في صميم الطبيخ السوري، يبرز اللّبن الرائب عنصر محوري يحمل في خمائره عراقة التاريخ وسحر النكهات. هذا المكوّن الأساسي في الطبيخ الشامي والحلبي يمثّل جوهر الضيافة السورية وأصالة تراثها الغذائي. من الشاكرية اللّذيذة إلى الكبّة اللّبنية الشهية، ومن الششبرك إلى المنسف، ينساب اللّبن الرائب في صلب الأطباق السورية، واهباً إيّاها مذاقاً متميّزاً وقواماً خاصاً. على مر العصور، صقل الطهاة السوريّون مهاراتهم في التعامل مع هذا المكوّن الدقيق، مبتكرين أساليب متقنة لطبخه والحفاظ على جودته. هذه الصلة الوثيقة بين اللّبن الرائب والطبيخ السوري تعكس تفضيلات ذوقية، وتجسّد قصّة حضارة عريقة وتقاليد طهي أصيلة، تواصل إثراء الموائد وإمتاع الحواس حتى يومنا هذا.
في البداية من الضروري توضيح أمرين:
الأمر الأول: يطلق السوريون مصطلح “لبن” على الحليب المروّب، أي اللّبن الرائب، وهو ما يعرف باسم “الروب” في بعض مناطق سوريا والبلاد العربية و”لبن الزبادي” في مصر وبعض البلاد العربية الأخرى. لكن اللّبن في سوريا يماثل ما يعرف في أوروپا باسم اللّبن الإغريقي، وفي السعودية باسم اللّبن اليوناني. هذا النوع من اللّبن تصنعه العائلات السورية اليوم لأغراض الطهي، ويختلف في طريقة إعداده عن الخاثر والهقط والجميد… ولو أنّ بعض أهل الفرات في سوريا يطلقون تسمية خاثر على اللّبن الرائب. يتركز حديثي هنا على طريقة تحضير اللّبن الشائع في سوريا، المصنوع من حليب البقر فقط، والذي يسمّى في ألمانيا “يوگورت على الستايل الإغريقي”.
في الحقيقة، اللّبن السوري هو اللّبن الرائب البلغاري، المعروف في أوروپا باسم اللّبن الرائب البلقاني. الفرق بينه واللّبن اليوناني يكمن في أنّ الأخير هو لبن بلقاني يعدّ في البلو الكبير. أمّا اللّبن البلقاني فيُحضّر في الدلاء الصغيرة كالطريقة السورية تماماً. نتيجة لذلك، يكون قوامه أكثر سماكة ومظهره جميل ولطيف.
الأمر الثاني: من المهمّ التمييز بين مصطلحي “طبخ اللّبن” و”الطبخ باللّبن”، إذ إنّهما موضوعان مختلفان ومنفصلان. عند طبخ اللّبن الرائب، وبصرف النظر عن طريقة استهلاكه لاحقاً، نقوم بطهي اللّبن الرائب أوّلاً ثمّ نضيف إليه الطعام أو نصبّه على الطعام. أمّا الطبخ باللّبن فهو تقنيّة عربيّة عريقة تشابه الطبخ الفرنسي بالنبيذ، وهو موضوع سنتناوله في مقال آخر. يركّز هذا المقال على طبخ اللّبن الرائب لإعداد أطباق مثل الشاكرية والكبة لبنية والششبرك وما شابهها… مع الإشارة إلى وجود نسخة أقدم من الشاكرية يُطبخ فيها اللّحم باللبن.

اللّبن السوري، الذي يماثل اليوناني (البلقاني)، يتميّز بقوامه السميك الشبيه بالكريما، ما يجعله مناسباً للاستخدام في الحلويّات والمخبوزات والطبخ. عند طبخ هذا اللّبن بالطريقة الصحيحة، يزداد غنى في محتواه من البروتين والكلسيوم، كما يتحسّن مذاقه. إضافة إلى ذلك، يضفي هذا اللّبن المطبوخ مظهراً جماليّاً وجاذبية أكبر على الأطباق المقدمة.
عملية طبخ اللبن تُعرف علميّاً باسم التخثير. هذه العملية تنطوي على إمكانية انفصال الماء عن البروتين، ممّا يؤدّي إلى تخثر البروتين الموجود في اللّبن على شكل جبن. هذه الظاهرة تُوصف يقولنا “فرط اللّبن” عند التسخين. لذلك، للحصول على القوام الكريمي اللّطيف من طبخ اللّبن الرائب، من الضروري الحرص على عدم انفصال البروتين عن الماء. هذا الأمر سهل وممكن، وله حلول متنوّعة سأتناولها الآن.
تتعرّض بروتينات الحليب الموجودة في اللّبن الرائب للتكتّل عند تعرّضها لمستويات حرارة مرتفعة، ثم تبدأ بالتفتّت بشكل فوري. لتجنّب هذه الظاهرة والحدّ من التكتّل السريع للبروتين، ينبغي عدم طبخ اللّبن الرائب وهو بارد. من الضروري إخراجه من الثلاجة قبل وقت كاف من الطبخ ليكتسب حرارة المطبخ ببطء شديد، ممّا يمنع “ارتعاب” البروتين وتكتله.
من ناحية أخرى، لا ينبغي وضع اللبن الرائب في القدر على نار قوية، كما يَجِبُ ألاّ يكون القدر ساخناً. الطريقة الصحيحة هي صبّ اللّبن الرائب من الثلاجة في قدر بارد. بعد ترك اللبن فترة كافية ليرتاح ويصبح جاهزاً، يوضع القدر على النار بحرارة خفيفة مع التحريك المستمر. ترفع الحرارة تدريجيّاً دون الوصول إلى درجة الغليان. بهذه الطريقة، يسخن اللّبن الرائب ببطء دون إثارة البروتين أو تكتله، مما يمنع التخثر السريع وتحوّله إلى جبن.
هناك خطوة إضافية تساعد بشكل كبير في منع تكتل البروتين في أثناء طبخ اللّبن الرائب، وهي خفق اللّبن الرائب البارد بالخفّاقة (المضرب) قبل عمليّة الطبخ. قد تبدو هذه الخطوة غريبة، لكنّها في الواقع تساعد اللّبن الرائب على التجانس والتخلّص من الكتل مختلفة القوام، والتي قد تعيق التوزيع المتوازن للحرارة داخل اللّبن الرائب. هذه المناطق الكثيفة من الممكن أن تظلّ باردة داخل اللّبن الرائب في أثناء تسخينه، ممّا قد يؤدّي إلى إصابته بصدمة بسبب فرق الحرارة، وعند التحريك “تفرط”. هذا قد يبدأ تأثير الدومينو ويحوّل كلّ اللّبن الرائب إلى جبن.

من الواضح الآن أنّ اللّبن الرائب يتخثّر بسبب الحرارة إذا سخن بسرعة وحدثت صدمة تغيير حراري تسبّب تخثراً سريعاً. هذه الظاهرة لا ترتبط بمكونات اللّبن الرائب أو بإضافة الملح أو النشا أو البيض أو مرق اللّحم أو الجيلاتين أو أي طريقة أخرى. اللّبن الرائب يتخثّر فقط عند تعرّضه لصدمة حرارية. الحلول الأخرى والإضافات تهدف إلى تجنّب المشكلة الناتجة عن الصدمة الحرارية. لذا، فإنّ النشا والبيض هما وسيلة للتغطية وليست تقنية طبخ متقدّمة.
بمجرّد انفصال بروتينات الحليب عن مصل اللّبن الرائب (شرش اللّبن)، لا يوجد حلّ لإعادة اللّبن الرائب المطبوخ إلى حالته الأصلية. إعادة خلطهما بالخلّاط سينتج عنه طبخ جبنة وليس لبناً مطبوخاً. لتجنّب انفصال مصل اللّبن الرائب، من الضروري استخدام لبن كامل الدسم، وليس قليل أو منزوع الدسم، لأنّ وجود الدهون في اللّبن يساعد البروتينات على الاحتفاظ بحالتها وعدم التكتّل بسبب الحرارة. في حالة الاضطرار لاستخدام لبن قليل الدسم، يمكن إضافة 3 ملاعق صغيرة ممسوحة من نشا الذرة (حوالي 8 غرامات) مذابة في ملعقة كبيرة من الماء البارد لكلّ كوب لبن رائب. من الضروري إذابة النشا قبل إضافته إلى اللّبن لمنع التكتّل، أو خلطهما معاً بالخفاقة على البارد قبل الطبخ.
شخصياً، أفضل استخدام الدهن بدلاً من النشا. سأوضح السبب لاحقاً.
من الخصائص المهمّة للّبن الرائب وجود البكتيريا النافعة فيه، والتي تساعد في عمل الجهاز الهضمي بشكل سليم. لكن غلي اللّبن الزائد قد يؤدّي إلى قتل هذه البكتيريا، ممّا يحوّل الطعام إلى مادّة تسبّب الحرقة والانزعاج بعد الأكل وتصعّب هضمها. لذا، من الضروري الانتباه في أثناء طبخ اللّبن الرائب وعدم المبالغة في ذلك. عند وضع القدر الذي يحتوي على اللّبن الرائب على النار، يجب الاستمرار في التحريك حتى ظهور أوّل فقاعة غليان. في هذه المرحلة، يكون اللّبن الرائب قد نضج بشكل جيد وما زال في المرحلة الآمنة. الاستمرار في الغلي ورفع درجة الحرارة أكثر يؤدّي إلى تعقيد اللّبن الرائب، وارتفاع الحموضة فيه بشكل كبير، وموت جميع البكتيريا النافعة بسبب الحرارة وتحوّلها إلى نترات. هذه الأخيرة تعطي النكهة الحامضة الحادّة بعد الطبخ. النترات مادة غير صحّية، وليست سامّة في الطبخ، لكنّها تعيق الهضم وتزيد من عمل الكلى، ممّا يؤدي إلى العطش الشديد وكثرة التبول لتنظيف الجسم من النترات الزائدة.

بعض الناس يفضّلون اللّبن الرائب المطبوخ سميكاً، وأنا منهم. قد يعتقد البعض أن طبخ اللّبن الرائب فترة أطول يؤدّي إلى تبخّر الماء وتكثيف اللّبن. هذا صحيح لكنّه غير مستحسن للأسباب التي ذكرتها سابقاً. الأفضل استخدام النشا، أو إضافة دهن الغنم إلى اللّبن الرائب في أثناء الطبخ كما أفعل. أقوم بإذابة قطعة من دهن الغنم وإضافتها إلى اللّبن الرائب بعد تسخينه، مع التحريك ببطء حتى يزداد سمكاً. كما أترك الطبخة تبرد قليلاً أو تماماً، حسب وصفتها، لأنّ مظهر اللّبن الرائب السميك جميل عند تناوله بالملعقة.
يمكن تسخين الطبخة المتبقّية بالطبع، لكن يجب اتّباع نفس الخطوات السابقة بدقّة. يجب أن يكون التسخين بهدوء وعلى نار خفيفة مع التحريك المستمر. لا ينصح بتسخين طبخة تحتوي على لبن في الميكروويف، لأن ذلك سيؤدّي إلى تكوين جبن حامض يسبب حموضة في المعدة ويجعل الطعام غريباً وغير مستساغ، كما يقال في دمشق “مأمأ”. ونظراً لضرورة التحريك والانتباه المستمر، فإنّ أجهزة المطبخ لا تنجح في تسخين طبخة اللّبن. من الضروري تسخينها بنفس طريقة الطبخ الأصلية تماماً. في المقال، تنجح طرق التسخين في حمّام بخار (طريقة التصعيد أو التبخير) ولا تحتاج لأكثر من ستّ دقائق فقط.
في ختام رحلتنا مع طبخ اللّبن السوري، نستخلص أنّ إتقان فنّ طبخ هذا المكوّن الأساسي يتطلّب فهماً عميقاً لطبيعته وخصائصه. إنّ الاهتمام بالتفاصيل الدقيقة، من درجة الحرارة المناسبة إلى طريقة التحريك الصحيحة، يضمن الحصول على نتائج مثالية في كلّ مرة. بتطبيق النصائح والتقنيّات المذكورة في هذه التدوينة، سيتمكّن الطهاة من إعداد أطباق لبنية غنية بالنكهة، مع الحفاظ على القيمة الغذائية والفوائد الصحّية للّبن. هذه المعرفة لا تقتصر على إثراء المائدة فحسب، بل تسهم أيضاً في الحفاظ على تراث طهي عريق، يمتد عبر أجيال من الطهاة السوريين الموهوبين.





اترك رداً على تيمإلغاء الرد