هذه واحدة من القصص المخبوءة لاستغلال بريطانيا لظروف الشام في أثناء الحرب الأهلية، أشاركك فيها ورقة من أرواق كتابي {وانفطرت: كتاب الحرب الأهليّة الشاميّة ١٨٣٤-١٨٦١}.
عاشت أرياف الشام قبل منتصف القرن التاسع عشر حياةً مستقرّةً متوارثةً. تكاملت فيها أدوار أفراد العائلة الواحدة، فأمسك ربّ البيت بزمام العمل في الأرض، وأدارت الأم شؤون المزرعة، وساعد الأبناء في الفلاحة والحصاد. وتعاونت العائلات في المواسم والأعياد، وتشاركت في الأفراح والأتراح.
استمرّت هذه الحياة الريفية المتوازنة جيلاً بعد جيل، حتى دخلت شركة {ليڤرپول أند ليڤانت} البريطانية إلى المنطقة. التي غيّرت معالم الحياة الاجتماعية والاقتصادية في الشام تغييراً جذرياً، وفرضت نظاماً استعمارياً أفقد الفلّاحين أراضيهم وحوّلهم إلى عمّال بأجور زهيدة.
قبل ١٨٥٠ كانت الروابط الاجتماعية لفلّاحي حوران والغاب مبنية على العمل في الأرض. المرأة (الأم) مسؤولة عن إدارة شؤون المزرعة. ربّ العائلة هو ربّ العمل في الأرض، وأبناءه عمّال يديه، والكلمة العليا بالتالي لكبار العائلة. وتتعاون عائلات في المواسم الزراعية والأعياد والمناسبات الاجتماعية… هذه كانت الصورة التقليدية لأرياف الشام.
في النصف الثاني من القرن ١٩ أحدثت بريطانيا تدميراً شاملاً للنسيج الاجتماعي والاقتصادي في الشام. فخسر الفلّاحون أراضيهم الزراعية في سهول حوران وحماة بعد استيلاء الشركة البريطانية عليها بأساليب غير مشروعة. وسيطرت شركة LLC على تجارة المحاصيل وصدّرت معظم الإنتاج إلى بريطانيا، ممّا سبّب نقصاً في المواد الغذائية وارتفاعاً في أسعارها.
فرضت شركة بريطانية نظاماً وحشياً فتّت العائلات في الشام. إذ تحوّل الفلّاح من مالك أرضه إلى عامل فيها، وخسرت المرأة دورها التقليدي في إدارة شؤون المزرعة العائليّة، وصارت عاملة في حقول الشركة مع زوجها وأبنائها مقابل أجور زهيدة. ففقدت العائلات ترابطها المبني على العمل الزراعي المشترك، وضاعت سلطة كبار السن على أبنائهم، وتلاشى التكافل بين العائلات، وماتت عادات المشاركة في المواسم والأعياد، وهاجر الشباب طلباً للرزق، فتمزّق النسيج المجتمعي الشامي برمّته.
أجبرت LLC الفلّاحين على زراعة محاصيل تناسب السوق البريطانية ومنعتهم عن زراعة ما يحتاجونه من طعام. فنتج عن هذه السياسات تراجع في الإنتاج الزراعي وضعف في القدرة على تحقيق الاكتفاء الغذائي. وأدّى هذا التدخل الاستعماري إلى تعميق التبعية الاقتصادية للخارج وتقويض استقلال القرار السياسي في الشام.
هذا كلّه وكانت الشام لم تزل محسوبة اسمياً على السلطنة العثمانية.

وإليك التفاصيل
أسّست مجموعة من التجار البريطانيّين شركة {ليڤرپول أند ليڤانت} LLC – Liverpool and Levant Company في مدينة {ليڤرپول} البريطانية. وبدأت نشاطها التجاري في الشام مع بداية النصف الثاني من القرن ١٩. واستغلّت نفوذها السياسي عبر علاقاتها المباشرة مع السفير البريطاني في القسطنطينية ستراتفورد كانينگ Stratford Canning.
نجحت LLC في استصدار فرمان سلطاني عام ١٨٥٠ سمح لها بشراء الأراضي الزراعية في إيالات الدولة العثمانية. ودفعت مبالغ مالية كبيرة على شكل رشاوي لكبار الموظفين العثمانيّين لتسهيل عملية شراء الأراضي. واشترت مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية الخصبة في سهول حوران جنوب سوريا وفي سهل الغاب قرب مدينة حماة.
سيطرت LLC على تجارة المحاصيل الزراعية في المنطقة. وصدّرت القمح والشعير والذرة إلى بريطانيا عبر ميناء بيروت. فأثّر نشاطها على الاقتصاد للمنطقة. وتحوّل الفلّاحون من مُلّاك إلى عمّال زراعيّين في أراضيهم.
غيّرت شركة LLC البنية الاجتماعية والاقتصادية للشام تغييراً جذرياً. وانخفضت المداخيل وتدهورت الأحوال المعيشية. وارتفعت أسعار المحاصيل الزراعية في الأسواق بسبب تصدير معظم الإنتاج إلى بريطانيا. وعانى السكان من نقص في المواد الغذائية الأساسية كالقمح والشعير.
استغلت الشركة البريطانية نفوذها السياسي والاقتصادي لتحقيق أرباح طائلة على حساب أهل البلاد. وسيطرت على تجارة المحاصيل الزراعية في المنطقة وتحكّمت في أسعارها. وفرضت على الفلّاحين زراعة محاصيل معيّنة تناسب احتياجات السوق البريطانية، بغضّ النظر عن احتياج السوق الشامية. ومنعت المزارعين من تنويع محاصيلهم أو زراعة ما يحتاجونه من مواد غذائية.
ظهرت آثار هذه السياسات الاستعمارية على المدى البعيد بصورة واضحة. إذ تراجع الإنتاج الزراعي وضعفت قدرة المنطقة على تحقيق اكتفائها الغذائي. وتفكّكت العلاقات الاجتماعية التقليدية المبنية على الملكية الصغيرة للأراضي. وبرزت طبقة جديدة من العمّال الزراعيّين المعدمين التي ما عرفتها الشام في تاريخها المسلم.
ساهمت هذه التحوّلات في تغيير النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع الشامي. ومهّدت الطريق لمزيد من التدخل الأجنبي في شؤون المنطقة خلال القرن ٢٠. وأدّى هذا التدخّل إلى تعميق التبعية الاقتصادية وتقويض استقلال القرار السياسي في الشام وحلب.
أسّست عائلة توماس بوند Thomas Bond شركة “ليڤرپول أند ليڤانت” Liverpool and Levant Company في مدينة ليڤرپول عام ١٨٤٧.
ساهم معه شقيقه جيمس بوند James Bond وابن عمه ويليام بوند William Bond في تأسيس الشركة.
انضم إليهم التاجر البريطاني روبرت سميث Robert Smith والمستثمر چارلز هاريسون Charles Harrison في تمويل المشروع.
أسّس هؤلاء التجار شركتهم على خلفية ازدهار تجارة القطن والحبوب في ليڤرپول. وعملوا على توسيع نشاطهم التجاري نحو الشرق.
لاحقاً شاركتهم مجموعة من المهتمّين بتوسيع نشاط التجارة مع الموانئ العثمانية، مثل إزمير، والقسطنطينية وحلب (إسكندرون). وهذه المجموعة هي هنري بلاندل Henry Blundell و جون سپارلينگ John Sparling و توماس ستيرز Thomas Steers.
دعم السفير البريطاني في القسطنطينية ستراتفورد كانينگ Stratford Canning نشاطهم في الأراضي العثمانية.
سنة ١٩١٤ صادرت السلطات العثمانية أملاك الشركة في سهول حوران وحماة. ثمّ استولت عليها فرنسا سنة ١٩٢٠ وباع كبار موظّفي الانتداب الفرنسي الأراضي لاحقاً إلى عائلات سورية ولبنانية غنيّة اختارتها فرنسا. فتحوّلت معظم الأراضي إلى ملكيات إقطاعية كبيرة جديدة.
تركت سياسات شركة {ليڤرپول أند ليڤانت} آثاراً عميقةً في المجتمع الشامي استمرّت حتى القرن العشرين. إذ خسر الفلّاحون استقلالهم الاقتصادي وتحوّلوا إلى طبقة عمّالية معدمة. وتفكّكت الروابط العائلية التقليدية، وضعف التكافل الاجتماعي بين الأسر.
أسّست هذه التغييرات لنظام إقطاعي جديد برعاية الاستعمار الفرنسي بعد الحرب العالمية الأولى. ووصلت سوريا الحرب العالمية الثانية خالية تماماً ممّا يمكن أن يسمّى بالنسيج الاجتماعي القوي، بل كانت أشبه بإسفنجة ليف ممتلئة بالفراغات وأنفاق الهواء.
مراجع
- الحلّاق، حسان. “التاريخ الاجتماعي والاقتصادي للشام ١٨٤٠-١٩١٤”. دار النهضة العربية، بيروت، ١٩٨٧.
- حوراني، ألبرت. “تاريخ الشعوب العربية”. ترجمة كريم عزقول، دار العلم للملايين، بيروت، ٢٠٠٢.
- عوض، عبد العزيز. “الإدارة العثمانية في ولاية سورية ١٨٦٤-١٩١٤”. دار المعارف، القاهرة، ١٩٦٩.
- Owen, Roger. “The Middle East in the World Economy 1800-1914”. I.B. Tauris, London, 1993.
- Issawi, Charles. “The Fertile Crescent 1800-1914: A Documentary Economic History”. Oxford University Press, 1988.
- Khoury, Philip S. “Urban Notables and Arab Nationalism: The Politics of Damascus 1860-1920”. Cambridge University Press, 1983.





اترك رد