في منطقة الشام جميعاً، حاضرة ووَبر، وصفة طبخ شديدة التقدير، تسمّى الشاكريّة. وفي البحث في تراثها نعثر بالكثير من الخرافات والأساطير. لا سيّما أنّها من الطبخات المتوارثة شفاهة دون توثيق. وعلى الأغلب أنّ سبب غيابها عن التوثيق هو ارتباطها بتراث ديانة قديمة من أديان العرب غير السماوية، ومناسباتها المقدّسة. وفي هذا المقال أسري بين صفاتها الحقيقة، والعمليّات الكيميائية الصانعة لنكهتها المميّزة.
الشاكريّة اسمها من شكر الله، أي أنّها ما نشكر الله بتناولها على نعمه. وهي في الأساس لحم غنم مطبوخ في اللّبن الرائب. وهي من مطبخ الرعاة، حين كان الرعاة يشكرون الله على الموسم بتناول لحم من أغنامهم مطبوخ بالحليب المخزّن بالتخمير. ويرجون بهذه الوجبة موسماً جيّداً من المراعي المليحة الغنيّة بالكلأ. ويقال أنّ معنى اسمها شاكريّة من شكر الله؛ لأنّ الناس كانت تطبخها لعيد الفصح (أي عيد الشكر) قبل الإسلام، ويقال كذلك أنّ اسمها من عبارة “شَكِرَ الضَّرْعُ” بمعنى امتلأ باللّبن، بسبب كمية اللّبن الكبيرة فيها. (~معجم الغني) وقد يكون هذا هو سبب تسميتها “لبن إمّو” في شمال فلسطين.
في حلب تسمّى الشاكرية اليوم “أرمان بلبن”، وفي بادية الشام تسمّى “مليحيّة” و “معرّگة” (معرّقة)، وفي حوران شكلها “منسف مليحي” إلى جانب الشكل التقليدي. وفي تونس تسمّى “برزقان”.
شاكرية وجميد وعكيكة
والتقليد الأوّل في طبخها أن يُطبخ اللّبن الرائب بهدوء كي تزداد الحموضة فيه ويتكثّف ثمّ يُسقط فيه اللّحم المسلوق سلفاً. في فلسطين يسمّى الناتج عن هذه العملية لبن معقود أو لبن إمّو. وفي جَنُوب الشام (حوران والمملكة الأردنية) يفضّل الناس استعمال الجميد (قروت، كشك)، حليب مخمّر محضّر سلفاً ومجفّف، ثم يُذاب لطبخ الشاكريّة. وطعمه فعلاً من نعم جنّة السماء. ويستعمل بعض أهل الجزيرة العليا صنفاً آخر من الكشك (جشچ) يُفرك فيه اللّبن الرائب مع البرغل قبل التجفيف.

أشهر الطرق الحورانية والأردنية المعاصرة لتطبيق هذا الطبق:
- تبدأ بنقع قطع الجميد في الماء ليلة حتّى يلين ويعود لبن رائب.
- ثمّ يُضربّ لتنعيمه.
- وفي قدر آخر يُغلى اللّحم لمدّة ١٠ إلى ١٥ دقيقة وترمى عنه رغوة الزفرة، ثمّ يترك على حرارة متوسّطة ساعتين.
- يوضع قدر اللّبن الرائب على حرارة هادئة مع التحريك المستمرّ إلى أن يبدأ بالغليان.
- تنزّل قطع اللّحم في اللّبن الرائب وتترك على أضعف حرارة لمدّة ٣٠ إلى ٤٥ دقيقة.

- إذا كان في تتبيلة طبخ اللّحم بصل وكركم وقرفة وهيل وفلفل أسود وملح، سُمّيت منسف. وليس في لبنها تتبيلة.
- إذا كان في تتبيلة طبخ اللّبن الرائب ثوم وكزبرة ناشفة، سُمّيت شاكريّة. وتكون تتبيلة لحمها بصل وفلفل أسود وملح فقط.

بكلّ حال، يعثر الباحث بالمقارنة على وصفة بدوية في تراث الشام تسمّى العكيكة. والعكيكة لا تتضمّن اللّبن الرائب في مكوّناتها، بل هي طهو اللّحم بكثي مخيض الحليب، وهو مفهوم يساير بعض التقاليد الغذائية القديمة في المنطقة العربية.
والكثي أو الهكط أو أبو شحادة هو السائل المتبقي بعد استخراج الزبدة من اللّبن المخيض في الشكوة. أي: لبن في شكوة => مخيض => عك => زبدة + كثي.
في التراث العربي والإسلامي القديم، العديد من الأطباق التي تعتمد على اللّبن ومشتقّاته، وكذلك على لحم الضأن أو البقر. مخيض اللّبن، أو الكثي، كان يُستخدم بشكل شائع في الطبخ والتخزين بسبب خصائصه الحافظة والنكهة الفريدة التي يضفيها على الأطعمة.
ووصفة العكيكة الشامية تبدأ بطبخ جريش القمح في الكثي حتى يتسامك السائل بنشاء القمح. وفي قدر آخر يُسلق من الضأن لحم السرسبة أو الرقبة، ثمّ يُغسل في الماء البارد ويوضع في الكثي المُسمّك فيترك لثماني ساعات على حرارة الغرفة. وفي بيئة حارّة تكون حرارة الغرفة بين ٣٠ و ٤٠ درجة مئوية. ثمّ تُسخّن وتُقدّم.
هذا العملية لها أثر كبير على اللّحم بتفاعله مع مكوّنات الكثي، وذات فائدة لجسم الإنسان. بداية، بسلق اللّحم في الماء تتكسّر البروتينات اللّحمية إلى ببتيدات وأحماض أمينية أصغر. ثمّ بنقع اللّحم المسلوق في الكثي المسمّك بنشاء القمح، يحدث تفاعل تبادل أيوني بين مركّبات اللّحم والمواد المتواجدة في الكثي، مثل الأحماض العضوية والملح وسكّر النشاء. هذا التفاعل يعزّز من مذاق اللّحم. إذ، نتيجة لتفاعل البروتينات مع المواد المعدنية في الكثي، تتشكّل أملاح اللّحم التي تساهم في تعزيز النكهة وتوازن الطعم.

من البيت العبّاسي
وإذا راجعنا كتاب “الطبيخ وإصلاح الأغذية المأكولات وطيّبات الأطعمة المصنوعات” الذي تركه لنا ابن سيار الوَرَّاق من عام ٩٤٠ ميلادية، نعثر بالعديد من وصفات اللّبن، إلى جانب عدّة من وصفات ثريد اللّحم التي فيها لبن أو فيها طبخ اللّحم في اللّبن. بالإضافة إلى وصفة “التنّورية” ووصفة “جواذبة مطبوخة”، اللاتي تطبخن داخل تنّور.
وفي قراءة وصفات كتاب طبيخ القرن العاشر، ينبغي الانتباه إلى أنّ مفرداته تلتزم المعاني التي قدّمها الفراهيدي في كتاب العين في القرن الثامن. وقد تختلف عن المعاني المعاصرة.
الوصفة الأقرب إلى الشاكرية في كتاب الطبيخ القديم هي “المضيرة المعقودة”، وفيها يُعقد اللّبن بالطبخ:
- تأخذ اللّبن على مقدار اللّحم، وليكن حامضاً متوسّط الحموضة، فإن كان شديد الحموضة، فليكن ثلثاه حامضاً وثلثه حليباً.
- ثم توقد تحته بنار ليّنة، ثم تنزله وتغطيه. وتصبر عليه ساعةً، فينزل اللّبن إلى أسفل، ويصعد الماء إلى فوق، فتصفّي الماء عنه، وتتركه ناحية.
- ثم تأخذ اللّحم من الكتف والقصيري وتقطعه لطيفاً، وتغسله، وتسلقه سَلْقةً خفيفةً إن كنت مستعجلاً. ثم تخرجه من القدر، وتغمره في ماء بارد، وتنشّفه.
- فإذا سال عنه الماء، وضعت القدر التي فيها اللّبن على النار، بعد أن تطرح اللّحم فيه. وتوقد تحته بنار ليّنة، حتى إذا غلى غليتين، طرحت فيه باقةَ نَعْنَعَ، فإذا انْعَقَدَ فرش عليه قليلاً قليلاً من ذلك الماء المصفّى منه قبل.
- وامسح حول القدر واتركه على الجمر، ولا تطرح فيها من الأبزار إلا الكمّون وَحْدَه. ثم أخرج النَّعْنَع متى اسودّ، فاطرح (على السطح) مع الكمّون كزبرة يابسة.
ومن وصفات اللّبن الشبيهة بالشاكرية في كتاب الطبيخ القديم “الحنطيّة المثلّثة”، وفيها حليب غير رائب، مع القمح المقشور:
- يُطبخ اللّحم الأحمر والسمين، بالقمح المقشور حتى ينضج من غير أن يتهرى؛ لألّا ينطحن، وتطرح فيه قِطَعاً من دارصيني، وخُولنجان مشدوخاً. وربما عملت بقمح أخضر فريك.
- وصُبّ فيها لبن حليب، وربما خُلط مع القمح الأول لبن حليب بقدر.
- ومن أحبَّ، جعل فيه سكّراً ليس بالكثير.
ومن وصفات اللّبن الشبيهة بالشاكرية كذلك في كتاب الطبيخ القديم “المخلوطة الإسحاقية”، وفيها تعقيد حليب غير رائب:
- تأخذ من أسمن ما تقدر عليه من اللّحم ممّا يلي الخاصرة والجنب والأضلاع، فتقطعه قطعاً لطافاً، ويُغسل غَسْلاً نظيفاً، ويجعل في قدر نظيفة، وتصب عليه وَزْن دِرْهَمَيْن زيت وعود خُولنجان، وعود دارصينى، ووزن دِرْهَم بَياضِ بَصَل.
- فإذا عَرِق، صُبّ عليه نِصْفَ غَمْرِهِ ماء.
- فإذا بلغ نصف نُضْجِهِ، ألقي عليه من اللّوبياء البيضاء التي ليس فيها شيء من الأحمر والأسود، ليكون نضج اللّوبياء بتمام نُضج اللّحم.
- ثم تلقي عليه من الأرز النقي مثل اللّوبياء مرّة ونصف، وتصبّ عليه من اللَّبَن الحليب غَمْرَه. وكلّما نشف زيد عليه لبن حليب حتى يرتوي ويَنْعَقِد.
- ولتُكثر تعاهد القدر لئلا تحترق،
- وتصبّ فيها مِقدار أُوقية دهن الألية، وتحرّكها به، وتلقي فيها من الملح بقدر الحاجة، وسكّنها على النار،
- واغرفها، وقدّمها، إن شاء الله.

في أصل اللّبن وتعريفه
ممّا وجدت بالتنقيب أنّ تخمير اللّبن الحليب من أقدم طرق حفظ الأغذية التي عرفها الإنسان. ومع ذلك، من الصعب تحديد تاريخ دقيق لأول تسجيل لعملية تخمير الحليب، نظراً لقدم هذه الممارسة.
يعتقد الآثاريّون أن تخمير الحليب بدأ مع بداية تدجين الحيوانات وقبل ممارسة الزراعة، والتي حدثت قبل حوالي 10,000 إلى 12,000 سنة. ومع ذلك، فإن أقدم الأدلّة المادّية الملموسة على إنتاج منتجات الألبان المخمّرة تعود إلى فترة أحدث من ذلك.
هناك أدلّة تشير إلى أنّ أهل العراق والخليج العربي خمّروا اللّبن الحليب في العهد السومري. وكانت ازدهرت الثقافة السومرية في بلاد ما بين النهرين (العراق الحالي) من حوالي 4500 إلى 1900 قبل الميلاد. وكان أهل المنطقة من أوائل الحضارات التي مارست تربية الماشية على نطاق واسع، ممّا وفر لهم إمكانية الحصول على الحليب بكمّيّات كبيرة.
عُثر على نصوص مسمارية تشير إلى استخدام الحليب ومنتجات الألبان في الحياة اليومية والشعائر الدينية. وهناك إشارات في النصوص السومرية إلى منتجات مثل الزبدة واللّبن الرائب، ممّا يدلّ على معرفتهم بتقنيّات تخمير الحليب. واستخدم أهل المنطقة منتجات الألبان المخمّرة في الطعام وكذلك في الطبّ.
مع أنّ التفاصيل الدقيقة لتقنيّات التخمير من العهد السومري غير معروفة بالكامل، إلا أن الأدلّة تشير إلى أنّهم طوّروا طرقاً للحفاظ على الحليب وتحويله إلى منتجات قابلة للتخزين.
في وادي النيل، تشير الأدلّة بقوّة إلى ممارسة تخمير الحليب وصناعة الأجبان في مصر القديمة منذ فترة مبكرة جداً. إذ اكتشف الآثاريّون بقايا جبن في أوعية فخارية داخل مقابر مصرية قديمة يعود تاريخها إلى حوالي 3000 قبل الميلاد. هذا يدلّ على تقدير صناعة المصريّين القدماء للجبن.
تحتوي جدران المعابد والمقابر على نقوش تصوّر عمليّات حلب الماشية وتصنيع منتجات الألبان. يرجع تاريخ بعض هذه النقوش إلى عصر الدولة القديمة (حوالي 2686-2181 قبل الميلاد). وتحتوي بعض البرديات والنقوش الصوَريّة (الهيروگليفية) على إشارات لاستخدام الحليب ومنتجات الألبان في الحياة اليومية والشعائر الدينية.
عثر الباحثون كذلك على أوعية فخّارية مثقّبة يُعتقد أنّها خدمت في صناعة الجبن. تسمح هذه الأوعية بتصفية مصل اللّبن من الجبن المتخثر. كما أعلن علماء الآثار في عام 2018 عن اكتشاف ما يُرجّح أنّه أقدم جبن صلب في العالم، في مقبرة بمنطقة سقّارة في مصر. يرجع تاريخ هذا الجبن إلى حوالي 3200 عام.
شكّل الحليب ومنتجات الألبان جزءاً مهمّاً من النظام الغذائي المصري القديم. كما استخدمها المصريون في القرابين للآلهة وجزء من الطعام الجنائزي. ورغم غياب الوصفات المفصّلة، تشير الأدلّة إلى تطوير المصريّين القدماء لتقنيّات متقدّمة في تخمير الحليب وصناعة مجموعة متنوّعة من منتجات الألبان. وتؤكّد هذه الأدلة على رسوخ ممارسات تخمير الحليب وصناعة الأجبان في مصر القديمة منذ فترة مبكرة جدّاً، ودورها المهم في الحياة اليوميّة والثقافة المصرية القديمة.
ومن الأدلّة الأثرية القديمة على استخدام منتجات الألبان في هذا العالم:
- اكتشاف بقايا دهون الحليب على أواني فخّارية في شمال أفريقيا، يعود تاريخها إلى حوالي 7,000 سنة قبل الميلاد.
- أدلّة على إنتاج الجبن في پولاندا تعود إلى حوالي 5,500 سنة قبل الميلاد.
- اكتشافات في آسيا الوسطى تشير إلى استهلاك الحليب المخمر (مثل الكفير أو اللّبن الرائب) منذ حوالي 3,500 سنة قبل الميلاد.
من المهم ملاحظة أن هذه التواريخ تمثل الأدلة الأثرية المكتشفة حتى الآن، وقد تتغيّر مع اكتشافات جديدة.
وممّا أعرفه من أسماء الألبان القديمة:
- في السومرية، الحليب واللّبن قَ أو قَه 𒂵 وكان اللّفظ بالقاف المجلجلة گيم
- في الأگّدية، اللّبن الحليب شِزبُ 𒅆𒍢𒁍 واللّبن الرائب إيمشُ 𒂗𒍮
- في المصرية القديمة، اللّبن الحليب إرطت 𓇋𓂋𓏏𓏏 واللّبن الرائب سخپت 𓋴𓐍𓊪𓏏
- في الآرامية، اللّبن الحليب حلب أو حلبه חלבא واللّبن الرائب قوطا קותא
- في السريانية نفس الأسماء الآرامية بلحن سريانية، حلباء ܚܠܒܐ و قوطاء ܩܘܬܐ
- في الفينيقية اللّبن الحليب حلب 𐤇𐤋𐤁
أسماء الألبان المعاصرة
اليوم، تتداول المجتمعات العربية كلمات حليب، لبن، زبادي، رائب، روب، خاثر، أقط… وغيرها، بمعان تختلف وتتنوّع من بلد عربي إلى آخر. هذا التنوّع حميد على عادة التنوّع الحيّ في كلّ تاريخ العرب. لكن، بتنوّع هذه المعاني قد تضّطرب قراءة كتب التراث العربي.
وللوصول إلى التعريف الدقيق لكلمة اللّبن في اللّغة العربية نعود إلى القرن الثامن، وإلى كتاب العين للفراهيدي، حيث نقرأ فيه:
اللَّبَنُ: خلاص الجَسَد، ومُستخلصه من بَيْن الفَرْث والدّم، وإذا أرادوا الطّائفة القليلة قالوا: لَبَنَة. وناقة لَبُون مُلْبِن، قد أَلْبَنَتْ، إذا نزل لبنُها في ضَرْعها، وإذا كانت ذاتَ لَبَن في كلّ أحايِينها فهي لَبُون. وكلُّ شَجَرةٍ لها ماء أبيض فهو لبنُها. واللَّبانُ: الصَّدْر. وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال الخديجة ما يُبْكيكِ، فقالت: درّت لَبَنَةُ القاسم فذكرته. واللُّبْنَى: شجرةٌ لها لَبَنٌ كالعَسَل، يقال له: عَسَل لُبْنَى.
باب اللام والنون والباء، كتاب العين، أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي البصري (ت ١٧٠هـ)
حلب: عَناق تُحْلُبَةٌ أي: بِكْرٌ تُحْلَبُ قبل أن يَفْسُدَ لبنُها. أي: قبل أن تحمل، لأنها إذا حملت فسد لبنها. والحَلَبُ: اللَّبَن الحليب، والحِلابُ: المِحْلَبُ الذي يُحْلَبُ فيه، والإِحلابُ من اللَّبَن يَجْتَمِعُ عند الراعي نحو من الوَسْقِ فيُحْمَلُ إلى الحي. فأمّا في الشّاءِ والبَقَرِ فيقال: جاءوا بإِمخاضٍ وإمخاضَيْن وثلاثةِ أَماخيضَ، لأنّه يُمْخَضُ فيخُرُج زُبْده، ولا تُمْخَضُ ألبانُ الإبِل. وناقةٌ حَلُوب: ذاتُ لَبَنٍ، فإذا صَيَّرتَها اسماً قُلْتَ: هذه الحَلُوبةُ لفلان، وقد يُخْرِجُونَ الهاءَ من الحلوبة وهم يعنونها
باب الحاء واللام والباء معهما، كتاب العين، أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي البصري (ت ١٧٠هـ)
روب: الرّائب: اللَّبَنُ كَثُفَتْ دُوايَتُهُ، وتكَبَّدَ لَبَنُهُ وأَتَى مَحضُهُ. وقال أهلُ البصرة وبعضُ أهل الكوفة: هذا هو المُرَوَّب، فأما الرّائب فالذّي أُخِذَ زُبْدُهُ. والمِرْوَبُ: وعاءٌ أو إناءٌ يَرَوَّبُ فيه اللَّبَن. والرَّوْبةُ: بقيّةٌ من لَبَنٍ رائب تُتْرك في المِرْوَب كي يكون إذا صُبّ عليه اللَّبنُ أَسرَعَ لرَوْبِهِ.
باب الراء والباء و (وا يء) معهما، كتاب العين، أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي البصري (ت ١٧٠هـ)
خثر: خَثَرَ الشيء يَخْثُرُ خُثُورةً، وخُثارتُه: بقيّته.
باب الخاء والثاء والراء معهما + باب الطاء والثاء والراء معهما، كتاب العين، أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي البصري (ت ١٧٠هـ)
طثر: لبن خاثر طاثر، أي: عَكِرٌ. وطَثَر اللّبن: زبَّد.
أقط: واحدةُ الأقِطِ أقِطةٌ، وهو يتخذ من اللّبن المخيض، يطبخ ثم يترك حتى يمصل
باب القاف والطاء و (وا يء) معهما، كتاب العين، أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي البصري (ت ١٧٠هـ)
بناء على المعلومات التي سجّلها الفراهيدي في القرن الثامن الميلادي، نفهم أنّ:
- الحليب هو اللّبن الطازج المحلوب من الحيوان. ويقال “لبن حليب” أو “حلب”.
- اللّبن هو خلاصة الجسد، مستخلص من بين الفرث والدم. وهو السائل الأبيض الذي تنتجه الحيوانات اللّبونة. بالإضافة إلى أنّ لبن الشجر خلاصته.
- اللّبن الرائب (المُرَوَّب) هو اللّبن الذي تكثّفت مكوّناته بالتخمّر وأصبح أكثر حموضة وسماكة.
- الروبة بقية صغيرة من اللّبن الرائب تُحفظ في وعاء خاص. تُستخدم لتسريع عمليّة تخثّر اللّبن الجديد عند إضافته إليها.
- الخاثر هو السائل الناتج أو المتبقّي عن سحب الزبدة من اللّبن الحليب.
- الأقط هو الناتج عن طبخ مخيض اللّبن الحليب، دون المصل. أي أنّه جبن المخيض.
وكان من عادات بعض قدامى العرب، أنّهم كانوا يملؤون معدة الضأن باللّبن ثمّ يربطنها إلى خصورهم، فتتكفّل الساعات وحرارة أبدانهم بتخمير هذا اللّبن وترويبه.
في الواقع، هذه العملية كانت تقوم بتخمير سكّر اللاكتوز بواسطة بكتيريا حمض اللاكتيك الموجودة طبيعياً في معدة الضأن، فيتروّب إلى حمض اللاكتيك. بالإضافة إلى ذلك، انخفاض درجة الحموضة يؤدّي إلى ترسيب بروتينات الحليب، خاصة الكازين، ما يؤدّي إلى تكوين خثرات وتغيير قوام الحليب من سائل إلى شبه صلب. إضافة إلى أنّ الأنزيمات الموجودة في معدة الضأن (مثل الرينين) تساعد أيضاً في عملية تخثر البروتين وتحليله جزئياً.
هذه العملية الطبيعية تنتج منتجاً يشبه اللّبن الرائب أو الجبن الطري، اعتماداً على مدّة التخمير ودرجة الحرارة. استخدام معدة الحيوان كوعاء للتخمير تقنية قديمة استُخدمت في العديد من الثقافات لصنع منتجات الألبان المخمرة. مثلاً ورد ذكرها في أويسة هوميروس (قـ٨ ق.م) حين يصف صنع پالوفيماس Πολύφημος للجبن، مشيراً إلى استخدام المنفحة (پويتيّة πυετία) المستخرجة من معدة الحيوانات الصغيرة. وأريستوطل (قـ٤ ق.م) في كتابه “تاريخ الحيوانات”، يذكر استخدام المَنْفَحَة من معدة الحيوانات المجترّة في تخثير الحليب.⠀
اليوم، يمكن تكرار نفس العملية بتقنيّة حديثة، نطبّقها بتسخين الحليب إلى درجة ٤٠ مع الحفاظ على هذه الحرارة لحوالي ٨ إلى ١٦ ساعة، مع إضافة الروبة، السائلة أو المجفّفة. المزيد من ساعات التخمير تسمح لنا بالحصول على نكهة حموضة أعلى. وهنا نصل إلى خمرة المقال.
خمرة المقال
البهجة الأصلية والنكهة المميّزة لطبخة الشاكرية في الأساس تأتي من التحوّلات الكيميائية التي تصيب لحم الضأن المسلوق إذا نُقع لوقت طويل في اللّبن الرائب. وسماكة هذا اللّبن هي في الأساس نتيجة لتعقيده، أي تكثيفه بتبخير الكثير من مائه بالصبر والطبخ اللّيّن.
اليوم، كلّ المحاولات التي تتضمّن إضافة بيض أو نشاء إلى اللّبن الرائب في أثناء طبخ الشاكرية بسرعة، لا علاقة لها بالوصفة الأصلية، ولا تمنحنا المذاق الأصلي للشاكرية. إذ أنّ طهي اللّبن الرائب بالحرارة العالية يسمّى تجبين اللّبن أو تخثيره. عند استمرار التسخين، ينفصل السائل (الذي يُعرف بالمصل أو شرش اللّبن) عن الكتلة المتخثّرة. وهذه هي أولى مراحل صناعة جبنة گاودا الهولاندية مثلاً.
لهذا، طريقة طبخ الشاكرية في أغلب المدن السورية المعاصرة تنتج لحم بصلصة من الجبن المطبوخ مع البيض، وهذا ليس لبناً مطبوخاً ولا معقوداً.
اللّبن المُرَوَّب يحتوي على بروتينات، مثل الكازين ومصل اللّبن (شرش اللّبن). وعند تسخين اللّبن الرائب، تتعرّض هذه البروتينات إلى تغييرات هيكلية تُعرف بتخثر البروتينات. إذ إنّ الحرارة تسبّب انهيار الروابط الثانوية والثالثية في البروتينات، ممّا يؤدّي إلى انكشاف المواقع النشطة على سطح البروتين. البروتينات المكشوفة تتجمّع مع بعضها البعض مكوّنة شبكة تتراكم وتنمو في كلّ الاتجاهات، ممّا يؤدّي إلى تكوّن كتلة صلبة تُعرف بالخثارة.
اللّبن الرائب يحتوي على حمض اللاكتيك الذي ينتج من تخمير سكّر اللاكتوز بواسطة بكتيريا حمض اللاكتيك. والحمض يتفاعل مع البروتينات، ممّا يزيد من تخثّرها ويسرّع عملية التجبين. وما يحدث هو تكوّن مادّة تشبه الجبن وتُسمى بالخثارة، ويمكن اعتبارها نوعاً من أنواع الجبن الطازج. هذه العملية تشبه إلى حدّ بعيد الطريقة الأوروپية التقليدية لصنع الجبن.

وبهذا يكون تعريف صفة الشاكريّة الأصلية بأنّها لحم ضأن مسلوق ببطئ ومنقوع لمدّة طويلة في إحدى مشتقّات اللّبن الحليب. الرائب أو الخاثر أو المعقود.
تحديث وصفة الشاكرية الأصلية
في عصرنا الراهن، يمكن الحصول على نكهة الشاكرية الأصلية بسهولة، مع أي نوع من أنواع اللّحم. إذ أنّ تطوّر التقنية الحديثة سهّل هذه العملية.
نكهة الشاكرية الأصلية في الأساس هي عنصرين، يحدث بمجموعهم الحصول على النكهة الرائعة المرغوبة. وهنّ:
- نكهة تخمير اللّبن الرائب،
- ونكهة اللّحم المتخمّر في روبة اللّبن (شرشه أو بدنه).
لصناعة النكهة الأولى يمكن تخمير اللّبن الحليب على درجة ٤٠ ثابتة لمدّة ١٦ ساعة أو أكثر. لترويبه وتخميره. ثمّ، يبرّد الروب الناتج في البرّاد (الثلاجة) لمدّة ساعتين، فيتكاثف.
لصناعة النكهة الثانية نصنع أوّلاً شرش اللّبن بتصفية اللّبن الرائب في البرّاد (الثلّاجة) لمدّة تزيد عن ٢٤ ساعة. حرارة البرّاد حوالي ٥ درجات مئوية، تبطئ تخمير اللّبن وتمنع تبدّد درجة حموضته اللّذيذة بالحذاقة.
ثانية، نسلق اللّحم في شرش اللّبن. وسلق اللّحم هنا يكون على درجة حرارة ٨٠ مئوية لمدّة تتراوح بين ٤ إلى ١٠ ساعات حسب نوع وحجم اللّحم الذي يتم طهيه. ويمكن تطبيق هذا بسهولة في آلات الطبخ البطيء.
- قطع اللّحم الصغيرة مثل الدجاج أو الضأن أو قطع اللّحم البقري الصغيرة تحتاج من ٤ إلى ٦ ساعات.
- قطع اللّحم الكبيرة مثل كتف أو فخذ الضأن أو قطع اللّحم البقري الكبيرة قد تحتاج من ٨ إلى ١٠ ساعات أو أكثر.
هذا الطبخ البطيء يسمح بتكسير الأنسجة الضامّة في اللّحم وبتطريته وبإغنائه بالنكهة. ولتحسين نكهة الشاكرية بعد جمع قطع اللّحم المسلوقة باللّبن الرائب، تذاب قطع من دهن الضأن وتمزج باللّبن الرائب مع تسخين ليّن، قبل تنزيل اللّحم فيه.
إنّ البحث في تاريخ الشاكرية وتقنيّات إعدادها يكشف لنا عن غنى التراث الغذائي العربي وعمق صلته بالثقافة والبيئة. بواسطة هذا التنقيب، توصّلنا إلى إدراك أفضل للتحوّلات الكيميائية الدقيقة التي تمنح الشاكرية مذاقها الفريد، وكيف أنّ الممارسات التقليدية في طبخها كانت تعتمد على حكمة موروثة تشايع أحدث المعارف العلمية. كما أنّ تطوير وصفة محدّثة للشاكرية، تحافظ على أصالتها مع مراعاة التقنيّات الحديثة، يفتح الباب أمام إحياء هذا الطبق التراثي وتقديمه لأجيال جديدة. في الختام، تبقى الشاكرية شاهداً على قدرة المطبخ العربي على الجمع بين التقاليد والابتكار، وعلى أهميّة الحفاظ على التراث الغذائي كجزء أساسي من الهويّة الثقافية.
مراجع
- Salque, M. et al. (2013). Earliest evidence for cheese making in the sixth millennium BC in northern Europe. Nature, 493(7433), 522-525.
- Evershed, R. P. et al. (2008). Earliest date for milk use in the Near East and southeastern Europe linked to cattle herding. Nature, 455(7212), 528-531.
- Banning, E. B. (2011). So Fair a House: Göbekli Tepe and the Identification of Temples in the Pre-Pottery Neolithic of the Near East. Current Anthropology, 52(5), 619-660.
- Dunne, J. et al. (2012). First dairying in green Saharan Africa in the fifth millennium BC. Nature, 486(7403), 390-394.
- Warinner, C. et al. (2014). Direct evidence of milk consumption from ancient human dental calculus. Scientific Reports, 4, 7104.
- Burger, J. et al. (2007). Absence of the lactase-persistence-associated allele in early Neolithic Europeans. Proceedings of the National Academy of Sciences, 104(10), 3736-3741.
- Itan, Y. et al. (2009). The Origins of Lactase Persistence in Europe. PLoS Computational Biology, 5(8), e1000491.
- Outram, A. K. et al. (2009). The Earliest Horse Harnessing and Milking. Science, 323(5919), 1332-1335.





اترك رد