بالرغم من عودة حصاد القمح البرّي إلى أكثر من 14 ألف سنة مضت، لكنّ زراعة القمح بدأت فعلاً قبل نحو 11600 سنة. إذ بدأت زراعة القمح الأقدم في العالم على الساحل الشرقي للبحر المتوسّط، في القسم الجنوبي من مشرق المتوسط. وعُثر على أقدم الآثار المعروفة لزراعة القمح في منطقتي تل أسود قرب مطار دمشق الدولي؛ وعراق الدب جنوب حوران في الأردن.
في البداية حصدت الناس القمح البرّي المعروف اليوم باسم قمح الحجل، لكنّ رزاعة القمح بدأت في غوطة دمشق وفلسطين بزراعة نوع مختلف اسمه قمح العلس (إيمّر) ثنائي الحبّة. وهذا النوع من القمح هو الذي شاع لاحقاً في مصر والإمبراطورية الرومانية. وفي أيّام العرب الفنيقيّين كانت أكثر المناطق المصدّرة لقمح العلس هي منطقة غرب سيناء وشرق الدلتا، إذ لم تكن سيناء جافّة كما هي اليوم.
في حين بدأت زراعة القمح البرّي المستخرج من دمشق في شمال منطقة الجزيرة قبل نحو 10400 سنة. وأقدم آثار زراعته الموجودة اليوم عُثر عليها في جبل قرجه قرب دياربكر؛ وتل أبو هريرة المغمور اليوم تحت بحيرة الرقّة على الفرات في سوريا.
أمّا الحنطة الطريّة، الدنكل، التي شاعت في وسط أوروپا وصارت علامة صناعة الخبز لشعوب وسط وشمال أوروپا، فقد بدأت زراعتها جنوب وسط الأناضول قبل حوالي 8400 سنة. وأقدم الآثار المعروفة لزراعتها عُثر عليها في موقع چتال هيوك قرب قونيا في تركيا المعاصرة.
التزمت كل منطقة من المناطق الملوّنة في الخريطة زراعة نوعها من القمح دون خلط مع أنواع غيرها من المناطق حتّى فترة تعود إلى نحو 7000-5000 سنة، حين بدأت تتداخل مناطق زراعة أنواع القمح المختلفة؛ لتنافس العدس والشيلم كذلك على عرش صناعة الخبز.

تمهيد: الأرض والهوية والجذور
لا يمثّل القمح في الوعي الجمعي العربي ومحيطه المتوسطي مجرّد صنف غذائي أو سلعة استراتيجية فحسب، بل هو الركيزة البيولوجية التي قامت عليها أولى التجمعات البشرية المستقرّة، وهو العنصر الذي حوّل الجماعات المتنقلة إلى بناة قرى ومدن.
تاريخ زراعة القمح هو، في جوهره، تاريخ ميلاد الهوية المشرقية؛ ففي تربة هذا الهلال الخصيب، وتحديداً في الرقعة الجغرافية التي تغطّي اليوم الشام والعراق وجنوب الأناضول، دُجّنت الطبيعة لأوّل مرّة.
وتكمن أهمّية هذا البحث في إعادة رسم الخريطة الجينية والتاريخية لرغيف الخبز الذي نقتسمه اليوم، مثبتاً بالأدلّة الآثارية والوراثية أنّ هذه المنطقة لم تكن مجرّد معبر للحضارات، بل كانت المختبر الأوّل الذي هندس الوجود البشري الحديث. وفهمنا لهذه الجذور يعزّز الارتباط بالأرض، ليس شعار عاطفي، بل حقيقة علمية دامغة تؤكّد أنّ أجداد هذه المنطقة كانوا المبادرين الأوائل في صياغة المعادلة الغذائية للعالم بأسره.
من الحصاد البرّي إلى التدجين الممنهج
تشير الدلائل الأثرية والنباتية، المدعومة بتحليلات الكربون المشع، إلى أنّ فصول العلاقة بين الإنسان والقمح بدأت قبل فترة طويلة من الاستقرار الزراعي الفعلي. فبالرغم من أنّ عمليّات حصاد القمح البرّي تعود بجذورها إلى ما يزيد عن 14000 سنة خلت (حوالي 12000 قبل الميلاد)، إلّا أنّ الانتقال الحاسم من مرحلة الجمع والحصاد إلى مرحلة الزراعة والتدجين قد بدأ فعليّاً قبل نحو 11600 سنة (9600 قبل الميلاد).
كان هذا التحوّل تدريجيّاً ومعقّداً، حيث انطلق من بؤر جغرافية محدّدة في القسم الجنوبي من مشرق المتوسط، وتحديداً على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط. وتظهر البيانات تمايزاً جغرافيّاً وبيولوجيّاً دقيقاً؛ حيث اختص كلّ إقليم جغرافي بزراعة سلالة محدّدة من القمح تكيّفت مع مناخه وتربته، لتشكّل هذه الأقاليم مواطِن أصلية ميّزت الخريطة الزراعية القديمة لآلاف السنين قبل أن تبدأ عمليات التبادل والخلط الجيني.
سنستعرض في الفصول التالية التفاصيل الدقيقة لهذه الأقاليم الثلاثة الرئيسة: إقليم قمح العلس في الجنوب، إقليم قمح الحجل وحيد الحبّة في الشمال، وإقليم الحنطة الطرية في الأناضول.

الفصل الأوّل: الريادة الجنوبية … قمح العلس (إيمّر) وبدايات التدجين في دمشق وفلسطين
تشير التنقيبات الأثرية المتقدّمة إلى أنّ المهد الأوّل للزراعة المنظّمة لم يكن عشوائيّاً، بل تركّز في النطاق الجنوبي من الهلال الخصيب. ففي حين كانت المجموعات البشرية تعتمد في البداية على حصاد القمح البرّي المعروف حاليّاً باسم قمح الحجل، شهدت غوطة دمشق والمناطق الممتدّة نحو فلسطين تحوّلاً جذريّاً تمثّل في زراعة نوع مختلف ومطوّر جينيّاً يُعرف بقمح العلس أو إيمّر Emmer (الاسم الأكاديمي: Triticum turgidum subsp. dicoccum). لم يكن هذا النوع ثنائي الحبّة مجرّد طفرة عابرة، بل كان نتاج عملية انتقاء وتدجين واعية ومستمرّة.
وتبرز أهمّية موقع تل أسود الأثري، الواقع بالقرب من مطار دمشق الدولي الحالي في سوريا، أحد أهمّ الشواهد المادية على هذه النقلة الحضارية. ففي هذا الموقع، عُثر على أقدم الآثار المعروفة لزراعة القمح المدجّن، ممّا يرجّح أنّ غوطة دمشق كانت حاضنة لمختبرات التجارب الزراعية الأولى في التاريخ. وبالتوازي مع تل أسود، قدم موقع عراق الدب، الواقع جنوب منطقة حوران في المملكة الأردنية الهاشمية، أدلّة مماثلة تؤكّد انتشار تقنية زراعة قمح العلس في هذا النطاق الجغرافي المتّصل. وتعود بدايات هذه الزراعة في المنطقة الملوّنة باللّون البرتقالي على الخريطة البيانية المرفقة إلى الفترة المعروفة بـ العصر الحجري الحديث ما قبل الفخاري أ Pre-Pottery Neolithic A، وتحديداً قبل 11600 سنة.
لم ينحصر تأثير قمح العلس (إيمّر) في نطاق نشأته الأولى، بل كُتب له أن يكون الحبوب الأساسية التي شكّلت النظام الغذائي لأعظم حضارات العالم القديم. فقد انتشر هذا النوع لاحقاً ليصبح الغذاء الرئيس في مصر القديمة، حيث وجد طريقه إلى موائد الملوك ومخازنهم، كما اعتمدت عليه الإمبراطورية الرومانية Imperium Romanum استمراراً لاحقاً عصب لأمنها الغذائي.
وتشير الدراسات التاريخية الجغرافية إلى حقيقة مناخية وتجارية هامة؛ ففي حقبة العرب الفنيقيّين، لم تكن شبه جزيرة سيناء صحراء قاحلة كما نعهدها في عصرنا الراهن، بل تمتّعت بمناخ أكثر رطوبة سمح بازدهار الزراعة. ونتيجة لذلك، شكّلت منطقة غرب سيناء وشرق الدلتا المصرية مراكز حيوية لتصدير قمح العلس، ممّا يؤكّد وجود شبكة تجارية زراعية معقّدة ربطت بين المشرق ومصر وحوض المتوسّط.

الفصل الثاني: المحور الشمالي … قمح إيمّر وحيد الحبّة في الجزيرة العليا
بالانتقال شمالاً نحو منطقة الجزيرة العليا والمرتفعات المحيطة بها، نجد قصّة تدجين مختلفة لنوع آخر من القمح. فقبل حوالي 10400 سنة (8400 قبل الميلاد)، بدأت المجتمعات المستقرّة في شمال الهلال الخصيب بزراعة ما يُعرف بقمح الحجل إينكورن أو وحيد الحبّة Einkorn (الاسم الأكاديمي: Triticum monococcum). وتظهر التحليلات الوراثية أن الأصول البرّية لهذا النوع قد استقدمت من مناطق قريبة من دمشق، لكن عملية تدجينه وتطويره زراعياً تمت في البيئة الشمالية المتميزة بظروفها المناخية المختلفة.
وتقدّم الاكتشافات الأثرية في جبل قرجه داغ Karaca Dağ قرب مدينة دياربكر Diyarbakır، أدلّة قاطعة على أنّ هذه المنطقة كانت الموطن الأصلي لتدجين هذا النوع. ويدعم هذا الاستنتاج ما عُثر عليه في موقع تل أبو هريرة الأثري، الذي يقبع اليوم مغموراً تحت مياه بحيرة الرقّة خلف سدّ الفرات في سوريا. ويُعد موقع أبو هريرة مرجعاً عالميّاً فريداً، إذ يوثّق الطبقات الأثرية فيه الانتقال الدقيق من نمط حياة الصيد والالتقاط إلى نمط الزراعة المستقرّة، وكشفت الحفريّات (قبل غمر الموقع) عن حبوب قمح وحيد الحبّة تظهر عليها علامات التدجين الواضحة التي تميزها عن نظيراتها البرّية.
يغطي هذا النطاق الجغرافي، الموضح باللّون الأصفر على الخريطة، مساحة واسعة تمتدّ من شمال سوريا والعراق لتشمل أجزاءً من جنوب شرق تركيا الحالية. وقد تميّزت هذه المنطقة ببيئة سهلية وهضبية خصبة وفّرت الظروف المثالية لنموّ هذا النوع من القمح الذي يتحمّل ظروفاً مناخية قد تكون أقسى من تلك التي يتطلّبها قمح العلس الجنوبي.

الفصل الثالث: ابتكار الأناضول … الحنطة الطريّة وثورة الخبز
في مرحلة تاريخية لاحقة نسبيّاً، وتحديداً قبل حوالي 8400 سنة (6400 قبل الميلاد / 2900 ق.هـ)، شهدت منطقة جنوب وسط الأناضول تطوّراً زراعيّاً بالغ الأهمية تمثّل في زراعة الحنطة الطريّة أو ما يُعرف بقمح الدنكل Spelt/Dinkel (الاسم الأكايديمي: Triticum spelta أو سلالات Triticum aestivum القديمة). هذا النوع، الذي يظهر باللّون البني الفاتح في الركن الشمالي الغربي من الخريطة، سيصبح لاحقاً العلامة الفارقة في صناعة الخبز والمخبوزات لشعوب وسط وشمال أوروپا، نظراً لخصائصه العجينية المميّزة واحتوائه على نسب گلوتين Gluten مناسبة للخبز المسامي.
ويقف موقع چتال هُيوك Çatalhöyük، الواقع بالقرب من مدينة قونيا Konya في تركيا المعاصرة، شاهداً أثرياً عملاقاً على هذه المرحلة. إذ يُصنّف چتال هيوك أحد أكبر وأقدم التجمّعات البشرية الحضرية في العصر الحجري الحديث، وقد كشفت التنقيبات فيه عن مستودعات وبقايا نباتية تؤكّد اعتماد سكّانه على زراعة الحنطة الطريّة.
يمثّل هذا التطوّر قفزة نوعية في التاريخ الجيني للقمح، حيث أنّ الحنطة الطريّة هي نتاج تهجين وراثي معقّد (سداسي الصيغة الصبغية) حدث، سواء بشكل طبيعي أو بتدخّل بشري غير مباشر، بين أنواع القمح القديمة وأعشاب برّية أخرى، ممّا منحها صفات مميّزة في الطحن والخبز.

الفصل الرابع: التمايز الجغرافي وعصر الاندماج العظيم
يتّضح من طريق تحليل الخريطة والبيانات التاريخية أنّ العالم القديم عاش حقبة طويلة من العزلة الزراعية التخصّصية. فقد التزمت كل منطقة من المناطق الجغرافية الثلاث (الجنوبية، الشمالية، والأناضولية) بزراعة نوعها المحدّد من القمح دون تداخل يذكر مع الأنواع الأخرى فترة امتدّت آلاف السنين. هذا التخصّص الإقليمي سمح لكلّ سلالة بتثبيت صفاتها الوراثية والتكيّف الكامل مع بيئتها الحاضنة، ممّا خلق تنوّعاً بيولوجيّاً زراعيّاً غنيّاً ومستقرّاً.
إلّا أنّ هذا المشهد بدأ بالتغير جذريّاً في الفترة الواقعة ما بين 7000 و5000 سنة مضت (5000 – 3000 قبل الميلاد). فمع تطوّر طرق التجارة، وازدياد الهجرات البشرية، ونشوء الإمبراطوريّات الأولى، بدأت الحدود الزراعية بالتلاشي. تداخلت مناطق الزراعة، وانتقلت بذور قمح العلس شمالاً، حين انحدرت الحنطة الطرية جنوباً، وامتزجت الخبرات الزراعية لتشكّل نظاماً زراعيّاً مركّباً.
ولم تكن المنافسة محصورة بين أنواع القمح فحسب، بل دخلت محاصيل أخرى حلبة السباق على عرش صناعة الخبز، وتحديداً العدس Lens culinaris والشيلم Secale cereale (الجاودار)، اللّذان نافسا القمح في بعض المناطق، خاصّة في الأوقات التي كانت تتعرّض فيها محاصيل القمح للأمراض أو للظروف المناخية القاسية. مهّد هذا الاندماج الزراعي الطريق لثورة غذائية كبرى، وفّرت للإنسان خيارات متنوّعة وضمنت له أمناً غذائياً مكّنه من بناء حضارات أكثر تركيباً وكثافة سكانية.

الفصل الخامس: الشعير … الرفيق الشتوي والجعة المقدّسة
لم تكن قصة هيمنة الإنسان على الطبيعة في الهلال الخصيب لتكتمل بالقمح وحده؛ فبموازاة تدجين العلس والحنطة، كان هناك بطل آخر ينمو بصمت في الظلال، وأحياناً يسبق القمح في احتلال الحقول بفضل قدرته الفائقة على التحمّل. إنّه الشعير (الاسم الأكاديمي: Hordeum vulgare)، الذي يُعدّ الشقيق البيولوجي والتاريخي للقمح في رحلة الانتقال من الصيد إلى الاستقرار.
ولئن كان القمح تسيّد لاحقاً موائد النخبة والشعائر الدينية الرفيعة، فإنّ الشعير كان العمود الفقري الحقيقي للأمن الغذائي للطبقات العاملة، والوقود المحرّك للعمل اليومي، والمكوّن الأساسي لأولى المشروبات المخمّرة التي عرفتها البشرية، التي اكتسبت صبغة مقدّسة في مهد الحضارات.
تشير اللقّى الأثرية النباتية في مواقع مريبط وأبو هريرة في سوريا، وعين غزال في الأردن، إلى أنّ تدجين الشعير حدث بالتزامن تقريباً مع القمح، إن لم يكن قد سبقه قليلاً في بعض الجيوب البيئية، وذلك في حدود 10500 سنة مضت (8500 قبل الميلاد / 5000 ق.هـ). وعلى عكس القمح الذي يتطلّب ظروفاً مناخية وتربة محدّدة، تميّز الشعير البرّي Hordeum spontaneum بمرونة جينية مذهلة سمحت له بالنموّ في التربة الفقيرة، والمناطق ذات الملوحة المرتفعة، والبيئات شحيحة المياه.
هذه الميزة الأگرونومية جعلت منه المحصول الاستراتيجي الأوّل في جنوب بلاد النهرين (العراق)، حيث أدّى الريّ المستمرّ لقرون إلى تملّح التربة، ممّا جعل زراعة القمح مستحيلة، فحلّ الشعير بديلاً منقذاً للحضارة السومرية في مراحلها المتأخرة … وقد تكون هذه الكارثة البيئية سبب وراء تقديس مشروب خمرة خبز الشعير (البَپِر)، الذي نعرفه اليوم باسم البيرة.
تاريخيّاً، نشأت تراتبية اجتماعية واضحة ارتبطت بنوع الخبز المستهلك. ففي حين كان خبز القمح، بفضل محتواه من الگلوتين الذي يمنحه قواماً إسفنجيّاً ولوناً فاتحاً، حكراً على النبلاء والكهنة والولائم الرسمية، كان خبز الشعير هو خبز الشعب ورفيق الفلّاحين والظعن.
في الجزيرة العربية، وتحديداً في الحواضر القديمة مثل يثرب ومكّة واليمامة، شكّل الشعير العنصر الأساسي في النظام الغذائي للعرب لقرون طويلة قبل الإسلام وبعده. وتشير النصوص التراثية والسرديّات التاريخية إلى أنّ الأسودين (التمر والماء) غالباً ما كان يرافقهما خبز الشعير الغليظ، نظراً لقدرة هذا النبات على تحمّل المناخ الصحراوي القاسي الذي لا يرحم القمح الرقيق.
ولم يكن هذا التفضيل اضطراريّاً فقط، بل ارتبط بفوائد صحّية أدركها الأوائل بالتجربة، حيث كان يُعدّ أكثر إشباعاً وأبطأ في الهضم، ممّا يمدّ الجسم بالطاقة لفترات أطول في أثناء الرحلات التجارية الشاقّة أو الغزوات.

لعلّ الجانب الألفت في تاريخ الشعير هو دوره المحوري في اختراع الجعة (البيرة)، التي لم تكن في العالم القديم مجرّد مشروب ترفيهي، بل كانت مادّة غذائية أساسية تُعرف بـ الخبز السائل. في العراق القديم ومصر القديمة، كانت الجعة مصدراً رئيساً للكربوهيدرات والمعادن، وكانت تُستهلك من قبل الجميع؛ رجالاً ونساءً وأطفالاً، لكونها أكثر سلامة من المياه التي قد تكون ملوّثة، بفضل عملية الغلي والتخمير.
اكتسب مشروب الشعير المخمّر بعداً لاهوتيّاً عميقاً؛ ففي الأساطير السومرية، خُصِّصت إلهة كاملة لهذا المشروب هي نِنكَسِ (نِنكّشسِ) Ninkasi، وتعدّ ترنيمة نِنكَسِ (التي تعود لحوالي 3800 سنة مضت / 1800 قبل الميلاد) أقدم وصفة مكتوبة لتصنيع الجعة من خبز الشعير المخمّر بَپِر Bappir.
كان هذا المشروب يُقدّم قرباناً للآلهة في المعابد، ويُوزّع أجر يومي للعمّال بناة الأهرامات والزقّورات، ممّا يجعله العملة السائلة الأولى في التاريخ. وعند العرب قبل الإسلام، كانت المِزْر أو الجعة المصنوعة من الشعير (وأحياناً الذرة أو الحنطة) جزءاً من شعائر الضيافة والتحالفات القبلية، وإن اختلفت مكانتها وتشريعاتها لاحقاً مع مجيء الإسلام الذي نظّم وحرّم المشروبات المسكرة، لكنّه أبقى على مكانة الشعير غذاء (تلبينة، سويق) ذي قيمة بركة وشفاء.
بالمقارنة التحليلية، نجد أنّ القمح كان يمثّل الرقيّ والاستقرار الترفي، في حين مثّل الشعير البقاء والصمود. القمح بنى اقتصاديّات التصدير والتجارة الدولية (كما في روما ومصر)، أمّا الشعير فحفظ المجتمعات المحلّية من المجاعات وحمّى الحضارات النهرية من الانهيار البيئي الناتج عن ملوحة التربة.
لا تمكن قراءة تاريخ المنطقة العربية بمعزل عن سنابل الشعير التي قاومت الجفاف، تماماً كما قاوم إنسان هذه الأرض قسوة التاريخ، لتظلّ زراعته شاهداً حيّاً على عبقرية التكيّف البشري مع البيئات الصعبة.

خاتمة: جدلية البقاء والرفاه … ميراث الأرض والإنسان
نستنتج ممّا سبق أنّ قصّة الميلاد الزراعي في الهلال الخصيب لم تكن سرداً أحاديّاً لسيادة القمح فحسب، بل كانت منظومة ثنائية معقّدة توازن ببراعة بين رفاهية الحنطة وصمود الشعير. هذه الفسيفساء البيولوجية التي تشكّلت عبر آلاف السنين، من بؤر التدجين الأولى في تل أسود بدمشق وعراق الدبّ في الأردن، مروراً بمختبرات الأناضول في چتال هيوك وقرجه داغ، وصولاً إلى سهول الرافدين التي حماها الشعير من الانهيار الملحي، تروي سيرة حضارة لم تقم على الصدفة، بل على المراقبة الدقيقة والهندسة الوراثية الفطرية.
كتب أجداد هذه المنطقة الفصل الأوّل في كتاب التاريخ البشري عبر معادلة غذائية عبقرية: القمح لضمان الارتقاء الاجتماعي والتجاري، والشعير لضمان البقاء والاستمرارية في وجه القحط. إنّ وعينا اليوم بهذه التفاصيل الدقيقة، وبأسماء المواقع والسلالات، وبالمكانة المزدوجة للخبز والجعة، هو استعادة لملكية هذا الإنجاز التاريخي العظيم. وهو تأكيد راسخ على أنّ الهوية المشرقية متجذّرة في كل سنبلة تمايلت مع الريح، وأنّ هذه الأرض لم تكتفِ بمنح البشرية بذرة الحياة الأولى، بل علّمتها كيف تتكيّف وتصمد وتزدهر في أصعب الظروف المناخية والبيئية.
المراجع والمصادر
- Domestication of Plants in the Old World (The standard reference by Zohary & Hopf) Daniel Zohary, Maria Hopf, Ehud Weiss (4th Ed, 2012). ~Link to Book Info~
- The Cradle of Agriculture Lev-Yadun, S., Gopher, A., & Abbo, S. (2000). Science. ~DOI: 10.1126/science.288.5471.1602~
- The Neolithic Southwest Asian Founder Crops: Biology and Archaeobotany Weiss, E., & Zohary, D. (2011). Current Anthropology. ~DOI: 10.1086/658367~
- The Natufian Culture in the Levant, Threshold to the Origins of Agriculture Ofer Bar-Yosef (1998). Evolutionary Anthropology. ~Link to Article~
- Origins of Agriculture in West Asia George Willcox (2013). The Cambridge World History. ~Link to Chapter~
- Guns, Germs, and Steel: The Fates of Human Societies Jared Diamond (1997). ~Book Reference~
- The Birth of the Gods and the Origins of Agriculture Jacques Cauvin (2000). ~Book Reference~
- Site of Einkorn Wheat Domestication Identified by DNA Fingerprinting Heun, M., et al. (1997). Science. (المصدر الأساسي لنظرية جبل قرجه داغ) ~DOI: 10.1126/science.278.5341.1312~
- On the Origin of Primitive Wheats Harlan, J. R., & Zohary, D. (1966). Science. ~DOI: 10.1126/science.153.3740.1074~
- Genetic Diversity and Geography of Wild Cereal Domestication in the Near East Salamini, F., et al. (2002). Nature Reviews Genetics. ~DOI: 10.1038/nrg817~
- Molecular Evidence for the Origin of Spelt and the Evolution of Wheat Dvorak, J., et al. (2012). ~Link to Study~
- Herboriculture at Tell Aswad (Syria) Willcox, G., & Stordeur, D. (2012). (مصدر أساسي عن زراعة القمح في تل أسود) ~Link to Article~
- The Origins of Cultivation at Tell Aswad Stordeur, D., et al. (2010). Vegetation History and Archaeobotany. ~DOI: 10.1007/s00334-010-0258-z~
- Archaeobotanical Evidence for the Beginnings of Agriculture in Southwest Asia (References Iraq ed-Dubb) Colledge, S., Conolly, J., & Shennan, S. (2004). ~Link to Publication~
- Re-analysis of the Archaeobotanical Investigations at Iraq ed-Dubb Sue Colledge (2001).
- How Fast Was Wild Wheat Domesticated? Tanno, K., & Willcox, G. (2006). Science. ~DOI: 10.1126/science.1124635~
- Pre-Pottery Neolithic A Cultivation of Wild Emmer at Tell Aswad Weide, A., et al. (2015). ~Link to Research~
- Village on the Euphrates: From Foraging to Farming at Abu Hureyra Moore, A. M. T., Hillman, G. C., & Legge, A. J. (2000). (المرجع الشامل لموقع أبو هريرة) ~Book Reference~
- New Evidence of Late Pleistocene Cultivation at Abu Hureyra Hillman, G., et al. (2001). The Holocene. ~DOI: 10.1191/095968301678302823~
- 20 The Exploitation of Wild Plants at Tell Abu Hureyra Hillman, G. C. (1975).
- The Leopard’s Tale: Revealing the Mysteries of Çatalhöyük Ian Hodder (2006). ~Book Reference~
- Macro-botanical Remains from Çatalhöyük Fairbairn, A., et al. (2002). ~Link to Report~
- Hexaploid Wheat (Triticum aestivum) Origin Matsuoka, Y. (2011). Plant and Cell Physiology. ~DOI: 10.1093/pcp/pcr064~
- Archaeobotanical Evidence of the Spread of Farming in the Eastern Mediterranean Sue Colledge et al. (2004). Current Anthropology. ~DOI: 10.1086/422086~
- Bread and Beer: The Early Use of Cereals in the Human Diet Katz, S. H., & Voigt, M. M. (1986). Expedition. (المصدر الكلاسيكي لنظرية البيرة قبل الخبز) ~Link to Article~
- A Hymn to the Beer Goddess and a Drinking Song Miguel Civil (1964). Studies Presented to A. Leo Oppenheim. ~Citation Reference~
- Sumerian Beer: The Origins of Brewing Technology in Ancient Mesopotamia Peter Damerow (2012). Cuneiform Digital Library Journal. ~Link to Article~
- Fermented Beverages of Pre- and Proto-historic China and the Middle East McGovern, P. E., et al. (2004). PNAS. ~DOI: 10.1073/pnas.0407921102~
- Archaeobotanical Evidence for the Origins of Bread (Shubayqa 1) Arranz-Otaegui, A., et al. (2018). PNAS. (اكتشاف أقدم خبز في الأردن قبل الزراعة) ~DOI: 10.1073/pnas.1801071115~
- Barley: Genetics, Composition, Structure and Uses Shewry, P. R., & Ullrich, S. E. (2014). ~Book Reference~
- The Origins of the Civilization of Anga (Beer references) Homan, M. M. (2004). Near Eastern Archaeology.
- Climate Change and the Origins of Agriculture Fiona Marshall (2012). ~Link to Study~
- Genome Plasticity a Key Factor in the Success of Polyploid Wheat Under Domestication Dubcovsky, J., & Dvorak, J. (2007). Science. ~DOI: 10.1126/science.1143986~
- Evolution of Wild Emmer and Wheat Improvement Nevo, E., et al. (2002). ~Book Reference~
- Ancient DNA from Early Neolithic Farmers in the Near East Lazaridis, I., et al. (2016). Nature. ~DOI: 10.1038/nature19310~
- Contrasting Patterns in Crop Domestication Rates Fuller, D. Q. (2007). Annals of Botany. ~DOI: 10.1093/aob/mcm048~
- A Wild Harvest: Experiments in the Collection of Wild Grain Jack Harlan (1967). Archaeology.
- Plant Food Processing in the Early Neolithic Piperno, D. R., et al. (2004). ~Link to Nature Article~
- Ohalo II: A 23,000-Year-Old Fisher-Hunter-Gatherer Camp on the Sea of Galilee Nadel, D. (2002). (أقدم موقع لحصاد الحبوب البرية قبل الزراعة) ~Link to Publication~
- The Beginnings of Agriculture in the Near East: A Survey Garrard, A. (1999).
- Feasting, Beer, and the Birth of Cultivation Hayden, B. (2003). ~Link to Article~
- Domestication and Evolution of Genetic Diversity in Wheat and Barley Peng, J., et al. (2011). Crop Science. ~DOI: 10.2135/cropsci2010.08.0470~
- Environment, Archaeology and History of the Middle Euphrates (Abu Hureyra context) Wilkinson, T. J. (2004).
- Biodiversity of Wheat in the Fertile Crescent Jaradat, A. A. (2011).
- From Hunter-Gatherers to Farmers: Human Adaptations at the End of the Pleistocene Price, T. D., & Gebauer, A. B. (1995).
- Grain Processing and the Organization of Consumption in the PPNA Wright, K. I. (2000).
- Wild Barley in the Fertile Crescent Abbo, S., et al. (2010).
- Archaeology of the United Arab Emirates/Arabia (Context for trade) Potts, D. T. (1990).
- Phylogeography of the Wild Weed Secale cereale (Rye/الشيلم) Parat, N., et al. (2016).
- Ancient Egypt: Anatomy of a Civilization Barry Kemp (2005).





اترك رد