن بذلك مكانة خاصّة في القبائل. هذه المهارات لم ترتبط بتأمين الطعام فقط، بل كان لها أبعاد أخرى متعلّقة بحماية الأسرة والدفاع عنها في حالات الطوارئ.
النساء البارعات في الرماية اعتُبرن قدوة للأجيال الشابّة، وتناقلت الناس القصص حول بطولاتهن في مطاردة الغزلان أو حماية المواشي من الحيوانات المفترسة. هذه القصص رُويت في جلسات السمر وساهمت في تعزيز صورة المرأة الشجاعة والقادرة. ولم تقتصر تلك المهارات على الصيد، بل شملت الدفاع عن القرى الصغيرة التي كانت عرضة لهجمات القبائل الأخرى، ما أضفى على النساء أدواراً حيويّة في مجتمعهن.
صار القوس في هذه المجتمعات رمزاً للقدرة والحكمة، وحملنه النساء في مناسبات معيّنة ليعبّر عن الاستقلاليّة والاعتماد على الذات. هذا التداخل بين الفروسيّة والرماية والصيد أعطى النساء مكانة استثنائيّة في حياة البدو، وأكسبهنّ احتراماً كبيراً ضمن محيطهنّ القبلي.

في حياة نساء وسط آسيا قديماً، ارتبطت الفروسية والخيول بروح الهويّة والتقاليد العريقة. كانت الفرس جزءاً أساسيّاً من حياة البنت منذ ولادتها، إذ كانت الأسرة تُبارك قدومها بميلاد فرس صغيرة تُسمّى على اسمها، ما يعكس رمزيّة عميقة تربط بين الفتاة وفرسها في رحلة نموّهما معاً. هذه العلاقة بين الفتاة وفرسها تجاوزت المألوف، فأصبحت الفرس أكثر من مجرّد وسيلة نقل أو صيد، بل رفيقة عمر ومصدر فخر وسند.
في المجتمع البدوي، شكّلت الفروسيّة جزءاً من تربية البنات، وكان تعليمهنّ ركوب الخيل مهارة أساسيّة تزرع فيهن الثقة والشجاعة. الحضور الأنثوي على ظهر الفرس لم يُعدّ مظهراً غريباً، بل شكّل جزءاً من المشهد اليومي. الفارسة المدرّبة على التحكّم بفرسها بدقّة كانت رمزاً للقوّة والقدرة، وشاركت في مطاردة الطرائد وحماية القوافل. مثل هذه المهارات لم تقتصر على المظاهر العملية، بل امتدّت لتشمل الجوانب الاجتماعية والرمزية.
في الزواج، كانت الفرس هديّة رمزيّة يقدّمها الرجل لزوجته كتعبير عن التقدير والمحبّة. هذا التقليد يعكس تقدير الرجل لمهاراتها الفروسية، ويعبّر عن رغبة في دعمها وتعزيز استقلاليّتها حتّى بعد الزواج. الفرس الجديدة تصبح شريكة للمرأة في مسيرتها الزوجيّة، فترافقها في تنقّلاتها وتُعينها في رحلات الصيد.
النساء اللاتي برعن في الفروسية حظين بمكانة خاصّة، وذكرت الحكايات والقصائد قصصهن بشغف. الفرسان الذكور رأوا فيهن شريكات ندّيّات، ورُويت قصص نساء تحدّين رجال القبائل في سباقات الخيل أو أنقذن قوافل من اللّصوص بفضل مهاراتهن. لم تكن الخيل مجرّد حيوانات ركوب، بل مرآة تعكس قوّة الروح الأنثوية وصلابتها.

السامان، كرهو العرب والمرأة
استمرّت مكانة الهتون في المجتمع الأوزبكي إلى أن قضى عليها السامانيّون بعد مجزرة ترمز في القرن التاسع، زعماً أنّ الدين للرجال فقط. مجزرة ترمز في القرن التاسع أباد فيها السامانيّون المدرسة العسكرية للنساء. وكانت من عادات أوزبكستان وقيرغيزيا قبلها أن تكون النخبة العسكرية من ضابطات نساء. في الواقع، قضى السامان على مدرسة ترمز العسكرية بمجزرة لأنّ الضابطات انحزن إلى الطاهريّين العرب ورفضن دعم انقلاب الشعوبيّين السامان على سلطة العرب في خراسان (وسط آسيا).
في القرن التاسع الميلادي، تصاعد نفوذ السامانيّين الطخاريّين في خراسان وتركستان، وسعوا إلى تقويض سلطة الطاهريّين العبّاسيّين الذين هيمنوا على المنطقة عقوداً طويلة. أراد السامانيّون بناء حكم محلّي ينسجم مع مصالحهم القبلية ويدين بالولاء للعصبيّة الفارسيّة (الساسانية آنذاك)، في مواجهة النفوذ العربي الذي قاده الطاهريّون تحت راية الخلافة العبّاسيّة. اعتمد السامانيّون على تأجيج النزعة الشعوبيّة، معيدين إحياء سرديات تمجّد الإرث الساساني وتُقصي أي تأثير عربي في السلطة والتراث والثقافة. إلى درجة تزوير أنساب العلماء ومشاهير الأدباء.
من المهمّ هنا القول أنّ الهويّة الفارسيّة ما كانت تشكّلت بعد. لكن مساعي السامانيّين لتمجيد الإرث الساساني وتحقير العربي والتركي كانت إرهاصات، لما تطوّر لاحقاً على يد البويهيّين إلى هوية فارسيّة، على اسم مملكة البويهيّين فارس نفسها.
لكنّ مشروع السامانيّين لم يكن يهدف إلى إسقاط السلطة الطاهرية فقط، بل شمل تغييرات اجتماعيّة عميقة، منها استهداف البنية العسكريّة التي مثّلتها نساء تركستان لقرون طويلة. قلاع مثل قيرق قيز، التي خرجت منها نخبة الضابطات، كانت حجر عثرة أمام مخطّطات السامانيّين، خاصّة بعد أن انحازت المحاربات إلى الطاهريّين ورفضن الانقلاب الشعوبي. هذا التمرّد شكّل تهديداً شديد الْخَطَر للسامانيّين الذين أدركوا أنّ هذه المؤسّسات النسائية تمثّل أكثر من مجرّد حاميات عسكرية، بل فيها تعبير عن روح الاستقلال والولاء لقيم لا تخدم مشروعهم السياسي.
في مجزرة ترمز، لجأ السامانيّون إلى سياسة الأرض المحروقة لكسر شوكة هذه المقاومة. والقلعة التي شهدت تدريب الأجيال من الضابطات تحوّلت إلى ساحة إبادة، وسُفكت دماء المحاربات اللّاتي قاتلن حتّى آخر نفس دفاعاً عن إرثهنّ العسكري والسياسي. سقوط القلعة لم يكن مجرّد انتصار عسكري، بل خطوة حاسمة في تغيير ملامح المجتمع، إذ حرص السامانيّون على إلغاء أي دور للمرأة في الجيش والحياة العامة، وتوجيه المجتمع نحو هرميّة ذكوريّة صارمة.
التبرير الذي استخدمه السامانيّون لهذا التحوّل كان قائماً على تفسير ديني جديد يروّج لفكرة أنّ الرجال وحدهم يُناط بهم حمل المسؤوليّات الكبرى. هذا التوجّه كان يهدف إلى إعادة صياغة النظام الاجتماعي بما يخدم استقرار حكم السامانيّين، وتهميش كل ما قد يهدّد سلطتهم، سواء من النساء أو القبائل الموالية للطاهريّين.

بقيت مجزرة ترمز شاهداً على نقطة تحوّل مؤلمة في تاريخ المنطقة، حيث انتهى عهد الملكات والمحاربات ليبدأ عصر جديد تتحكّم فيه قوى تسعى إلى إعادة تشكيل الهويّة الاجتماعيّة بما يتناسب مع مصالحها السياسيّة. ورغم مرور القرون، ظلّ ذكر هذه الأحداث حيّاً في الذاكرة الشعبية، محفوراً في الأغاني والحكايات التي تتحدّث عن الشجاعة المفقودة وتنعى ذلك العصر الذهبي الذي كانت فيه المرأة عماد المجتمع وقلبه النابض.
التغيير الذي فرضه السامانيّون لم يكن مجرّد انقلاب سياسي أو اجتماعي، بل ارتبط بتشويه متعمّد لتعاليم الدين الإسلامي، حيث استُخدمت نصوص الدين لتبرير سياسات الإقصاء وتكريس الهيمنة الذكوريّة. الإسلام في جوهره جاء برؤية تحريريّة تُعلي من شأن العدالة والمساواة، وسمح للنساء في مراحل مبكّرة من التاريخ الإسلامي بالمشاركة في الحياة العامّة، بما في ذلك القتال والدفاع عن المجتمع. لكنّ السامانيّين أعادوا صياغة هذا الخطاب الديني بما يخدم مصالحهم الشعوبيّة، مطوّعين النصوص لترويج فكرة حصر المسؤوليّات الكبرى في أيدي الرجال وحدهم. هذا التأويل المنحرف عزل النساء عن أدوارهنّ التقليدية في القيادة العسكرية، وقطع صلاتهن بمؤسّسات عريقة مثل قيرق قيز، ما أسفر عن تهميشهنّ وإقصائهن من مواقع القوّة والقرار.
بهذا النهج، لم يكن هدف السامانيّين نشر الإسلام بصفائه، بل استخدامه أداة لإحكام السيطرة على المجتمع وتبرير القمع ضدّ القوى التي قاومت مشروعهم، سواء أكانت من النساء المحاربات أو من القبائل الموالية للطاهريّين. هذا التشويه الديني فتح الباب لتحوّلات اجتماعية أضعفت مكانة المرأة، وحوّلتها من شريك في بناء المجتمع وحمايته إلى تابع يقتصر دوره على نطاق ضيق داخل الأسرة، وهو ما عزل تركستان عن إرثها العريق الذي كان فيه التوازن بين الجنسين جزءاً أساسياً من هويتها.

مدرسة قيرق قيز الترمزيّة
في جنوب أوزبكستان المعاصرة وبالقرب من حدود أفغانستان تقع آثار قلعة قديمة في حدود مدينة ترمز termez، تلك المدينة التي ينتمي لها الترمزي المحدّث المعروف. اسم القلعة هو قلعة الأربعين فتاة {قيرق قيز} qyrq qyz وفي لهجات أخرى {قورق قوز}.
مدينة ترمز كانت سوقاً والمدينة الرئيسة التي يجتمع فيها الترك والعرب سنويّاً للاحتفال بعيد النوروز، في ساحة قلعة قيرق قيز. وبينما يوحي اسم هذه القلعة بحكايات السلطان والحريم، لكنّها في الواقع شاهد على تاريخ شديد الأنثويّة لثقافة المنطقة. إذ وطوال ألف سنة سبقت الإسلام ومن قبل عهد إمبراطورية الگوك-تورك لم تعرف خراسان غير الملكات، هنّ اللاتي أنشأن قلعة قيرق قيز قبل ألفيّتين كمدرسة عسكرية داخليّة؛ لتدريب، في كلّ دفعة، أربعين فتاة يشكّلن حامية الملكة من المحاربات الشديدات وضابطات الجيش.
كان اختيار الفتيات يجري في شعائر احتفاليّة في طول البلاد وعرضها، تقدّم فيها القبائل أمهر وأذكى عذراواتها، فيتنافسن حتى تنجح في التصفيات الأخيرة الفتيات الأربعين، اللاتي ينتقلن للدراسة والتدريب القاسي طيلة أربع سنوات في قيرق قيز. وبقيت المدرسة في الاستعمال على شعائرها حتى القرن الثالث ما بعد الحكم الإسلامي لتركستان، حين أحرقتها قوّات الدولة السامانية مطلع القرن التاسع الميلادي في مساعيها لبسط سيطرتها على تركستان الغربية.

وتذكر أسطورة اسم آخر قائدات قيرق قيز القائدة گوهار، التي قاتلت مع حامية القلعة من الفتيات ببسالة حتى قتلن بأغلبهنّ، وأصيبت هي نفسها بجراح غسّلتها بدمائها. ثمّ نهضت أمام تقدّم رجال السامان وكانت خوذتها قد سقطت عن شعرها الأسود الطويل المخضّب بخضابها، لتصرخ بما تبقى فيها من جرأة وتنادي {اسمي گوهار، وأغلب بنات كتيبتي قُتلن في هذه المعركة، وأتحدّى قائدكم في نزال ليواجهني}.
استشهدت گوهار بشرفها في تلك المعركة وسقطت قلعة ترمز، ثمّ بنى فيها الأمير الساماني لاحقاً مصيفاً بقي ملهى للانعزال عن المدنية والخلوة عن الناس.
في قلب تركستان القديمة، كانت قلعة قيرق قيز رمزاً لعصر نسائي مهيب، نسجته الأجيال عبر ملاحم متواصلة من القوّة والانضباط. لم تكن القلعة مجرّد مبنى حجري، بل مؤسّسة عسكرية صارمة، تحتضن بين جدرانها نخبة من المحاربات المدربات على أساليب القتال والإستراتيجيات العسكرية. اختيرت الفتيات وفق تقاليد احتفالية تشارك فيها القبائل بمرشّحات من خيرة بناتها، ممّن أظهرن ذكاءً حاداً وبراعة بدنية تليق بحارسات الملكة.
التدريب داخل القلعة لم يكن مقتصراً على المهارات القتالية، بل شكّل تجربة شاملة تمتدّ عبر أربع سنوات من التدريب البدني والنفسي، حيث يُصقل الجسد وتُهذّب الروح. تعلّمت المحاربات فنون التخطيط والحرب، إلى جانب فنون القيادة واتّخاذ القرار في مواقف تضيق فيها الخيارات. الحياة في القلعة كانت تعتمد على نظام صارم يفرض الانضباط التام، إذ كانت هذه المدرسة العسكرية تنتج نساء يتمتّعن بالكفاءة التي تخوّل لهنّ قيادة الفرق العسكرية والدفاع عن الملكة والبلاد.
كانت شعائر اختيار المحاربات وتدريبهن في قيرق قيز ذات أبعاد اجتماعية ودينيّة عميقة، إذ جسّدت هذه الشعائر روح الوحدة والافتخار لدى القبائل. والاحتفالات التي رافقت تصفيات الفتيات الأربعين أكّدت مكانة هذه المؤسّسة العسكريّة كمركز تتقاطع فيه التقاليد الحربية والشعائر الروحية. كل فتاة اجتازت التدريب بنجاح لم تكن فقط محاربة، بل أيقونة تمثّل كبرياء قبيلتها وأملها في نيل الشرف.
ظلّت القلعة تعمل على هذا النحو حتى القرون الأولى بعد دخول الإسلام إلى تركستان. لكن سقوط القلعة في مواجهة الدولة السامانية شكّل نهاية مؤلمة لهذا العصر. أسطورة گوهار، القائدة الأخيرة لحامية الفتيات، تخلّدت في ذاكرة الناس كرمز للمقاومة والشرف. تحدّيها الأخير، وهي تنزف بين جثث زميلاتها، يُحكى عنه كأحد أكثر مشاهد الشجاعة تأثيراً في تاريخ المنطقة.
بهذا الإرث، بقيت قيرق قيز في الذاكرة الجماعيّة رمزاً لتاريخ طويل من القوّة الأنثوية التي لا تقلّ شأناً عن الفروسية والقيادة الذكوريّة، وترك غيابها أثراً عميقاً في هويّة المجتمع، الذي ظلّ يذكّرها بوصفها مدرسة صنع فيها التاريخ على أيدي النساء.

مهرجان البنات
شعائر اختيار البنات لمدرسة قيرق قيز كانت تمتدّ على مدار عام كامل، حيث تجوب لجان مختصّة من المحاربات القرى والمخيّمات في كلّ أنحاء تركستان بحثاً عن العذراوات الأكثر تفوّقاً في الجسد والعقل. العائلات كانت تنتظر هذه اللّحظة بفخر، فترشيح فتاة لهذه المدرسة يعني اعترافاً بمكانة قبيلتها. تبدأ العملية بتقديم العذراوات في شعائر احتفالية أمام الشيوخ والنساء الأكبر سنّاً، وتُختبر كلّ واحدة بالقدرة على التحمّل البدني والمهارات الأولية، مثل الرماية وركوب الخيل والسباحة، إلى جانب اختبارات في الذكاء والتخطيط.
مع تقدّم المراحل، تقلّ أعداد المتنافسات تدريجياً، وتُجرى التصفيات في مهرجانات جماهيريّة تتجمّع فيها القبائل من كلّ صوب. في هذه المناسبات، تُنظّم مسابقات قاسية، لا مكان فيها للضعف أو التردد، فتتنافس الفتيات في سباقات الخيل الطويلة عبر السهول الوعرة، وتُختبر شجاعتهن في اصطياد الفرائس البرية. إلى جانب ذلك، يخضعن لاختبارات نفسية شديدة، تُوضع فيها الفتاة أمام خيارات صعبة تتطلب اتخاذ قرارات سريعة. الفائزة لا تُكرّم فقط، بل تصبح مصدر فخر قبيلتها سنوات طويلة.
عند قبولهن أخيراً في قيرق قيز، تدخل الفتيات في حياة عسكريّة صارمة تفرض عليهنّ الامتناع عن الزواج والإنجاب طيلة فترة خدمتهن، التي غالباً ما تستمرّ سنوات عديدة. الالتزام بحياة العسكر كان يعدّ قسماً لا يقلّ أهمّيّة عن طقوس القتال نفسها. الفتاة التي تعيش في القلعة تُكرّس حياتها بالكامل لخدمة الملكة وحماية البلاد، وتكون على استعداد للتضحية بكلّ ما لديها. فكرة الزواج أو إنجاب أطفال كانت تُعد خيانة للروح الجماعية التي تتطلّبها حياة المحاربات.
هته المحاربات عشن في مجتمع منفصل داخل أسوار القلعة، يتشاركن الطعام والتدريبات والاحتفالات الصغيرة التي تُقام تكريماً لإنجازاتهن. وهذا الانعزال لم يكن مفروضاً عليهن، بل كان خياراً واعياً يعبّر عن التزام كامل بفلسفة القتال. المحاربة تنظر إلى رفيقاتها باعتبارهنّ شقيقاتها وعائلتها الحقيقية، وإلى فرسها وسلاحها كأقرب ما تملك.
كانت هذه الحياة الصارمة تخلق رابطة قويّة بين المحاربات، قائمة على الثقة المطلقة والانضباط. وعندما تخوض إحداهنّ المعركة، تعرف أنّ زميلاتها سيقاتلن بجانبها حتى الرمق الأخير. هذا الالتزام الراسخ منحهن مكانة أسطوريّة في الذاكرة الشعبية، فلم ينظر إليهن المجتمع كمجرد مقاتلات، بل كمثال حي على الشجاعة المطلقة والتضحية بلا مقابل.

يبقى تاريخ المرأة في وسط آسيا شاهداً على تحوّلات عميقة في المجتمع والثقافة. فمن عصر كانت فيه المرأة في قمّة الهرم الاجتماعي والعسكري، إلى زمن تراجعت فيه أدوارها تدريجيّاً، نرى كيف أنّ التغيّرات السياسيّة والدينيّة يمكنها أن تعيد تشكيل المجتمعات بِرُمَّتها. لكن، برغم محاولات طمس هذا الإرث، ظلّت ذكرى المحاربات والملكات حيّة في الوجدان الشعبي، تلهم الأجيال الجديدة وتذكّرها بماض مجيد كانت فيه المرأة رمزاً للقوّة والحكمة. ولعلّ في استعادة هذه القصص اليوم ما يدفعنا إلى إعادة النظر في أدوار الجنسين في مجتمعاتنا المعاصرة، وفتح آفاق جديدة للمساواة والتكامل.

مراجع
- Baumer, C. (2016). The History of Central Asia: The Age of Islam and the Mongols. I.B. Tauris.
- Golden, P. B. (2011). Central Asia in World History. Oxford University Press.
- Harmatta, J. (1994). History of Civilizations of Central Asia: The Development of Sedentary and Nomadic Civilizations, 700 B.C. to A.D. 250. UNESCO Publishing.
- Kamp, M. (2006). The New Woman in Uzbekistan: Islam, Modernity, and Unveiling under Communism. University of Washington Press.
- Manz, B. F. (2016). Women in Central Asia. Oxford Research Encyclopedia of Asian History.
- Northrop, D. (2004). Veiled Empire: Gender and Power in Stalinist Central Asia. Cornell University Press.
- Soucek, S. (2000). A History of Inner Asia. Cambridge University Press.
- Tursun, A. (2019). Women Warriors in Central Asian History. Journal of Central Asian Studies, 26(2), 45-62.
- Winkelmann, M. J. (2004). From Behind the Curtain: A Study of Girls’ Madrasa in India. Amsterdam University Press.
- Zerjal, T., et al. (2003). The Genetic Legacy of the Mongols. The American Journal of Human Genetics, 72(3), 717-721.
⠀





اترك رد