في بلاد المغرب، كان يقال عن المسلمين النازحين من الأندلس “حضرة”. يقول البعض أنّ التسمية أتت من كون نازحي الأندلس حضرٌ أساساً، أبناء مدن، لا يحسنون تقاليد قبائل أرياف الجزائر والمغرب، وهذا على الأغلب خطأ شائع. إذ في سوريَا وتركيا، وفد نازحو الأندلس جالبين معهم فنّ الحضرة، شعائر إسلامية لم تزل تحمل ذات التسمية إلى اليوم، حضرة.
الحضرة في الأساس هو فنّ شعائر روحية خرج عن المدارس الإسلامية القديمة، المعروفة باسم المحاضر أو المحاضرة. والحضر هم طلّاب هذه المدارس. ولمّا انحازت بعض هذه المدارس إلى الطُرق الصوفيّة صار الحضر منها هم الصوفيّين، سواء في الأندلس أو في عموم بلاد المغرب العربي. وفي الريف في شمال المملكة المغربية، وحتّى وقت قريب، حمل طلبة القرآن تسمية المحاضرة، والغرفة حيث يجلس المحاضرة كانت تسمى المَحضرة.
في الأندلس ازدهرت الصوفية ومظاهرها بشكل كبير حتّى صارت من أهمّ ملامح المجتمع المسلم في إبيريا، وكانت مدينة مُرسية أكبر أقطابها، المدينة التي قدّمت للعالم الفيلسوف محي الدين بن عربي. وكان من أشهر روّاد الصوفية الأندلسيّة في القرن التاسع أبو سليمان الداراني وأبو بكر الشبلي وأبو يزيد البسطامي والجنيد البغدادي. والتزم الصوفيّون الأندلسيّون شعائراً يوميّة، انتشرت بعمق في بلاد المغرب العربي بعد أن صارت الأندلس من بلاد المرابطين.
وكان من أهم شعائر الصوفية في الأندلس: الصلاة والذِكر والزهد والأخلاق والموسيقى والشعر في الحبّ الإلهي. وفي حلَقات الذكر الذي سُمّيت بالحضرات، كان الصوفيّة يردّدون اسم الله بصوت عالٍ، وكانوا يعتقدون أن الذِكر هو وسيلة للوصول إلى الله تعالى. كما كانوا يؤمنون بقوّة الموسيقى في التعبير عن المشاعر الروحيّة، وكانوا يعزفون الموسيقى في مجالس الحضرات.
من بعد كارثة القرن ١٦، يوم تعرّض شعب بلد أوروپيّ كامل للتهجير والبعثرة في الشتات، انتشرت معه طُرق الأندلسيّين المُرسية الصوفيّة حول العالم، ناثرة معها تقاليد فنّ الحضرة في عموم بلاد المسلمين. واليوم، وبعد خمس قرون، تنتشر ممارسة شعائر الحضرة من جَنُوب شرق آسيا شرقاً حتى المغرب العربي غرب أفريقيا، محافظةً على اسمها، وعلى تقاليد شعب أوروپي؛ لم يزل حيّاً في الشتات.

والحضرة في قلب الصوفيّ استقت اسمها من تحضير القلب في حضرة الله، فكانت جلسات ذكر جماعية تتخلّلها خطبة وتلاوة للقرآن مع أدعية وأوردة إسلامية، مع أشعار الأناشيد الدينية والمدائح النبويّة، ثمّ الدعاء وذكر أسماء الله الحسنى على تواتر إيقاعي وبنغم موسيقي رتيب يصل الطرب. وأجواء الحضرات الصوفيّة لمريديها جميلة. مبدأها ذِكر الأذكار المحفوظة والترديد وراء أهل الذكر والحضَرة… وهم متخصّصين يأخذنك بنشوة الذكر إلى عالم آخر. على مبدأ النيرڤانا. فتصيب المريد حالة سُكر وتُسكِرهم بهجة الحضرة، كما تفعل الخمر بالعقل.
أساس صُحبتها موسيقياً هو الدف، لكن أضاف المغاربة والسلت لصُحبتها الربكة، فصارت الحضرة بشكلين عالمياً، حضرة الحَضَر ذات الدف، وحضرة المغاربة بصحبه الدف والربكة، أو الدف والكلارينت مع الربكة أحياًناً بنسختها العثمانية.

تاريخياً تعود شعائر ممارسة الحضرة بشكلها إلى المسيحيّة الغنوصيّة السريانية والإبيرية، حيث مارسها عرب إبيريا قبل الإسلام، من بعد احتضان نازحي الغنوصية السريانية الهاربين من الجزيرة الفراتية من بطش كنائس الروم البيزنطية. لكن تشير بعض المكتشفات الأثريّة إلى تكرّر ممارسات الحضرة في ديانة الگالين (القولان – المعلمين) ما قبل المسيحيّة في الجزيرة الفراتية، وانتقالها معهم كذلك إلى أتباع ديانة الگال (الغال) في إبيريا وجنوب فرنسا المعاصرة.
بكل حال، تمثّل شعائر الحضرة الأندلسية جزأ مهمّاً من ثقافة مئات ملايين المسلمين حول عالم اليوم، وترتبط بأجواء رمضان والعيدين، وكان لاعتمادها من قبل الأسرة العثمانية وإقرانها بالصوفية الروميّة الإغريقية؛ أشدّ الأثر لانتشارها عالمياً، وتحوّلها إلى أحد أعمّ الممارسات الإسلامية حول العالم.

المديح الموريسكي في هذه المقطوعة، من تنفيذ فرقة الفردوس الغرناطية، اكتُشف عام ١٨٨٤ مخبّأً في سقف بيت قديم يعود إلى القرن ١٧، في قرية إسپانية، مكتوباً بلغة مسلمي إسپانيا المستعربية. كان صاحب البيت قد خبّأ صفحات المدائح مع كتب إسلامية، في سقف مزيّف في البيت، قبل أن يُجبر على الرحيل مع عائلته عن إسپانيا.





اترك رد