تتدفّق الحضارات الإنسانية كالأنهار، فتجري وتتفرّع وتتحوّل دون أن تفنى كلّياً. ثمّ يختفي الشكل الظاهري للعقائد والتراث غالباً في حين يستمرّ جوهرها وقيمها الأساسية متخفّية في طيّات التراث اللّاحقة.
تهدف هذه التدوينة إلى تتبّع آثار عقيدة أداد (هداد) القديمة في القيم والآداب العربية المسلمة المعاصرة، وتوضح كيفيّة عبور هذه القيم عبر آلاف السنين لتصبح جزءاً أساسيّاً من النسيج التراثي والقيمي للمجتمعات العربية.
رحلة عقيدة أداد عبر الزمن
تجسّدت عقيدة أداد (هداد) في تاريخ جزيرة العرب لفترة طويلة، عاشت خلالها عصوراً ذهبية وتطوّرت بصورة عميقة. ظهرت هذه العقيدة القديمة منذ ٣٠٠٠-٢٠٠٠ سنة قبل الميلاد، وأثّرت على مشاعر الشعوب التي سكنت بلاد ما بين النهرين والشام وجنوب تركيا آنذاك. مثّل أداد إله العواصف والرعد والمطر، وارتبط اسمه بالخصوبة والزراعة والحياة. وشُيّد له معبد رئيس في دمشق بموقع جامع الأمويين اليوم.
أدَد 𒀭𒅎 أو هدَد أو حَدَد حسب تنوّع لهجات العرب، هو إحدى آلهة الطقس والعواصف المهمّة في حضارات بلاد الرافدين والشام القديمة. عُرف هذا المعبود بأسماء متعدّدة عبر الحضارات المختلفة في منطقة الهلال الخصيب، منها:
- بالسومرية {إشكُر} 𒀭𒅎
- بالأگّدية {دِم} 𒀭𒅎 أو {دِأدد} 𒀭𒈦 أو {رَمَّنُ} 𒀭𒊏𒈠𒀭 أو {أمَرُتُ} 𒀭𒀫𒌓 (مردوخ)
- بالكنعانية/الفينيقية {بعل} 𐤁𐤏𐤋
- بالحثية {تيشُوپ} 𒀭𒋰𒄷𒇷 أو دُ (ذو) 𒀭𒌓
- بالحُرّية (حورية) {إلميرِ} 𒀭𒅋𒈬𒂊𒊑
- باللّوية {تَرهُنتَ} (تاروت، هاروت) 𒀭𒋫𒊒𒄷𒌈𒋫
كل هذه الأسماء كانت في الواقع صفات للمعبود نفسه، ترسّخت بالتكرار أسماء بحكم العادة. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأسماء تختلف في كتابتها عبر الفترات الزمنية المختلفة، وقد تظهر بتهجئات متنوعة في النصوص القديمة. العلامة 𒀭 (أن، آآ) في بداية الأسماء المسمارية تشير إلى أنّ الاسم التالي هو إله.

عبد العرب القدماء أداد خلال الفترة من ٢٤٠٠-٢٢٠٠ قبل الميلاد، وأدخلوه ضمن معتقداتهم الدينية. واستمرّت عبادته في الحضارة البابلية التي ازدهرت بين ١٩٠٠-٥٣٩ قبل الميلاد. كما انتشرت شعائر تقديس أداد أيضاً في الحضارة الآشورية بين ٢٠٠٠-٦١٢ قبل الميلاد. وعرفت القبائل العربية في المناطق الآرامية والكنعانية هذا الإله باسم “هدد” أو “حدد” حسب تنوّع اللّهجات، وربطته بالقوى الطبيعية التي تمنح الأرض خيراتها. برز دور العرب في نشر عبادة أداد والحفاظ على شعائرها عبر الأجيال. ودامت هذه العقيدة حيّة نابضة لأكثر من ٢٠٠٠ عام في حضارات المنطقة المختلفة.
بدأت عقيدة أداد بالتراجع تدريجياً بعد سقوط الإمبراطوريّات الكبرى التي تبنّتها. فأدّى انهيار الإمبراطورية الآشورية عام ٦١٢ قبل الميلاد إلى تراجع نفوذ العقيدة في مناطق شمال بلاد الرافدين لمصلحة عبادة الشمس. تبع ذلك سقوط بابل عام ٥٣٩ قبل الميلاد على يد الإمبراطورية الأخمينية، ممّا أضعف وجود هذه العقيدة في المناطق الجنوبية، لمصلحة عبادة الشمس والقمر البابلية (بعل شاميم) التي دعمتها الأسرة الأخمينية بين العرب.
تسارع اختفاء عقيدة أداد مع انتشار العقائد التوحيدية في المنطقة. وساهم تحول بابل إلى مركز لليهودية حوالي ٥٣٨ قبل الميلاد في تعزيز الديانة اليهودية التوحيدية. ثمّ جلبت الحقبة الهلنستية حوالي ٣٣٠ قبل الميلاد تأثيرات دينية وفلسفية جديدة للمنطقة، غيّرت خارطة المعتقدات الروحية فيها. تلاشت عقيدة أداد بشكل شبه كامل مع انتشار المسيحية في القرون الأولى الميلادية. ثمّ اختفت بقايا العقيدة نهائياً بعد انتشار الإسلام في القرن السابع الميلادي واندمجت فيه، واستبدلت الشعوب معتقداتها القديمة بالديانات التوحيدية الجديدة.
استمرّت بعض آثار عبادة أداد في مناطق نائية وتحوّلت إلى شعائر شعبية محلّية، غابت ملامحها الأصلية واندمجت مع تقاليد الإسلام. وطويت صفحة هذه العقيدة العريقة بعد رحلة طويلة استمرّت آلاف السنين، وتركت خلفها إرثاً اندثر معظمه مع مرور الزمن، وتحوّل ما تبقّى منه إلى مجرّد ذكرى في كتب التاريخ وسجلّات الحضارات القديمة.
استمرار مفاهيم أداد من المشرق إلى المغرب
كتبت مفاهيم عقيدة أداد تاريخها عبر الوطن العربي من مشرقه إلى مغربه، فتجاوزت حدود الزمان والمكان. يُفسّر هذا الامتداد في علم النفس الاجتماعي عبر مفهوم {الذاكرة التراثية الجمعية} التي تشكّل هوية الجماعات وتحافظ على استمراريّتها. تعمل الشعائر والممارسات الاجتماعية كآليات نقل تراثي تتجاوز الأجيال، تتجذّر في اللاوعي الجمعي وتصبح جزءاً من البنية النفسية للمجتمع.
استمرّت في الجزائر اليوم عادة تعريف الضيف نفسه بأنّه “ضياف ربّي”، ويقول المضيف للقادم “قرّب” فيردّ عليه “يقرّب ليك الخير”. تتجاوز هذه التفاعلات الاجتماعية كونها تبادلات لفظية عابرة، إذ تمثّل شعائراً تواصلية تحمل معاني عميقة تتعدّى سياقها الظاهري. وتجسّد هذه العبارات وفقاً لنظرية “التمثيلات الاجتماعية” للعالم موسكوفيتشي المعتقدات والقيم المشتركة التي تساعد المجتمع على فهم وتنظيم واقعه الاجتماعي.
تشكّل العادات المرتبطة بإكرام الضيف ما يسمّيه علماء الاجتماع “المؤسّسات غير الرسمية”؛ وهي قواعد سلوكية تستمرّ عبر الزمن لأنّها تلبّي حاجة وظيفية في المجتمع. استمرّ مفهوم أنّ الضيف يجلب الخير معه، كما اعتُقد في عقيدة أداد القديمة، لأنّه يعزّز التماسك الاجتماعي ويقوّي شبكات الدعم المتبادل الضرورية لبقاء المجتمعات العربية التقليدية في بيئات قاسية تتطلّب التعاون.
تمتدّ هذه الرؤية المشتركة عبر الأقطار العربية كافة بما يتجاوز القرابة اللّغوية والجغرافية، تشير إلى ما يسمّيه عالم النفس كارل يونگ “اللّاوعي الجمعي”؛ أي طبقة عميقة من اللّاوعي النفسي مشتركة بين أفراد التراث الواحد، تحمل موروثاً نفسيّاً يسبق تجربة الفرد الشخصية. يفسّر هذا كيف تعمّقت جذور هذه العقيدة في الوجدان العربي قبل انقسام الأمّة إلى دويلات وأقاليم، وقبل تباعد لهجاتها ولكناتها.
تفسّر ظاهرة “المحافظة التراثية” المدروسة في علم النفس الاجتماعي أيضاً سبب استمرار هذه القيم حتّى بعد تغيير الإطار العقائدي؛ تميل المجتمعات إلى الاحتفاظ بالسلوكيّات التي أثبتت فعّاليتها في تعزيز البقاء الاجتماعي، مع إعادة تفسيرها ضمن الأطر العقائدية الجديدة. تحوّلت فكرة “ضيف الربّ” في عقيدة أداد إلى “ضيف الله” في الإسلام، وحافظت على الوظيفة الاجتماعية نفسها مع تغيير المرجعية الدينية.

جوهرة أداد التي صقلها الإسلام
عند قدامى العرب كانت السمعة مثل الكارما، وتُبنى السمعة على إكرام الضيف. اعتقد العربيّ قديماً أنّ الله يرسل له الضيوف اختباراً، فإذا أسعد ضيوف الله بيّض الله سيرة قراه، أي تحسّنت كارما حياته وتيسّرت أموره. وإذا أنقص الإنسان على ضيفه اسودّت سيرة قراه، فساءت كارماه، فتراجع الحظّ في حياته. لهذا يستقبلك العربيّ بعبارة “هلا بضيف الله!”.
آمن العربيّ أنّ عليه أن يُعطي خلق الله فيعطيه الله … هذه كانت عقيدة أداد (نعمة الله) قبل خمس آلاف سنة، وطيلة حوالي ٣٥٠٠ عام. هذا كان سبب أهمّية إكرام الضيف عند العربي، وهذا مرجع تداول مقولة “بيّض الله كراك” أو “سوّد الله كراك”، گراك، قراك. والقِرى هو طعام الضيف. إذ آمن العربيّ أنّ الله يعطيه شريطة أن يعطي جزء من هذا العطاء إلى الله، من طريق إطعام خلق الله. وتناقشت وتجادلت واختلفت العرب كثيراً من نسبة هذا الجزء، لكنّهم اتّفقوا على تسميته القِرى. وآمن العرب أنّك كلّما لبّيت شرط الله وأطعمت خلقه جزء من ما أعطاك، زاد كرم الله وأعطاك المزيد لتطعم المزيد من خلقه. هذا المفهوم من عقيدة أداد دخل الإسلام بقوّة فصار جزء أساسيّاً من عقيدة الإسلام عند العرب.
روى أبو هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ كانَ يُؤمنُ بِاللَّه واليَومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللَّه واليَوم الآخِرِ فليَصِلْ رَحِمَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللَّه وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ متّفقٌ عليه.
حدث أنّ أَبا شُرَيْحٍ خُوَيلِدِ بن عمرٍو الخُزَاعِيِّ رضي الله عنه قالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يقول: مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ، قالوا: وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رسول اللَّه؟ قَالَ: يَومُه وَلَيْلَتُهُ، والضِّيَافَةُ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذلكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ متفقٌ عَلَيْهِ.
وردت في روايةٍ لِمسلمٍ:
لا يَحِلُّ لِمُسْلمٍ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ أَخِيهِ حَتَّى يُؤْثِمَهُ، قالوا: يَا رسول اللَّه، وكَيْف يُؤْثِمُهُ؟ قَالَ: يُقِيمُ عِنْدَهُ وَلا شَيءَ لَهُ يَقْرِيهِ بِهِ.
تظهر قيمة إكرام الضيف كسمة مميّزة للعرب بشكل خاصّ بين شعوب المسلمين برغم تأكيد الإسلام عليها. وتعود هذه العادة المتوارثة إلى قدم الخليقة، تمتدّ جذورها إلى عقيدة أداد التي آمن بها العرب قبل آلاف السنين. ويفسّر هذا سبب ارتباط مفهوم الكرم عند العربي المسلم بأولوية خاصّة تسبق أي قيمة أخرى، تتأصّل في الهوية التراثية العربية قبل أن تصبح جزءاً من الهوية الدينية. يميّز هذا الإسلام العربي عن الإسلام في تُرُث أخرى، وتتفاوت أولويات القيم الإسلامية من تراث لآخر تبعاً لتاريخه وموروثه ما قبل الإسلامي. لم يمح الإسلام الهويّات التراثية للشعوب، بل هذّبها وصقلها ووجّهها نحو غايات أسمى.
البصمة اللّغوية
نقل الفراهيدي عن ابن سيّده قول الشّماخ يذكُر ناقةً:
وقد عَرِقَتْ مَغاِبنُها وجادَتْ بدرَّتِها قِرَى جَحِنٍ قَتينِ
أي قليلُ الطُّعْم.
قال أيضاً:
علينا قِرَى الأضياف من قَمَع البُزْلِ
والقِرى غذاء الضيف والقَمَعُ ما فَوْقَ السَّناسِنِ من سنام البَعير
نقرأ البيت ٣٢ في معلّقة ابن كلثوم:
نَزَلْتُم مَنْزِلَ الأَضْيَافِ مِنَّا
فأعْجَلْنا القِرَى أَنْ تَشْتِمُونَا
~ {أبو عبد الله الزوزني}، كتاب {شرح المعلقات السبع للزوزني}. أي نزلتم بيننا بمنزلة الضيوف كأنّهم من أهلنا، فاستعجلنا تقديم القِرى قبل أن تشتمونا لتقصير منّا.
شرح الهوّاري ابن جابر الأندلسي في كتاب {منظومة المقصور والممدود}، تنويعات معاني كلمة قِرى حسب تنويعات طريقة لفظها في عصره في القرن الرابع عشر، فقال:
قِرى: جمع ماء، وامددوا جمع قِروة … رِواء: ذوو ريّ، وفي الريّ بالقصر
كِرا: أُجرٌ، وامدد مكاراة عاملٍ … وقصر لِوىً للطيّ، ولا جملة الأمر
استمرّت المصطلحات المرتبطة بعقيدة أداد في اللّهجات العربية المختلفة، وتحوّرت قليلاً عبر العصور. أصبحت كلمة “كَراك” أو “قِراك” التي تعني أصلاً طعام الضيف، تستخدم في بعض المناطق بمعنى الهدية أو الأجر الجزيل. تستغيث بعض النساء المسنّات في مناطق مثل الأحساء شرق السعودية بالقول “أصيح الـ داد يا رب العباد”، وتشير هذه العبارة إلى الإله أداد الذي عُبد قبل آلاف السنين.
تبيّن هذه الأمثلة كيف تحتفظ اللّغة بذاكرة المجتمعات حتى بعد انقراض العقائد والأنظمة التي أنتجتها. لم تعد هذه المصطلحات تحمل أي دلالة دينية وثنية في وعي مستخدميها، بل تحوّلت إلى مجرد تعبيرات تراثية محايدة تحمل قيماً إيجابية مقبولة في السياق الإسلامي.

مفهوم السببية: من أداد إلى الكارما الإسلامية
تجلى مفهوم السببية من عقيدة أداد في المفهوم الإسلامي بصورة متطوّرة. تعبّر الآية الكريمة {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه} بدقّة عن فكرة الجزاء المتناسب مع العمل. شرح الباحث الدكتور نايف الجهني في كتابه {الكارما في الإسلام} كيف ينسجم مفهوم السبب والنتيجة والفعل وردّ الفعل تماماً مع التعاليم الإسلامية، جرّده من أي بعد عقائدي غير إسلامي. يتجلّى هذا المفهوم في منظومة الحديث النبوي {إنّما الأعمال بالنيّات وإنّما لكلّ امرئ ما نوى}، تتحدّد نتائج الأعمال بناءً على النوايا التي تحرّكها. طوّرت عقيدة الإسلام المفهوم القديم للسببية، ليشمل ليس البعد المادّي فحسب، بل أيضاً البعد الروحي والنفسي للعمل الإنساني.
تعني الكَارْمَا بالسنسكريتية कर्म تناقل السيرة العمل أو المصير أو الفعل، وتمثّل مفهوماً أخلاقيّاً في المعتقدات الهندوسية والبوذية واليانية والسيخية والطاوية. وتشير إلى مبدأ السببية حيث تؤثّر النوايا والأفعال الفردية على مستقبل الفرد.
يفسر البعض الآيات الكريمات لتتوافق مع مصطلحات الكارما. فتفسر إحدى الكارمجيّات على سبيل المثال الآية الكريمة {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ…} بأنّ كلمة يطيقونه تعني الطاقة التي يرون وجودها في الإنسان. تعبّر آية {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه} [الزلزلة:٧، ٨] تعبيراً دقيقاً عن الكارما. وعرّف الباحث الدكتور {نايف الجهني} في محاضرة بعنوان «فلسفة الكارما»، مفهوم الكارما وتأصيله، وصفه بأنّه قانون السبب والنتيجة والفعل وردّة الفعل، وجرّده من أي مفهوم عقائدي آخر.
ذكر الجهني أنّ الكارما تعني “افعل ما شئت فكما تدين تدان”، علماً بأنّ الأسباب والأفعال ربّما تكون أفكاراً أو مشاعر أو نوايا أو سلوكيّات تؤثّر في الحقل المعلوماتي للإنسان ثم ينعكس هذا التأثير على الحقل الفسيولوجي. ناقش الجهني خطّ سير الكارما وتطبيقاتها في الممارسة، فأشار إلى وجود قنوات في الكارما تظهر بواسطة اتّصال الكائن بنفسه ومن خلاله اتّصاله بالآخرين ومن خلال اتّصاله بعناصر الكون الأخرى.
تناول المحاضر أهمّ ملامح ومبادئ الكارما في الإسلام من طريق استعراض الآيات والأحاديث التي تؤكّد على أنّ فعل الخير يأتي بالخير وأنّ فعل الشرّ يأتي بالشرّ وأنّ الله عز وجلّ وضع القوانين التي تحفظ للإنسان بقاءه وتوازنه مع المحيط. وناقش الجهني مع الحضور ما تناوله كتابه «الكارما في الإسلام» وما ضمّه من محتوى أثراهم وأثار فضولهم. وضّح هذا المعنى الحديث الذي في الصحيحين عن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {إنّما الأعمال بالنيّات، وإنّما لكلّ امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه}.
أقسم العرب بهذا الأمر لشدّة تعظيمهم له، فنقرأ في ديوان الحماسة كثيراً من هذه المعاني، منها قول الشاعر:
بُقِّيتُ وَفري وانحرفتُ عن العُلا
ولقيتُ أضيافي بوجهٍ عبوسِ
إنْ لم أشنَّ على ابن حربٍ غارةً
لم تخلُ يومًا من نهابِ نفوس

تحوّل المظهر مع بقاء الجوهر
تحوّلت شعائر وممارسات أخرى من عقيدة أداد إلى جانب قيمة إكرام الضيف لتناسب السياق الإسلامي. مثّل أداد إله المطر والخصوبة، لذلك احتفلت القبائل العربية قديماً بنزول المطر كنعمة من هذا الإله. وتطوّر هذا الاحتفال في الإسلام إلى شكر الله على نعمة الغيث، ومع ذلك بقيت بعض الممارسات مثل الخروج تحت زخات المطر الأولى للتبرّك، والاستبشار بقوس قزح كعلامة خير. طوّرت شعائر الاستسقاء في الإسلام من شعائر طلب المطر من أداد، مع تحوّل توجيه الطلب إلى الله وحده. وتبيّن هذه الاستمرارية في الممارسات مع تغيّر المرجعية العقائدية كيف استوعب الإسلام الموروث التراثي العربي وأعاد صياغته ضمن مفاهيمه التوحيدية.
تتجاوز ظاهرة استمرار القيم والمفاهيم من العقائد القديمة التراث العربي وحده، إذ تنتشر في مختلف ترث العالم. تحوّلت العديد من الأعياد والممارسات الوثنية الرومانية واليونانية في التراث الأوروپي إلى ممارسات مسيحية. واستمرّت مفاهيم الكارما والتناسخ من الديانات القديمة في شبه القارة الهندية إلى البوذية والهندوسية المعاصرة. تمتزج التعاليم الكونفوشيوسية في شرق آسيا بالممارسات الطاوية والبوذية في نسيج تراثي متكامل. وتتميّز الحالة العربية بوضوح الاستمرارية القيمية برغم التحوّل الجذري في العقيدة، ويشير هذا إلى قدرة القيم الإنسانية الإيجابية على عبور الحواجز العقائدية والزمنية عندما تتوافق مع الفطرة البشرية السليمة.
تغلغلت قيم ومفاهيم عقيدة أداد الإيجابية في النسيج التراثي العربي الإسلامي على الرغم من اندثارها كنظام عقائدي، وصارت جزءاً لا يتجزأ من هويته. يؤكّد هذا أنّ الحضارات لا تموت، بل تتحوّل وتندمج في الحضارات اللّاحقة. لم يأت الإسلام ليمحو كل ما سبقه، جاء ليهذّب الموروث البشري ويصقله ويوجّهه نحو غايات أسمى. ويدلّ استمرار هذه القيم على اشتراك الإنسانية في قيم إنسانية أصيلة تتجاوز حدود الزمان والمكان برغم تعدّد عقائدها وترثها، وتتجذّر هذه القيم في الفطرة البشرية التي فطر الله الناس عليها. يعلّمنا هذا درساً اليوم: أن نتمسّك بالقيم الإيجابية في تراثنا، وننفتح على الحوار التراثي والحضاري، دون أن نخشى على هويّتنا من الضياع.

مراجع
- الريحاني، عبد الله. (٢٠١٨). الآلهة العربية قبل الإسلام: رحلة في الميثولوجيا العربية القديمة. دار المدى للثقافة والنشر.
- الجهني، نايف. (٢٠١٩). الكارما في الإسلام: مفهوم السببية في الفكر الإسلامي. مكتبة العبيكان.
- علي، جواد. (١٩٩٣). المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، الجزء السادس. جامعة بغداد.
- الحسيني، فاضل. (٢٠١٧). من الأسطورة إلى الدين: الجذور الثقافية للمعتقدات العربية. المركز الثقافي العربي.
- عبد الحميد، محمد. (٢٠١٥). الذاكرة الثقافية العربية: تحولات القيم وانتقالها عبر العصور. عالم المعرفة.
- ألبرايت، ويليام فوكسويل. (٢٠١٣). من عصر الحجر إلى المسيحية: الديانات في تاريخ الشرق الأدنى القديم. ترجمة إبراهيم زكي خورشيد. هيئة أبوظبي للثقافة والتراث.
- العمراني، سعد. (٢٠١٨). التواصل القيمي بين الحضارات: دراسة في علم النفس الاجتماعي الثقافي. مركز دراسات الوحدة العربية.
- هالبرن، كاثرين. (٢٠١٦). الذاكرة الجمعية والهوية الثقافية. ترجمة نور الدين العلوي. المنظمة العربية للترجمة.
- أسمان، يان. (٢٠٢٠). الذاكرة الحضارية: الكتابة والذكرى والهوية السياسية في الحضارات القديمة. ترجمة عبد الحليم رجب. المركز القومي للترجمة.
- الحوراني، حسين. (٢٠١٤). انتقال المعتقدات عبر الثقافات: دراسة أنثروبولوجية للعادات الاجتماعية المنحدرة من التراث الديني القديم. دار الساقي.
- حنفي، حسن. (٢٠١٩). التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديم. المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر.
- نورس، جيريمي. (٢٠١٨). الآلهة السامية القديمة: درب المطر من هدد إلى الإسلام. ترجمة سعد الطويل. مركز دراسات الإسلام والشرق الأوسط.
- الكعبي، ضياء. (٢٠٢٠). المفاهيم الدينية المتداخلة: جدلية استمرار القيم الثقافية عبر التحولات العقائدية. مجلة دراسات تراثية، ٤٢(٢)، ٨٧-١١٠.
- ابن كلثوم، عمرو. (٢٠٠٣). المعلقات العشر. تحقيق وشرح الزوزني، دار الكتاب العربي.
- الفراهيدي، الخليل بن أحمد. (٢٠٠٤). كتاب العين. تحقيق مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي. دار ومكتبة الهلال.
- موسكوفيتشي، سيرج. (٢٠١٧). التمثيلات الاجتماعية: تكوين المعرفة العامة. ترجمة سامر رضوان. المكتبة العربية للعلوم النفسية.
- هوبسباوم، إريك، ورينجر، تيرنس. (٢٠٠٧). اختراع التقاليد. ترجمة ثائر ديب. المنظمة العربية للترجمة.
- دوركهايم، إميل. (٢٠١٤). الأشكال الأولية للحياة الدينية. ترجمة عدنان الأمين. جداول للنشر والتوزيع.





اترك رد