اليوم، ينادي العديد من السوريّين لإزالة كلمة «العربية» من اسم {الجمهورية العربية السورية} مستعملين تزوير التاريخ.

وأنا شخصيّاً مع إزالة كلّ الصفات من اسم سوريا … مع حذف «الجمهورية» ومع حذف «العربية». لتكن «سوريا» هكذا مجرّدة مثل كلّ الدول. فمعظم دول العالم تُعرف باسمها المجرد في الاستخدام الرسمي والدبلوماسي. كما أنّ الاسم المختصر أكثر حيادية وموضوعية لأنّه يركّز على الهوية الجغرافية والثقافية للبلد. والاسم المجرّد «سوريا» يعكس استمرارية الدولة وثباتها بغضّ النظر عن شكل نظام الحكم. إذ قد يختار الناس بصندوق الاقتراع تغيير نظام الحكم.
لكنّني أرى أنّ تشويه تاريخ سوريا والادّعاء بأنّها ما كانت عربية قبل الإسلام، فقط لإزالة كلمة «العربية» من اسمها، هو سلوك مبنيّ على الهبل … لا أعرف ماذا يسمّى بالضبط؛ خبل قومي، أو استهبال ثقافي، أو تخبّط لاعربي … لا أدري.
لتحقيق هوية سوريا العربية قبل الإسلام، سأسرد في تاريخ واحدة فقط من مدنها. وردّها عليّ إن استطعت.
هذه قائمة بالدول التي حكمت حمص من سنة ١٠٠٠ ق.م وحتّى تأسيس جند حمص من أجناد الشام المسلمة سنة ٦٣٥ م. وهي تماماً ثلاث دول عاشت تحت تعاقب حكم سبع إمبراطوريّات.
بيت أگُوشِ
ما بين ١٠٠٠ ق.م – ٧٥٠ ق.م: حكمت حمص مملكة حماة الآرامية {بيت أگُوشِ} 𐤁𐤉𐤕 𐤀𐤂𐤔𐤉 (آل آجوش). وكانت حمص (التي عُرفت آنذاك باسم قادش/قدس) بحكم ملوك حماصنة محلّيّين من المورو الفينيقيّين، تحدّثوا الآرامية الغربية والفينيقية الشرقية. ومملكة حماة كانت من أهمّ الممالك الآرامية (الموريّة) في سوريا القديمة، وكان موقعها الاستراتيجي على نهر العاصي يمنحها أهمّية تجارية وعسكرية كبيرة. حكمت هذه المملكة منطقة واسعة من وسط سوريا المعاصرة وتركوا نقوشاً هيروگليفية لوفية (تصويرية) وآرامية تشهد على قوّة مملكتهم، وعلى تمازج التأثير المصري القديم والآرامي الحديث فيها. وتميّزت المملكة بمزيج ثقافي فريد يجمع بين التأثيرات الآرامية الأصلية والثقافة الفينيقية المحلية والتأثيرات الحثية والمصرية. ومن أبرز ملوكها:
- أُرخِلِنَه 𐤅𐤓𐤇𐤋𐤉𐤍𐤀 (زكر 𐤆𐤊𐤓): الذي ترك نقشاً مهمّاً يُعرف باسم نقش زكر
- زكور 𐤆𐤊𐤓: الذي واجه تحالفاً من الممالك المجاورة وانتصر عليهم
- إنِ-إلُ 𐤀𐤍𐤉-𐤀𐤋: الذي عاصر الملك الآشوري تگلات بلاسر الثالث
والمورو هم أسلاف العرب … كلمة «مورو» (الأمو) كانت الاسم الأوّل للعرب قبل تداول تسمية «عرب». ومركز المورو الثقافي آنذاك كان في {جبل البِشْرِي} ما بين دير الزور والرقّة في سوريا المعاصرة. وقال الرومان في القرن الثاني أنّ الأمو كانوا شركاء القدرو في حكم المنطقة خارج سلطة روما من خيبر إلى بحر العرب جنوباً.
فينيقيا – إميسة
ما بين ٧٥٠ ق.م – ٣٣٢ ق.م: كانت حمص تحت الحكم المحلّي باسم {فينيقيا} تحت السيطرة الآشورية ثمّ البابلية ثمّ الإخمينية. كان يحكمها أمراء محلّيّون من العرب المورو مع الاعتراف بالسيادة العليا للإمبراطوريات المتعاقبة. تحدّثوا الآرامية الغربية.
بالمناسبة، كانت في حمص مشيخة قبيلة كندة العربية منذ القرن الرابع قبل الميلاد، أي من قبل الإسلام بألف سنة، واستمرّت فيها حتّى القرن العاشر … أي طيلة حوالي ١٣٠٠ سنة. في الواقع، كثرت بنات كندة في حمص حتّى صارت عاصمة لهم في جزيرة العرب كلّها، وصار يقال حمص كندة، وحمص الكندية، وصارت لهم المدارس والمراكز العلمية والثقافية وسيطروا على الحركة الصناعية في المدينة. واستمرّ تنفّذ الكنديين في حمص حتّى في العهد العبّاسي. حين صار لهم القضاء في المدينة. ومن أشهرهم القاضي والشاعر الكندي علي بن الجهم بن بدر بن الجهم الذي تولّى القضاء في عهد الخليفة العبّاسي المتوكل.
ما بين ٣٣٢ ق.م – ٤٦ ق.م: عاشت مملكة حمص الجيسية {إميسة} 𐡀𐡌𐡉𐡎𐡀 تحت السيطرة السلوقية، جزء من «أروان» (أروى إستان لاحقاً). كانت مدينة مقدّسة على ديانة أسّسها الفيلسوف {يمليكو} 𐡉𐡌𐡋𐡊𐡅 مؤسّس سلالة «جرم الشمس» {شمس إگرم/شمسيغرام} 𐡔𐡌𐡔𐡂𐡓𐡌 المقدّسة. ومن عهد هذه المملكة حمل ملوك حمص لقب {شيخ العرب} أو {فيلارخ العرب} باليونانية. تحدّثوا الآرامية الغربية والعربية الحديثة.
في الماضي أطلق الأشكان الپارنيّون على منطقة الجزيرة الفراتية تسمية {عرب إستان} وشملوا معها بهذه التسمية كلّ المنطقة إلى الغرب من الفرات، حتّى ساحل البحر المتوسط وفلسطين وشرق مصر. وبقيت هذه التسمية مستعملة تالياً في العهد الساساني. لكن، مع تراجع مساحة {عرب إستان} أمام التوسّع الروماني ثمّ البيزنطي.
وفي هذه الخارطة نرى أستانات الشاهنشاهية الساسانية في آخر عهدها، وهي الأستانات الموروثة عن عهد الأشكان، وقبلهم السلوقيين، ونلاحظ فيها أستان أروى أو عرب إستان، مع بقيّته التي كان قد أخذها الرومان والبيزنطيون

لكن، في الوقت الذي قال فيه الأشكان عن هذه المنطقة {عرب إستان} سمّاها أهلها من العرب أنفسهم {أروى إستان} وقالوا عن أنفسهم {آرا} والجمع {أران}. وهي التسمية القديمة التي استعملها الأخمينيّون وصفاً لبعض العرب. هكذا، وطالمَا عبد قدامى العرب الوعل فقدّسوه، وطالمَا تكثر تماثيله ومنحوتاته في مقدّسات كُنس العرب القديمة. فالغالب أنّ تسمية بلاد العرب باسم {أروى إستان} قديماً كانت تعني بلاد الوعول. وهذا يفسّر لماذا حمل الكثير من ملوك العرب المؤسّسين القدامى لقب آرى و أريو و أريُى و آرا.
في القرن الرابع قبل الميلاد انتشرت فلسفة يمليكو داعياً إلى عبادة إله الجبل 𐡁𐡋𐡄𐡀𐡂𐡀𐡋 والحجر الأسود المقدّس الذي أرسله إله الجبل من السماء، ثمّ أودعه العرب في معبد إله الجبل المقدّس في مدينة حِمْصَ.
وكما ذاعت دعوة يمليكو في قبائل أمم مختلفة، ذاعت كذلك في جزيرة العرب ودانت بها قبائل عدّة، من القيسية واليمانية. فدخلت فيها قبائل قحطانية مهمّة، مثل قبائل كلب وهمدان وكندة، بالإضافة إلى الغساسنة. واستضافت حمص هجرات على موجات عدّة استقرّت فيها، من هذه القبائل. كان بأغلبها سبب الحج (إلى معبد الجبل المقدّس والحجر الأسود)، وكذلك لكون حمص صارت عقدة تجارتهم جميعاً، تجمعهم على اقتصاد واحد.
إمارة حمص الجيسية
ما بين ٤٦ ق.م – ٦٣٥ م: عاشت إمارة حمص الجيسية تحت الحماية الرومانية ثمّ البيزنطية. حكمها {آل السمايدة} (بنو شميط) الجيسيّين (القيسيّين). وهم نفسهم بيت {بسيانُس} بالرومانية، وفرع عن سلالة جرم الشمس. «بنو شميط» تحوير الاسم القديم {شميس بن العزيز}. تحدّثوا الآرامية الغربية لغة دينية والعربية الحديثة لغة شارع.

جند حمص
سنة ٦٣٥ م تحوّلت الإمارة إلى {جند حمص} تحت إمرة {سعيد بن عامر بن حذيم الجمحي القرشي}، واختير هذا القرشي بنسبه العريق لحكم حمص ليقبل به أهل حمص، بسبب مكانتها العالية بين العرب زمن الخليفة {عمر بن الخطّاب}.
للمزيد اقرأ تدوينتي حمص اليمانية
واقرأ تدوينتي قبيلة جيس العربية، إحدى أنسال الفينيقيّين الباقية إلى اليوم
الآن، وهذه تفصيلة واحدة من مدن سوريا المعاصرة، أهمّ مراكزها الثقافية قبل الإسلام، كيف نقول عن سوريا أنّها ما كانت عربية قبل الإسلام!؟ هذه بلاهة لاعربية!
مراجع:
- دومينيك شاربان، “الفينيقيون والآراميون في سوريا القديمة” (Les Phéniciens et les Araméens en Syrie antique)، منشورات جامعة السوربون، 2014.
- Maurice Sartre, “The Middle East Under Rome”, Harvard University Press, 2005.
- محمد سهيل طقوش، “تاريخ مدينة حمص من العصر الحجري إلى العصر العباسي”، دار النفائس، بيروت، 2009.
- عبد الرحمن الشهبندر، “حولية حمص في العصور القديمة والوسطى”، مطبعة الترقي، دمشق، 1930.
- Fergus Millar, “The Roman Near East, 31 BC-AD 337”, Harvard University Press, 1993.
- عدنان البني، “الممالك الآرامية في سوريا”، منشورات وزارة الثقافة السورية، دمشق، 1980.
- Warwick Ball, “Rome in the East: The Transformation of an Empire”, Routledge, 2016.
- Henri Seyrig, “Antiquités syriennes”, Syria: Revue d’art oriental et d’archéologie, 1940-1946.





اترك رد