في بلادنا العربية، نحن لا نعلم ما نريد.
هذه حقيقة وواقع وليس فيها مبالغة. حتّى إذا اتّخذنا قراراً وصمّمنا العزيمة وحدّدنا ما نريد، لا نعلم ما نريد.
نريد دولة دينية؟ لنجعلها إسلامية… هل هي خلافة؟ إمامة؟ جمهورية إسلامية؟ ما هو وضع المواطنين من غير المسلمين فيها؟ هل لهم حقوق المواطنة من الدرجة الأولى؟ إذا فالدولة ليست إسلامية، طالما أنّ حقّ المواطن غير المسلم مثلاً محصور بانتخاب مواطن مسلم فقط. وإذا منعت غير المسلم عن الدرجة الأولى من المواطنة صارت الدولة عنصرية، كإسرائيل مثلاً. ديمقراطية مزيّفة كما الأخبار المزيّفة والرسائل المزعجة في مجموعات العائلة على وتسآپ…
هل هي دولة تستحقّ الوجود هذه الدولة العنصرية التي لا تمنح المواطنة لغير المسلمين؟ ماذا يحدّد المواطن المسلم من غير المسلم؟ الإسلام بالوراثة؟ درجات امتحان التربية الدينية؟ التبرّع لجمعية خيريّة إسلامية؟
في الولايات المتّحدة الأميركية، بلد المهاجرين، كانت المشاركة في الانتخابات الديمقراطية تُمنح لمن يحمل فاتورة سداد الضرائب، وجدّه الثاني وُلد على أرض أميركية… إذاً على المسلم هكذا أن يحمل وثيقة إسلام تُثبت أنّه دفع زكاة الفطرة وضحّى قُبيل العيد، وجدّه الثاني مات مسلماً… ليس مهمّاً أن يكون ملحداً أو أجنبيّاً، المهم أنّه يحمل الوثيقة وأجداده فيها مسلمين. فالآراء هنا لا تهم.
نريد دولة قومية؟ لنجعلها عربية… هل هي جمهورية؟ ملكية؟ إمبراطورية؟ ما هو وضع المواطنين من غير العرب فيها؟ هل لهم حقوق المواطنة من الدرجة الأولى؟ إذاً فالدولة ليست عربية القومية، طالما أنّ حقّ المواطن غير العربي مثلاً محصور بالصلاة للمواطن العربي. وإذا منعت غير العربيّ عن الدرجة الأولى من المواطنة صارت الدولة عنصرية، كالرايخ الثالث مثلاً. دولة لا تعرف أهي ملكية أم جمهورية أم إمبراطورية، دينية أم قومية، ديمقراطية الحزب الواحد الأحد، ومعيار مشاعرك القومية يحدّده لون البشرة وإيمانك بالصليب…
هل هي دولة تستحقّ الوجود هذه الدولة العنصرية التي لا تمنح المواطنة لغير العرب؟ ما الذي يحدّد المواطن العربي من غير العربي؟ عروبة اللّغة؟ لون البشرة؟ استظراف المسلسلات العربية؟ تفضيل الحلويّات الشاميّة؟ هل يحقّ للإنسان النباتيّ حمل هويّة عربية؟ وهل الانطراب بصوت أمّ كلثوم فريضة على كلّ عربي؟
في إسرائيل أثبتت الإحصاءات أنّ البلاد فيها أعلى نسبة من عشّاق أمّ كلثوم نسبة لعدد حملة المواطنة الإسرائيلية من الجيل القديم، إذاً هم عرب أكثر من مواطني كلّ الدول العربية…
في فرنسا الناپليونية كان عليك أن تحمل اسماً فرنسيّاً لتكون فرنسيّاً، وحدّدت الدولة بالقانون قائمة تختار منها اسم وليدك لكي تعتبره دائرة النفوس فرنسيّاً، واضطرّ الكثير من ”الفرنسيّين“ لتغيير أسمائهم كي يحتفظوا بالمواطنة الفرنسية. لم يختلف هذا المشروع كثيراً عن مشروع تركيا الأتاتوركية.
إذاً، انتماء الدم غير مهم، قد يكون المواطن من أب من الصين وأمّ إثيوپية، لكنّه باسمه العربي عربيّ طالما أنّه يجيد التحدّث بأيّ لهجة عربية، حتّى ولو كره كلّ الشعوب العربيّة… وبالمناسبة، حتّى ولو عاشت عائلتك منذ الجدّ السابع في الأرجنتين. لكن، وطالما أنّ لك جدّاً عربيّاً فستمنحك الدولة عربية القومية المواطنة من الدرجة الأولى، في حين يحوم المواطنون من غير العرب حولك بحقوق أقلّ بكثير من حقوقك، تماماً كإسرائيل، وأرمينيا، واليونان.
في أرمينيا مثلاً عليك أن تكون مسيحيّاً لكي تليق بالقوميّة الأرمنيّة، ليس مهمّاً ولو كنت من سلالة تعيش في أرمينيا وأثبتت أرمنيّتها للجدّ السابع عشر، إذا لم تكن مسيحيّاً فأنت غير أرمني … جمعوا المجد من طرفين، دينيّ وقوميّ … ويمكنك أن تحصل على الجنسية الأرمنية ولو كنت من غير أرمينيا، المهمّ أنك مسيحيّ أرمنيّ وتتحدّث الأرمنيّة…
اليونان لا تختلف كثيراً في الواقع، إذ أنّها في مرحلة ما طردت المسلمين اليونان من البلاد واعتبرتهم أتراك، وتقول كتب التاريخ فيها أنّهم أتراك. في اليونان إذا أسلمت بطلت عنك هويتك اليونانية.
هذه نماذج قميئة يحاول الكثير من سكّان الشرق الأوسط التشبّه بها… عرب وكرد وترك وفرس وكلّ الأفرع المغبّرة.
ماذا تريد أخي العربي؟ هل تعلم ماذا تريد؟ هل جرّبت التفكير فيم تريد؟ أم اعتدت انتظار غيرك ليقول لك ما يجب أن تريد؟
هذا كلّه ولم أكتب كلمة واحدة عن شكل إدارة الدولة، قرأتَ إلى هنا لمحة من آلية بناء نظام المواطنة في الدولة. فقط، لا غير. فهل ترغب بنظام مواطنة يضمن لك السيادة على جيرانك في ذات الحيّ ونفس المبنى؟ نظام مواطنة يهدّدك بسحبها متى تغيّرت أيّ من معتقداتك؟ أم ترغب بنظام مواطنة يحرّرك من استبداد الصفات فيعتبرك مواطناً من الدرجة الأولى، مهما تغيّرت معتقداتك وآراءك وألوانك وثيابك؟
الآن انظر في النظام السياسي للدولة التي تعيش فيها، هل يضمن حقّ مواطنة عادل لكلّ سكّان أراضي بلدك بلا استثناء؟ إذا كانت إجابتك النفي فأدعوك للاشتراك ونقر جرس مشروع سلطنة نقّستان العظمى.
مزيج كلّ المشروعات القوميّة في المنطقة. ففي نقّستان لا مكان للديمقراطية ولا الدكتاتورية ولا الحرّية ولا المظلومية، كلّ المواطنين على ذات الدرجة من اللا-أهمّية. حدود نقّستان تجمع كلّ الأراضي المقدّسة ولا تجوز المواطنة فيها لغير الآلهة … وطالما أنّ سكّانها من الأرباب فلا ضرورة للقانون ولا للمبادئ. مبدأ الحياة الوحيد فيها أنّ لا حياة من بعدي، <<أنا>> ومن بعدي الطوفان. والمهمّ أن تستمرّ الحروب إلى الأبد إكراماً لأنهار الدم… خوفاً على الأرض من الجفاف ونموّ العمار فيها.





اترك رد