تطرح استمراريّة الأعياد البشريّة عبر آلاف السّنين تساؤلات بحثيّة معمّقة حول ماهيّة الرّوابط الّتي تجمع الشّعوب المتباينة. ويبرز عيد النّوروز أحد أقدم الاحتفاليّات الإنسانيّة الّتي لم تزل حيّة، متجاوزاً الانقسامات الجغرافيّة والأيديولوجيّة.
تعود جذور هذه المناسبة إلى ثمانية آلاف سنة مضت من التّاريخ البشريّ المعروف، سبعة آلاف منها موثّقة في منطقة الشّرق الأوسط وحدها. ولم يندثر هذا العيد بتعاقب الإمبراطوريّات أو بتبدّل الأديان، بل تكيّف بمرونة ملحوظة، متحوّلاً من احتفاليّة زراعيّة محليّة في حضارات بلاد النّهرين، إلى يوم عالميّ توحّد حوله مئات الملايين من البشر.
تسلّط هذه الدّراسة الموسوعيّة الضّوء على التّفاصيل الدّقيقة، والأصول اللّغويّة، والممارسات الاجتماعيّة الّتي رافقت النّوروز، لتكوّن مرجعاً استقصائيّاً شاملاً يغني الباحث والقارئ عن أيّ مصادر إضافيّة.
مقدّمة
يحلّ النّوروز تزامناً مع الاعتدال الشّمسيّ الرّبيعيّ، في اللّحظة الّتي يتعامد فيها مركز قرص الشّمس مع خطّ الاستواء الأرضيّ، ويوافق عادةً يوم 21 آذار مارس من التّقويم الميلاديّ. وتمدّدت خريطة الاحتفال بهذا اليوم لتشمل أغلبيّة دول قارة آسيا؛ ابتداءً من المقاطعات المسلمة في الصّين شرقاً، وصولاً إلى منطقة البلقان غرباً، فضلاً عن امتداداته التّاريخيّة الّتي شملت أجزاءً من أوروپا، وإفريقيا، وحتّى شعوب الأميركيّتين الأصليّين مثل شعوب الپيرو، وبوليڤيا، والمايان في المكسيك ممّن عبدوا الشّمس واحتفلوا بعيد الزّراعة الأوّل بالشّعائر ذاتها.
تتناول الفصول التّالية التّشريح اللّغويّ، والتّطوّر التّاريخيّ الممتدّ من العهد السّومريّ وحتّى الاعتراف الدّوليّ في العصر الحديث.

التّأصيل الفيلولوجيّ واللّغويّ لاصطلاح النّوروز
تتعدّد الرّوايات حول الجذر اللّغويّ الأوّل لكلمة نوروز، وتتّفق جميعها على دلالة التّجدّد والضّياء والانبعاث. في الواقع، بدأ الاحتفال بعيد نَوروز في شمال العربية قبل نحو 4000 سنة، وقد يكون أقدم الاحتفالات الإنسانية التي لم تزل حيّة حتى اليوم.
النَوروز هو الاحتفال بالاعتدال الشمسي ومعنى التسمية ببساطة “{يوم الضياء}” أو “{رأس الضياء}” أي يوم السطوع الجديد = رأس السنة.
في التّحليل اللّغويّ الآراميّ والسّريانيّ، تُكتب الكلمة بصيغة ܢܘܪܘܙܐ، وتُلفظ نوروزه في السّريانيّة الشّرقيّة، ونوروژاء في السّريانيّة الغربيّة، ونوروزا أو نوروگا في الآراميّة النّبطيّة. يتكوّن هذا النّحت اللّفظيّ من شقّين رئيسين؛ الأوّل هو ܢܘܪܐ (نورو أو نوراء) ويعني النّور أو الضّياء. أمّا الشّق الثّاني فهو ܪܘܙܐ (غوزا أو روزاء) ويعني اليوم، وهذه اللّفظة مشتقّة أساساً من كلمة رأس، الّتي تُكتب بالآراميّة ܪܝܫܐ (راشا أو ريشا، وتُنطق بألف مائلة متبوعة بنبرة في السّريانيّة: راشاء). يتّضح هذا الاشتقاق في تراكيب آراميّة متعدّدة مثل ܪܝܫܐ ܕܫܢܬܐ (راشا دي شَنتا) أي رأس السّنة، وܪܝܫܐ ܕܓܒܪܐ (راشا دي گَبرا) أي رأس الرّجل، وܪܝܫܐ ܕܛܘܪܐ (راشا دي طورا) أي رأس الجبل.
نَوروز بلغتها الأصليّة:
- ܢܘܪܘܙܐ (نوروزه) بالآرامية السريانية الشرقية.
- ܢܘܪܘܙܐ (نوروژاء) بالآرامية السريانية الغربية.
- ܢܘܪܘܙܐ (نوروزا و نوروجا (نوروگا)) بالآرامية النبطية.
- كلمة نوروزا ܢܘܪܘܙܐ منحوتة من كلمتين: نور-روز حيث:
- ܢܘܪܐ (نورو، نوراء) وتعني “نور” أو “ضياء”.
- ܪܘܙܐ (غوزا، روزاء) وتعني “يوم”. وهذه الكلمة نفسها مشتقّة عن كلمة رأس، حيث: رأس بالآرامية هي راشا (ريشا) ܪܝܫܐ ألفها الأولى مائلة والثانية في السريانية منبورة (راشاء)، وهذا عام على السريانية الشرقية والسريانية الغربية والآرامية النبطية.
وعليه فالمعنى الأصلي لكلمة نوروز بلغتها الأصلية؛ الآرامية هو “{يوم النور}” أو “{يوم الضياء}”. ويبقى النوروز عيداً إنسانيّاً يرمز إلى بداية فصل الربيع وتجدّد الحياة.
وقد تختلف كتابة “راشا” باللّغة الآرامية قليلاً حسب اللّهجة المستخدمة. وقد يكون نطقها بشكل مختلف أيضاً حسب اللّهجة المستخدمة. ومن الأمثلة على استخدام “{رأس}” في اللّغة الآرامية:
- ܪܝܫܐ ܕܫܢܬܐ راشا دي شَنتا تعني “{رأس السنة}”.
- ܪܝܫܐ ܕܓܒܪܐ راشا دي جَبرا (گَبرا) تعني “{رأس الرجل}”.
- ܪܝܫܐ ܕܛܘܪܐ راشا دي طورا تعني “{رأس الجبل}”.
وبناءً على هذا التّفكيك الفيلولوجيّ، يغدو المعنى الأصليّ {يوم النّور} أو {يوم الضّياء} أو {رأس النّور}.
في اللّغات الإيرانيّة القديمة وتحديداً الأڤستيّة، تألّفت الكلمة من المقطعين {نَڤى} أو نوى Nava بمعنى جديد، و{رِزنه} Rəza بمعنى يوم أو ضوء الصّباح، لتتّخذ معنى {فجر جديد} أو {يوم جديد}. وانتقل هذا التّركيب اللّفظيّ بانسياق مشابه إلى اللّغتين الفارسيّة والكرديّة المعاصرتين (نو: جديد، روز: يوم).
تاريخيّاً، ظهرت التّسمية المرتبطة بهذا الموعد الزّمنيّ في اللّغة البابليّة تحت مصطلح {نَوَسَرده} والّذي يترجم حرفيّاً إلى {سنة جديدة}. ومع التّحويرات اللّهجويّة التّاريخيّة وتحرّكات الشّعوب، تحوّلت {نَوَ-سَرده} إلى {نَوَ-روس} (رأس جديد)، لتستقرّ لاحقاً على الصّيغة المتداولة حاليّاً نَوروز.

البدايات الأولى في حضارات شمال العربية
شهد التّاريخ البشريّ تحوّلات جذريّة في طرق حساب الزّمن وارتباطها بالدّورات الزّراعيّة. إذ بدأت الممارسات الاحتفاليّة الرّبيعيّة مع السّومريّين، الّذين اعتمدوا على القمر عنصر أساسيّ للتّأريخ. فأطلق السّومريّون على الشّهر الأوّل من السّنة اسم {نيسانو} (نيسان)، وبدأوا تقويمهم بليلة الاعتدال الرّبيعيّ، مطلقين على القمر الجديد الّذي يتزامن مع هذه اللّيلة تسمية {نِو رِى}.
مع صعود الدّولة البابليّة الأولى (بابيرُص) قبل أربعة آلاف سنة تقريباً، ارتبط الاحتفال بالاعتدال الشّمسيّ باختراع السّنة الشّمسيّة البابليّة، والّتي صيغت تقويم زراعيّ دقيق للفلّاحين، تزامناً مع تعاظم اعتماد الاقتصاد المحلّيّ على ناتج الأرض ونور الشّمس. واعتمدت حكومة بابل يوم {نَوَسَرده} رأساً للتّقويم. وتركّزت الممارسات الدّينيّة البابليّة آنذاك حول التّبرّك بالإله الشّمس {سوريا}. وتبرّع الأهالي بأطباق القمح المنبّت (المبرعم) لمعبد الشّمس الرئيس في المدينة، ليتشاركوا لاحقاً في أكلها مع الكهنة على وقع الأناشيد والتّراتيل الدّينيّة.
بابل ما قبل النّوروز: هيمنة أعياد الأكيتو
شهدت بلاد النّهرين، بصفتها مهداً للحضارة العربيّة القديمة، تطوّرات جذريّة في طرق حساب الزّمن. تُصنّف اللّغة الأگّديّة (أقّدو – 𒀝𒅗𒁺𒌑) تاريخيّاً لغة عربيّة قديمة، وتسبقها السّومريّة (إِمِگِرْ – 𒅴𒂠) نسخة أقدم تفرّعت عنها اللّغة العربيّة اللّاحقة.
يُطلق على اللّغة السّومريّة محليّاً اسم {إِمِگِرْ}، ويتألّف من المقطعين {إِمِ} بمعنى اللّسان أو اللّغة، و{گِرْ} بمعنى الأصليّ أو النّبيل، ليصير المعنى اللّغة الأصليّة أو اللّسان النّبيل. لم يطلق هذا الشّعب على نفسه تّسمية السومريّين، بل استعملوا عبارة {صَگ گِگَه} 𒊕𒈪 الّتي تعني ذوي الرّؤوس السّوداء. وأطلقوا على رقعتهم الجغرافيّة اسم {كِي إِنْ گِرْ} 𒆠𒂗𒄀، وتعني أرض السّادة النّبلاء أو مكان اللّغة الأصليّة. لكن، وصلت التّسمية الشّائعة سومر وتصريفاتها من اللّغة الأگّديّة، الّتي استعملت لفظة {شُومِيرُو} 𒋗𒈨𒊒 للإشارة إلى تلك المنطقة الجنوبيّة من بلاد النهرين وسكّانها.
أفرزت هذه البيئة الحضاريّة المتجانسة احتفاليّات ربيعيّة تركّزت حول أعياد {أكِتُ} 𒀉𒆠𒌈 (أَكِيتُو). وارتبط هذا العيد ارتباطاً وثيقاً بالدّورة الزّراعيّة وتجديد شرعيّة الملك أمام الآلهة. وامتدّت الممارسات لأحد عشر يوماً متواصلة في شهر نيسانو (نيسان أبريل). وانحصرت الشّعائر الرّئيسيّة داخل أسوار المعابد الكبرى، وتضمّنت تلاوة قصيدة التّكوين البابليّة (إِنُومَا إِلِيشْ 𒂊𒉡𒈠𒂊𒇺)، وتقديم القرابين الحيوانيّة والنّباتيّة المعقّدة. وغلب الطّابع الدّينيّ الرّسميّ الصّارم على المراسم، مرتكزاً على شخص الملك وكبير الكهنة.
بابل بعد شيوع النّوروز: التّحوّل نحو احتفال مجتمعيّ
مع دخول الإمبراطوريّة الأخمينيّة (هَاخَامَانِيشِيَا – 𐏃𐎠𐎶𐎴𐎡𐏁𐎡𐎹𐎠) إلى بابل عام 539 قبل الميلاد (الموافق لـ 1161 قبل الهجرة تقريباً)، بدأ تمازج واسع النّطاق بين التّقاليد النّهرينيّة المحلّيّة والاحتفاليّات الإيرانيّة. فبرز النّوروز (نَوَ رِزَا) صيغة محلّيّة أكثر مرونة، وانتقل ثقل الاحتفال تدريجيّاً من قسوة المعابد وظلامها إلى رحابة القصور والسّاحات العامّة. وحافظ البابليّون على جوهر الاحتفاء بالاعتدال الرّبيعيّ، متبنّين التّوجّه الجديد الّذي ركّز على الفرح المجتمعيّ والاحتفاء بنور الشّمس وتجدّد الطّبيعة، متجاوزين التّعقيدات اللّاهوتيّة القديمة، لتصبح المناسبة عيداً تفاعليّاً يشارك فيه عامّة النّاس بحرّيّة مطلقة.
تجلّى في هذا التّحوّل التّوجّه العلمانيّ لملوك الإمبراطوريّة الأخمينيّة، الّذين أدركوا حتميّة تحرير مؤسّسات الدّولة الواسعة من هيمنة دين واحد يُفرض قسراً على الشّعوب المتباينة. فأسّس هذا النّهج السّياسيّ لشبكة روابط متينة وحّدت أركان الإمبراطوريّة المترامية بفضل إقرار الاستقلاليّة العقائديّة للمكوّنات المحلّيّة، ممّا حوّل النّوروز من ممارسة كهنوتيّة مغلقة إلى احتفاليّة مدنيّة جامعة. ويحاكي هذا الذّكاء الإداريّ تماماً السّياسة الاستيعابيّة الّتي ابتكرها مؤسّسو الإمبراطوريّة الأگّديّة الأولى في بلاد النهرين، لمّا نجحوا في صهر الدّويلات المتناثرة في كيان سياسيّ موحّد، تاركين لكلّ مدينة حرّيّة تقديس آلهتها الخاصّة وممارسة شعائرها باستقلاليّة تامّة دون أيّة محاولة لطمس هويّاتها المتجذّرة.
أسّس هذا الانفتاح الإداريّ لبيئة مستقرّة أتاحت ازدهاراً غير مسبوق في حركة التّبادل التّجاريّ عبر أرجاء الإمبراطوريّة المترامية. وأمّنت شبكة الطّرق البرّيّة المتطوّرة، وفي طليعتها الطّريق الملكيّ الرّابط بين مدينة سوسه الإيلامية ومدينة سارديس اللّيدية، مسارات آمنة لقوافل التّجّار المتنقّلة بين وادي السّند، ومصر، وسواحل البحر الأبيض المتوسّط. فتحوّل النّوروز بفضل هذه الدّيناميّة من مناسبة محليّة إلى موسم اقتصاديّ استراتيجيّ؛ تتزامن فيه الحركة التّجاريّة الكثيفة مع توافد الوفود المحمّلة بأنفس البضائع، كالمنسوجات، والتّوابل، والأحجار الكريمة، لتقديمها وتبادلها في ساحات قصر أپدانه.
نقل التّجّار المسافرون مع سلعهم المتنوّعة تفاصيل الممارسات الرّبيعيّة، ووصفات الأطعمة التّشاركيّة، وطرق استنبات البذور، ليزرعوا عادات هذا العيد في حواضر بعيدة تمتدّ من شرق آسيا وصولاً إلى غرب البلقان، جاعلين من التّبادل الاقتصاديّ المحرّك الأساسيّ لانتشار هذه الشّعائر عالميّاً.
مسار تطوّر العادات والشّعائر الزّراعيّة
تغيّرت الممارسات العمليّة بشكل ملحوظ استجابة لهذا التّمازج. في عهد الأكِتُ، سادت عادة إعادة تمثيل أسطورة الخلق وزواج الآلهة، وتسليم محاصيل الحصاد الأولى لكهنة المعبد. ثمّ مع تبلور النّوروز في المجتمع البابليّ، ظهرت عادات جديدة تستهدف الحياة اليوميّة للأفراد؛ فتحوّلت فكرة تقديم البذور للمعبد إلى عادة زراعة القمح أو الشّعير في أطباق صغيرة داخل المنازل لتبرعم، رمز حيّ لانبعاث الحياة.
كما تطوّرت الموائد الاحتفاليّة أيضاً؛ فبدلاً من انتظار قرابين المعابد، تكرّست ولائم عائليّة ضخمة تعتمد على إنتاج الأرض في ذلك الوقت من العام. واندمجت المكوّنات الزّراعيّة النّهرينيّة الأصيلة مع طرق الطّبخ التّشاركيّة الوافدة، لتؤسّس للأطباق الّتي نراها اليوم.

النّباتات والبذور المحدّدة في الوصفات الانتقاليّة
اعتمد البابليّون في هذه المرحلة الانتقاليّة ما بين الأكيتو والنّوروز على محاصيل زراعيّة دقيقة التّحديد لتشكيل المائدة الاحتفاليّة. فتصدّر القمح (الحنطة) والشّعير قائمة البذور المقدّسة، ومُزجت عصارتهما بعد التّنبيت البطيء لإنتاج عجائن سكريّة طبيعيّة خالية من الإضافات المحلّية، لتشكّل النّسخة الأقدم لطبق السُّملك الحاليّ. وأُضيفت البقوليّات النّهرينيّة كالعدس، والحمّص، والماش إلى القدور النّحاسيّة الكبيرة لطبخ حساء غنيّ بالبروتين النّباتيّ يوزّع على الجيران. واستُعمل السّمسم المحمّص والمطحون، مضافاً إليه دبس التّمر البابليّ الكثيف، لصناعة حلويّات طاقة تُقدّم للضّيوف صبيحة الاعتدال الرّبيعيّ. وشملت الوصفات أيضاً استخدام الأعشاب البرّيّة الرّبيعيّة الخضراء المقطّعة، الّتي خُلطت مع الدّقيق لتشكيل أقراص مخبوزة على حجارة التّنّور السّاخنة، تيمّناً باخضرار الأرض وانبعاث الخصوبة.
حنطة + شعير + سمسم + عدس + حمّص + ماش + فاصولياء + تمر
حبوب + بقول + تمر
صنّفت النّصوص الأگّديّة أكثر من سبعين صنفاً من التّمور اعتماداً على أحجامها، وألوانها، ومناطق زراعتها. وأطلق البابليّون على التّمر تسمية {سُلُپُّ} 𒋢𒇻𒌒𒁍، وسمّوا نخلة التّمر {گِشِمَّرُ} 𒄀𒋆𒈠𒊒، ونظروا إليها بوصفها شجرة الحياة المقدّسة. في المقابل، دأب الكتّاب البابليّون في مدوّناتهم التّجاريّة والزّراعيّة على تدوين الكلمة سُلُپُّ بالصّيغة الرّمزية المختصرة على هيئة 𒅗𒈝𒈠. بالرّغم من أنّ هذه العلامات تُمثّل المقاطع الصّوتيّة القديمة زُ – لُم – مَا (زُلُمّا)، إلّا أنّ القارئ البابليّ كان ينطقها بلغته المحلّيّة {سُلُپُّ} بمجرّد رؤيتها. وكلمة سُلُپُّ هي مصدر تسمية إحدى أنواع الأرز العراقية المعاصرة {شلب}.
ارتبطت التّمور ارتباطاً جوهريّاً بالشّعائر الرّبيعيّة وتجدّد الخصوبة في أعياد الأكِتُ (الّتي مهّدت لظهور النّوروز لاحقاً). ووظّف الكهنة وعامّة النّاس أجود أصناف التّمور المكتنزة بالسّكّر لصناعة دبس التّمر الكثيف، والّذي خُلط مع السّمسم المحمّص والمكسّرات لإنتاج حلويّات طاقة تُقدّم قرابين للآلهة في المعابد، وتُوزّع على المحتفلين.
حملت التّمور رمزيّة لاهوتيّة عميقة في تلك الحقبة؛ فارتبط الإله تمّوز (ذو موز) بالنّخلة وعناقيد التّمر، ورُمز للإلهة عشتار (إنَنَّة) بمخزن التّمور الّذي يفيض بالوفرة. وفي ذروة الاحتفالات الرّبيعيّة، مثّل زواج تمّوز وعشتار اتّحاداً مقدّساً يضمن وفرة المحاصيل وحلاوة الثّمار للسّنة الجديدة.
مع تمازج التّقاليد العربية بالإيرانيّة في العهد الأخمينيّ وتطوّر الاحتفال نحو النّوروز المجتمعيّ، انتقلت وصفات التّمور المقدّسة من المعابد المظلمة إلى موائد النّاس العامّة. فواظبت العائلات على اختيار التّمور الطّريّة شديدة الحلاوة لتقديمها للضّيوف صبيحة الاعتدال الرّبيعيّ، في عادة توارثتها الأجيال المتعاقبة لتشكّل أساس الحلويّات الاحتفاليّة الّتي تزيّن موائد الرّبيع حتّى اليوم. والمقصود هنا تقاليد سكّان الصفيحة العربية وسكّان الهضبة الإيرانية، بغضّ النظر عن أسماء البلدان المعاصرة.

يقدّم الكاتب السوري لوقيان السّميساطيّ Lucian of Samosata في كتابه «الآلهة السّوريّة» Περὶ τῆς Συρίης Θεοῦ \ De Dea Syria من القرن الثّاني الميلاديّ توثيقاً دقيقاً لاحتفالات الرّبيع في معبد مدينة منبج (هيراپولِس)، واصفاً إيّاها نصّاً:
«أروع الأعياد وأكثرها احتفاليّة من بين الّتي حضرتها هو العيد الّذي يقيمه السّوريّون في 21 آذار مارس مع بداية الرّبيع، ويسمّيه بعضهم ‘عيد المحرقة’، ويطلق عليه آخرون ‘عيد المشاعل’… فبعد أن يقطعوا أشجاراً كبيرة ينصبونها في الباحة، يحضرون الماعز والنّعاج ورؤوساً أخرى من الماشية الحيّة ويعلّقونها على الأشجار. يضيفون إليها الطّيور والنّسج وأدوات ذهبيّة وفضّيّة. فإذا انتهوا من هذه التّحضيرات، حملوا التّماثيل المقدّسة وصفّوها حول الأشجار، ثمّ أضرموا النّار في المحرقة فلا تلبث أن تضطرم بكلّ ما فيها. يحضر هذا الاحتفال جَمهور عظيم يفد من كلّ أنحاء سوريا ومن البلدان المجاورة… يجلب كلّ شعب تماثيله المقدّسة والتّمثيلات الّتي يصنعها مقلّداً أشكالها. وفق وقت محدّد يجتمع في المعبد عدد كبير من النّاس، ويقيم عدد كبير من الكهنة (الغال) والأشخاص المقدّسين الشّعائر التّهتّكيّة فتتشابك سواعدهم ويأخذ كلّ منهم بالضّرب على ظهر الآخر. يقف قربهم عدد كبير من الموسيقيّين الّذين يعزفون على النّايات وعدد لا يقلّ عنهم من ضاربي الطّبول… ينشد آخرون التّراتيل المستلهمة والمقدّسة… يكتمل هذا الاحتفال خارج المعبد».
يبرهن هذا النّصّ التّاريخيّ أسبقيّة الشّعوب السّريانيّة الآراميّة في منطقة الشّمال السّوريّ في ممارسة شعائر إشعال النّيران والاحتفال بالاعتدال الرّبيعيّ. ثمّ تبنّت المجموعات البشريّة الوافدة لاحقاً كالأكراد إلى هذه الجغرافيا هذه العادات المتجذّرة، ودمجتها في موروثها الشّعبيّ بمرور الأجيال. ويدحض هذا التّوثيق المادّيّ التّأصيل القوميّ الحصريّ للعيد، ويضع أسطورة «كاوة الحدّاد» وانتفاضته ضدّ «الملك الضحّاك» في إطار الخرافات والفلكلور الشّعبيّ المصنوع لاحقاً، مؤكّداً أصول هذه الممارسات السّابقة للمسيحيّة في الحوض الحضاريّ السّوريّ في الجزيرة العليا.

العهود الإمبراطوريّة القديمة ومسارات العلمنة والتّدويل
أحدثت الأسرة الأخمينيّة نقلة نوعيّة في مسار هذا العيد قبل 2600 سنة. إذ بعد توحيد الإمبراطوريّة الأسوريّة (إمبراطوريّة مشرق الشّمس)، واعتماد الشّريعة البابليّة ناظماً قانونيّاً لها، حوّل الأخمينيّون النّوروز من احتفاليّة محليّة حصريّة إلى عيد دوليّ مُشرّع في جميع أراضي الإمبراطوريّة. وتماشى هذا التّوجّه مع نظام المواطنة الأخمينيّ المرتبط بشدّة بالأرض الزّراعيّة. وسعى الأخمينيّون لعلمنة العيد وإخراجه من عباءة المعابد الدّينيّة البحتة، فنقلوا مركز الاحتفال العالميّ من بابل إلى مدينة سوسه (إلَم). وبنى الملوك الأخمينيّون مبنىً ضخماً مكرّساً للاحتفال بيوم الشّمس عُرف باسم قصر قاعة المئة عمود أو {أپدانه}. ورسّخ الأخمينيّون تقليداً سياسيّاً صارماً؛ إذ لم يُتوّج أيّ ملك بابليّ جديد إلّا في خضمّ احتفالات النّوروز داخل قصر أپدانه. وانتشر العيد بفضل التّجّار الأخمينيّين (بالمواطنة) من شرق آسيا وصولاً إلى غرب البلقان وجنوب إيطاليا.
في العهد الهلنستيّ، تبدّلت المسمّيات والمواعيد في بعض الممالك، أمّا الإمبراطوريّة السّلوقيّة فأعادت مركز الاحتفال إلى مدينة بابل مجدّداً، معترفة بالدّيانة البابليّة وتقويمها رديفاً للتّقويم السّلوقيّ الإغريقيّ. وفي الجانب الإفريقيّ، ربطت الدّولة الپطُلميّة في مصر هذا العيد بعادات أكل السّمك المملّح، مبتعدة عن رمزيّة القمح، وأطلقت عليه اسم {عيد شَمُ} أي عيد البَعث. ويبرز مسار التّسمية المعاصرة {شمّ النّسيم} حالة دراسيّة لافتة للتّكيّف اللّغويّ والتّعريب الصّوتيّ المتدرّج عبر العصور. إذ انطلق هذا التّسلسل اللّغويّ في اللّغة المصريّة القديمة بصيغة العيد الأصليّة {شَمُو} šmw، والّتي حملت دلالة فصل الحصاد أو انبعاث الحياة من جديد.
وبانتقال المصريّين إلى استعمال اللّغة القبطيّة (امتزاج القديمة بالآرامية المصرية بالإغريقية)، تحوّرت التّسمية لتأخذ صيغة {شوم نيسيم} Ϣⲱⲙ ⲛ̀ⲛⲓⲥⲓⲙ. حيث تعني اللّفظة الأولى {شوم} البساتين أو الحدائق، وتدلّ اللّفظة الثّانية {نيسيم} على الزّروع المورقة أو المروج، ليغدو المعنى القبطيّ موازياً لعبارة {بساتين الزّروع}. ومع ذيوع اللّغة العربيّة الحديثة في مصر لاحقاً، استعار السّكّان هذه العبارة القبطيّة وطوّعوها صوتيّاً لتتطابق مع مفردات عربيّة مألوفة ومفهومة. فاستقرّ اللّفظ على {شمّ النّسيم}، وهو تركيب عربيّ سليم يُشير صراحةً إلى عادة استنشاق الهواء الرّبيعيّ العليل والخروج إلى الطّبيعة. ضَمِن هذا التّطابق الصّوتيّ الذّكيّ بقاء الاحتفاليّة حيّةً في الوجدان الشّعبيّ، دامجاً الجوهر الزّراعيّ القديم للعيد مع قالب لغويّ عربيّ يصف الممارسات الفعليّة لليوم ذاته؛ دون تعارض مع تعاليم الإسلام.
في مرحلة اللّاحقة، واجه النّوروز حظراً في أوروپا الغربيّة والشّرقيّة مع اعتناق الإمبراطوريّة الرّومانيّة للدّيانة المسيحيّة، وانتقال عاصمتها إلى القسطنطينيّة. فمنعت الكنائس الشّرقيّة والغربيّة الرّعايا من ممارسة هذه العادات. واستُثنيت مصر من هذا الانقطاع؛ إذ دمج المصريّون عيد {شمو} بالمسيحيّة ليغدو «عيد الفصح القبطيّ» (نوروس)، واستمرّت احتفاليّاته الّتي مزجت بين البيض الملوّن والوجبات العائليّة. أمّا عند غير المسيحيّين في مصر المعاصرة، فاستقرّ الاسم على {شمّ النّسيم} وارتبط صراحةً بالسّمك المملّح وبيض الدّجاج بديل عن أطباق القمح النّهرينيّة.
على الجانب الآسيويّ، تبنّت الدّولة الپارثيّة الأشكانيّة، ومن بعدها الإمبراطوريّة السّاسانيّة، النّوروز عيد رسميّ ويوم أوّل للسّنة الفارسيّة (في الأصل اسمها السنة الإيرانية). وأُدمج العيد بغير قصد ضمن الأدبيّات الدّينيّة الزّرادشتيّة والمجوسيّة. وفي مناطق آسيا الوسطى (الصُّغد تحديداً والّتي أُسّست مستوطنات بابليّة-نينوية وراء النّهر)، استمرّت الشّعوب بممارسة المراسم البابليّة الخالصة، كزراعة القمح وتحضير العصارة، في استقلاليّة واضحة عن التّأثيرات الدّينيّة المتعاقبة.

النّوروز في العهود الإسلاميّة والإمبراطوريّات الوسيطة
شهد العهد الإسلاميّ الأوّل تحفّظاً تجاه هذه الاحتفاليّات، وأُبطلت رسميّاً في عهد الخليفة عمر بن الخطّاب. لكن، لاحقاً، خالف الحجّاج بن يوسُف الثّقفيّ الفتاوى المانعة وأعاد إقرار النّوروز عيد في ولاياته. وبلغ الاعتراف الدّولتيّ ذروته في العصر العبّاسيّ، عندما أصدر الخليفة المتوكّل (حوالي 237 هـ / 851 م) أمراً باعتماد النّوروز عيداً رسميّاً وعطلة ملكيّة في عموم أرجاء الدّولة، وحدّد موعده آنذاك في 17 حزيران يونيو تلافياً لتغيّرات الكبيسة الزّمنيّة. وأُقيمت الاحتفاليّات في الفضاءات العامّة بعيداً عن المساجد، في خطوة حافظت على علمنة العيد ومنعت ربطه بالعادات الإسلامية.
توسّعت الإمبراطوريّة المُنگوليّة (المغوليّة) في الأراضي الآسيويّة، واحتفظت الأنظمة المُنگوليّة، بما فيها تلك الّتي اعتنقت الإسلام لاحقاً، بعادات النّوروز وأقرّتها عطلة رسميّة، لتُقام المراسم الفخمة داخل قصور الأمراء والملوك. وفي القارّة الهنديّة، وتحت حُكم إمبراطوريّة المُغال الإسلاميّة، امتدّت احتفالات النّوروز لتسعة عشر يوماً متواصلة من الأبّهة، واعتمدت إحدى الأعياد الإسلاميّة الأربعة الرّئيسة في الإمبراطوريّة، ولم تزل الهند إلى اليوم تصنّف النوروز واحداً من الأعياد الإسلامية.
في الشّطر الغربيّ من العالم الإسلاميّ، برزت مفارقات ملحوظة. احتفلت الخلافة الفاطميّة في مصر بالمناسبة تحت مسمّى {النّيروز القبطيّ} ضمن أروقة قصر اللّؤلؤة. ثمّ ألغت الدّولة الأيّوبيّة ومن بعدها دّولة مماليك مصر هذه المراسم تماماً. ومع تمدّد الدّولة العثمانيّة، عاد النّوروز بصيغته الآسيويّة الرّسميّة. إذ فرضت الإدارة العثمانيّة على ولاة المقاطعات، بمن فيهم حكّام البلقان المسيحيّين، تنظيم احتفاليّة ضخمة في السّاحة المقابلة لدار الولاية أو البلديّة مساء اليوم الّذي يسبق النّوروز. وشملت المراسم تعليق السّجاجيد الفاخرة على الجدران، ورفع الأناشيد والطّرب، بغضّ النّظر عن الخلفيّة الدّينيّة للوالي أو للرّعايا.
تسرّبت هذه العادات أيضاً إلى الشّعوب شرق الإفريقيّة النّاطقة باللّغة السّواحليّة، وتحديداً منذ فترة سلطنة كِلوى الإسلاميّة. وأُطلق على العيد اسم {النّيروزى} Nairuzi، وأضحى يوماً إسلاميّاً يُحتفل به جنباً إلى جنب مع عيدي الفطر والأضحى المعتمدين.

تشريح الممارسات والشّعائر في آسيا الوسطى
تمثّل دول آسيا الوسطى (أوزبكستان Oʻzbekiston، طاجيكستان Tojikiston، قازاقستان Qazaqstan، قرغيستان Кыргыз، وتركمنستان Türkmenistan) الخزّان البشريّ والتّراثيّ الأكبر المتبقّي للاحتفال الخالص بعيد النّوروز. تتنوّع التّسميات المحلّيّة لتشمل {نَوروز} Navruz، و{نوريز} Nauryz، و{نوروز} Nooruz، متّفقة جميعها على رمزيّة الانبعاث الرّبيعيّ.
تشغل الممارسات التّحضيريّة حيزاً زمنيّاً طويلاً يبدأ قبل أسابيع من موعد الاعتدال. يُعدّ التّنظيف الرّبيعيّ الشّامل للمنازل، والمعروف محليّاً بـ نفض الغبار أو {خانهتكاني} Xāne Tekāni، ركيزة أساسيّة لاستقبال العام الجديد بخلوّ من أعباء الماضي. وفي بعض المجتمعات، تُجدّد الأسر إمدادات المياه في آخر يوم أربعاء من العام، استبشاراً بقوّة المياه المطهرة.
يبرز الجانب المطبخيّ عنصر محوريّ متفرّد في هذه الدّول. إذ يُحضّر طبق {السُّمَلَك} أو {السَّمَنو} (Sumalak / Samanu / Sümölök) وجبة احتفاليّة جوهريّة. يوتكوّن هذا الطّبق من القمح المنبّت والمطبوخ عصيره ببطء شديد. تتجمّع النّساء والفتيات حول قدور ضخمة طيلة اللّيل، ويقمن بتقليب المزاج بانتظام، ويصاحب هذا العمل إنشاد أغانٍ تراثيّة، وتلاوة أدعية، وتبادل أمنيات السّنة الجديدة. وينتج عن هذه العمليّة معجون بنّيّ حلو المذاق وخالٍ من السّكّر المضاف، الذي يُوزّع في صباح اليوم التّالي على الجيران وأفراد المجتمع المَلآن بالتّكافل.
لا تقتصر الموائد على السُّمَلَك، بل تمتدّ لتشمل تحضير مائدة {هفت سين}، الّتي تتضمّن سبعة عناصر تبدأ بحرف السّين، وتمثّل عناصر الطّبيعة والتّجدّد كالسّماق، والثّوم (سير)، والتّفّاح (سيب)، والخلّ (سركه)، إلى جانب كتب مقدّسة أو دواوين شعريّة. في أوزبكستان وطاجيكستان، تُضاف أطباق تراثيّة أخرى كحساء {آش رشته} البابلي (يسمّى في دمشق {ستّي ازبئي}) المكوّن من البقوليّات والمعكرونة الرّفيعة والكشك، وطبق {سبزي پلو ماهي} المؤلّف من الأرزّ المعطّر بالأعشاب الخضراء تيمّناً باخضرار الرّبيع والمقدّم مع السّمك. وفي قازاقستان، يُحضّر حساء {نوروز گوژه}، وهو حساء يحتوي على سبعة مكوّنات أساسيّة (الماء، اللّحم، الملح، الطّحين، الحبوب، واللّبن) لاستجلاب الحظّ والحكمة والصّحّة. في أفغانستان المجاورة، يُبرز طبق {هفت ميوَه}، سلطة فواكه مجفّفة، إلى جانب حلويّات الملاس.
تكتمل لوحة الاحتفال في آسيا الوسطى بالأنشطة الرّياضيّة والفروسيّة المتجذّرة في نمط الحياة البدويّ. فتُقام مباريات طاحنة في لعبة {البوزكاشي} في طاجيكستان وأفغانستان، ولعبة {الكوكپار} في قازاقستان، ولعبة {الكوك بورو} في قرغيستان. ويتنافس الفرسان في هذه الألعاب للاستحواذ على جثّة ماعز أو عجل منزوع الرّأس وسط حشود جماهيريّة غفيرة (اليوم تستعمل دُمى بدل الحيوانات). تُضاف إلى ذلك منافسات المصارعة التّقليديّة مثل {الكوراش}، وعروض المشي على الحبال {باند بازي}.

التّوزيع الجيوسياسيّ والدّيموغرافيّ المعاصر
تعرّض النّوروز لتحدّيات قاهرة خلال القرنين التّاسع عشر والعشرين. إذ سعت الإدارات الاستعماريّة البريطانيّة والفرنسيّة، والسّلطات السّوڤييتيّة، والحكومات القوميّة الشّيوعيّة في الصّين، إلى حظر هذه الاحتفاليّات وطمسها في أراضيها. واستمرّت إيران حصراً دولة وحيدة تعترف رسميّاً بالنّوروز رأس لسنتها، وذلك في الفترة الممتدّة بين الحرب العالميّة الأولى وعام 1990م.
مع تفكّك الاتّحاد السّوڤييتيّ، استعادت دول آسيا الوسطى والقوقاز وأوكرانيا إرثها، وأقرّت النّوروز عطلة رسميّة وطنيّة. وتنقسم الدّول المحتفلة حاليّاً إلى فئتين ديموغرافيّتين متباينتين:
1 الدّول ذات الاعتراف الوطنيّ الشّامل (عطلة رسميّة):
تضمّ هذه القائمة إيران، والعراق، وسوريا، وأفغانستان، وأذربيجان، وقازاقستان، وقرغيستان، وطاجيكستان، وتركمنستان، وأوزبكستان، وهي دول ذات أغلبيّة مسلمة. تنضمّ إليها دولة جورجيا ذات الأغلبيّة المسيحيّة الّتي تتبنّى العيد رسميّاً. يحيي الأكراد والتّركمان العيد في العراق وسوريا عيد قوميّ ووطنيّ، ويربطه الأكراد بأسطورة انتفاضة كاوه الحدّاد ضدّ الملك الضحّاك، مضيفين بُعداً تحرّريّاً سياسيّاً لتجدّد الطّبيعة.
2 الدّول المحتفلة على مستويات إثنيّة ومناطقيّة:
يظهر الامتداد التّاريخيّ للنّوروز بقوّة في الجيوب القومية والدّينيّة حول العالم.
- في ألبانيا، تحتفل الطّريقة البكتاشيّة (المسلمون الصّوفيّون).
- في أرمينيا، يحيي الأرمن واليزيديّون المراسم.
- في بنغلاديش، ينظّم المسلمون الشّيعة والصّوفيّة الاحتفاليّات.
- في الصّين، تلتزم الأقلّيّات التّركيّة المسلمة السّنّيّة، كالويگور والقرغيز والطّاجيك بالاحتفال.
- في الهند وپاكستان، تتنوّع قائمة المحتفلين لتشمل الأقلّيّات الإيرانيّة، والپارسيّين الزّرادشتيّين، والبلوش، والبلتي، والپشتون. يُحضّر الهنود المسلمون حلويّات {الپنجيري} المصنوعة من طحين القمح الكامل، والسّمن، والفوكه المجفّفة، والمستكة.
- تضاف إلى ذلك جمهوريّة داغستان التّابعة لروسيا (شعب التّبسرانيّين)،
- والمجتمعات الكرديّة والأذربيجانيّة والتّركمانيّة وبدو اليوروك في تركيا وقبرص.
- في أُكرانيا، تحتفل أقليّة تاتار القرم المسلمة.
- حتّى في إسرائيل، تُقيم المجتمعات اليهوديّة ذات الأصول الفارسيّة، والكرديّة (الفيليّون)، والبخاريّة، ويهود القوقاز (الجبل) احتفاليّات تحاكي تماماً عادات أجدادهم.
- تصل هذه الممارسات أيضاً إلى ألمانيا عبر المهاجرين الأكراد والأتراك، ليبلغ إجماليّ المحتفلين حول العالم أكثر من 300 مليون إنسان.
تُوّج هذا الصّمود التّاريخيّ باعتراف أمميّ مزدوج؛ في العام 2010م، أدرجت منظّمة الأمم المتّحدة للتّربية والعلم والثّقافة UNESCO عيد النّوروز في القائمة التّمثيليّة للتّراث الإنسانيّ غير المادّيّ. وفي شباط فبراير من العام نفسه، أقرّت الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة يوم 21 آذار مارس {يوماً دوليّاً للنّوروز}، منهية بذلك قروناً من محاولات الطّمس والاستحواذ القوميّ المتبادل.

خاتمة
يُبرز التّتبّع التّاريخيّ واللّغويّ لمسار النّوروز قدرةً استثنائيّةً على التّكيّف مكّنته من البقاء لثمانية آلاف سنة. بدأ العيد حاجةً زراعيّةً فلكيّةً في بلاد النّهرين، متجذّراً في مفردات اللّغات القديمة كالسّومريّة والآراميّة والأگّديّة، ثمّ تطوّر من ممارسات معبديّة صارمة في أعياد الأكيتو إلى احتفاليّة مجتمعيّة مدنيّة في العهد الأخمينيّ.
اتّسع نطاق الاحتفال بفضل مسارات التّبادل التّجاريّ والتّسامح الإداريّ، ليطول أرجاءً واسعةً، تمتدّ من صياغة شمّ النّسيم في مصر وإفريقيا، إلى أطباق السُّمَلَك في عمق آسيا الوسطى، وصولاً إلى شعائر القارّة الهنديّة.
تجاوز النّوروز محاولات المنع المتكرّرة في حقب متعدّدة، في مثل حالة الإلغاء الأيّوبي بفتوى شرعية، والتّضييق السّوڤييتيّ، ومحاولات الطّمس الاستعماريّ، ليبلغ اليوم ذروة الاعتراف الأمميّ والوطنيّ في دول كثيرة، تكلّلت بالإقرار الرّسميّ الشّامل في العراق وسوريا حديثاً.
يجتمع مئات الملايين من البشر اليوم، باختلاف ألسنتهم ومعتقداتهم، حول موائد القمح المنبّت احتفالاً، ليؤكّدوا رسوخ المشتركات الإنسانيّة وتفوّقها على كافّة التّقسيمات السّياسيّة المعاصرة.
مراجع ومصادر
- البيروني، أبو الريحان محمد بن أحمد. (1923). الآثار الباقية عن القرون الخالية. تحقيق: إدوارد ساخاو. لايبزيغ. https://archive.org/details/chronologyofanci00biru
- لوقيان السميساطي. (القرن الثاني الميلادي). الآلهة السورية (De Dea Syria). https://www.google.com/search?q=https://archive.org/details/lucianofsamostata00luciuoft
- الخيام، عمر. (القرن الحادي عشر). نوروزنامه. https://www.google.com/search?q=https://archive.org/details/nowruznameh_khayyam
- الفردوسي، أبو القاسم. (1010). الشاهنامه (كتاب الملوك). https://www.google.com/search?q=https://archive.org/details/shahnameh_ferdowsi
- الطبري، محمد بن جرير. (1967). تاريخ الرسل والملوك. https://www.google.com/search?q=https://archive.org/details/tarikh_al_tabari
- المسعودي، علي بن الحسين. (1861). مروج الذهب ومعادن الجوهر. https://www.google.com/search?q=https://archive.org/details/muruj_al_dhahab
- الأحمد، سامي سعيد. (1999). المعتقدات الدينية في العراق القديم. بغداد: دار المثنى. https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/44585145
- حداد، رمزي. (2005). الأعياد والمناسبات والطقوس لدى المجتمعات الشرقية القديمة. دمشق: دار الأوائل. https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/70868884
- حسين، فاضل عبد الواحد. (2010). عقائد ما بعد الموت: المعتقدات الدينية في بلاد الرافدين. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر. https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/712396603
- الجميلي، خالد خليل حمودي. (2007). أعياد وطقوس بلاد الرافدين. عمان: دار دجلة. https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/191880993
- الماجدي، خزعل. (2002). متون سومر: التاريخ، الميثولوجيا، الدين. عمّان: الأهلية للنشر والتوزيع. https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/51296210
- محمد، سبتي عباس. (2017). المعتقدات الدينية في العراق القديم: السومريون، الأكاديون، البابليون، الآشوريون. بغداد: دار الكتب العلمية. https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/1044670411
- سليم، أحمد أمين. (1993). في تاريخ الشرق الأدنى القديم: إيران والأناضول. القاهرة: دار النهضة العربية. https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/30372275
- Boyce, Mary. (1979). Zoroastrians: Their Religious Beliefs and Practices. London: Routledge. https://www.google.com/search?q=https://doi.org/10.4324/9780203398266
- Duchesne-Guillemin, Jacques. (1962). La religion de l’Iran ancien. Paris: Presses Universitaires de France. https://archive.org/details/lareligiondelira0000duch
- Eliade, Mircea. (1978). A History of Religious Ideas, Vol. 1: From the Stone Age to the Eleusinian Mysteries. Chicago: University of Chicago Press. https://archive.org/details/historyofreligio00elia
- Daniel, Elton L. (2000). The History of Iran. Westport, CT: Greenwood Press. https://www.google.com/search?q=https://archive.org/details/historyofiran00dani
- Frye, Richard N. (1975). The Golden Age of Persia: The Arabs in the East. London: Weidenfeld & Nicolson. https://archive.org/details/goldenageofpersi0000frye
- Henkelman, Wouter F.M. (2008). The Other Gods Who Are: Studies in Elamite-Iranian Acculturation Based on the Persepolis Fortification Texts. Leiden: Nederlands Instituut voor het Nabije Oosten. https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/237885434
- Keall, E.J. (1989). “Of Kings and Capitals” in Archaeologia Iranica et Orientalis: Miscellanea in Honorem Louis Vanden Berghe. Ghent: Peeters Press. https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/21439247
- Kreyenbroek, Philip G. (1995). Yezidism: Its Background, Observances and Textual Tradition. New York: Edwin Mellen Press. https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/31938507
- Majidzadeh, Yousef. (2003). Jiroft: The Earliest Oriental Civilization. Tehran: Ministry of Culture. https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/55026909
- Malandra, William W. (1983). An Introduction to Ancient Iranian Religion: Readings from the Avesta and Achaemenid Inscriptions. Minneapolis: University of Minnesota Press. https://www.google.com/search?q=https://archive.org/details/introductiontoan0000mala
- Melikian-Chirvani, A.S. (1992). “The Iranian Bazm in Early Persian Sources” in Banquets d’Orient. Bures-sur-Yvette: Groupe pour l’Étude de la Civilisation du Moyen-Orient. https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/28230302
- Olsson, Tord. (1983). “The Apocalyptic Activity: The Case of Jamāsp Nāmag” in Apocalypticism in the Mediterranean World and the Near East. Tübingen: Mohr. https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/10403756
- Reade, Julian. (1991). Mesopotamia. London: British Museum Press. https://archive.org/details/mesopotamia00read
- Roaf, Michael. (1990). Cultural Atlas of Mesopotamia and the Ancient Near East. New York: Facts on File. https://www.google.com/search?q=https://archive.org/details/culturalatlasofm00roaf
- Shahbazi, A. Shapur. (2003). “Nowruz: In the Islamic Period” in Encyclopedia Iranica. New York: Columbia University. https://iranicaonline.org/articles/nowruz-ii
- Wiesehöfer, Josef. (2001). Ancient Persia. London: I.B. Tauris. https://archive.org/details/ancientpersiafro0000wies
- Yamamoto, Yutaka. (1979). “The Zoroastrian Temple Cult of Fire in Archaeology and Literature (I)” in Orient 15: 19-53. https://www.google.com/search?q=https://doi.org/10.5356/orient1960.15.19
- UNESCO. (2009). Intangible Cultural Heritage: Nowruz. Paris: UNESCO. https://ich.unesco.org/en/RL/nawrouz-novruz-nowrouz-nowrouz-nawrouz-nauryz-nooruz-nowruz-navruz-nevruz-nowruz-navruz-01161
- United Nations General Assembly. (2010). International Nowruz Day: Resolution A/64/L.30/Rev.2. New York: United Nations. https://undocs.org/en/A/RES/64/253
- UNESCO. (2016). Nowruz, a Persian New Year Celebration, Inscribed in 2016 on the Representative List of the Intangible Cultural Heritage of Humanity. Paris: UNESCO. https://www.google.com/search?q=https://ich.unesco.org/en/RL/nawrouz-01161
- Cohen, Mark E. (1993). The Cultic Calendars of the Ancient Near East. Bethesda: CDL Press. https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/27431269
- Langdon, Stephen. (1933). Babylonian Menologies and the Semitic Calendars. London: Oxford University Press. https://www.google.com/search?q=https://archive.org/details/babylonianmenolo0000lang
- Briant, Pierre. (2002). From Cyrus to Alexander: A History of the Persian Empire. Winona Lake: Eisenbrauns. https://archive.org/details/fromcyrustoalexa0000bria
- Kuhrt, Amélie. (1995). The Ancient Near East, c. 3000-330 BC. London: Routledge. https://www.google.com/search?q=https://archive.org/details/ancientneareastc0000kuhr
- Curtis, John, & Tallis, Nigel. (2005). Forgotten Empire: The World of Ancient Persia. Berkeley: University of California Press. https://archive.org/details/forgottenempirew0000unse
- Olmstead, A.T. (1948). History of the Persian Empire. Chicago: University of Chicago Press. https://archive.org/details/historyofpersian0000olms
- Boyce, Mary. (1982). A History of Zoroastrianism, Vol. II: Under the Achaemenians. Leiden: Brill. https://www.google.com/search?q=https://brill.com/display/title/15315
- Boyce, Mary. (1977). A Persian Stronghold of Zoroastrianism. Oxford: Clarendon Press. https://archive.org/details/persianstronghol0000boyc
- Zaehner, R.C. (1961). The Dawn and Twilight of Zoroastrianism. London: Weidenfeld and Nicolson. https://archive.org/details/dawntwilightofzo0000zaeh
- Hinnells, John R. (1985). Persian Mythology. London: Hamlyn. https://www.google.com/search?q=https://archive.org/details/persianmythology0000hinn
- Daryaee, Touraj. (2009). Sasanian Persia: The Rise and Fall of an Empire. London: I.B. Tauris. https://www.google.com/search?q=https://archive.org/details/sasanianpersiari0000dary
- Stausberg, Michael. (2002). Die Religion Zarathushtras. Stuttgart: Kohlhammer. https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/50176848
- Soucek, Svat. (2000). A History of Inner Asia. Cambridge: Cambridge University Press. https://archive.org/details/historyofinneras00souc
- Golden, Peter B. (1992). An Introduction to the History of the Turkic Peoples. Wiesbaden: Otto Harrassowitz. https://www.google.com/search?q=https://archive.org/details/introductiontohi0000gold
- Bartold, Vasily. (1928). Turkestan Down to the Mongol Invasion. London: Luzac & Co. https://www.google.com/search?q=https://archive.org/details/turkestandowntom0000wbar
- Foltz, Richard. (1999). Religions of the Silk Road. New York: St. Martin’s Press. https://www.google.com/search?q=https://archive.org/details/religionsofsilkr00folt
- Allworth, Edward. (1990). The Modern Uzbeks: From the Fourteenth Century to the Present. Stanford: Hoover Institution Press. https://archive.org/details/modernuzbeksfrom0000allw
- Roy, Olivier. (2000). The New Central Asia: The Creation of Nations. New York: New York University Press. https://www.google.com/search?q=https://archive.org/details/newcentralasiacr00royo
- Lambton, A.K.S. (1987). Continuity and Change in Medieval Persia. Albany: SUNY Press. https://archive.org/details/continuitychange0000lamb
- Bosworth, C.E. (1973). The Ghaznavids: Their Empire in Afghanistan and Eastern Iran. Beirut: Librairie du Liban. https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/16891000
- Ibn Battuta. (1355). Rihla (The Travels of Ibn Battuta). Translated by H.A.R. Gibb. https://www.google.com/search?q=https://archive.org/details/travelsofibnbatt0000ibnb
- Omidsalar, Mahmoud. (1995). “Nowruz: I. In the Pre-Islamic Period” in Encyclopedia Iranica. https://iranicaonline.org/articles/nowruz-i
- Hassan, F.A. (2007). Droughts, Food and Culture: Ecological Change and Food Security in Africa’s Later Prehistory. New York: Springer. https://www.google.com/search?q=https://doi.org/10.1007/1-4020-0906-8
- Maspero, Gaston. (1894). The Dawn of Civilization: Egypt and Chaldaea. London: SPCK. https://www.google.com/search?q=https://archive.org/details/dawnofcivilizati00maspuoft
- Budge, E.A. Wallis. (1904). The Gods of the Egyptians. London: Methuen & Co. https://www.google.com/search?q=https://archive.org/details/godsofegyptianso01budg
- Bahar, Mehrdad. (1994). Az Ostoreh ta Tarikh (From Myth to History). Tehran: Cheshmeh. https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/35032502
- Shariati, Ali. (1970). Nowruz. Tehran: Hosseiniyeh Ershad. https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/12224424
- Pirnazar, Jaleh. (2001). Nowruz in the History of Iran. Bethesda: Iranbooks. https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/48792823
- Izady, Mehrdad. (1992). The Kurds: A Concise Handbook. Washington, D.C.: Taylor & Francis. https://www.google.com/search?q=https://archive.org/details/kurdsconcisehand0000izad
- van Bruinessen, Martin. (1992). Agha, Shaikh and State: The Social and Political Structures of Kurdistan. London: Zed Books. https://www.google.com/search?q=https://archive.org/details/aghashaikhstates0000vanb
- Hassanpour, Amir. (1992). Nationalism and Language in Kurdistan. San Francisco: Mellen Research University Press. https://www.google.com/search?q=https://archive.org/details/nationalismlangu0000hass
- Bengio, Ofra. (2012). Kurdish Awakening: Nation Building in a Fragmented Homeland. Austin: University of Texas Press. https://www.google.com/search?q=https://archive.org/details/kurdishawakening0000beng
- Özoğlu, Hakan. (2004). Kurdish Notables and the Ottoman State. Albany: SUNY Press. https://www.google.com/search?q=https://archive.org/details/kurdishnotableso0000ozog
- Frankfort, Henri. (1948). Kingship and the Gods. Chicago: University of Chicago Press. https://www.google.com/search?q=https://archive.org/details/kingshipgodsstud0000fran
- Kramer, Samuel Noah. (1963). The Sumerians: Their History, Culture, and Character. Chicago: University of Chicago Press. https://www.google.com/search?q=https://archive.org/details/sumerianstheirhi00kram
- Roux, Georges. (1992). Ancient Iraq. London: Penguin Books. https://archive.org/details/ancientiraq0000roux
- Black, Jeremy, & Green, Anthony. (1992). Gods, Demons and Symbols of Ancient Mesopotamia. Austin: University of Texas Press. https://www.google.com/search?q=https://archive.org/details/godsdemonssymbol0000blac
- Yarshater, Ehsan. (1983). The Cambridge History of Iran, Volume 3. Cambridge: Cambridge University Press. https://www.google.com/search?q=https://archive.org/details/cambridgehistory0003unse_r1z6
- Potts, D.T. (1999). The Archaeology of Elam: Formation and Transformation of an Ancient Iranian State. Cambridge: Cambridge University Press. https://archive.org/details/archaeologyofela0000pott
- Thomsen, Marie-Louise. (1984). The Sumerian Language. Copenhagen: Akademisk Forlag. https://www.google.com/search?q=https://archive.org/details/sumerianlanguage0000thom
- Glassner, Jean-Jacques. (2004). Mesopotamian Chronicles. Atlanta: Society of Biblical Literature. https://www.google.com/search?q=https://archive.org/details/mesopotamianchro0000glas
- Dalley, Stephanie. (1989). Myths from Mesopotamia: Creation, the Flood, Gilgamesh, and Others. Oxford: Oxford University Press. https://www.google.com/search?q=https://archive.org/details/mythsfrommesopot0000unse_k0e9
- Dumper, Michael, & Stanley, Bruce E. (2007). Cities of the Middle East and North Africa: A Historical Encyclopedia. Santa Barbara: ABC-CLIO. https://www.google.com/search?q=https://archive.org/details/citiesofmiddleea0000dump
- MacDermott, Mercia. (1998). Bulgarian Folk Customs. London: Jessica Kingsley Publishers. https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/38468305





اترك رد